|
الدولة الفلسطينية ليست هي القضية..
ولن تكون الحل!
أ. شحادة موسى
تمهيد:في
الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني التي عقِدت في الجزائر في
شهر نوفمبر 1988 ، جرى الإعلان عن القبول بقراري مجلس الأمن
رقم 242 و338 كما أعلِن عن قيام "دولة فلسطين" فوق الأرض
الفلسطينية . و يمكن اعتبار ذلك التاريخ بداية التركيز العلني
على إقامة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ،
كهدفٍ نهائي للنضال الوطني الفلسطيني في مرحلته الحديثة؛
وبالتحديد مرحلة الكفاح المسلح الذي بدأ عام 1965 . وبعد اتفاق
أوسلو عام 1993، ارتفعت وتيرة هذه الدعوة لتتحول إلى شعار
يتردد مثل "اللازمة" في كل مناسبة يتطرق فيها الحديث إلى
الصراع العربي – الإسرائيلي، وبما يوحي بأن حلّ هذا الصراع
يكمن في إقامة الدولة الفلسطينية. ويستخدم الرئيس الفلسطيني
محمود عباس، في العادة، عبارة حلّ الدولتين وفق رؤية الرئيس
الأمريكي بوش ، لتوضيح المقصود بهذه الدولة ، التي يؤذن قيامها
بنهاية الصراع ، وتحقيق أماني الشعب الفلسطيني!
نعتقد أن في هذا الطرح كثيراً من التبسيط والاختزال لطبيعة
الصراع مع العدو وللقضية الفلسطينية في ماضيها وحاضرها . لقد
عصفت بالساحة الفلسطينية منذ "أوسلو"خلافات داخلية ،وصلت إلى
حد القتال الدموي الذي تجدد وتوسّع مؤخراً (حزيران 2007) بين
حركتي فتح وحماس في قطاع غزة. والنظرة الموضوعية إلى أسباب هذه
الخلافات وتداعياتها ، لا يمكن ان تستبعد ارتباطها "بأطروحة"
الدولة وانعكاساتها العملية.
ومن المتوقع الآن، في ضوء تطورات الصراع بين فتح وحماس، أن
تهيمن مسألة الدولة كحلٍ نهائي للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ،
وكعنوان للمشروع الوطني الفلسطيني ، على المطالب الفلسطينية
والموقف العربي، في اطار المساعي السياسية التي ستُبذل
لاستئناف ما يسمى بعملية السلام وهي بدأت فعلاً!
ما ذكِر يفرض العودة إلى البدايات والتذكير بالأسس ، التي
يُخشى أن يؤدي تناسيها إلى مزالق خطيرة تتخفى وراء الإثارة
العاطفية " للدولة – الحلم".
القضية:
لا ينشأ خلاف أو صراع إلا بسبب مشكلة . ومن المعروف أنه لا حلّ
لمشكلةٍ ما ،قبل معرفة أسبابها والظروف المحيطة بها وتحليلها
للوصول إلى اتخاذ قرار بشأنها . فما هي المشكلة التي نشأ
بسببها الصراع العربي- الإسرائيلي ؟ وماهي القضية التي يرى
الفلسطينيون انها تمثل حقوقهم التي يتمسكون بها ويرفضون
التنازل عنها ؟وهل شكّلت مسألة الدولة الفلسطينية عنصراً من
عناصر الصراع الفلسطيني – الصهيوني (الإسرائيلي فيما بعد)، أو
كان لها صلة به من قريب أو بعيد؟
تؤكد الوقائع التاريخية ، أن النزاعات التي ثارت من أجل قيام
العديد من الدول الحديثة ، نشأت لسببين أو في حالتين : تمثلت
الأولى في محاولة الشعوب التي خضعت للاستعمار أو الحكم الأجنبي
الخلاص من هذا الحكم وتشكيل دولة مستقلة ؛ وتمثلت الثانية في
نزوع الجماعات التي ترى ان لها مكوّنات وهوية خاصة مستغرقه في
كيان كبير، إلى الانسلاخ عن هذا الكيان وتأسيس كيان سياسي خاص
بها. فهل عرف الفلسطينيون في تاريخهم الحديث أياً من هاتين
الحالتين؟
من البديهي القول ، فيما يتعلق بمسألة الهوية ، أن الفلسطينيين
لم يعرفوا هذه الحالة . ولم تكن حركتهم السياسية في يومٍ من
الأيام تعبيراً عن أقلية عرقية أو طائفية ، وإنما كانت حركة
شعب لمقاومة الغزو والمحافظة على الوطن؛ وفي مرحلة لاحقة، صارت
حركة من أجل تحرير هذا الوطن واستعادة عروبته ؛ والمحاولات
التي جرت بعد نكبة عام 1948 لإبراز الكيان الفلسطيني إنما جاءت
في إطار ردّ الاعتبار لكيانٍ تم تدميره ، و دحض المزاعم
الصهيونية بأن فلسطين كانت أرضاً خلاء.
وفيما يتعلق بالحالة الثانية، أي التخلص من الحكم الأجنبي
وإقامة الدولة المستقلة ، فإن مثل هذا الهدف لم يكن من
أولويات الحركة الوطنية الفلسطينية . فقد خضعت فلسطين للحكم
العثماني مثل غيرها من الولايات العربية ؛ وشارك الفلسطينيون
في الجمعيات العربية الاستقلالية التي تشكّلت في أواخر ذلك
العهد ، كما شاركوا في ثورة الشريف حسين ضد الأتراك عام 1916 .
وكان هدف الجمعيات والثورة ، كما هو المعروف تاريخياً ،
استقلال العرب في دولة واحدة . والفلسطينيون بالذات ، كان لهم
موقف متميّز عندما جرى تقسيم المشرق العربي إلى كيانات سياسية
تحت الانتدابين البريطاني والفرنسي. فقد رفض الفلسطينيون هذه
التجزئة وأصرّوا على بقاء فلسطين جزءاً من سوريا.
خضعت فلسطين للحكم البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى وحتى
عام 1948 . وخلال تلك الفترة، تدفقت الهجرة اليهودية إلى
فلسطين ، وخاض الفلسطينيون سلسلة من النضالات السياسية ،
والصراعات الدموية مع اليهود والانجليز ( قدّر عدد اليهود في
فلسطين في نهاية الحرب العالمية الأولى بنحو 57 ألف نسمة) ؛
وكان الهدف الرئيسي للفلسطينيين هو وقف الغزو الصهيوني المتمثل
بالهجرة اليهودية . ولم تمانع القيادة الفلسطينية، وهي في عز
ِّ قوّتها إبان ثورة عام 1936 ، من استمرار الحكم البريطاني
إذا تعهدت بريطانيا بوقف الهجرة اليهودية . وفي الوقت نفسه
رفضت القيادة المشاركة في جميع أشكال السلطة التي عرضتها
بريطانيا ، لأن تلك السلطة لم يكن لها صلاحية البحث في الهجرة
اليهودية .
وهكذا كانت القضية قبل نكبة 1948 تتمثل في مجابهة الغزو
الصهيوني والحفاظ على عروبة فلسطين . ولم تكن السلطة بحد ذاتها
مطلباً ذا أولوية وطنية.
بعد النكبة
: أحدثت نكبة 1948 تغيِِّراً جوهرياً في طبيعة المشكلة . فقد
استطاعت الحركة الصهيونية في ذلك العام أن تستولي بالقوة على
معظم أراضي فلسطين وتطرد أهلها منها، وتقيم عليها "دولة
إسرائيل ". فيما فقد الفلسطينيون أرضهم وأصبحوا لاجئين في
الدول العربية المجاورة . وآنذاك شهدت الأراضي الفلسطينية التي
بقيت خارج الاحتلال ، حدثيْن هامّين على صلة بمسألة الدولة:
تمثّلَ الحدث الأول في قيام الهيئة العربية العليا وأنصارها
بتشكيل حكومة عموم فلسطين في غزة (23/9/1948) ؛ ثم دعوتها إلى
مجلس وطني عقِد في غزة في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 1948
وأعلن استقلال فلسطين كلها وإقامة دولة حرة ديمقراطية ذات
سيادة. . وقد اعترفت بالحكومة ثلاث دول عربية هي السعودية
وسوريا ولبنان.
والحدث الثاني تزامن مع الحدث الأول حيث دعا الأمير عبدالله،
أمير شرق الأردن ، إلى مؤتمر عقِد في عمان لرفض نتائج مؤتمر
غزة . ثم عقد مؤتمر في أريحا في الأول من كانون الأول /
ديسمبر، تم الإعلان فيه عن وحدة الأراضي الفلسطينية والأردنية
ومبايعة الأمير عبدالله ملكاً عليها. واستجاب الملك فاروق
لمساعي عبدالله وأمر السلطات المصرية بنقل الحاج أمين الحسيني
إلى القاهرة واتخاذ إجراءات أخرى ، وتحولت حكومة عموم فلسطين
إلى هيئة شكلية.
واذا نحّينا جانباً الملابسات والاعتبارات الخاصة وراء هذين
الحدثين ، جاز القول بأن الهدف من إعلان الدولة في غزة كان
الحفاظ على صورة فلسطين العربية واسمها ، وأن الهدف من إلحاق
الضفة الغربية بشرق الأردن كان الحفاظ عليها من الضياع .
غير أن هذه التطورات لم تغيّر في جوهر المشكلة بأبعادها
الجديدة المتمثلة في اغتصاب الأرض وتشريد أهلها. ووقف
الفلسطينيون ، في أوضاعهم الجديدة ، يعلنون تمسكهم
بقضيتهم،ورفضوا كل مشاريع التوطين والإسكان والتعويض التي
طرِحت لإنهاء المشكلة، وأصرّوا على المطالبة باستعادة الأرض
وعودة أهلها اليها.
في أواخر الخمسينات بدأت ترتفع أصوات فلسطينية تطالب الدول
العربية بإيجاد " كيان " فلسطيني يعبّر عن القضية الفلسطينية
ويتولى تعبئة الفلسطينين وإعدادهم لمعركة العودة . ثم تبلورت
مسألة الكيان لاحقاً في إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام
1964.
لم يكن هذا الكيان السياسي هدفا بحد ذاته، وإنما كان الهدف
منه، وكما يوحي اسم المنظمة، الاضطلاع بالدور الذي سيناط به
من أجل تحقيق الهدف الوطني وهو استعادة الأرض وعودة أهلها
اليها. وهكذا نصّ الميثاق القومي الفلسطيني ، الذي أقرَّه
المؤتمر الفلسطيني الأول عام 1964 على أن المنظمة" مسؤولة عن
حركة الشعب العربي الفلسطيني في نضاله من أجل تحرير وطنه في
جميع الميادين". وكان من المهام الأساسية التي تصدّت لها
المنظمة إنشاء قوة عسكرية باسم جيش التحرير الفلسطيني.
في العام 1965، حدثت انعطافة تاريخية كبرى في مسيرة النضال
الفلسطيني . ففي ذلك العام انطلق الكفاح المسلح ضد الاحتلال
الاسرائيلي لفلسطين ، مؤكداً بذلك رفض الفلسطينيين لنتائج نكبة
1948 ، ومجسداً تطلعاتهم لحل قضيتهم (اغتصاب الأرض وتشريد
أهلها ) بالتحرير والعودة . ولم تطرح مسألة الدولة السنوات
الأولى من هذا الكفاح . وجرت في أواخر الستينات طرِحت أفكار حل
للمعضلة الفلسطينية- الإسرائيلية من خلال دولة ديمقراطية يعيش
فيها العرب واليهود. وفي أواسط السبعينات طرحت مسألة السلطة
الوطنية بمفهوم ثوري، وذلك بالدعوة إلى إقامة سلطة الشعب
الوطنية المقاتلة على أي جزء يتم تحريره من الأرض الفلسطينية.
وقد جاء ذلك في البرنامج السياسي المرحلي الذي أقره المجلس
الوطني في دورته الثانية عشرة (القاهرة ، حزيران /يونيو1974).
وجاء في هذا البرنامج أيضاً أن منظمة التحرير" تناضل ضد أي
مشروع كيان فلسطيني ، ثمنه الاعتراف ، والصلح والحدود الآمنة ،
والتنازل عن الحق الوطني وحرمان شعبنا من حقوقه في العودة
وتقرير مصيره فوق ترابه الوطني" .
وباختصار ، فقد تمثلت القضية الفلسطينية بعد النكبة في استيلاء
اليهود على معظم فلسطين وطرد اهلها منها، وفي تمسك الفلسطينيين
بحقهم في استرداد أرضهم وعودتهم إليها . ولم تكن الدولة هدفاً
للنضال الفلسطيني ببعديه السياسي والقتالي.
الدولة المستحدثة:
إذا لم تكن فكرة الدولة قائمة على الأسس المتعارف عليها ،
وبالتحديد الهوية الوطنية أو التخلص من الحكم الأجنبي ، ولم
تكن مطلباً شعبياً ، فهل يعني ذلك أن الفلسطينيين لا يريدون أن
تكون لهم دولة ؟ بالتأكيد لا ، ولكنه يعني أن فكرة الدولة
الفلسطينية تستند إلى أساس مختلف ومرتبط بالقضية الوطنية
الفلسطينية، المتمثلة باسترداد الأرض وعودة أهلها إليها .
وبالتالي، فالدولة تقوم بعد تجهيز الأساس ، وتأتي كمحصّلة لحل
القضية الوطنية.
كذلك ، فإن تأخر قيام الدولة لا يعنى عدم إمكانية قيام أشكال
من السلطة قبل انجاز الهدف الرئيسي. وتقدِّم لنا حركات التحرر
الوطني أمثلة عن هذه السلطات مثل الحكومة المؤقته أو حكومة
المنفى التي تعتبر ممثلة لإرادة شعبها وناطقةً باسمه . وقد
مثّلت منظمة التحرير الفلسطينية مثل هذه السلطة، خاصة بعد أن
حازت على اعتراف جميع الدول العربية باعتبارها الممثل الشرعي
الوحيد للشعب الفلسطيني. ( قرار مؤتمر القمة العربية السابع ،
الرباط ، 1974 ) فكيف جرى إذن الانتقال من مرحلة السلطة
المؤقتة إلى مسألة الدولة وجعلها عنوان المشروع الوطني؟
لقد كانت هناك مؤشرات منذ أوائل السبعينيات على وجود مثل هذا
التوجه داخل الحركة الوطنية الفلسطينية ، إلا أن التعبير
العلني عنه حدث في الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني التي
عقِدت في الجزائر في شهر تشرين الثاني / نوفمبر 1988. ففي تلك
الدورة أعلن المجلس " قيام دولة فلسطين فوق أرضنا
الفلسطينية.."؛ وترافق هذا الإعلان مع موافقة المجلس على
"مبادرة سياسية " تقوم على الاعتراف
بقراري مجلس الأمن 242و338، أي الإعتراف بإسرائيل وبسيادتها
على الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل حرب عام 1967. وقد احدث
اعلان "الاستقلال"حماساً عاطفياً داخل المجلس الوطني وفي
اوساط فلسطينية خارجه . ومع ذلك، فالتدقيق في هذا الإعلان
يطرح عدة ملاحظات منها:
* إن الإعلان قد صيغ بالعموميات العاطفية القابلة للتأويلات
المختلفة ، وهي لغة تميّزت بها قيادة منظمة التحرير، على غرار
شعار " ثورة حتى النصر " . فعبارة قيام الدولة على "أرضنا
الفلسطينية " يمكن أن يُفهم منها أنها أرض فلسطين المعروفة،
ويمكن أن يجري تأويلها على أنها أي جزء من ارض فلسطين ، ما
يعني عملياً إمكانية أن تكون هذه الأرض أقل من أراضي الضفة
الغربية وقطاع غزة التي احتلّت عام 1967.
* جرى إعلان الاستقلال من خارج الوطن ومن طرفٍ واحد. والإعلان
من طرف واحد لا يحدث عادة إلا في حالات النصر الحاسم . ولذلك
لم يغيّر الإعلان من واقع الأمر شيئاً ولم تكن له قيمة عملية.
ومن المعروف في تاريخ البلدان التي خضعت للحكم الأجنبي ، أن
إعلان الاستقلال يتزامن مع زوال ذلك الحكم ، ويسجّل الحدث في
التاريخ الوطني. ويجري الاحتفال بمناسبته سنوياً كعيد وطني
لعموم الشعب.
ولكن " الاستقلال الفلسطيني" مختلف عن ذلك ، فلا احد يحتفل به،
وربما اصبح نسياً منسياً قلَّ من يتذكر تاريخ إعلانه.
غير أن مثل هذه التساؤلات والملاحظات سرعان ما تتلاشى ، وتعلو
الدهشة مكانها ، إذا عرفنا أن " الاستقلال " لم يكن هو المقصود
الحقيقي بذلك الإعلان ، وإنما جرى استخدامه للتمويه وتسهيل
تمرير موافقة المجلس الوطني على القرارين 242 و338 ، حتى أخذ
منحى جديداً ومغايراً لنهج المقاومة والكفاح المسلح. ويذكر ذلك
محمود عباس ( ابو مازن) بصراحة حين يقول أن الأساس كان
الاعتراف بالقرارين المذكورين، ولكن " لم يكن بالإمكان صدور
مثل هذه القرارات عن المجلس الوطني دون أن تُطَعمَّ ببعض
القرارات المعنوية التي لا بدّ منها . ولذلك جرى الحديث عن
ضرورة إعلان الاستقلال الفلسطيني... ( محمود عباس ، طريق أوسلو
، ص 41).
وبالفعل ، تبع ذلك مباشرة تصريحات وبيانات لممثلي منظمة
التحرير وياسرعرفات في استوكهولم ( نوفمبر-ديسمبر 1988)، وخطاب
ياسر عرفات في جنيف (13 ديسمبر1988)، تؤكد الاعتراف بقراري
مجلس الأمن 242و 338 ، ورفض وإدانة الإرهاب بكافة أشكاله،
والعمل للوصول إلى تسوية سلمية شاملة بين أطراف الصراع العربي
– الإسرائيلي بما في ذلك دولة فلسطين وإسرائيل ( المصدر نفسه،
ص 44- 56 ). ويقول أبو مازن في تعليقه على الاعترافات الدولية
بالدولة الفلسطينية التي أعقبت ذلك الإعلان ، أن البعض ظن بأن
الاعتراف جاء بناءً على إعلان الاستقلال ولكنهم لم يعرفوا بأن
الموقف السياسي العقلاني ، الذي تضمنته مبادرة السلام
الفلسطينية هو الذي كان وراءَ هذا الاعتراف، وذلك تشجيعاً
لمنظمة التحرير على الاستمرار في هذا النهج ( المصدر نفسه ، ص
41 – 42 ).
هكذا إذن ، من خلال إعلان استقلال زائف ، وبالسرّية والتمويه،
جرى الاعتراف بإسرائيل، والتخلي عن المقاومة، واللهاث نحو
تسوية تؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية في الأراضي التي احتلت عام
1967 . أما الأسلوب الذي اتبّع- وهي ليست المناسبة الوحيدة
التي استخدِمت فيها مثل هذه الأساليب- نشير إلى أن ما يميّز "
السياسة " عند القيادات الثورية المخلصة، هو الصدق مع
جماهيرها، ونسج علاقات مع هذه الجماهير قوامها الاحترام والثقة
المتبادلة . ولقد كان من الأكرم للقيادة الفلسطينية،
واحتراماً للجماهير التي وثقت بها، وقدّمت أغلى التضحيات من
أجل فلسطين، أن تعلن صراحة عن قناعتها بعدم جدوى المقاومة، أو
بعدم قدرتها على مواصلة الكفاح ، وتترك للشعب ان يقول كلمته؛
فلا يجوز اتخاذ قرارات مصيرية بهذا المستوى من وراء ظهر الشعب
. كما أنه من غير المتصور أن يصدر مثل هذا القرار وبذلك
الأسلوب ، إلا عن شعور داخلي بالعجز والفشل ، أو من أجل أغراض
ذاتية بالحصول على "كرسي " للحكم.
ولقد كشفت مجريات الأحداث في السنوات اللاحقة، وخصوصاً في
مفاوضات واتفاق أوسلو، عن وجود استعداد للقبول بما هو دون
الدولة ، بالمعنى المعروف للدولة كهيئة حاكمة ذات سيادة على
اقليم شعبها . فالاتفاق لم يعالج أياً من القضايا الجوهرية ،
ولم يتضمن شيئاً عن الدولة أو السيادة أو حق تقرير المصير،
وأحال كل ذلك إلى مفاوضات المرحلة النهائية. ولم يعط
الاتفاق أكثر من سلطة حكم ذاتي على السكان.
بالرغم من ذلك ، فإن أصحاب الاتفاق ، ومسؤولي السلطة التي نتجت
عنه، أخذوا يستعجلون الأمور ( على غرار إعلان الاستقلال)
واعتبروا أن القضية قد انتهت ، وقلّصوا فلسطين إلى أراضي
الضفة والقطاع ، فأجازوا بذلك لأنفسهم تغيير التاريخ
والجغرافيا . ويبدو أنه كان هناك توجيهٌ لكي يعتاد أصحاب مشروع
الدولة على الفكر والواقع المستحدث ، الذي يحوّل فلسطين إلى
جزء من أراضيها . ففي حوارٍ مع إحدى الفضائيات حول العمليات
الانتحارية/ الاستشهادية داخل "الخط الأخضر"، ذكر أحد مسؤولي
السلطة وقياديي حركة فتح،" بأنهم" مع المقاومة في فلسطين ،
لكنه استدرك قائلاً "أعني في الضفة والقطاع". وقد بدا الأمر
وكأنه زلة لسان أو عدم دقة في التعبير، لكن هذه هي الحقيقة.
ومن يتابع تصريحات وأحاديث المسؤولين في السلطة ومن حولهم ،
يلاحظ انهم يكثرون من استخدام ألفاظ فلسطين ، والوطن أو أرض
الوطن ، بمعنى الضفة والقطاع حصراً.
هناك إذن فلسطين مستحدثة، ينشغل أصحابها في إجراءات وممارسات
للتكيّف مع فلسطين الجديدة هذه ، مدركين أو غير مدركين ، بأن
ذلك ينطوي ضمناً على استهداف الموروث التاريخي والثقافي
والسياسي للمجتمع الفلسطيني، إلغاءِ للذاكرة الفردية والجمعية
للشعب الفلسطيني والشعوب العربية والاسلامية فيما يتعلق
بفلسطين،الكيان والقضية.
أمام هذه المعطيات، للمرء أن يتساءل عن الجدوى والغاية
الحقيقية من هذه المواقف والممارسات من جانب اصحاب مشروع
الدولة .إن أقصى ما قدمته إسرائيل في اتفاق أوسلو هو اعتبار
الأراضي المحتلة عام 1967 أراضٍ متنازعٍ عليها ، وسلطة حكم
ذاتي على السكان. ومالم يتم الاعتراف بأن هذه الأرض هي أرضٌ
فلسطينية ، فلن يكون للكيان المقام عليها مكانة الدولة
وسلطانها. وما يقوله أبو علاء، رئيس الوفد المفاوض في أوسلو،
من أن السيادة هي لمن يمارسها على الأرض، هو كلام غير
واقعي(احمد قريع- أبو علاء- الرواية الفلسطينية الكاملة
للمفاوضات ، ص 216) . فليس هناك من دولة تقام على أرضٍ ليست
لها . وفي ضوء ما حدث في أوسلو ، لا يمكن التأكد من المدى الذي
ستذهب إليه إسرائيل في المستقبل على هذا الصعيد، خاصة وأن قيام
الدولة وشكلها ومضمونها رهن بموافقتها ؛ ومن المعروف أن الحكم
الذاتي بشكل عام ، لا ينتهي بالضرورة إلى دولة، الااذا كان
للسكان حق تقرير المصير. وعلى سبيل المقارنة، يلاحظ مثلاً أن
اتفاق الحكم الذاتي بين حركة تحرير جنوب السودان والحكومة
المركزية في الخرطوم (نيروبي،2005)، نصّ على أن يكون لسكان
الجنوب في نهاية المرحلة الانتقالية، حق تقرير المصير، وهو
مالم يرد في اتفاق أوسلو. (يتحدث اتفاق نيروبي عن صلاحيات سلطة
الحكم وعن مرحلة انتقالية).
وهكذا ، فالدولة التي جُعِلت بديلاً للقضية وللمشروع الوطني ،
هي دولة مجهولة الملامح والهوية ، وفي عالم مجهول.
العرب والدولة:مرّت
القضية الفلسطينية بمحطات تاريخية مفصلية، تعاكست فيها مواقف
عربية رسمية مع إرادة وتطلعات شعب فلسطين، وقضيته العادلة،
ونتيجة لذلك تكوّن لدى غالبية الفلسطينيين شعور عام، بأن تلك
المواقف كانت سببا في خسارة القضية وضياع الوطن.
ومن الشواهد التي يسوقها الفلسطينيون دعماً لموقفهم هذا، ان
ثورة 1936 ضد الانجليز قد توقفت استجابة لنداءِ الحكام العرب
الذين دعوا ابناء فلسطين إلى الهدوء والسكينة، اعتماداً على
نوايا الصديقة بريطانيا، وفي عام 1948، تباطأت الحكومات
العربية في تزويد الفلسطينيين بالسلاح لمجابهة العصابات
الصهيونية، ولم تكن جادة في خوض الحرب، فهُزِمَت الجيوش
العربية وحلَت النكبة بفلسطين وشعبها. ويندرج في هذه الشواهد
ضرب المقاومة في الأردن عام 1970، والموقف السلبي إزاء احتلال
إسرائيل لبيروت،وإخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان عام
1982،واتفاق كامب ديفيد،والصلح والاعتراف بإسرائيل ،وغيرها.
والآن يطرح العرب على إسرائيل سلاماً شاملاً معها مقابل
موافقتها على إقامة دولة فلسطينية على الأراضي التي احتلّتها
في حرب عام 1967،أي في الضفة الغربية و قطاع غزة.وقد جاء هذا
العرض في ما عرِف بمبادرة السلام العربية التي تبنّتها القمة
العربية في بيروت عام 2002. وقد أعلنت إسرائيل آنذاك رفضها
للمبادرة فور الإعلان عنها. وأعيد طرح هذه المبادرة في القمة
العربية في الرياض عام 2007، وصدرت تصريحات من مسؤولين عرب بان
الغاية من إعادة الطرح هو تفعيل المبادرة، مع التوضيح من عندهم
،بأن المبادرة تشكل أساساً أو أرضية للتفاوض.
" وقد رأى المراقبون في هذه المواقف خطوة جديدة من الزعماء
العرب باتجاه إرضاء إسرائيل، وتعبيراً عن استعدادهم للتنازل عن
القضايا التي تضمنتها المبادرة وتعترض عليها إسرائيل،
وبالتحديد حق العودة للاجئين والانسحاب من جميع الأراضي التي
احتلت عام 1967. وبالمثل رأى كثير من الفلسطينيين في ذلك نوعا
من المساومة على قضيتهم ان لم يكن تواطؤاً على تصفية هذه
القضية التي هي اولا وقبل كل شيء عودة الأرض إلى أصحابها
وعودتهم إليها. ويتساءل الفلسطينيون: لماذا تطرح مثل هذه
المبادرات أصلاً؟، أليس من المتعارف عليه على المستوى الإنساني
والاجتماعي وفي العلاقات السياسية أيضاً، أن العروض الخاصة
بحلول القضايا والمنازعات لا تأتي من جانب المعتدى عليه، وإنما
من المعتدي أو من قبل طرف ثالث. ويمكن على سبيل المثال اعتبار
الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة بالقضية الفلسطينية هي
الطرف الثالث في النزاع العربي- الإسرائيلي.
وبغضّ النظر عما يمكن أن يقال عن هذه المشاعر والانطباعات
العامة لدى الفلسطينيين، فمن المؤكد أن وراءَها شعوراً حقيقياً
بالانتماء القومي، يرى أن على العرب واجباً ومسؤوليةً تجاه
القضية الفلسطينية، تفرض عليهم الدفاع عن هذه القضية، وحماية
الفلسطينيين ومساندتهم في وجه الضغوط التي تمارس عليهم
لاكراههم على التنازل عن حقوقهم. ولهذا ترتفع أصواتهم خلال
الأزمات التي يواجهونها مستنجدة بالعرب ،أو لتندّد بالمواقف
التي لا تهبّ لنجدتهم. وهذا الشعور هو الذي يجعل الفلسطينيين
يرتابون مثلاً عندما يذكر بعض الزعماء العرب أنهم ليسوا
فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، في إشارة إلى ما تقدمه
القيادة الفلسطينية من تنازلات. فالفلسطينيون يعتقدون ان على
الزعماء العرب كبح القيادة الفلسطينية إذا جنحت للتنازل عن
حقوق شعبها والقضية الفلسطينية، والتي هي في النهاية قضيةٌ
عربية ومرتبطة بالأمن القومي العربي.
وتبقى نقطة هامة لا يجوز إغفالها ،وهي أن الطرف الآخر لا يكتفي
برفض هذه المبادرات، ،وإنما لا يقدّم من جانبه أي عرض محدّد
بشأن الدولة التي سيوافق على "إعطائها للفلسطينيين. وفي الوقت
نفسه، يواصل سياسة الاستيلاء على الأرض، والاستيطان،و تهويد
القدس، وغير من ذلك من الإجراءات التي تنسف أهم أسس الدولة
العتيدة.
أمام هذه المعطيات،يصبح من البديهي التساؤل عن مبرّراً وجدوى
الاستمرار في الحديث عن المبادرات والوساطة. فسوف يظل في وجدان
الفلسطينيين أن العرب هم طرف أساس في الصراع، ولا يتقبلون أن
يكون هذا الطرف محايداً.
مؤشرات الفشل:
إلى جانب الإشكالات المبدئية، التي يثيرها مشروع الدولة
الفلسطينية كبديلٍ عن القضية الأساسية، هناك العديد من
المعوقات العملية، على المستويين الخارجي والداخلي، التي تشير
إلى فشل هذاالمشروع.
المعوقات الخارجية:إن
المواقف والممارسات الاسرائيلية، وخصوصاً الاستيطان وتهويد
القدس، تقوض أسس الدولة، وتشكل دليلاً قاطعاً على أن صورة
الدولة التي يروج لها أصحابها، ليس لها ،حتى الآن على الأقل،
أي سند من الطرف الآخر، الذي بيده القرار الفعلي في قيام
الدولة.
كما أن موقف الولايات المتحدة، وهي الطرف الآخر الفاعل
والمعوَّل عليه في تأييد قيام الدولة، لا يختلف في جوهره عن
الموقف الإسرائيلي. ورؤية الرئيس الإمريكي بوش، التي يشار
إليها كمرجعية في هذا المجال (خارطة الطريق)، تنطوي على المآسي
أكثر مما تحمل من آمال للشعب الفلسطيني. ففي الرسالة الشهيرة
التي وجهها بوش إلى شارون، رئيس وزراء إسرائيل، في شهر نيسان/
ابريل 2004، أكد على أن التسوية النهائية لن تتضمن انسحاب
إسرائيل إلى حدود الرابع من حزيران عام 1967، وستأخذ بالحسبان
الوضع القائم على الأرض والتغيّرات الديموغرافية ( أي الكتل
الاستيطانية في الضفة الغربية ومدينة القدس) والاحتياجات
الأمنية لإسرائيل، وعدم عودة اللاجئين إلى ديارهم..(يديعوت
احرنوت،15/4/2004).
وقد هلّلت الصحف العبرية آنذاك لهذه الرؤية، وشبّهتها من حيث
أهميتها التاريخية بوعد بلفور. فبوش الإبن هو أول رئيس أمريكي
يمنح إسرائيل الضفة الغربية ويجعل احتلالها شرعيا ودائماً!
المعوقات الداخلية:
هناك معوقات داخلية،على المستوى الفلسطيني،سواء في المشروع
نفسه ،أو في الموقف الشعبي المعارض،لا تقل أهمية عن المعوقات
الخارجية في تأكيد فشل مشروع الدولة.ومن المؤشرات السلبية،
التي تظهر داخل المشروع نفسه، يلاحظ على سبيل المثال ما يلي:
1- الانقسام الداخلي:
يسجّل تاريخ الحركات الاستقلالية في العالم، أن مطلب الاستقلال
يشكل إجماعاً وطنياً، وان الخلافات الداخلية تحدث في الغالب
بعد الاستقلال، على التوجهات والمواقف من القضايا السياسية
والاقتصادية والاجتماعية، وعلى مواقع النفوذ والسلطة.
اما في فلسطين فالحركة الوطنية هي حركة تحرير للأرض واستردادها
وعودة أهلها إليها، والقضية التي تشكل اجماعاً وطنياً هي قضية
الأرض والشعب وليس الدولة. ولذا كان من الطبيعي أن يُحدِث طرح
مشروع الدولة، كبديل عن القضية الحقيقية، انقساماً على الساحة
الفلسطينية قبل إنجاز "الاستقلال". ووصلت هذه الانقسامات إلى
حد الاقتتال الدموي بين حركتي فتح و حماس، والذي يشكل طعنة في
تاريخ النضال الفلسطيني، وتهديدا فعليا للقضية بمجملها.
2- الممارسات التعويضية:
يترافق الحديث عن الدولة مع مبالغات في اللغة المستخدمة وفي
بعض التصرفات، وكأنّ في ذلك تعويضاً عن نواقص ونقائص المشروع،
والمتمثلة في التنازلات عن القضية المركزية وعن مكوّنات رئيسية
في الدولة ذاتها، مقابل كلام ،مجرد كلام عن دولة.
على هذا الصعيد، يلاحظ مثلاً نبرة الصوت العالية والشحن
العاطفي الذي رافق إعلان "الاستقلال" عام 1988، مع أن القصد
الحقيقي كان الاعتراف بالقرارين 242 و 338، والانسحاب من ميدان
المقاومة.
وفي ظل سلطة أوسلو، وهي سلطة حكم ذاتي تحت الاحتلال وتخضع
لأوامر وممارسات سلطات الاحتلال، تجري المبالغات اللفظية
والتعويضية باستخدام عبارات مثل الدولة الحلم، والشرعية،
ووحدانية السلطة. إن اللجوء إلى مبالغات في أسلوب المخاطبة
والحديث عن رموز السلطة من الرئيس والوزراء إلى المواكب
والمباني، وغيرها، ليس له دلالات فعلية على الأرض. ويكفي
التذكير بما حلّ "بالرئيس والقائد الرمز" أبو عمار حيث حوصر في
غرفة حتى جرى اغتياله بالسم.
3- المبالغات التضليلية:
وبنفس أسلوب المبالغة، يقوم دعاة مشروع الدولة بالتبشير
بالنعيم الذي سيغمر أبناء الشعب الفلسطيني بفضل الأموال
والمعونات الغربية، والاستقرار والازدهار الذي سيعمّ بعد ذلك (
على غرار التبشير بعهد الانفتاح). ولكن مثل هذه المبالغات لا
يمكن أن تحجب الحقيقة المرّة التي تطل من ورائها، وهي أن دولة
كهذه هي دولة لشعب من المساكين يعيش على الصدقات التي يتولّى
التصرف فيها مجموعة من رجال الأعمال.
خلاصة
الموقف الشعبي:
إن موقف جماهير الشعب الفلسطيني من مشروع الدولة، هو الأكثر
أهمية من المواقف الأخرى؛ فالنضال الفلسطيني بتضحياته
اللامحدودة على مدى قرن من الزمن، إنما كان من أجل هذه
الجماهير. فهي صاحبة القضية، ولها الكلمة الفصل في القضايا
المصيرية التي تتعلق بحاضرها ومستقبلها.
وقد عبّرت هذه الجماهير في الداخل وفي بلدان الشتات،عن موقفها
الذي يعطي مؤشراً إيجابياً قوياً حول فشل مشروع الدولة. فمنذ
أُطلِق هذا المشروع، انطلقت تحركات شعبية مضادة تحت شعار حق
العودة، تعلن رفضها للمشاريع المطروحة وتؤكد تمسكها بحق العودة
الذي هو جوهر القضية. وقد أعادت هذه التحركات تأكيد حقائق
ثابته لا يمكن طمسها. وعلى أصحاب "مشروع الدولة" على وجه
الخصوص، وهم يندفعون في الترويج لهذا المشروع ويحاولون فرضه
على شعبهم، أن يتأملوا جيداً في الحقائق التالية:
* إن الشعب الفلسطيني ليس من السذاجة لكي ينسى قضيته مقابل
وعود وتمنيات. ولعلّ من الضروري التذكير بأن اللاجئين من هذا
الشعب، الذين شرِّدوا من وطنهم، هم أكثرية الشعب الفلسطيني،
وأن على أرض الضفة الغربية وقطاع غزة (أرض الدولة) يقيم أكثر
من 1.7 مليون لاجئ، منهم حوالي "730" ألفاً في الضفة يشكلون
نحو 40% من سكانها، وما يزيد على مليون في القطاع يشكّلون نحو
70% من سكانه. هؤلاء اللاجئون هم أساس القضية، وهم الذين
شكّلوا عصب المقاومة التي قامت من أجل التحرير والعودة. و
كثيرون منهم يقيمون في مخيمات وتجمعات ليست بعيدة عن أرضهم
وقراهم المغتصبة، ومنهم من يشاهدها بأم العين. ولا يمكن اعتبار
هؤلاء، أو أن يعتبروا هم أنفسهم مواطنين في "الدولة" لا قضية
لهم.
*ومن الحقائق الراسخة أن هذا الشعب تمسّك بثوابته الوطنية وهو
في أقسى ظروف البؤس، ورفض كل مشاريع التوطين والتعويض، وقدّم
صوراً مذهلة من التضحية، وقوافل لا تنتهي من الشهداء في سبيل
قضيته، وهو لا يمكن أن يفرّط بها أو أن يقايضها بمال الدنيا.
ومن يتابع التحركات الشعبية واللجان والمؤتمرات التي تنشط باسم
حق العودة، يدرك كم هو مستحيل حل القضية بدون هذا الحق
المقدّس.
وهكذا يتبين أنه حتى لو وافقت إسرائيل على إقامة دولة فلسطينية
وعلى كامل أراضي الضفة والقطاع- وهو افتراض جدلي ومستحيل-
فسيظل هناك ما هو أكثر استحالة، بأن يتنازل الشعب عن حقه في
الأرض والعودة. وبدون استعادة هذا الحق سوف تبقى القضية
الفلسطينية قائمة والصراع العربي-الإسرائيلي بلا نهاية.
|