|
الآثار الإستراتيجية
لانتصار حزب الله
على الصراع مع المشروع الصهيوني
مأمون
كيوان
مقدمة:
شنّ
العدو الصهيوني خلال العقود الثلاثة المنصرمة أربع عمليات
عدوانية عسكرية كبيرة
ضد لبنان
هي على التوالي: عملية "الليطاني"
في آذار
1978، وعملية "سلامة الجليل"
في حزيران
1982، وعملية "تصفية الحساب"
في تموز
1993، وعملية "عناقيد الغضب"في
نيسان
1996. وكان لكل عملية عسكرية تداعياتها وانعكاساتها على الواقع
الداخلي في الكيان الصهيوني،
فضلاً
عن أهدافها الاستراتيجية
والتكتيكية
ذات
الأبعاد الإقليمية والدولية
وهي على
صلة مباشرة بنقل المشروع الصهيوني الرامي
-إلى
تهويد فلسطين أرضاً
وشعباً-
من محطة إلى محطة جديدة تشكل تراكماً
كمياً
ونوعياً
في عملية تجسيد
هذا
المشروع.
ومؤخراً؛
أثارت نتائج عملية "الثمن الباهظ" ضد لبنان- التي زعم العدو
أنها ردّ
على أسر حزب الله جنديين في عملية "الوعد الصادق"- تفاعلات
سياسية وعسكرية واجتماعية واقتصادية
وإعلامية
ونفسية داخل الكيان الصهيوني دفعت
بالأمين
العام لحزب الله السيد حسن نصر الله إلى وصف الإنجاز الذي
حققته المقاومة في حرب تموز 2006
بأنه
"نصر استراتيجي وتاريخي". ولتأكيد صدقية هذا الوصف ولدحض
ادعاء
رئيس حكومة
العدو
بتحقيق "النصر"، في الوقت نفسه،
لابد من وضع هذا الإنجاز في السياق العام للصراع مع المشروع
الصهيوني.
مراحل تطور
المشروع الصهيوني
ترجع بدايات المشروع الصهيوني إلى النصف الثاني من القرن
التاسع عشر، عندما اندلع الصراع الدولي بين
الإمبراطوريات العظمى حول السيطرة على منطقة الشرق الأوسط
بحدودها الجغرافية
الممتدة بين المحيط الأطلسي غرباً وإيران شرقاً،
ومن الأناضول شمالاً حتى القرن
الأفريقي
جنوباً. وقد
اتخذ الصراع أشكالاً
مختلفة،
واستخدمت في سياقه أدوات سياسية
وعسكرية واقتصادية مختلفة من أحلاف ومعاهدات وأنماط من
الكولونيالية الكلاسيكية
للسيطرة على شعوب المنطقة وتوزيعها على كيانات سياسية قطرية
تمزقها وتعيق وحدتها خلافات ونزاعات ونعرات
إثنية
وعرقية وطائفية
ومذهبية.
وقد تمثلت
الأداة الأبرز لخوض الصراع "في" الشرق الأوسط بالمشروع
الصهيوني في فلسطين. ولم يكن هذا المشروع في أي يوم من الأيام
مشروعاً
إمبريالياً
غربياً خالصاً أو مشروعاً يهودياً خالصاً، بل ظاهرة استيطانية،
حكم دورها الوظيفي
الإمبريالي
صياغتها اليهودية، شكلاً
ومضموناً. وبناء على ذلك جاءت
هذه الظاهرة
على شكل مركز
إقليمي مضاد للحركة القومية العربية، قاعدته الاستيطانية في
فلسطين المحتلة، ودوره العدواني في دول المحيط الإقليمي. وهذا
المركز هو نتاج عمل مشترك بين الدول
الإمبريالية،
وكل منها في حينها، وبين الحركة الصهيونية العالمية، حيث شكلت
كلتاهما
معاً
ما يسمى البلد الأم للمستوطَن
اليهودي في فلسطين. لكن هذه الشراكة لم تكن قط
متكافئة بطبيعة الحال، إذ غلب الشق الإمبريالي؛
الأمر الذي حدّد
طبيعة ذلك المشروع،
فقد جاء
في جوهره
ظاهرة استيطانية إمبريالية، وإن اتخذت شكل الدولة اليهودية.
في
المقابل
-وبغض
النظر عن رغبات المراكز
الإمبريالية
في بلورة الفكرة الصهيونية
وترويجها، وبالتالي صياغة الاستيطان الناجم عنها والمتمثل
بإسرائيل-
فإنه لولا أن
تهيّأت
أوضاع التجمعات اليهودية في أوروبا لتقبل الفكرة، وللانخراط في
المشروع عبر
الهجرة والاستيطان على أساس القاعدة المطروحة، لما نهض ذلك
المشروع بالطريقة التي
حدثت
(قضية المحرقة وتضخيمها كمثال).
ونظراً إلى طبيعة المشروع الصهيوني
وعدم تكافؤ
القوى بين
الشريكين فيه، فإنه لم يكن قط مشروعاً اقتصادياً بحد ذاته، على
الأقل من
وجهة
نظر
الشريك الامبريالي. إذ
يكمن
هذا الجانب منه في نشاطه لتمهيد الطريق أمام استغلال
ثروات البلدان العربية ومرافقها.
وعلى هذه الشراكة غير المتكافئة، بين الحركة
الصهيونية والمركز
الإمبريالي
الأم بالنسبة إليها في المرحلة المعينة،
يترتب
عدد من
النتائج البديهية حول آلية عمل المشروع وأولوياته
ومهامه.
فالشريك الأكبر هو
بطبيعة الحال الأكثر إفادة من مردود عمل المشروع، وهو أيضاً،
في نهاية المطاف، صاحب
القرار السياسي الفصل في تحديد نشاط المشروع
عموماً،
وكذلك في
استراتيجية
تنفيذ ذلك
النشاط. وفي الواقع، فإن الاستيطان الصهيوني في فلسطين قدّم
من الخدمات للمراكز
الإمبريالية
ما يفوق
إنجازاته
على الصعيد اليهودي،
إذ حقق نجاحاً
أكبر
في تصدّيه
للحركة القومية العربية مما أصاب في سعيه لحل
"المسألة
اليهودية"
وإقامة الدولة
"اليهودية"
وتثبيت مرتكزات أمنها الاستراتيجي.
وبطبيعة الحال، كان الشريك الأكبر،
خاصة في مراحل المشروع الأولى،
هو الأكثر فعلاً في صياغته. ويبقى هامش حرية الحركة
للشريك الأصغر، ما دام المشروع قيد الإنشاء، وهو في واقع الحال
يتوقف على وزنه في
العمل المشترك وعلى قدرته في استغلال الأزمات التي يمر بها
الشريك الأكبر، داخليا
ًوخارجياً.
وطبيعي أيضاً أن يعمل الشريك الأصغر على زيادة فعله في المشروع
المشترك
ووزنه في اتخاذ القرار؛
وبالتالي،
يصبح
أكثر أهمية في تجسيد
استراتيجية
الشريك الأكبر،
كلما حاول توظيف ذلك
لصالح
شقه الخاص من المشروع،
ويتمادى
أكثر في سعيه
لفرض إرادته على الشريك الأكبر - البلد الأم - والتغلغل في
مؤسسات المركز بهدف
التأثير
المسبق في آلية اتخاذ القرار هناك.(1)
لقد
عمل الشريك الأصغر
-ممثلاً
بداية بالحركة
الصهيونية العالمية و"إسرائيل" لاحقاً-
على تجسيد الشق اليهودي من المشروع الصهيوني
في فلسطين، وفق الأطوار التالية:
الطور الأول
(1897-1917)
:
تكوّن
من مراحل البدايات إلى اكتمال عناصر نجاح
الحركة الصهيونية؛
حيث عقدت الحركة الصهيونية 11 مؤتمراً
تمخض
عنها
الاتفاق على تنفيذ الشق اليهودي من المشروع الصهيوني في فلسطين
حصرياً،
وعقد شراكة مع الإمبراطورية البريطانية تجسدت في وعد بلفور،
وكرّستها
لاحقاً
وثيقة الانتداب البريطاني في فلسطين.
الطور الثاني
(1917-1948):
يمتد من اكتمال عناصر النجاح إلى
قيام الدولة اليهودية
بالحرب. فبعد حصول
الحركة الصهيونية على تأييد الدولة الاستعمارية
الكبرى عن طريق وعد بلفور،
توفرت للحركة عناصر النجاح اللازمة. وكان لبريطانيا والصهيونية
في هذه المرحلة
-بالنسبة
إلى فلسطين-
هدف واحد
أساس هو إضفاء الشرعية الدولية على وعد بلفور وعلى بقاء
بريطانيا في فلسطين،
وذلك
ضمن إطار التسوية للشرق الأوسط التي يقرّها
مؤتمر الصلح.
ورغم
الهدف المشترك هذا،
لم تكن وجهات نظر الطرفين دوماً متطابقة كما ظهرت دونها عقبات
صعبة التذليل. أما
العقبات فأهمها اثنتان،
أولاهما أن ميثاق عصبة الأمم الذي أقرّ
نظام الانتداب في28 حزيران - يونيو
- 1919
عند التوقيع
على معاهدة فرساي،
استند في إقراره لهذا النظام إلى المادة 22 منه التي استندت
بدورها إلى مبدأ تقرير المصير الذي أعلنه ويلسون ضمن نقاطه
الأربع عشرة. أما العقبة
الثانية فكانت التطورات في الساحة العربية
بدءاً
من انعقاد المؤتمر السوري في حزيران
1919
مروراً ببيعة
فيصل ملكاً على سوريا
ولبنان وفلسطين في آذار - مارس-
1920
إلى معركة ميسلون ودخول الفرنسيين دمشق وإخراجهم فيصل منها في
تموز/
يوليو
1920،
إلى دخول عبد الله شرق
الأردن.
وقد مرّت
الحرب الصهيونية - العربية الأولى
(1947-1948)
في مرحلتين رئيسيتين: مرحلة الحرب غير النظامية بين القوات
الصهيونية
والقوات الفلسطينية الشعبية المدعومة لاحقاً بمتطوعين من الدول
العربية
الذين انتظموا في ما سمّي
جيش الإنقاذ.
ثم
مرحلة
الحرب النظامية بين قوات الكيان الصهيوني وجيوش عربية أرسلتها
سوريا ولبنان ومصر
والعراق وشرق الأردن بإشراف الجامعة العربية (أضيفت إليها فيما
بعد قوات رمزية من
السودان والسعودية).
وهي
امتدت من
15
أيار
1948
إلى أن تم التوقيع على
اتفاقيات الهدنة في نهايةالعام
1948
ومطلع
العام
1949
بين الكيان الصهيوني وكل من مصر وشرق
الأردن ولبنان وسوريا.
الطور الثالث
(1948-1978):
حقّق
خلاله العدو نجاحين بارزين هما:
أ-التوسع الجغرافي عبر استكمال احتلال أرض فلسطين الانتدابية
وأراضٍ
سورية ولبنانية ومصرية.
ب- الاختراق السياسي ممثلاً
بإخراج مصر من معادلة الصراع من خلال عقد معاهدة
"سلام"
ورزمة اتفاقيات أعقبت جميعها زيارة الرئيس المصري أنور السادات
إلى الكنيست قي القدس. وبالمقابل منِي
العدو الصهيوني بهزيمة عسكرية في حرب
تشرين
1973 كشفت عن نقاط ضعفه وأسقطت أسطورة الجيش الذي لا يقهر التي
تكرست بعد حرب
حزيران1967.
الطور الرابع
(1978-2000):
عمل خلاله العدو الصهيوني على استثمار حروبه وأعماله العدوانية
ضد
لبنان، ونتائج حرب الخليج الثانية التي قادتها الولايات
المتحدة الأميركية، استثمارها في تعميم نموذج التسوية مع مصر
على بقية أطراف الصراع. فحقق اتفاق أوسلو وما تبعه من اتفاقات
وبروتوكولات مع منظمة التحرير الفلسطينية، ومعاهدة وادي عربة
مع الأردن. لكنه أخفق في تحقيق إنجاز تسووي مع سورية ولبنان،
وتكرس هذا الإخفاق بتراكم إنجازات المقاومة التي أرغمت الكيان
على الانسحاب من جنوب لبنان في أيار من العام2000. وتبع ذلك
فشل مفاوضات كامب ديفيد مع السلطة الفلسطينية، الأمر الذي أفضى
إلى اندلاع انتفاضة الأقصى
في أيلول
من العام نفسه.
وعموماً،
لم تكن سيرة المشروع الصهيوني في حركته نحو تجسيد أهدافه قصة
نجاح فقط،
وإنما اعترتها إخفاقات لا تزال تشكل أساساً للأزمات التي يعاني
منها الكيان وذلك
على المستويين الاستراتيجي العام،
والمرحلي
الراهن،
وتنبع أزمة
هذا
الكيان بالأصل من
تشبث مستوطنيه على العموم بصهيونيتهم
ومزاعمهم الدينية!
عدوان
تموز 2006
على لبنان
رغم أن العدو الصهيوني خرق الخط
الأزرق 1606 مرات
خلال
الشهور الـ 17 التي سبقت العدوان،(2)
إلا أنه زعم أن عملية "الثمن الباهظ" العدوانية كانت رداً
على عملية
حزب الله
"الوعد الصادق" التي أسفرت عن أسر جنديين صهيونيين. بل وسارع
منذ اللحظات الأولى لهجومه العسكري
على لبنان،
إلى
تأكيد حقه في الدفاع عن النفس، وأيدته في
ذلك
عدة قوى دولية، علي
رأسها الولايات المتحدة الأميركية، إلي جانب كندا وأستراليا
وبعض الدول الأوروبية.
وعملياً،
فقد
لجأ الجيش الصهيوني إلى ممارسة أشكال العدوان كافة. ومن
أبرزها: فرض حصار جوي وبحري علي الدولة
المعتدى
عليها، وقطع الطرق
البرية المؤدية
إلى
سوريا؛
كما استهدفت
"إسرائيل"
منشآت لبنان المدنية من محطات الكهرباء
وخزانات الوقود والطرق والجسور، بالإضافة
إلى
منازل المدنيين وملاجئ الأطفال
والمعوقين،
فضلاً
عن ارتكاب المجازر بحق المدنيين في مناطق مختلفة من لبنان،
وعمليات إنزال ومحاولات تقدم بري واحتلال بعض المواقع والقرى
الحدودية.
وقد
استعمل
الجيش الصهيوني
ترسانة من الأسلحة
الفتاكة أو المحرّمة دولياً ومنها:
القنابل الذكية، وصواريخ بوباي لايت و هاف لايت و بوباي (AGM-142
Popeye)،
و ـ قنبلة جدام، والقنابل العنقودية، والقنبلة الانزلاقية
(جي
بي يو – 15)
والقنبلة الفراغية التي تعرف أيضاً باسم القنبلة «الوقودية» أو
«الرذاذية» أو «سلاح التفريغ» أو «الأبخرة الحارقة»،
والبارجة ساعر - 5، والدبابة ميركافا وميركافا -4التي دخلت
الخدمة العام 2004،
و الطائرة من دون طيار (Searcher
MKII).(3)
وأوضح تقرير أصدرته جمعية
"الأميركيين
المهتمين بسلام الشرق الأوسط"
أن الأسلحة العنقودية الأميركية التي رماها الجيش الصهيوني في
لبنان في حرب تموز تزيد على ضعف الأسلحة العنقودية التي
استخدمت في حرب الخليج الثانية عام 1991،
وفي البلقان عام 1999،
وفي أفغانستان والعراق منذ عام 2002 حتى اليوم. كما استخدم
العدو
110 أنواع من الأسلحة الأميركية؛
ورمى 4,8 ملايين قنبلة عنقودية
على
نحو مئة قرية لبنانية.
كما
استخدم طائرات
F-15
وF-16
الحربية وC-130،
وطائرات هليكوبتر الأباتشي وAH-1
Cobra
و
AH-64 Black Hawk.
ورمى
قنابل زنتها 500 باوند و1000 باوند و2000 باوند، وأنواعاً
مختلفة من
القنابل
العنقودية
وقذائف
مدفعية تضمنت فوسفوراً أبيض
وأخرى تحتوي على
يورانيوم
منضب.(4)
وأعلنت إذاعة "صوت إسرائيل" في 6/8/2006 أن
الطيران الحربي نفذ منذ بدء الحملة العسكرية
على
لبنان أكثر من 8700 طلعة جوية، وهاجم أكثر من 4600 هدف في
الأراضي اللبنانية. ومن الأهداف التي تم قصفها
بحسب زعم العدو،
60 مركز قيادة لحزب الله،
وأكثر من 60 مخبأ تحت الأرض ومدخل أنفاق،
وأكثر من 70 مستودعاً
لتخزين وسائل قتالية،
و 7 معسكرات تدريب ووسائط نقل،
و50 جسراً
كان يستخدمها حزب الله لتهريب الوسائل القتالية والصواريخ.(5)
وأوردت
وسائل الإعلام الصهيونية أنه سقط خلال حرب تموز 156 قتيلاً
غالبيتهم من العسكريين والباقي من المدنيين.(6)
ويندرج هذا الزعم في سياق مزاعم كثيرة
للعدو
منها:إدعاؤه
أن المجموع العام لخسائره في الحروب
بلغ
22369 قتيلاً
منهم: 6373 قتيلا في حرب(1947-1949)،
و231
قتيلاً
في حرب 1956، و776
قتيلاً
في حرب1967، و 1424
قتيلاً
في حرب الاستنزاف
(1968-1970)،
و2688 قتيلاً
في حرب1973، و1216
قتيلاً
في حرب لبنان(1982-1985)،
و 328 قتيلا خلال سنوات الانتفاضة2000-2005،و117 قتيلا في
حرب2006 مع حزب الله، و 9243 قتيلاً
في عمليات عسكرية متنوعة. (7)
وعلى
ضوء العوامل المؤثرة على الأداء العسكري
الصهيوني، يمكن تأكيد عدة حقائق من أهمها، أن الاستخدام المفرط
للقوة الجوية
والصاروخية والبحرية، مقابل عملية محدودة للغاية تم فيها خطف
أسيرين،
قد نجح في فرض حصار خانق على لبنان براً
وبحراً
وجواً،
كما نجح في
إحداث دمار هائل،
مما
يؤكد استمرار
الاستراتيجية
الثابتة طويلة المدى التي تعتمد في ميزان القوى
بين الكيان الصهيوني وبين الدول العربية على التفوق الدائم
الذي يمكّن
الدولة العبرية من تطبيق
استراتيجية
الردع النفسي، التي هي جزء ثابت وراسخ في الفكر الاستراتيجي
الإسرائيلي،
وإن حاجة إيهود أولمرت
إلى
استعادة هذه الإستراتيجية،
وبفاعلية كبيرة،
هي التي دفعته
إلى
ممارسة هذا العقاب الجماعي
ضد
لبنان.(8)
بالمقابل، كان الأداء
العسكري لحزب الله متميزاً،
ففي
ظل عنف الرد الإسرائيلي اتبع حزب الله أسلوبا قتالياً
يعتمد طريقة خطوة-خطوة،
حيث استخدم قوته
في تأنٍ
وبطء ليدخل السلاح الجديد تلو الآخر،
بالتزامن مع التصعيد الإسرائيلي، وكلما
شعر بتراجع المعنويات في صفوف مقاتليه
أو
مناصريه واللبنانيين. وكان لهذه الخطة
فاعلية ملموسة،
حيث
لم يرغب الحزب في التصعيد
أصلاً،
إنما
بالرد
الفاعل
فقط،
وكان يعوّل
كثيراً
على المواجهات البرية مع القوات الإسرائيلية على الأرض. وقد
اعتمد حزب الله تكتيكاً
عسكرياً
مشابهاً
للوسائل التي
كان يستخدمها الفيتكونغ
خلال حرب فيتنام، مما جعل منه خصماً
شرساً
للجيش الإسرائيلي،
حيث قام
بحفر وتجهيز شبكة أنفاق وخنادق قرب الحدود مع إسرائيل.(9)
وكان من أبرز إنجازات حزب الله العسكرية: الاستمرار في إطلاق
الصواريخ من طراز كاتيوشا ورعد-2 ورعد-3 وخيبر تجاه مواقع
عسكرية واقتصادية ومستوطنات،
ومدن حيفا وصفد وطبرية والناصرة والعفولة
و
الخضيرة التي تبعد 80 كيلومتراً
عن الحدود اللبنانية. وفي هذا السياق
ذكرت صحيفة "جيروزاليم بوست" أن وزارة "الدفاع الإسرائيلية"
طلبت من شركة "لوكهيد مارتن" الأميركية للصناعات العسكرية
إجراء الاختبارات والتعديلات اللازمة على مدفع "سكاي شيلد"
للدفاع الجوي لاعتراض صواريخ الكاتيوشا القصيرة المدى التي
تعتقد أن حزب الله ما زال يمتلك منها ترسانة تقدّر
بعشرة آلاف صاروخ.(10)
تداعيات الحرب
على كيان العدو
بعد
مضي
شهور قليلة
على
حرب لبنان،
وعشية اجتماعه مع الرئيس الأميركي،
ورغم لجان التحقيق والاستقالات والإقالات والاتهامات المتبادلة
والإقرار المباشر
وغير المباشر بفشل العدوان على لبنان، أصر إيهود أولمرت
على
الزعم بأن حرب
لبنان شكلت "نجاحاً
استراتيجياً وعسكرياً وسياسياً"
لكيانه.
واستدل بذلك على أن "إسرائيل" كانت قبل الحرب
"تنقصها قوة الردع"،
مشيراً
إلى "أن حزب الله بدأ الحرب لأنه لم
يقدّر
رد فعلنا(..)
وأنه
كان قريباً من استسلام تام".(11) لكن التداعيات
الداخلية في الكيان الصهيوني تدحض مزاعم أولمرت، ومن أبرز تلك
التداعيات:
1- احتجاج العسكر:
لقد
فشل الجيش
الإسرائيلي في تحقيق أهداف أو إنجازات ذات شأن في أرض المعركة،
فهو تكبد
خسائر كبيرة في صفوف الجنود والضباط والعدّة
والعتاد، الأخطاء اللوجستية مثل: عدم وضوح الأوامر، وقِدم
الخرائط العسكرية والتدريب غير الكافي،
و الخسائر الكبيرة في الدبابات،
وتردد الحكومة قبل أن تعلن بدء الهجوم البري الواسع مباشرة قبل
التوصل إلى وقف الأعمال الحربية
ما
أدى إلى مقتل 34 جندياً
خلال 48 ساعة من المعارك،
إضافة إلى
وجود ثغرة كبيرة في طريقة تعبئة جنود الاحتياط
وقد
اتخذت التفاعلات داخل
الجيش
شكل حركة احتجاج
واسعة،
حيث كشفت
حركة "يوجد حدّ" الإسرائيلية
(التي
تدعو إلى رفض مشاركة
الجنود
في حروب إسرائيل العدوانية)
أن
خمسة جنود من قوات الاحتياط تعرّضوا
لأحكام
عسكرية بالسجن بسبب رفضهم المشاركة "في حرب لبنان الثانية".
يذكر
أن
حرك
"يوجد
حدّ" تأسست
خلال
"حرب لبنان الأولى"
في
العام 1982. كما نشطت خلال
الانتفاضتين
الفلسطينيتين الأولى والثانية.(12)
وقد
كشفت الشكاوى العلنية التي أوردها
بعض
جنود الاحتياط
الذين
حاربوا في لبنان لأكثر من شهر،
عن ثغرات وإخفاقات سجلت في طريقة التخطيط للمعارك
سواء
على الصعيد اللوجستي أو على صعيد الأوامر.
ووجّهت
وحدة من جنود الاحتياط إلى رئيس أركان الجيش الجنرال دان
حالوتس أسئلة محرجة حول طريقة قيادة الهجوم.
عندها قرر حالوتس مع رئيس الوزراء إيهود أولمرت ووزير الدفاع
عمير بيرتس إعداد أنفسهم بمساعدة خبراء ومحامين لمواجهة احتمال
تشكيل لجنة تحقيق حول طريقة قيادة هذه الحرب.(13)
كذلك
بعث
بعض
جنود من الاحتياط
برسالة
إلى عمير بيرتس
وحلوتس
جاء في مضمونها:"نحن
مقاتلون وجنود في
كتيبة
"حود
حنيت"، تجنّدنا
بأمر طارئ،
وامتد حضورنا
إلى
باقي الكتائب،
تركنا عائلاتنا
وأطفالنا
ونساءنا والأصدقاء والعائلة.
وضعنا العمل
جانباً
وكنا مستعدين للقيام
بعمليات
خطيرة
أيضاً
في الحر والجوع والعطش،
دفاعاً
عن هدف الحرب العادلة وللحفاظ
على
مواطني إسرائيل. ولا يوجد شيء لم نكن مستعدين له ولكننا
لم
نكن مستعدين لقلّة
اتخاذ القرارات. كان هدف الحرب
الذي
لم
يوضح
وغيّر
أثناء
القتال.
لقد ترجمت قلّة
القرار بقلّة
العمل والتطبيق".
ودعا الجنود إلى
تشكيل لجنة تحقيق
رسمية
في الموضوع وفحص
أسباب
الفشل.
كما
وجّه
جنود من وحدة الاحتياط التي يتبع لها الأسيران الإسرائيليان
لدى
حزب
الله، رسالة إلى أولمرت،
طالبوه فيها بالعمل على
إعادتهما.
وجاء في الرسالة :" سيدي رئيس الوزراء؛
ربما استطعت أن تنسى أن السبب الذي
خرجنا
من أجله للحرب لم يكن تواجد حزب الله على الحدود، بل اختطاف
جنديين من وحدة
، على يد حزب الله! و إن ما جرى هو انحدار أخلاقي
ونتائجه
هي التخلي عن الجنود".(14)
وفي
خطوة تعدّ
تصعيدية
في
احتجاج جنود الاحتياط على إدارة مجريات الحرب،
قدم
أربعون
جندياً
في الاحتياط من كتيبة 300
من
لواء الجليل التي تدعى "برعام"،
عريضة
إلى قائد
اللواء، جاء فيها:
"بعد نهاية الحرب
تراكمت
لدينا مشاعر صعبة.
وتنبع تلك المشاعر من التجاهل وقلّة
الاهتمام من قبل ضباط
الكتيبة،
الذين لم يجدوا أن من الواجب الحوار مع الجنود من أجل استخلاص
العبر
بشأن
مجريات الحرب، التسليح وطريقة إخلاء الجنود من الخدمة. لهذا
نعلن أننا لا ننوي
مواصلة
الخدمة في الجيش كجنود احتياط ونطلب عدم استدعائنا للخدمة".
واعتبر
بعض
جنود
الاحتياط الذين
أنهوا خدمتهم
أن القرار ليس سهلاً،
وقد اتخذ في أعقاب
الإحباط
والمرارة من خدمتهم الأخيرة في جنوب لبنان،وأنهم
وقّعوا
على العريضة "
بيدين
مرتجفتين". وأضافوا:
"لقد تلقينا تعاملاً
مستهتراً،
فالمعدات لم تكن صالحة،
وكانت
هناك
مشاكل في الإمدادات،
ولكننا صمتنا وواصلنا".
فيما كشف
جنود من كتيبة أخرى،
فضّلوا
عدم التوقيع على العريضة:
"إننا
نواجه نفس الشعور، كأنه
جرى
استغلالنا، ولكن من ناحية أخرى من الصعب علينا
التوقيع
على تلك العريضة، ولكننا في كل حال لن نسكت أمام هذا التعامل
وسنفكر كيف
سنتحرك،
وإذا لم يصغوا إلينا سنوقع على العريضة".(15)
لقد
أطلق وقف إطلاق النار في لبنان معركة من طراز آخر داخل الجيش
الإسرائيلي
بين عسكر البر وعسكر الجو، فبرزت خلافات، إلى حد المواجهات،
بين
قادتهما،
إذ يسعى قائد الأركان الجنرال دان حالوتس إلى منح الجيش
الإسرائيلي
"الصبغة
الزرقاء"، أي صبغة "الطيران" عن طريق تعيين قادة سلاح
الجو
في مناصب
عليا
في المؤسسة العسكرية. وكانت
آخر هذه التعيينات، تسمية العقيد في سلاح
الجو
عيدو نحوشتن رئيساً لـ«قسم التنظيم» في الجيش الإسرائيلي. وهي
وظيفة متعلقة
بـ"القتال
البري"، ما أثار غضب قادة سلاح البر الذين انتقدوا توقيت
التعيين بعد
فشل رؤية
حالوتس وسلاح الجو
في حسم المعركة
مع
حزب الله".(16)
2- الاحتجاج الشعبي
تظاهر أكثر من ألف ناشط يساري إسرائيلي، في تل
أبيب، ضد
الحرب
على لبنان،
وطالب المتظاهرون الحكومة بإيقاف هذه الحرب غير المتكافئة
والمباشرة فوراً
بالمفاوضات من أجل إعادة الجنود
الأسرى
في غزة ولبنان مقابل الإفراج عن أسرى فلسطينيين وعرب. وكان بين
المشاركين في هذه المظاهرة ومنظميها عضو الكنيست من الجبهة
الديموقراطية
للسلام والمساواة، الدكتور دوف حنين، الذي عبّر عن قلقه من
«خطورة التدهور ثانية نحو المستنقع اللبناني»
مشيراً
إلى أن الثمن الذي سيدفعه المدنيون في لبنان وإسرائيل في هذه
الحرب الزائدة هو ثمن مروّع.
وتكلم في المظاهرة النائب جمال زحالقة، عن حزب التجمع الوطني
فقال
إن
حكومة إسرائيل تنفذ في هذه الحرب
مخططاً
قديماً
لتصفية حزب الله ضمن هدفها للقضاء على كل صوت عربي مقاوم. وهي
بذلك تضحي بأرواح الكثير من اليهود والعرب.
وقال أوري أفنيري، رئيس حركة «كتلة السلام»
إن
في إسرائيل حكومة مأجورة للجنرالات، رئيس حكومتها ووزير دفاعها
ينفذون كالببغاوات،
وهدف
جنرالات الحرب
أن
يجعلوا
من إسرائيل دولة إرهاب. (17)
وتحت
الشعارات
"لا
للحرب،
وليطلق
سراح
أسرى
وسجناء
جميع
الأطراف،
وأوقفوا
إطلاق
النار
حالاً..
دون
قيد
أو
شرط"،
تظاهر
بمبادرة
من
نشطاء
في
حركتي
السلام،
"صوت
بديل
في
الجليل"
و"تعايش"،
أكثر
من
مائة
وخمسين
متظاهراً
من
اليهود
والعرب
وممثلي
جمهور
ووفود
من
حركات
وأحزاب
سياسية،
على
مفرق
سخنين
الغربي
(يوفاليم)
منددين
بالحرب
الإجرامية
التي
تشنّها
حكومة
أولمرت
على
الشعبين
اللبناني
والفلسطيني.ورفع
المتظاهرون
باللغات
الأربع،
العربية
والعبرية
والانجليزية
والروسية
الشعارات
المندّدة
بالعدوان
الإسرائيلي
على
لبنان
أهمها":بوش،
بيريتس،
أولمرت،
مثلّث
الإرهاب
الدولي"
و"نعم
للمفاوضات
لإطلاق
سراح
كل
الأسرى"
و"مجرمو
الحرب
إلى
هاغ"
و"أينكم
يا
حماة
حقوق
الإنسان
في
واشنطن
ولندن
وباريس"
و"عرب
ويهود
ضد
الحرب".(18)
كما
قام
العشرات من
النشطاء
في الحركة ضد الحرب بالتظاهر أمام بيت قائد
الأركان
في حي "تساهالاه" شمالي تل أبيب،
وذلك احتجاجاً
على العدوان
وجرائم الحرب التي تقوم باقترافها إسرائيل
يومياً
في لبنان
وغزة.
وهتف
المتظاهرون بشعارات
تصف
دان حالوتس ووزراء
الحكومة الإسرائيلية بمجرمي حرب؛
وكذلك توجه
المتظاهرون
برسالة مكتوبة إلى سكان حي حالوتس يفسرون
فيها
سبب التظاهرة ويحذرونهم من
خطورة
العيش
في حي مدني يقطنه ضابط الأركان المسلح وذلك
وفقاً
للمنطق
الإسرائيلي،
حيث
إن
هذا الأمر يعطي شرعية لأي طرف معادٍ
لإسرائيل باستهداف الحي
السكني
المدني بحجة تواجد شخصية عسكرية قيادية
فيه!
وكمحاولة
لقمع المظاهرة
اعتقلت الشرطة
ستة نشطاء
واحتجزتهم
في محطة شرطة
"ميرحاف
هايركون",
وأصرت
على تحويل ملفهم إلى
المحكمة
مع طلب إبعادهم من حي "تساهالاه" مدة 60
يوماً
وفرض عقوبات أخرى،
بحجة قيام
المتظاهرين
بإخلال النظام والتظاهر غير
القانوني,
والتعرض لخصوصية قائد الأركان من
خلال
التظاهر أمام بيته الخاص.(19)
كما
ندّد
عشرات من
"المثقفين"
اليهود بالحرب الإسرائيلية على لبنان،
وقالوا إنها تستكمل الهجوم على الفلسطينيين، رافضين فكرة تحدث
إسرائيل باسم يهود العالم. وأشاروا في رسالتهم التضامنية مع
زملائهم المحاصرين في لبنان، إلى حجم المأساة الناجمة عن
الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب اللبناني والبنية التحتية،
والحصار الذي تفرضه إسرائيل لمنع إيصال المساعدات الطبية
والغذائية، واضعين العدوان في سياق استكمال الهجوم الذي بدأ
منذ مدة على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية.
وشجب المثقفون اليهود سياسة غضّ
الطرف التي تنتهجها المؤسسات والمنظمات اليهودية في العالم
تجاه العدوان الإسرائيلي، رافضين
المنطق
المتبع من قبل إسرائيل في الفصل بين البشر على أساس الدين
واللغة والأصل والانتماءات العرقية والثقافية.(20)
وقد
شارك
آلاف الإسرائيليين في مظاهرة تدعو إلى
إطلاق
سراح الجنود الإسرائيليين الثلاثة في غزة ولبنان،
وأقيمت
بمبادرة
من
حركة "أعيدوا الأبناء
إلى
بلادهم"
التي يقف على رأسها ضابط الاحتياط الإسرائيلي، عوزي ديان الذي
قال في
خطابه أثناء المظاهرة:"يجب
التأكد
من
أن
الحكومة فعلت كل المطلوب من أجل إعادة المختطفين".(21)
وبالإجمال،
يبدو أن ظاهرتي الاحتجاج داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية
ولدى الرأي العام الإسرائيلي،
مع
استمرار حكومة أولمرت،
تدفعان
نحو إعادة صياغة الأجندة السياسية وأيضا العسكرية
في الكيان.
كذلك فإن
الفشل العسكري في لبنان لم يقنع حكومة أولمرت بضرورة التوجه
نحو
"السلام"
بل هنالك توجه عام نحو إعادة صياغة بعض النظريات الأمنية
وإعادة تكريس أسطورة الردع الإسرائيلية التي تحطمت في لبنان.(22)
3- أزمة الحكومة
الصهيونية
انعكست
انعكان
تداعيات حرب لبنان في تراجع ثقة الناخبين والجمهور الإسرائيلي
بحكومة
العدو.
فقد نشرت
صحيفة "معاريف"
استطلاعاً
للرأي أظهر
أن
78% من
الإسرائيليين
راضون عن
أداء
رئيس الوزراء إيهود أولمرت،
مقابل 43% قالوا
قبل
ذلك
إنهم
راضون عن عمله.
كما
أيدت
نسبة 90% من الإسرائيليين إبعاد حزب
الله
عن الحدود الشمالية،
ومن بعدها فقط يجب الحديث عن وقف لإطلاق النار وإعادة
المختطفين.
فيما
أيدت نسبة 8% فقط
وقفاً
فورياً
لإطلاق النار وبدء المفاوضات.(23)
وعلى الرغم من إجماع المستويات داخل وخارج الحكومة وفي الأحزاب
"اليسارية" و"اليمينية" على "ضرورة" القيام بحملة عسكرية
ينفذها
سلاح الجو، إلا
أن
العمليات البرية في الجنوب
لم تلق
هذا الإجماع. وعلى الرغم من
أن
الأصوات المعارضة
ظلت
خافتة،
إلا أنها بدأت بالتصاعد من دون حدّة.
وهي
برزت
من داخل
الحكومة عن طريق الوزيرين: مئير شطريت (كديما) وأوفير بينيس
(لعمل)،
اللذين كشفا
"إن العملية في لبنان خطّطت
على أساس
عدم تنفيذ اجتياحات
برية". فيما عبَّر
مسؤولون في
حزب العمل عن امتعاضهم نتيجة عدم
المبادرة لأي
طرح
سياسي.
وقال الوزير
أوفير
بينيس:"كان
مهماً
أن تقوم إسرائيل بمساعٍ دبلوماسية إلى جانب حملتها العسكرية.
على الحملة العسكرية ألا تجعلنا نستنتج
بأن
لا حاجة للمسار الدبلوماسي إلى جانب
الحملة العسكرية".
كما
انتقد أعضاء كنيست من حزبي العمل وميريتس
العملية
والمسار الذي تتخذه الحكومة الإسرائيلية،
فيما تساءل
عضو الكنيست ورئيس الموساد السابق
داني
ياتوم
(العمل): "يجب أن نسأل عن العملية العسكرية أكثر. أنا سأطرح
القضية على
طاولة لجنة الخارجية والأمن في الكنيست وأريد إجابات واضحة.
ماذا تفعل القوات
البرية في لبنان؟ وهل هناك نوايا لتوسيع هذه العمليات؟ أنا
أعارض
بشدة
دخول
قوات إسرائيلية كبيرة إلى لبنان. وحتى الآن أحد لم يتحدث عن
هذا. وإذا جرى هذا
فعلاً فعلينا أن نعرف.(24)
وقد
أدى البقاء في الملاجئ
لأيام عديدة،
والحال المادية الصعبة
للمستوطنين،
وتعرّض
البلدات الشمالية
لقصف
مكثف من قبل المقاومة اللبنانية،
إلى تصدعات في ثقة الجمهور الإسرائيلي
ببيريتس
وأولمرت
فقد الاثنان تأييد الجمهور بشكل واضح. لكن بالمقابل ظلّت تسيبي
ليفني
(وزيرة
الخارجية) على شعبيتها وحظيت بنسبة تأييد 61
%
من الجمهور،
فيما
قالت نسبة 23
%
أنها غير راضية عن عملها.
واعتبرت
نسبة 20 % من الإسرائيليين فقط إنه في حال نهاية القتال اليوم
فهذا
يعتبر
انتصاراً
لإسرائيل،
فيما
أكدت نسبة
30 % أن إسرائيل لم تنتصر وقال43
%
من الجمهور
إنه لا يوجد منتصر ولا خاسر في هذه الحرب.
وبينما أيد
39 % من المستطلعة آراؤهم توسيع الحملة البرية فضلت نسبة 26 %
إبقاء
الحال
على حاله
وانتظار تطورات سياسية والعمل على إيجاد وضعية
يمكن
من
خلالها وقف إطلاق فوري للنار.(25)
وبعد يوم واحد على الإعلان عن وقف إطلاق النار، بدأت في حزب
العمل عملية شحذ السكاكين استعداداً
للمنافسة على منصب زعامة الحزب؛
فقد
توجّه
عدد من وزراء حزب العمل إلى رئيس الحكومة السابق، إيهود
باراك،
واقترحوا عليه أن ينافس
بيريتس في
الانتخابات التمهيدية القادمة على رئاسة الحزب.
وقال أحد وزراء العمل بأنه:"يوجد
مرشح واحد فقط يمكنه إنقاذ الحزب من الأزمة التي يواجهها"
إنه باراك الذي انشغل
خلال أيام الحرب انشغل
باراك
في
الظهور
أمام وسائل الإعلام الأجنبية،
مع محافظته
على
شبه
صمت سياسي. ومع ذلك، فقد تحدث خلال الأسابيع الأخيرة مع عدد من
الوزراء وأعضاء الكنيست من
حزبه
حول المضاعفات السياسية للحرب على حزب العمل، وعن عملية
التنافس الداخلي في الحزب.(26)
وقد
طفت
على السطح،
أزمة
حكومية،
بعد فشل الائتلاف للمرة الثانية
في
المصادقة على قرار يقضي
بتقليص
ميزانية بعض الوزارات بقيمة 2 مليار شيكل من
أجل
تمويل تكاليف الحرب. ولكن المفاجأة أن التقليص لم يحصل على
أغلبية،
فقد اعترضت
عليه
عضو
الكنيست أوريت نوكيد،
وعضو الكنيست
آفيشاي
بريفرمان،
وكلاهما من حزب العمل
ومن
الائتلاف الحكومي. وقد
أغضب ذلك رئيس الائتلاف الحكومي أفيغدور يتسحاقي
(كديما)
الذي هدّد
بفك الائتلاف،
معتبراً
ما يقوم به أعضاء
حزب
العمل "ألاعيب".
وأوضح أن أعضاء
الحزب،
ومن ضمنهم
رئيسه
بيريتس،
صوّتوا
مع
القرار في جلسة الحكومة،
محذراً بأنه
يوجد حد لإمكانية التحمل.
وقال يتسحاقي
أنه سيقترح على رئيس الوزراء البدء باتصالات من أجل
توسيع
الائتلاف
الحكومي!
يذكر
أن التقليصات
طالت
بالأساس
الوزارات
الاجتماعية، كوزارة الرفاه،
الأمر الذي يعني
تقلص
الخدمات التي تحصل عليها
الفئات
الضعيفة في المجتمع الإسرائيلي.وقد
أكد وزير المالية
"هرشزون"
على
ضرورة إجراء تغييرات على الميزانية
بقوله:"
إن تكاليف الحرب كانت
كبيرة
جداً،
لهذا علينا أن نغيّر
سلّم
أولوياتنا". وأضاف:
" إن ميزانية 2007 يجب أن
تعيد
الاقتصاد إلى النمو"،مدّعياً
بأن
السوق العالمي أبدى ثقته بالاقتصاد
الإسرائيلي
خلال الحرب. (27)
وفي ضوء معارضة بعض أعضاء كتلة
"العمل"
لقرارات الحكومة،
تعاظمت الأصوات في
حزب
"كديما"
الداعية إلى ضم أحزاب أخرى للحكومة - إضافة إلى العمل أو بدلاً
منه. وقال رئيس الوزراء لمقرّبيه:
"يجب التفكير باهتمام شديد في توسيع الائتلاف". و تمثلت
الشرارة التي أدت إلى الأزمة في رفض
النائبين آفيشاي
بريفرمن
وأوريت
نوكيد من
"العمل"
التصويت في لجنة المالية في الكنيست إلى جانب التقليص في
ميزانية الدولة.
كما
اقترح يتسحاقي تشكيل ائتلاف واسع على نحوٍ
خاص، مع أو بدون العمل، من خلال ضم الليكود، إسرائيل بيتنا،
يهدوت هتوراه، الاتحاد الوطني وميرتس. رئيس
"إسرائيل
بيتنا"
النائب افيغدور ليبرمان، عقّب
على
الاقتراح بقوله إن
حزبه لن ينضم إلى الحكومة إلا إذا قام أولمرت "بإخراج العمل
وتشكيل ائتلاف من الأحزاب اليمينية".
فيما
قدّر
مسؤولون في
"إسرائيل
بيتنا"
بأن
"هذه الأزمة حقيقية،
الائتلاف يتحطم،
وليس لأولمرت أي فرصة للبقاء إذا لم يغيّره".
وأبرزت الأزمة الائتلافية
كذلك
الشرخ السائد في العمل بين بيريتس
والموالين له وبين "المتمردين" في الكتلة. مسؤولون كبار في
العمل، بمن فيهم الموالون لبيريتس
اعترفوا
بأن
وضعه السياسي صعب،
حيث كشف
نواب من العمل
أنه ليس لبيريتس
أغلبية في الحزب لأي شيء. لا يمكنه أن يمرّر
اليوم أي قرار.
هذا الحزب منشغل بشكل ثابت في تدمير نفسه بنفسه.
نحن سنبدو على نحو سيء في نظر الجمهور وفي نظر أنفسنا. وهكذا
لن نتمكن أبداً
من النجاح في
"العودة
إلى الحكم".(28)
ومع
دخول ليبرمان إلى حكومة أولمرت،
يبدو أن حالة من الاستقرار النسبي الحكومي لن تعيق إمكانية
الدعوة إلى انتخابات مبكرة،
فتراكم قضايا الفساد السياسي والإداري المالي مع استمرار
تداعيات حرب لبنان في الظهور،
سيضعان
الأحزاب الصهيونية أمام الاستحقاق الانتخابي
ولو بعد حين.
لجنة التحقيق
في إخفاقات
الحرب
ساد الأوساط السياسية الإسرائيلية لغط كبير حول التحقيق في
أسباب
الهزيمة في لبنان. وكان من
المقرر أن يقوم وزير
الدفاع،
عمير بيريتس،
بتعيين
لجنة داخلية للأجهزة الأمنية من أجل فحص
أدائها
أثناء الحرب على
لبنان.وكان
من
المتوقع أن يكون على رأس اللجنة، رئيس هيئة أركان الجيش
السابق،
أمنون
ليبكين شاحاك. لكن جهات أمنية عبّرت
عن
دهشتها من تعيين شاحاك رئيساً للجنة، لكونه مقرّباً
من بيريتس،
فضلاً
عن أن
تعيين
اللجنة من قبل
الأخير،
يعرقل عملية فحص أداء بيريتس
نفسه أثناء الحرب. وعليه،
برزت
حاجة إلى لجنة تحقيق رسمية برئاسة قاض.
وسرعان ما أعلنت لجنة التحقيق
التي
يرأسها أمنون شاحاك، تجميد أعمالها.
وجاء هذا القرار ليعبّر
هو أيضاً
عن حالة إرباك في الحكومة.
وقد
واجهت تلك اللجنة أول عثرة حينما أعلن عضو
اللجنة،
هرتسل بودنغر،
قائد سلاح
الجو
السابق، استقالته من
اللجنة.(29)
من جهة أخرى،
قرّر
مراقب الدولة، ميخا لندن شتراوس،
التحقيق
في
الحرب
الأخيرة،
موضحاً
أن الفحص سيشمل الجيش.
و جاء في بيان عن مكتبه،
أنه انطلاقاً
من صلاحيات مكتب المراقب قرر فحص الحرب من كافة
جوانبها.وهذا
يعني أن التحقيق سيطال المستوى السياسي والعسكري.
وسيتم
استخلاص
النتائج وإصدار توصيات.(30)
وأوضح
المستشار القضائي للحكومة، ميني مزوز،
لرئيس
الوزراء أولمرت،
أنه لا يوجد أي عائق قانوني
أمام تشكيل
لجنة تحقيق رسمية لفحص
الإخفاقات
في الحرب،
و
أن
مسألة
اللجنة
تعود
لتقدير
وصلاحيات
الحكومة". ولكن مزوز عبّر
عن تحفظه
على تشكيل
لجنة تحقيق رسمية،
موضحاً
أنه
يعرض
وجهة نظره الشخصية،
وليس وجهة نظره كمستشار قضائي.(31)
وقد
صادقت الحكومة الإسرائيلية، في اجتماعها الأسبوعي في 17/9/2006
على تشكيل "لجنة الفحص الحكومية لأحداث الحرب في الشمال"
برئاسة القاضي إلياهو فينوغراد التي ستفحص أداء الحكومة والجيش
خلال حرب لبنان الثانية. ويهدف إشراك وزير الدفاع في تعيين
اللجنة إلى التأكيد على
أنها
ستفحص أداء الحكومة وجهاز الأمن،
مع
تعزيز دعم بيرتس للجنة فينوغراد،
بعدما كان في الماضي قد عبّر عن تأييده لتشكيل لجنة تحقيق
رسمية.
كما
ستفحص لجنة فينوغراد استعداد الأجهزة الإسرائيلية المختلفة
لمواجهة "تهديد حزب الله" منذ انسحاب إسرائيل من لبنان في أيار
2000. وسيتعين على اللجنة أن تقدم توصيات حول إجراء تحسينات في
عملية صناعة القرارات. وسيتم منح حصانة لكل من يدلي بشهادة
أمام اللجنة؛
ومن هذه الناحية،
فإن مكانة لجنة فينوغراد شبيهة بمكانة لجنة تحقيق رسمية.
وسيكون في عضوية اللجنة، إلى جانب القاضي فينوغراد، اللواءان
في الاحتياط مناحيم عينان وحاييم نادل،
وأستاذة القانون البروفيسور روت غابيزون،
وأستاذ العلوم السياسية البروفيسور يحزقيل درور.
بدأت لجنة فينوغراد عملها في 18/9/2006، حيث عقدت أولى جلساتها،
وتركزت
النقاشات
حول الخطوط العريضة
لآلية
عملها. ويؤهّل
التفويض الذي منحته الحكومة
للجنة
بالتحقيق في الحرب والإعداد لها،
ويشمل ذلك:
أداء الحكومة، والحكومات السابقة، وفحص أداء الحكومة منذ العام
2000، أي منذ انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان.وستفحص
اللجنة المستويين، السياسي والعسكري، ويشمل ذلك مسؤولية
المستوى العسكري والاستعداد على الجبهة الداخلية،
وكذلك ستفحص
"جاهزية أجهزة الأمن مقابل التهديد من لبنان"،
عمل
الاستخبارات وجمع المعلومات،
وبناء القوات "وإعدادها لمواجهة التهديدات"،
كما
ستفحص اللجنة أساليب إدارة المعارك وتفعيل القوات وعمليات
اتخاذ القرارات خلال أيام القتال.
ولا يشمل كتاب تعيين اللجنة تاريخاً
نهائياً
لتقديم تقريرها الأولي أو النهائي، ولكن الحكومة ستطالبها
بإنهاء عملها
في
أسرع وقت ممكن. وستقدم اللجنة تقاريرها الأولية والنهائية
لرئيس الوزراء ووزير الدفاع وهما المسؤولان الرسميان عن لجنة
فينوغراد. وحسب القرار،
فإن التقرير سيتم نشره باستثناء "مقاطع تعتبر سرية تمسّ
بأمن الدولة"، ويمكن للجنة أن تعقد جلسات سرية من أجل "منع تسرّب
معلومات سرية للصحافة،
ومن ضمنها
تقديرات استخباراتية
ووثائق حساسة".
وقد
حرصت لجنة فينوغراد على الإشادة بأول لقاءين أجرتهما
مع رئيس الوزراء إيهود أولمرت ووزير الدفاع عمير بيريتس.
وأثار إعلان اللجنة إن اللقاء مع أولمرت كان
إيجابياً،
غضب حركة الاحتجاج الإسرائيلية على إدارة الحرب، المؤلفة من
ضباط وجنود في الاحتياط ونشطاء الحركة من أجل جودة الحكم في
إسرائيل. وقال متحدث باسم الحركة
إن
قول أعضاء في اللجنة
بأن
اللقاء كان
إيجابياً
وغير رسمي يثبت أن هؤلاء يدركون مهمتهم الحقيقية: الأمر لا
يتعلق بلجنة تحقيق وإنما بلجنة تغطية تعمل في خدمة أولمرت.(32)
وذكِر
أن مراقب الدولة في إسرائيل ميخا لندن شتراوس
عيّن
فريق عمل برئاسة شلومو غور للتحقيق في
الحرب
على
لبنان.
وقد بدأ "شتراوس"
التحقيق في أحداث الحرب وكذلك
على الجبهة
الداخلية فور توقف القتال.
وتوقعت
لجنة مراقبة الدولة في
الكنيست أن يقدم مراقب الدولة تقريراً
مؤقتاً
في القريب العاجل،
تأمل المعارضة في استخدامه
لتشجيع فكرة إنشاء لجنة تحقيق مستقلة تابعة
للدولة لإجراء تحقيقات تتعلق بهذه الحرب. و تقود رئيسة لجنة
مراقبة الدولة في
الكنيست
إسترينا
تراتمان حملة لتأليف
هذه اللجنة
وهي
كانت طلبت من لندن
شتراوس
تقديم تقرير موقت.
وأبلغ
شتراوس
اللجنة أنه سيدرس إمكان استدعاء رئيس الوزراء ووزير
الدفاع وضباط في القوات المسلحة لاستجوابهم وقال:"لن
نستبعد
إمكان استجواب الجميع إذا ما احتجنا إلى تفسيرات". وكانت محكمة
العدل العليا
الإسرائيلية أمهلت الحكومة ستة أيام لشرح سبب عدم تأليف لجنة
تحقيق وطنية
مستقلة عن الحكومة من أجل التحقيق في أسلوب إدارة الحرب
الأخيرة في لبنان.(33)
وقد نظر قضاة المحكمة العليا في اعتراض يطلب من الدولة أن تبرّر
خلال خمسة أيام
عدم
تعيين لجنة تحقيق رسمية للتحقيق في الحرب اللبنانية الثانية،
ولماذا اختيرت الاحتمالية الأقل مناسبة في تعيين لجنة فحص
حكومية فقط. ومن الواضح بأن الحكومة لن تنجح في جولة المداولات
الثانية بإيجاد مبرّر
مقنع رداً
على هذه المسألة، وذلك
لأنها
لا تستطيع أن تفسر وتشرح بإقناع، بل ستحاول اختلاق الأعذار حول
رفضها. فحتى اليوم، لم تعط سبباً
واحداً
جيداً
لتفضيلها تشكيل لجنة فحص حكومية، وظلت هذه الوحيدة الظاهرة
للعيان. فلجنة فحص
كهذه
تعتبر مريحة أكثر للحكومة،
وذلك
لأن
الذين سيقومون بالفحص تم اختيارهم من قبل (رئيس الوزراء شخصيا).
وأيضاً
لان الحكومة لن تكون مضطرة (بموجب القانون) لقبول توصياتها أو
حتى مجرد نشر هذه التوصيات.
إن
لجنة التحقيق الرسمية (القضائية) تكون أقل راحة من غيرها
للحكومات، وذلك
لأن
أعضاء تلك اللجنة يتم تعيينهم من قبل رئيس المحكمة العليا،
ولأن
خطوط وأحكام عملها معروفة وفقاً
للقانون. فاللقاء غير المنظم وغير الملزم وذو الوجه الاجتماعي
الذي ساد بين أعضاء لجنة فينوغراد مع جزء من الذين سيجري
التحقيق معهم، وذلك قبل أن تبدأ اللجنة عملها وتحقيقها،
لم يكن مثل هذا السلوك ليحصل في لجنة تحقيق رسمية.
إن
لجنة فحص حكومية، على غرار لجنة فينوغراد، تعتبر تحديداً
تم إدخاله على قانون الحكومة عام 2002، وذلك ليضع بأيدي
الوزراء القدرة لفحص مسألة محددة فقط، ولا تكون المسألة ذات
أهمية شعبية (عامة).
والحرب، حسب كل الآراء والاعتقادات،
ليست مسألة، ولذلك
فإن
الحديث الدائر عن تحقيق في حرب يعتبر قراراً
غير معقول وعلى نحوٍ
متطرف.(34)
وقد
أجملت لجنة الخارجية والأمن في الكنيست في 28/10/2006 مرحلة
الاستماع إلى شهادات ضباط الاحتياط والجنود الذين قاتلوا في
لبنان،
وكانت
الجهة الوحيدة التي حظيت بتقديرهم هي الاستخبارات. أما كل
الباقين فأخفقوابسبب
النقص الخطير في المعدات والميزانية،
والذي أدى إلى انخفاض مستوى الجاهزية للحرب، عبر إدارة قتالية
ضعيفة
ونقاط خلل في القيادة وحتى البلبلة الهستيرية في الأوامر وفي
أهداف الحرب. وقال رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست
النائب تساحي هنغبي
إن
"شهادات الجنود أعطتنا
تصوراً
عما دار على الأرض، والآن سنفحصه حيال القيادة العليا. الآن
ستدخل قيد العمل المكثف اللجان الفرعية التي ستستدعي القادة،
من وزير الجيش ورئيس الأركان، وحتى قادة المناطق وقادة الفرق".
و خلافاً
لحرب يوم الغفران"
(1973)،فإنه
في حرب لبنان الثانية لم يكن هناك قصور استخباري. فقد كانت
لدى الجيش الإسرائيلي معلومات جيدة عن تشكيلات حزب الله،
والأسلحة التي بحوزته، بما في ذلك الصواريخ المضادة للدروع،
المخابئ وشبكة الخنادق المحصّنة،
مسارات نقل السلاح وطرق القيادة. وقبل شهرين من الحرب أجريت
مناورة "تكاتف الأذرع"، جرى فيها الاستعداد للسيناريو التالي:
حزب الله يختطف جنوداً
من الجيش الإسرائيلي في قيادة المنطقة الشمالية؛
الجيش يردّ
بصورة شديدة. حزب الله يشرع في هجوم صاروخي على الجبهة
الداخلية، يستمر لبضعة أسابيع؛
ثم يدخل
الجيش في خطوة برية متعددة الأذرع في عمق لبنان. "في المناورة
نجح الأمر، أما في الحرب ففشل". كما
إن
الاستخبارات وفرت للجيش الإسرائيلي معلومات عن أن حزب الله
يعتزم جر
الجيش
على طول الحدود. ورغم هذه المعلومات، فقد دخل
هذا
الجيش في الشرك الذي أعدّه
له حزب الله.(35)
أما "زئيف
شيف"،
المحلّل
العسكري لصحيفة هآرتس،
فعقد
مقاربة بين لجنة أغرانات
(1973)
ولجنة كاهان(1982)
ولجنة فينوغراد
(2006)،
أفادت أنه في 11 كانون الثاني 1973 جرى في مكتب رئيس الأركان،
ديفيد
أليعيزر،
حديث علني
عن
إمكانية تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث حرب
"يوم
الغفران".
لو شطبنا تاريخ الحديث وأسماء المشاركين، لكان يمكننا أن نعتقد
بأنه جرى هذه الأيام، في ختام الحرب مع حزب الله في صيف 2006.
لكن الخلفية العسكرية للحديث إياه كانت
مغايرة
من حيث الغاية. في الجبهة السورية كانت تتواصل حرب استنزاف.
وإسرائيل تلعق جراحها. عدد الضحايا في الجبهة السورية وفي
الجبهة المصرية بلغ 2569 (عدد السكان اليهود في إسرائيل كان
يبلغ في حينه 2,5 مليون نسمة). وكان قيد الأسر مئات
الإسرائيليين. الضغط الجماهيري لتشكيل لجنة تحقيق تصاعد. وخلف
الطلب وقفت محافل سياسية. وخلافاً
لأيامنا، في حينه لم تبرز بين المتظاهرين مجموعة سعت
للاستنتاج
بأن
إسرائيل هي دولة مجرمة، تدافع عن نفسها بالعدوان وتخرق القانون
الدولي.
تكليف لجنة أغرانات كان جزئياً
وسيئاً.
وبالكاد حققت
اللجنة
بثلث الحرب، حتى 8 تشرين الأول وبشكل عام. هذا درس مركزي يتعين
على اللجنة الحالية أن تستخلصه. من الأفضل "تبذير" بضعة أيام،
على أن يكون تكليف اللجنة سليماً
وكاملاً.
فقد تملّصت
لجنة أغرانات من استخلاص الاستنتاجات حول القيادة السياسية.
وهكذا فقدت مصداقيتها في نظر الجمهور وأدّت
بالجيش إلى عدم استخلاص دروسه بالشكل الكامل والسليم. وفي نظرة
إلى الوراء
يبدو واضحاً
أن اللجنة نفسها لم
تدرك
المفهوم الذي أدى إلى الخطأ
الاستخباري
المزدوج لإسرائيل. من أقوال الفريق
أليعيزر
واضح أنه لم يقدّر
وضعه
على نحو سليم ولم يفهم كيف ستتدحرج الأمور من اللحظة التي تعيّن
فيها لجنة تحقيق رسمية. خطأ مشابه ارتكب بعد تسع سنوات
مع
وزير
الدفاع
في حرب لبنان، عندما عيّنت
لجنة التحقيق برئاسة القاضي
إسحق
كاهان للتحقيق في
مسؤولية شارون عن
المذبحة في مخيمي
صبرا وشاتيلا.(36)
في المحصلة،
لا يبدو أن لجنة فينوغراد ستقدم على أمر غير مألوف في تاريخ
اللجان
التي شكّلت
للتحقيق في نتائج حروب سابقة أو أحداث إسرائيلية أخرى. وعليه
فإن
إعادة إنتاج حوار الطرشان حول حرب لبنان
هي
دوران جديد في دائرة ديموقراطية
إسرائيلية مغلقة.
الخسائر الاقتصادية
من جراء الحرب
شهدت إسرائيل حالة تخبط كبيرة في
مجال
تقدير الخسائر الاقتصادية جراء
حربها
العدوانية على لبنان، فوزير المالية أبراهام هيرشزون ورئيس
الحكومة إيهود أولمرت اكتفيا بالحديث عن حصانة الاقتصاد
الإسرائيلي والقدرة على تغطية تكاليف الحرب. لكن أوساطاً
اقتصادية ذكرت أن الخسائر
الاقتصادية
الإجمالية تتراوح ما بين 90 مليون
دولار
إلى 110 ملايين دولار يومياً،
عدا عن معدل صرف يومي بقيمة 15 مليون دولار على العدوان
العسكري. وأعلن اتحاد الصناعيين أن خسائر الاقتصاد في مصانع
الشمال وحدها، تتراوح
يومياً
ما بين 300 إلى 400 مليون شيكل (من 68 مليون
دولار
إلى 90 مليون دولار). وهذه تقديرات مبنية على إحصائيات تقول إن
90% من المرافق الاقتصادية من مصانع وأماكن عمل مختلفة، في
أقصى شمال إسرائيل مغلقة، وتنخفض هذه النسبة
في
منطقة كرميئيل إلى 80%.
وتتراوح أضرار
إغلاق مصانع أقصى شمال إسرائيل ما بين 20 إلى 50 مليون شيكل
(من
4
ملايين إلى 11 مليون دولار)، وهذا كله،
من دون
الحديث عن احتمال إغلاق مصنع تكرير البترول الأكبر في إسرائيل،
في خليج حيفا، الذي قد
يهبط مستوى
العمل فيه
إلى
الحد الأدنى.
خبراء في بنك "ميريل
لينتش" للتوظيفات المالية
قالوا أنه من
الصعب تقدير كيفية انتهاء الصراع بين إسرائيل وحزب الله، وكيف
سيؤثر هذا على الاقتصاد.
وحسب
أحد المسؤولين والخبراء في البنك، يسرائيل ممريل،
فإنه
"على المدى القصير،
ستخلق
الحرب
واقعاً
على الأرض يسمح بتحقيق أرباح في السوق، ولكن على المدى البعيد
فقد تزيد من هشاشة السوق"،
مع تقديره
أنه
حتى الآن،
فإن الاقتصاد الإسرائيلي لم يتضرر.
وتوقعت شركة المعلومات الاقتصادية "دان أند بردستريت"، أن
يتكبد الاقتصاد الإسرائيلي خسائر يومية بقيمة نصف مليار شيكل
(110 ملايين دولار)، بما في ذلك التكلفة العسكرية. وتعتمد
الشركة في تقديراتها على إغلاق المصانع، خاصة في منطقة الشمال،
والتعويضات عن الخسائر المباشرة، وأجور العاملين الذين لا
يعملون وغير ذلك. إلا أن الشركة ذاتها تؤكد
أنه
رغم
ذلك،
فإنه لا خوف على الاقتصاد الإسرائيلي نظراً
لقوته وحصانته "التي تعتبر من
الأقوى
في العالم الغربي" في هذه المرحلة!
لكن
يغنال سيرنا،
المعلّق
في صحيفة يديعوت أحرونوت،
كتب
أن «هذه الحرب لم توقع ضرراً بفرع الهايتك، ولكنها حكمت عليه
بالموت».
ويعود ذلك ليس فقط إلى حجم الأضرار المباشرة التي أصابت بعض
معامل « الهايتك» وإنما إلى قدرة هذا الفرع على الإيفاء
بتوريداته لزبائنه خارج إسرائيل.
وعندما تتوقف المعامل الإسرائيلية بفعل إرغام السكان على
اللجوء إلى الأماكن الآمنة، وحتى الهجرة إلى مناطق بعيدة،
وتوقف المعامل عن الإنتاج، فإن تأخر الصادرات الإسرائيلية يدفع
زبائن إسرائيل للبحث عن بدائل وإبرام عقود مع دول أخرى.
ويستدل
من معطيات نشرها اتحاد الصناعيين في إسرائيل أن حجم صادرات
الصناعات التكنولوجية المتطورة "الهايتك"، بلغ في العام 2004،
قرابة 12.9 مليار
دولار، أي بزيادة 19% عن حجم الصادرات في العام 2003. وتشير
المعطيات إلى
استعادة فروع "الهايتك" للمكانة التي احتلتها في العام 2000.
وحسب المعطيات
آنفة
الذكر، بلغ حجم الصادرات الإلكترونية الصناعية في العام
المنصرم، قرابة 2.2
مليار دولار، ما يعني ازدياد الصادرات بنسبة 50% عن صادرات
العام 2003. وبلغ حجم
صادرات وسائل الاتصال قرابة 2.88 مليار دولار،
بزيادة
نسبتها
20%. وبلغ حجم صادرات
المركبات الإلكترونية قرابة 2.11 مليار دولار،
نسبتها
10%، فيما ارتفعت صادرات
المعدات الطبية
بزيادة
10%، أيضاً، وبلغت مليار دولار. وبلغ حجم صادرات برامج
الحاسوب 3 مليار دولار،
بزيادة
نسبتها
10%، وارتفع حجم صادرات المعدات الأمنية
بنسبة 5% تقريباً، حيث بلغ 1.77 مليار دولار. وبذلك بلغ حجم
مجمل صادرات
الهايتك والتكنولوجيا، في العام 2004، قرابة 15.3 مليار دولار،
أي بزيادة 16% عن
العام 2003. أما في مجال التشغيل في فروع الهايتك، فتشير
معطيات اتحاد الصناعيين
إلى ازدياد قوة العمل في فروع الهايتك، في العام 2004،
بما يقرب من
3700 عامل، ما يشكل
نسبة 7% من المستخدمين. لكن هذا الرقم ما زال يقل بـ9000 عامل
عن الرقم القياسي
الذي وصل إليه عدد العاملين في الفرع، في العام 2000.
كما
حكِم
فرع السياحة بالموت
بسبب الحرب.
فالسياحة الإسرائيلية،
ولاسيما السياحة الترفيهية،
تتركز في المنطقة التي
تعرضت
للقصف من قبل حزب الله، وتعطل عمل المرافق السياحية سوف يشمل
موسم الصيف بكامله،
حتى وإن توقفت الحرب الآن،وبالتالي فإن حساب الخسارة لا يمكن
أن يحسب بعدد أيام الحرب،
إنما هو خسارة موسم بكامله.
ورغم التفاؤل النسبي بأن الحرب ستنتهي سريعاً،
لم يكن
من الممكن تجاهل التخوف من
التراجع
الذي قد يمسّ
بالنمو الاقتصادي،
ويضطر أصحاب رؤوس الأموال إلى إخراج أموالهم من إسرائيل".
وقد أتى
الحديث عن شبح الانهيار الاقتصادي متناقضاً
مع الأجواء الاحتفالية التي سادت إسرائيل قبيل أيام من
شنّها
الحرب على لبنان،
عندما أعلنت أوساط اقتصادية
أن النمو الاقتصادي في الربع الأول من العام 2006 بلغ 6%، وأن
سعر صرف الشيكل شهد ارتفاعاً.
كما
أعلنت الحكومة
أن ميزانية العام
2005
انتهت بفائض مالي من دون عجز،
وأصبح
هناك فائض في الخزينة من جباية الضرائب، الأمر الذي ساعد
الحكومة على تخفيض ضريبة القيمة المضافة للمشتريات من 5ر16%
إلى 5ر15%. كذلك فقد شهد سوق العمل استقراراً
معيناً
بنسبة البطالة، في حدود
98%.
ومن بين المعطيات التي
أشارت
إلى قفزة في الاقتصاد الإسرائيلي،
ارتفاع معدل الرواتب (غير الصافية) من 7100 شيكل (1580 دولاراً)
في مطلع العام 2004، إلى حوالي 7500 شيكل (1668 دولاراً)
في شهر أيار 2006. وارتفع عدد السياح في العام 2005 إلى قرابة2.5
مليون سائح، وتوقع وصوله إلى ثلاثة ملايين
سائح في العام 2006، بعد انهيار السياحة
خلال
الأعوام
(2001–
2004).
أما من حيث التضخم المالي، فقد
بلغت نسبته
6.1%،
في حين أن السقف الذي وضعته الحكومة للتضخم في العام
2006
يتراوح ما بين 1% إلى 3%.
وحتى الآن يعبّر
أركان
الاقتصاد الإسرائيلي، الرسميون خاصة، عن ارتياحهم نظراً
للثبات النسبي لسعر صرف الشيكل أمام الدولار والعملات الأجنبية.
فبعد أربعة أيام من الحرب سجّل
سعر الصرف ارتفاعاً
بنسبة 3%، ولكنه
انخفض بسرعة.
وقال خبراء اقتصاديون إن قيمة الشيكل لم تنخفض بسبب الحرب فقط،
وإنما أيضا بفعل ارتفاع
سعر صرف
الدولار في العالم في
هذه الفترة.
وبعد أسبوعين من الحرب، استمر سعر صرف الشيكل أمام الدولار في
التراوح
ما بين 4.4
إلى 55.4
شيكل للدولار، ويقدّر
خبراء أن أصحاب رؤوس الأموال، الأجانب منهم خاصة، يسودهم
الاعتقاد أنهم أمام حرب قصيرة،
وأن
لا حاجة مرحلياً
لسحب إيداعاتهم وتوظيفها خارج إسرائيل بسبب "بضعة أيام"، في
اقتصاد كل المؤشرات
تفيد
تقول
بأنه
يشهد حالة نهوض جدية.
ورغم إعلان رئيس الحكومة إيهود أولمرت، ووزير المالية هيرشزون،
أن تمويل الحرب سيتم من احتياطي الميزانية، بحيث يصرف 600
مليون شيكل (132 مليون دولار) من هذا العام، و222 مليون دولار
من احتياطي العام القادم 2007،
إلا
أنه من الصعب أن يغطّي
هذا المبلغ من الكلفتين العسكرية والاقتصادية، التي نسمعها حتى
الآن، فعلى الصعيد العسكري يجري الحديث عن معدل يومي بقيمة 15
مليون دولار.
وكي تضمن حكومة أولمرت الالتزام بالتعهدات التي سبق
وأعطتها
لأحزاب الائتلاف
عشية تشكيلها، فإنها
ستكون بحاجة إلى تقليص
بمعدل 4 مليارات شيكل من النفقة العامة. نصف هذا المبلغ كان من
المقرر أن يتم
سحبه
من ميزانية
وزارة
الدفاع، والنصف الآخر من الوزارات المختلفة.
لقد
أعلنت وزارة المالية الإسرائيلية، غداة إعلان وقف إطلاق النار،
أن إجمالي الخسائر الاقتصادية لإسرائيل بعد 33 يوماً
من الحرب بلغ
5,2 مليار دولار، منها2,72 مليار دولار خسائر مباشرة أما
الخسائر غير المباشرة،
فبلغت وفق نفس التقديرات
2.48
مليار دولار
تأتت
من خسارة الناتج القومي 5.1%،
أي 04,2
مليار دولار، و440 مليون دولار من تراجع مدخولات الدولة من
الضرائب.
لكن
يستبعد أن تتسبب هذه الخسائر بركود اقتصادي، خاصة وأن النصف
الأول من العام
2006
سجّل
نمواً
اقتصادياً
بنسبة 9.5%.
وبعد الحرب
أشارت
تقديرات وزارة المالية الإسرائيلية
أن
إجمالي النمو الاقتصادي للعام 2006 لن يقل عن 4%.
وكما هو متوقع،
فقد
بدأت إسرائيل تعدّ العدّة للتوجه إلى الإدارة الأميركية طالبة
دعماً
بقيمة ملياري دولار، على أن
يعتبر
قسم من هذا الدعم بمثابة منحة مالية،
بزعم أن إسرائيل "صمدت في جبهة حرب أمام الإرهاب، خلال الحرب
في لبنان، وتكبدت جراء ذلك خسائر من الصعب عليها تحملها من دون
المس بميزانية الدولة، وهذا أمر هام بالنسبة للولايات
المتحدة"، حسب مصادر حكومية إسرائيلية رفيعة.(37)
لم تتوقف آثار الحرب
الإسرائيلية
على لبنان عند حدود المجتمع الإسرائيلي، وإنما تخطّته
إلى المجتمعات اليهودية في العالم الواسع عموماً
وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص. وقد
أثارت نتائج الحرب نوعاً
من الخيبة لدى الكثير من يهود العالم الذين رأوا أن الجيش
الإسرائيلي لم يفلح هذه المرة في
"توفير
البضاعة"،
ولم يحقق لهم المجد المطلوب.
كما
جعلت
تلك
الحرب اليهود في العالم عموماً،
واليهود في أميركا على وجه الخصوص،
في قلب الحدث، سواء بسبب قلقهم على إسرائيل أو بسبب ما طلبته
إسرائيل منهم من مساعدات
ومساهمات
لتغطية
نفقات الحرب. وفي وقت من الأوقات، أوحت جهات إسرائيلية
للمتبرعين اليهود في أوروبا وأميركا بأنه من دون سخائهم، لن
تتوفر للجنود على الجبهة وجبات ساخنة ولا مشروبات باردة!
وقد
تجندت المنظمات اليهودية من أجل توفير الدعم للجنود على
الجبهة،
حيث
تم جمع حوالي 300 مليون دولار من أجل إعادة إعمار المستوطنات
الشمالية. ومع ذلك حاولت بعض المنظمات والشخصيات اليهودية
إبداء تحفظاتها، حيث دعا بعض هؤلاء إلى جمع الأموال لضحايا
القصف الإسرائيلي في لبنان. وبين هؤلاء الحاخام ميخائيل ليرنر
من كاليفورنيا الذي يرأس تحرير صحيفة "تيكون" الذي قال :"إنني
مؤيد لإسرائيل، ولكن تدمير هذا القدر الكبير من البنى التحتية
في لبنان هو مأساة من الناحيتين الإستراتيجية والأخلاقية".(38)
خلاصة
لدى إجراء مقاربة أولية بين حرب تموز2006 في لبنان وحرب
(1973)
ومعركة الكرامة1968،
يبدو
أن
ثمة عملية إعادة إنتاج المؤشرات الاستراتيجية
الدالّة
على إمكانية تضافر عوامل هزيمة المشروع الصهيوني في المستقبل
المنظور. لكن المسارات السياسية المرافقة للحظات أو محطات
الصراع الساخنة لا تتيح إمكانية مراكمة الإنجازات العسكرية
لتثمر في نهاية المطاف هزيمة تاريخية
لهذا المشروع.
وكي
نتجنب المغالاة في تقييم الإنجاز الذي حققته المقاومة في
لبنان، أي للخروج من دائرة ثنائية التهويل والتهوين، لابد من
التأكيد على رزمة من الحقائق ذات الصلة بالتجسيد السياسي
المادي للمشروع الصهيوني في فلسطين، أي
"إسرائيل".
ومن أبرز تلك الحقائق:
-
إسرائيل من حيث الجوهر هي ثكنة عسكرية. وهي
شكلاً
ومظهراً
كيان استيطاني-إجلائي كان الاعتراف الدولي به مشروطاً
بعودة اللاجئين الفلسطينيين الذين أرغِموا
على ترك وطنهم قسراً.
بينما لم يحصل هذا الكيان على شرعية وجود إقليمي كاملة. ناهيك
عن فشله الإستراتيجي في تغييب الشعب الفلسطيني وطمس هويته. أي
إن
هذا الكيان لم يتحول بعد 58 عاماً
من إعلان قيامه إلى دولة استيطانية عادية.
-
تعاني إسرائيل من أزمات بنيوية سياسية واجتماعية واقتصادية
يجري ضبط بعضها لفترة من الزمن،
في حين يستمر البعض الآخر في التعمق والانتشار لصلته بالأزمة
الإستراتيجية،
وهي أزمة الحصول على شرعية الوجود الاستيطاني الصهيوني في
فلسطين.
-
العلاقة الخاصة
التي تربط
بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية هي علاقة شراكة بين
شريكين غير متكافئين في القدرات.
وعموماً،
لابد من تقنين النشوة والتريث في
تحديد
قدرات إسرائيل في أعقاب الحرب على لبنان، لأن قوة إسرائيل على
الإيذاء لا تزال مثبتة. وإذا كان هناك من يعوّل على
نتائج
التحقيقات في إسرائيل حول مجريات الحرب،
يظل الأمر
الثابت أن على إسرائيل أن تكون أكثر عدوانية في أكثر من مفهوم،
فأي قيادة
قد تخلق
هذه القيادة
الحالية الفاشلة
ستبادر
إلى المزيد
من التصعيد
العسكري أو السياسي
في
سعيها
لإثبات قوة إسرائيل
مجدداًً!
الهوامش:
1-
للمزيد من التوسع حول طبيعة المشروع الصهيوني، أنظر: إلياس
شوفاني، إسرائيل في خمسين عاماً..
المشروع الصهيوني من المجرّد
إلى الملموس، دار جفرا، دمشق
(2002).
2-
صحيفة الأخبار اللبنانية،
17/11/2006.
3-
موقع الجيش اللبناني ـ إعداد: العقيد أنطوان نجيم.
4-
صحيفة الأخبار اللبنانية،
17/11/2006.
5-
يوميات الحرب الإسرائيلية على لبنان، مركز المعلومات والتوثيق
في مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
6-
Ynetnews،
13/8/2006.
7-
http://www.jewishvirtuallibrary.org/
8-
لواء د. زكريا حسين،
إدارة إسرائيل للعمليات
العسكرية في لبنان، مجلة السياسة الدولية
العدد166، أكتوبر
2006.
9-
لواء د. جمال مظلوم،
إدارة حزب الله للعمليات
العسكرية في حرب لبنان، مجلة السياسة الدولية،
العدد166، أكتوبر
2006
10-
صحيفة السفير،
6/9/2006.
11-
صحيفة الأخبار،
13/11/2006.
12-
موقع
عرب
48، 9/8/2006.
13-
باتريك
إنيدجار،
جنود
الاحتياط
في
الجيش
الإسرائيلي
يوجّهون
انتقادات
لاذعة
إلى
قادتهم، المركز الدولي لدراسات أميركا والغرب
(20/8/2006)
http://www.icaws.org
14-
صحيفة
هآرتس 21/8/2006.
15-
صحيفة
هآرتس22/8/2006.
16-
فراس خطيب، صراع
بين
سلاحي "البر" و"الجو" وانتقادات لحالوتس،
موقع
المشهد الإسرائيلي 28/8/2006.
17-
موقع
عرب 48، 18/7/2006.
18-
موقع
عرب 48، 21/7/2006.
19-
موقع
عرب 48، 14/8/2006.
20-
صحيفة السفير، 12/8/2006.
21-
موقع
عرب48، 1/9/2006.
22-
موقع
عرب48، 19/8/2006.
23-
موقع
عرب
48، 21/7/2006.
24-
موقع
عرب 48، 23/7/2006.
25-
موقع
عرب
48،
11/8/2006.
26-
مايا بنغل، وزراء في حزب العمل
لباراك:
عليك منافسة بيريتس،معاريف
16/8/2006.
27-
موقع
عرب
48، 22/8/2006.
28-
يوفال كارني، الائتلاف يتحطم، 23/8/2006.
29-
موقع
عرب48 22/8/2006.
30-
موقع
عرب48 22/8/2006.
31-
موقع
عرب48 22/8/2006.
32-
موقع
المشهد الإسرائيلي، 19/9/2006.
33-
هآرتس6/10/2006.
34-
هآرتس 8/10/2006.
35-
معاريف 30/10/2006.
36-
زئيف شيف، نصيحة للقاضي فينوغراد، هآرتس
15/9/2006.
37-
أنظر
مداخلة الكاتب في
الندوة الرابعة
والعشرين
لصحيفة البعث مع موقع الحزب على
الانترنت بعنوان:
تداعيات
العدوان الإسرائيلي على لبنان
www.baath-party.org
38-
حلمي موسى،
الفشل
في الحرب على لبنان يثير خوف يهود العالم على مستقبل إسرائيل،
صحيفة السفير6/9/2006.
|