من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 
 

 

 

 

 

 التأثيرات العسكرية والأمنية للحرب السادسة على الكيان الإسرائيلي

 

عدنان أبو عامر*

 

 

مقدمة:

تركت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، والتي فشلت في تصفية حزب الله وتغيير الوضع الاستراتيجي في المنطقة، كما كان أولمرت وبوش يطمحان، تركت انعكاسات وتداعيات خطيرة على مستويات عدة داخل الكيان، نحاول في هذه القراءة التحليلية الأولية الوقوف على أهمها وأبرزها، بما يؤسس لقراءات أكثر عمقاً في المستقبل، لأن انتصار المقاومة اللبنانية كانت له تأثيرات عميقة ليس بالنسبة لـ "إسرائيل" فحسب، بل على مستوى الصراع العربي-الإسرائيلي، ما يحتاج إلى وقت مديد ربما من أجل التقاط حدود هذه التأثيرات وأبعادها!

 

أولاً: مسلسل الإخفاقات الاستخبارية العسكرية

لعل الإخفاق الأكبر الذي وقع فيه الجيش الإسرائيلي يكمن في نجاح حزب الله، وهي منظمة تخوض حرب عصابات، في "خطف دولة بأكملها" بعد سنوات عديدة من التسلح والتخفي، بحيث استفاقت إسرائيل لتجد الحزب أكثر تنظيماً، وأكثر قتالية وتدريباً مما كان في جولات القتال السابقة، الأمر الذي أسفر عن تغير الوضع مع مقاتليه في ساحة المعركة.

ثم توالت سلسلة الإخفاقات الأمنية والاستخبارية للجيش الصهيوني، وتمثلت بعدد من المفاجآت التي قدمها حزب الله خلال المعركة، لتثير تساؤلات مقلقة في ضوء عدم تزوّد الجيش بمعلومات عنها، ولعل أهم هذه الإخفاقات:

1-         الصاروخ الذي ضرب البارجة البحرية، ما دفع سلاح البحرية لعدم تشغيل المنظومة الدفاعية خشية أن يصيب طائرات سلاح الجو عن طريق الخطأ! ولذلك توجهت على الفور الانتقادات للمؤسسة الأمنية بفروعها المختلفة، وخاصة الموساد والاستخبارات العسكرية، في ضوء هذه المفاجأة التي أرسلها السيد حسن نصر الله وعلى الهواء مباشرة! وتوالت الأسئلة: هل كان هناك خلل استخباري؟ أم استخفاف بقدرات حزب الله؟ أم هي اللامبالاة؟ أم أن الأمر يتعلق بكل هذه الأمور مجتمعة؟([1])

2-         تكاثرت الانتقادات في ميدان المعركة، حيث أكد جنود عائدون من المعارك الضارية أن حزب الله يستخدم في إطلاق الكاتيوشا إستراتيجية كلاسيكية في الاختفاء. وربما غاب عن مسؤولي الأجهزة الأمنية ما سبق أن أكده نصر الله نفسه سابقًا حين أكد أن حزبه سيؤدي دوره حيال الجيش الإسرائيلي بشكل أفضل من الجيش اللبناني، ذلك أن "الجيش لا يمكنه أن يختبئ، ولكن الحزب يمكنه ذلك، وحتى لو بحثت عنّا إسرائيل فلن تجدنا"! ويسألون في إسرائيل: طالما أن الرجل موثوق في كلامه، فلماذا لم ينتبه أحد لما قاله؟([2])

3-         المعركة التي خاضها سلاح المشاة ضد مقاتلي حزب الله قرب مستوطنة "أفيفيم" وقتِل فيِها عدة جنود، أكدت الفشل الاستخباري؛ فكيف لم يعلم الجنود المتقدمون باستعداد مقاتلي الحزب رغم مراقبتهم على مدى أشهر طويلة؟ وكيف لم يعرف أحد بوجود أنفاق بجانب الموقع؟ ولم يُقدّر أحد أن رجال الحزب يكمنون للجنود في كمين غير ظاهر؟ وقد روى بعض القادة والجنود في الوحدة المختارة الكثير من المواقف التي أكدت بصدق الفشل الاستخباري الذي وقعت فيه إسرائيل!([3])

4-         من الصعب القفز عن الإخفاق الأمني المتمثل بالخطأ الفادح الذي وقعت فيه الاستخبارات العسكرية، حين أقنعت رئيس الحكومة "إيهود أولمرت" ووزير الدفاع "عمير بيريتس" بالمصادقة على قصف المسجد في ضاحية بيروت الجنوبية، وتنفيذ عملية إنزال لوحدات الكوماندوز بدعوى وجود قيادة المقاومة بمن فيهم السيد حسن نصر الله؛ فقد نجم عن هذا الإخفاق إخفاق أكبر، حين أشارت المصادر الاستخبارية إلى تصفية جزء من قيادة حزب الله، إلا أن الأحداث أثبتت عكس ذلك، فقيادة الحزب ما زالت سليمة، وإسرائيل حتى الآن لا تملك صوراً لبعض مسؤوليه، الأمر الذي يدل على الصعوبات الاستخبارية التي تواجهها.

5-         الإرباك الاستخباري الذي وقع فيه الجيش تمثل في الشعار الذي رفعه أمين عام حزب الله، حين هدّد باستهداف العمق الإسرائيلي "إلى ما بعد بعد حيفا"، ما أفسح المجال للعديد من القراءات الأمنية، وأهمها أن الحرب بين المقاومة وإسرائيل مرّت بمراحل ثلاث:

أ‌-                    الأولى بدأت جغرافياً بين نقطة تقع في منطقة ما بعد الضاحية الجنوبية لبيروت، ونقطة أقصاها مدينة حيفا، عاصمة الشمال الفلسطيني المحتل،

ب‌-         الثانية واسمها "ما بعد حيفا"، لكن لا أحد يعرف من أين تبدأ جغرافياً، وإن كان مراقبون ومحلّلون استراتيجيون يعتقدون بأن منتهاها قد يكون "تل أبيب"،

ت‌-                 الثالثة واسمها "ما بعد بعد حيفا"، فلم يكن أحد يعرف من أين تبدأ جغرافياً، ولا أحد يعرف أين تنتهي.([4])

6-         شهدت جلسات المجلس الوزاري المصغر "الكابينت" خلافات شديدة بين رئيس الموساد "مائير داغان"، ورئيس جهاز الاستخبارات العسكرية "عاموس يدلين" حول قدرة صمود حزب الله. فالجنرال "داغان" يرى نفسه "العالِم الأكبر" في الشأن اللبناني. ففي الثمانينيات، وحين ترأس وحدة الارتباط في لبنان، حاول دون نجاح، ان يحولها إلى وحدة مخابراتية وتنفيذية تنافس أجهزة المخابرات الكبيرة، حيث قدم عدداً من الاقتراحات للقيام ببعض العمليات اللحظية التي وصفها بأنها "جزئية"، إلا أن وزراء المجلس المصغّر رفضوها.

7-         الفشل الأمني الحقيقي الذي منِيت به إسرائيل تمثل في الدعاية التي بثتها طوال الوقت، وهي أن حزب الله يفتقد للعمق الشعبي. وأكثر من ذلك، فإن الشعور السائد بين اللبنانيين هو "العداء ضده والنفور منه، وحتى بعد القصف الجوي لبلدة قانا، فإن الشعور الأساسي نحوه بالمقت لم يتغير"، الأمر الذي تم دحضه عملياً من خلال المظاهرات التي خرجت خلال وعقب انتهاء المعارك، والمؤيدة للحزب، وليس آخرها مهرجان الانتصار الذي شهدته الضاحية الجنوبية!([5])

8-         نجاح حزب الله في تحقيق ما أسماه أحدهم "الاشتباك المستمر" مع العدو، بالرغم من الاستغناء عن اعتماد القواعد العسكرية الثابتة والمكشوفة التي يمكن قصفها، حيث فاجأ الحزب إسرائيل – كما حركة حماس في فلسطين- بأنه لا يملك قواعد ومعسكرات ثابتة، وأنه يعمل سياسياً وعسكرياً بالاندماج الكامل في نسيج المجتمع اللبناني، الأمر الذي تذرعت به إسرائيل للقصف الوحشي والهمجي للمدنيين.

9-         بالرغم من الدور الكبير الذي لعبه جهاز الـ"يومِنت"([6])، والوحدة (504) خاصة، والوحدة (8200) التي وفرت صوراً استخبارية عن حزب الله، فقد أصيبت هذه الوحدات بانتكاسة استخبارية بعد أن تجنب أفراد الحزب التحدث عبر الهواتف، ومرّروا رسائلهم من خلال رُسل، وأجروا لقاءاتهم في غرف محصّنة ضد التصنت. ورغم أن تدمير المربّع الأمني للحزب شوّش العملية القيادية لديه، إلا أن أفراده استعدوا لذلك، فالقادة الميدانيون حصلوا على التعليمات بالتصرف وفقاً لتقديراتهم للموقف.

10-       الاعترافات المتتالية التي أدلى بها قادة الاستخبارات الإسرائيلية، ومنهم "إليعيزر تسفرير" الذي أدار مكتباً للموساد في بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، فهو أكد أن إسرائيل بذلت محاولات عديدة لاختراق حزب الله، لكنها واجهت صعوبات كبيرة، تماما مثل وضعها اليوم. ورغم تعاونها مع عدد من أعضاء الأحزاب اللبنانية الذين حاولوا جمع المعلومات عن الحزب، لكنهم أيضاً فشلوا، وعندها لم يتبق أمامنا إلا الاعتماد على تقديرات "جماعتنا" في لبنان التي عملت آنذاك بقيادة إيلي حبيقة، وفي هذا فشلت فشلاً ذريعاً"!([7])

11-       أشارت الكثير من القراءات الناقدة لأداء الاستخبارت العسكرية إلى أن دور الجيش الاسرائيلي يكمن في إبعاد الخطر عن الجبهة الداخلية، وبالتالي فإن مهمة الدولة تكمن في إبعاد هذه الجبهة عن ساحة المعركة، وهذه الأدوار ملقاة بالعادة على عاتق الأجهزة الاستخبارية بصورة نسبية. وفي حين أن على جنود الجيش خوض المخاطر في جبهة القتال، فإن على الدولة من خلال الاستخبارات أن تبذل كل ما في وسعها للحفاظ على حياة "الانسان" في العمق الداخلي.

وهكذا يتضح بأن العقبات التي واجهها الجيش في الجبهة العسكرية أمام حزب الله، لم تكن فقط متعلقة بالناحية اللوجستية، وإنما اتسعت لتشكل إخفاقاً استخبارياً شمولياً في فهم الواقع اللبناني. وبات من الواضح أن المعطيات الميدانية أكدت أن الجيش لم يُجهّز نفسه لكل السيناريوهات، وبالتالي فإن إحدى المشاكل في هذه الحرب هي مستوى التوقعات العالية من الجيش الإسرائيلي، بفضل التقارير الأمنية المغلوطة!!

 

ثانياً: الإخفاق العسكري (الجوي والبري) للجيش

أخذ الإخفاق العسكري للجيش الإسرائيلي أبعاداً عدة، أهمها ما حدث في ساحة الميدان مع رجال المقاومة على النحو التالي:

1-                    الإقرار بشراسة المواجهة مع عناصر حزب الله.

2-                    فشل الجيش في تغيير قواعد اللعبة مع حزب الله.

3-                    تعويض الفشل بإيقاع أكبر الضرر بلبنان، الدولة والمجتمع.

وقد تجسد الإخفاق العسكري الميداني الإسرائيلي في كلا الاتجاهين، الجوي والبري:

·                     فشل الرهان على سلاح الجو

لعل التحدي الأكبر الذي واجهه سلاح الجو تمثل في الهدف الذي وضِع له، كما جاء في كلمة وجّهها قائده الجنرال "إليعيزر شكيدي" لطياريه، حين قال: سلاح الجو سيشارك في تحقيق الهدف المتمثل بخلق وضع تعرف فيه دولة لبنان بأنها مسؤولة عما يجري من أراضيها وفي أراضيها، وأنها ستتحمل النتائج لقاء المس بدولة إسرائيل، وسلاح الجو سيسهم في تحديد قواعد المسموح والممنوع بين الكيانين السياديين المجاورين!([8])

ورغم أن القادة العسكريين اعتقدوا خلال الأيام الأولى للعملية الحربية، أن من الممكن حسم المعركة من الجو فقط، إلا أن "عقولهم أدركت" أن هناك حاجة لإدخال القوات البرية، حيث فوجئوا من شدة ضربات حزب الله، وقدرته على اصطياد الدبابات، ونصب الكمائن مع أجهزة حديثة للرؤية الليلية، وفوق كل ذلك قدرته على قصف الجبهة الداخلية الإسرائيلية بمئات الصواريخ يومياً، بحيث تحول مئات الآلاف من الإسرائيليين إلى لاجئين، مع كمية كبيرة من الدمار من أشد ما حدث في كل الحروب التي خاضتها إسرائيل.

ولذلك تم تجنيد كل سلاح الجو لهذه العملية الحربية، مئات الطائرات صعدت إلى الجو، وأخذت تشن غارات تدريجية منظمة ومرتبة، بدأت بطائرات قليلة وسارت على نحو تدريجي- تصعيدي حتى نهاية الحرب، واضعة نصب عينيها أهدافاً حددها القادة السياسيون والعسكريون. ولكن مع مرور الأسبوع الأول من الحرب التي أرادتها إسرائيل "خاطفة وسريعة"، تبين أن سلاح الجو لا يستطيع فعل كل شيء من خلال الفضاء، الأمر الذي دفع الجيش بعد تردد لاتخاذ القرار بشن عملية برية.

وهكذا، من خلف أعمدة الدخان التي تنبعث من طائرات سلاح الجو، بدأت تطلّ على الإسرائيليين، مدنيين وساسة وعسكريين، حقيقة مريرة وكئيبة: هذه الحرب هي فشل مهين، إنجازها الوحيد هو ضرب خطوط حزب الله على طول الحدود اللبنانية، وهو إنجاز كان قابلاً للتنفيذ بصورة واقعية وباردة، دون إلحاق كارثة بشرية واقتصادية وسياسية بلبنان وإسرائيل معاً.

ويوماً بعد يوم تعززت القناعة بأنه لن يكون هناك حسم عسكري من الجو، لأن حرب الجو لن تؤدي للانتصار، وفي أحسن الحالات ستؤدي إلى إنجازات عسكرية محدودة! ذلك أنه بعد "الإذلال" الذي تعرضت له القوات البرية بسبب عمليتي الأسر في غزة ولبنان، جاءت الضربات التي نفذها سلاح الجو بغرض "تنصيب القامة وإثارة الغرائز الحربية" ليس أكثر؛ إلا أن الحقيقة المثبتة أن هذه الضربات آلمت الشعب اللبناني أكثر مما آلمت حزب الله، وبقيت ماكينة الحرب لدى نصر الله مثلما كانت لم تتضرر، وفي أحسن الحالات، سينتصب حزب الله ثانية من تحت الأنقاض، ويصل الشرق الأوسط إلى نتيجة مفادها أن مجموعة صغيرة من "المؤمنين"، منضبطة ومدرّبة، قادرة على تحدي إسرائيل.([9])

وربما تأكد ما بات يعرف بـ"تلاشي" القوة الجوية الإسرائيلية، من خلال ما ذكرته دراسة غربية نشرها مؤخراً "منتدى الصراعات من أجل الشرق الأوسط" في لندن، ومما جاء فيها: لقد انتهكت القوات الإسرائيلية مبادئ الحرب عندما اكتفت باحتقار العدو –دون دراسة جادة- وبالتالي كانت المفاجأة في حملتها الجوية كبيرة، التي جاءت عبر استراتيجية مفجعة ونجمت عن نتائج خطيرة، حين تصورت إسرائيل أنها تستطيع تدمير قوة حزب الله خلال 72 ساعة من القصف الجوي المتواصل.([10])

·                     الآثار الكارثية للعملية البرية

جاء توصيف الانتقال من المجال الجوي إلى الميدان البري على لسان أحد المراسلين العسكريين في غاية الدقة حين قال: في الليلة الحادية عشر من المعركة في لبنان، نُقِل التأكيد من الفصل الجوي الجراحي، في كتاب الحرب الاسرائيلي، إلى فصل جديد هو دم وعرق ودموع، حيث انطلقت عملية "خيوط الفولاذ"، ومن يُرد يجد في هذا الاسم رمزاً لجواب الجيش الاسرائيلي على خطاب نصر الله "خيوط العنكبوت".([11])

انتقل الجيش الإسرائيلي للمواجهة البرية رغم يقينه بأن حزب الله ينتظر هذه المواجهة، والدليل على ذلك جملة من الإجراءات الاحتياطية قام بها مقاتلوه، وكشف عنها الجيش الإسرائيلي بعد انقشاع غبار المعركة. وبالرغم من أن السنوات الماضية شهدت صرف ميزانيات للذراع البري في الجيش لتطوير جهازين مختلفين للتحصين النشط، تحملان اسم "سترة الريح" و"قبضة فولاذية"، مع اجتياز الجهازين بنجاح لسلسلة طويلة من التجارب التي أثبتت نجاعتهما، إلا أن قذائف المقاومة وصواريخها ومضاداتها – في فلسطين ولبنان- أبطلت مفعول الجهازين بصورة أربكت هيئة الصناعات العسكرية الإسرائيلية.([12])

وهكذا صدرت مواقف عسكرية تطالب بالخروج من هذه الحيرة، بين الدخول برياً من عدمه، أو الدخول بقوات محدودة نظراً للصدمة النفسية التاريخية، أو الدخول إلى الأراضي اللبنانية بكتلة هائلة من مئات الآليات المدرّعة، ومع قدرٍ أكبر من قوات المشاة، بمن فيهم الاحتياط، للقيام بمهمة "التنظيف" بسهولة أكبر، وإن كان بثمن إصابات لا بأس به.([13])

وبالرغم من التخطيط المسبق الدقيق، فقد جاءت النتائج غير متوقعة بالعموم، خاصة وأن القتال كان عسيراً جداً، حيث اصطدمت القوات بنار حامية، أصيبت فيها دبابات كثيرة، وأشد ما واجه الجنود هو القتال الكثيف مع "عدو" يظهر أحياناً من مسافة أمتار، الأمر الذي جعل ساحة المعركة متسمة بالتوتر الشديد، ما أسفر في العديد من الأحيان عن وقوع عدد من الإصابات بنيران "ودّية صديقة" أطلقتها طائرات من سلاح الجو الإسرائيلي.

لكن الثمن الحقيقي للقتال تكشف في بنت جبيل ومارون الراس، من خلال صور المصابين من الجنود الذين تم إخلاؤهم، وهي صور لم تشاهد منذ الأيام التي سبقت انسحاب عام 2000، في ذات الوقت الذي ظلت إسرائيل تتلقى الضربات في رموزها الحربية، بدءاً من ضرب البارجة البحرية، مروراً بخسائر الوحدات الخاصة في مارون الراس، واستهداف مروحيات ودبابات الميركافاه وهي أحدث طراز يملكه الجيش الإسرائيلي؛ ولم تكن الإصابات الكثيرة في الدبابات صدفة، بالإضافة إلى وحدات المدرعات التي اعتادت طوال سنوات على التفوق المطلق في استخدام الدبابات في المناطق الفلسطينية، لكنها وجدت صعوبة أكبر من القوات الأخرى في التكيف مع هذه النقلة إلى ساحة الحرب.

كما أكدت الحرب البرية أن الحركة الواسعة في وضح النهار حوّلت الدبابات إلى أجسام مكشوفة ومعرّضة للصواريخ المضادة للدروع التي يملكها حزب الله، علماً بأن الجيش كان بإمكانه استغلال الليل، حيث توجد وسائل رؤية أفضل مما يوجد لدى الخصم.([14])

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثالثاً: فشل نظرية الحرب الاستباقية

لم يكن أي مراقب موضوعي لمجريات الحرب بحاجة إلى جهد كبير ليصل إلى ذات القناعة التي وصل إليها بعض القادة العسكريين والمسؤولين السياسيين الإسرائيليين، وهي أن نظرية الحرب الاستباقية التي عوّلت عليها إسرائيل كثيراً كانت فاشلة، والبراهين البارزة على إخفاق مقولات الحرب الخاطفة كثيرة، أهمها:

1-                  عجز القوات البرية عن وقف حرب الاستنزاف، التي واصل حزب الله شنّها ضد إسرائيل ومدنها حتى اللحظة الأخيرة،

2-         عدم استكمال القوات البرية "تطهيرها" للحزام الضيق في الجنوب اللبناني. وفي حين اعتبرت حرب العام 1982 سيئة من ناحية أهدافها، مع أن الجيش وصل حتى نهر الأولي في غضون 48 ساعة مع خسائر قليلة، لكن في الحرب الأخيرة فإن الجيش قاتل "عرضاً بدلاً من عمقاً" في قطاع ضيق للغاية، ولم يستكمل مهمته في عدة أسابيع،([15])

3-         قامت استراتيجية إسرائيل منذ إنشائها على تجنيب الداخل أي هجوم خارجي، وهي حرصت على خوض حروبها كلها بنقلها فوراً إلى أرض "أعدائها"، وبقي هاجس الأمن يفرض توفير قوة عسكرية رادعة للجيوش العربية، وتمت حماية الفضاء الاسرائيلي بتطوير سلاح الجو والدفاع الجوي كقوة هجومية ودفاعية،

4-         الأحاديث الذي بدأ ضباط المشاة والمظليون يردّدونها حول الخسائر التي تكبدتها قواتهم، ومنهم العميد "يوسي هايمان" ضابط المشاة والمظليين الرئيس، الذي قال: أشعر بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على كتفي، حيث لم أفلح في الإعداد الأفضل لسلاح المشاة للحرب الحالية، وحدات النظامي والاحتياط، ولم أنجح في منع تآكل السرايا والفصائل المهنية، كـ"الراجمات، الدورية، الغراب، الهندسة"، ولم أشعر بأي راحة حيال جملة المعاذير، وهي جميعها معروفة وصحيحة، كالتقليصات، والخسائر المتواصلة في التصدي لتضاؤل تدريبات النظامي والاحتياط حيال احتياجات القتال،

5-         العرائض التي أرسلتها مجموعة من المقاتلين لقادة الجيش ورئيس الحكومة ووزير الدفاع، ومنهم جنود وقادة اللواء 551 من الفرقة المنتخبة، الذين بعثوا برسالة احتجاج شديدة اللهجة.([16])

6-         الإجماع الذي ساد في أوساط المحلّلين العسكريين والاستراتيجيين على أن ما تلقته إسرائيل أمام حزب الله هو: "ضربة قاضية"، "تلقينا صفعة"، نحن "الإسرائيليون" لسنا أمام فشل عسكري فقط، هذا فشل استراتيجي لم تتضح بعد تبعاته وإسقاطاته السلبية بعيدة المدى. ومثل الملاكم بعد أن يتلقى الصدمة، ما زال الإسرائيليون جاثمين على الأرض في شبه إغماء محاولين فهم ما حدث لهم.

7-         ومثلما أفضت حرب الأيام الستة([17]) إلى تغيير استراتيجي في الشرق الأوسط، وتكريس مكانة إسرائيل كدولة إقليمية عظمى، فقد أدّت حرب لبنان الثانية إلى عملية معاكسة، حيث أن فشل الجيش في القتال أمام حزب الله سيقضم الثروة الأهم بالنسبة للأمن القومي الإسرائيلي، صورة الدولة الجبارة التي تمتلك جيشاً ضخماً وقوياً ومتطوراً قادراً على ضرب الأعداء، وتوجيه ضربات ساحقة لهم إن تجرأوا فقط على التحرش بـ "إسرائيل". وهذه الحرب، كما اتضح سريعاً، كانت حرباً على "الوعي" و"الردع"، وقد فشلت إسرائيل في الحالتين.([18])

 

رابعاً: مفاجآت حزب الله العسكرية وردود العدو عليها

منذ اللحظة الأولى لاندلاع المواجهة العسكرية بين حزب الله وإسرائيل، بدا من الواضح أن الجيش والحكومة تلقّيا سلسلة من المفاجآت غير السارة من قبل رجال المقاومة. وخلال المعركة أشار الوضع العسكري إلى حدوث ما يشبه "المعجزة" فى قدرات حزب الله. وإذا استخدمنا اللغة العسكرية، فإن ثمة مفاجآت استراتيجية حققها الحزب خلال المواجهة، ما أكد أن هذه الحرب كانت مستندة على كثير من المفاجآت.

فلم يكد الجيش الإسرائيلي يستفيق من المفاجآت الاستخبارية والأمنية([19]) التي استبقت شن حربه على لبنان، حتى قدم حزب الله مفاجآت من نوع جديد على يد مقاتليه في ساحة المعركة، بحيث وقف الجيش الإسرائيلي أمام نظريات قتالية جديدة، لم يعهدها من قبل، لا في حروبه النظامية مع الجيوش العربية، ولا في مواجهة حركات المقاومة الفلسطينية .

وبالإمكان إجمال الحديث عن المفاجآت الميدانية التي "أهداها" مقاتلو حزب الله إلى جنود الجيش الإسرائيلي على النحو التالي:

1-         اتخذت المقاومة أسلوباً قتالياً يعتمد طريقة "الخطوة خطوة"، حيث استخدمت قواتها ببطء وتأن، ليدخل السلاح الجديد تلو الآخر بالتزامن مع التصعيد الإسرائيلي. وكان لهذه الخطة فاعلية ملموسة على القدرات العسكرية للجيش الإسرائيلي. وقد لوحظ خلال أيام القتال نجاح حزب الله في استدراج القوات الإسرائيلية إلى مناطق مجهّزة، يطلق عليها مناطق "قتل الدبابات"، وهو ما حدث يوم معارك 12 أغسطس.

2-         استفاد مقاتلو حزب الله من تجارب مقاتلين سابقين في ساحات أخرى من الصراعات المسلحة في أماكن مختلفة من العالم، في الوقت الذي فشل فيه الإسرائيلي من استخلاص الدروس منها، وهو الذي يمتلك الأكاديميات العسكرية المتطورة، ومن أبرز الدروس:

أ‌-          اعتمد حزب الله تكتيكاً عسكرياً مشابهاً للوسائل التي استخدمها مقاتلو "الفيتكونغ" خلال حرب فيتنام، مما جعل منه خصماً شرساً للجيش الإسرائيلي، حيث أقام قرب الحدود مع فلسطين المحتلة شبكة أنفاق وخنادق كتلك التي أقيمت للإيقاع بالجنود الأمريكيين في فيتنام.

ب‌-         إتقان الحزب استخدام الأنفاق تحت الأرض، فالمقاتلون يطلقون الصواريخ المضادة للدبابات بواسطة المنصات المحمولة على الكتف، ثم يختفون بسرعة، وهي الطريقة ذاتها التي يستخدمها المقاتلون الشيشان ضد القوات الروسية، حيث أنهم يستخدمون نظام المجاري والأنفاق في "غروزني" لمهاجمة أرتال المدرعات الروسية.([20])

ت‌-         القدرة على مواصلة المعركة على مساحة الأرض اللبنانية، والممتدة من شمال فلسطين، بما يعني أن حزب الله أصبحت لديه قدرة هائلة تجمع بين تكتيكات المقاومة وقدرات الإدارة الاستراتيجية لمعارك الجيوش، من خلال التدرج التاريخي الميداني. وهذا تطور يشير إلى امتلاك المقاومة لقدرات استراتيجية فى إدارة معركة من هذا الطراز، وهو ما انعكس بدوره في القدرة على تسيير المعارك وفق خطط محسوبة على المستويين السياسي والعسكري معاً، إذ بادل حزب الله القصف بالقصف على مستوى القواعد العسكرية، كما بادله على مستوى "المدنيين"، وكذا على مستوى عمق القصف، وأيضاً على صعيد المنشآت.. الخ.([21])

3-         إعلان الجيش الإسرائيلي أن ما يواجهه جنوده في ميدان المعركة ليس ميليشيا، بل لواء من القوات الخاصة في جيش نظامي عصري، حيث أن مقاتلي حزب الله مدرّبون إلى أقصى الحدود، ومجهّزون بشكل جيد، ومندفعون لمواصلة القتال. ورغم أن حزب الله يمكن تصنيفه على أنه "ميليشيا" في التعريف العسكري، إلا أن أداء مقاتليه في الميدان بدا وكأنه يتدرب كجيش نظامي، ويتسلح كأن مقاتليه جنود في جيش دولة، حيث أن عناصره مدرّبون، وذوو كفاءة عالية، ومزوّدون بسترات واقية، ونظارات للرؤية الليلية، وأجهزة اتصالات حديثة، الأمر الذي دفع عدداً من المسؤولين الإسرائيليين للإعلان أن حزب الله دولة في داخل دولة!

4-         إتقان مقاتلي حزب الله لفن الاختفاء والتمويه، فقد أكدت شهادات عديدة لجنود إسرائيليين عادوا من ميدان المعركة، أن خصومهم أداروا معاركهم وحاربوا بإصرار وضراوة دون أن يكون لهم ظهور حقيقي على وجه الأرض. لقد عملوا تماماً كما هو متوقع من منظمة "عصابات" يشنّ أحد الجيوش عليها حرباً، ويتفوق فيها بالعدّة والعتاد، حيث اختفى مقاتلو الحزب بالقدر الممكن، يضربون من مواقع خفية، وينتظرون حتى تمرّ موجة الغضب لكي يتجمعوا من جديد، ثم يضربون مرة أخرى.

كما أقام مقاتلو الحزب الكثير من الثكنات القوية التي لا يظهر منها أحد، ولا يصاب فيها أحد عندما تقوم طائرات سلاح الجو بالإغارة عليها، بل تُمكّنهم من إخراج فوهات قاذفات الصواريخ وإطلاقها دون إزعاج، والتي تكون موجّهة سلفاً إلى أهداف إسرائيلية قبل نشوب أي معركة. هكذا، وبالضغط على "زر واحد"، يستطيع أحد قادة حزب الله أن يعزف على "جوقة" من النيران توجّه إلى إسرائيل، وهو يستطيع أن يحدد بالضبط أين تقع هذه الصواريخ التي أُعدّت أهدافها من قبل، وبهدوء.([22])

5-         المفاجأة المتمثلة بالإصرار العنيد على المواجهة، فقد روى قادة مقاتلي وحدة "ماغلان" الذين خرجوا من منطقة مارون الراس، بأن الحديث يدور عن منظمة استعدت جيداً لهذه اللحظة، وهي تعرف كل نبتة وكل حجر. وقد اصطدم مقاتلو الوحدات المختارة من الجيش بمقاومة عنيدة من مقاتلي حزب الله. وروى أحد القادة في الوحدة المختارة قائلاً: لقد خسرنا الاتصال الاستخباري بالمنطقة فيما واصلوا هم، المقاومون، تثبيت أنفسهم. وإذا كنا ذات مرة نعرف المنطقة على ذات المستوى الذي يعرفونها به تقريباً، فاليوم لا يكاد يوجد أناس في الوحدات التي قاتلت في حينه يعرفون المنطقة المعقدة، ونوع النشاطات التي كانت فيها، مع أننا تدربنا تدريباً قصيراً على مواقع تتلاءم بقدر أكبر مع المناطق المبنية، بين الحين والاخر على مواقع مشابهة لتلك في لبنان.

6-         التدرج العسكري المدروس لعمليات قصف حزب الله للمواقع الإسرائيلية، الأمر الذي جعل الجيش الإسرائيلي وما يسمى "الجبهة الداخلية" في حالة توقع مفاجآت يومية غير متوقعة.

·                     التعامل الإسرائيلي مع مفاجآت حزب الله

كما فعلت أجهزة الاستخبارات، فقد لجأت الحكومة والجيش إلى خطوات دفاعية، حاولت في جميعها دفع "تهمة المفاجأة" عن نفسها، وتبين ذلك من خلال:

1-       جملة تأكيدات أصدرها قادة المؤسستين العسكرية والأمنية تشير في مجملها إلى أنهم لم يتفاجأوا من قدرات حزب الله، بل من توفر إرادة سياسية وجرأة غير معهودة على استخدام هذه القدرات.

2-       إشاعة أجواء تشير إلى أن حزب الله فوجيء تماماً من قوة رد الجيش الإسرائيلي، وجاء ذلك على ألسنة رئيس الوزراء ووزير الدفاع ومتحدثون باسم الأجهزة الأمنية، علماً بأننا إذا سلّمنا بذلك، فإنه لا يعني دفع "تهمة المفاجأة" التي صدمت إسرائيل، جيشا وحكومة، مما يدفع إلى القول أن نظرية المفاجأة العكسية التي تحدث عنها "أولمرت وبيرتس"، تعني بأن الطرف الآخر، أي حزب الله، ساذج، ولا يفهم قواعد لعبة الحرب مع إسرائيل، وهذا اعتقاد ليس له أصل في تاريخ الرد والتعامل لحزب الله في الماضي البعيد ولا القريب! وإذا قررنا قبول الاعتقاد بأن حزب الله فوجيء من حجم الرد الإسرائيلي، فمن الصعب الإجابة على سؤال: لماذا واصل عمليات التحرش المتواصلة بعد ذلك ضد إسرائيل، بما في ذلك إطلاق الصواريخ على المدن الكبرى مثل نهاريا وطبريا وحيفا.([23])

3-       إشاعة مفاجأة حزب الله بالرد الإسرائيلي، طرحت أسئلة أحضرها الجنود من ميدان المعركة، التي استنطقت إجابات محددة أهمها أنه مثلما استعد الجيش الإسرائيلي لهذه المواجهة، وأعدّ أهدافاً وجمع معلومات، فقد تصرف حزب الله بذات الطريقة، حيث نشر مواقعه بحكمة واستعد للدفاع عنها.([24])

4-       التخبط الإعلامي في التصريحات الصادرة عن قادة الجيش في أعقاب المفاجآت الميدانية للمقاومة، ولعل أهمها مفاجأة قصف البارجة البحرية. ففي حين دعا أمين عام حزب الله العالم بأسره لرؤية البارجة تحترق، في تنسيق غير مسبوق، بين القول والفعل، بين الوعد وتحقيق الوعد، رأينا العسكريين الإسرائيليين يتخبطون في التعامل مع هذه المفاجأة.

5-       أخذ التعامل مع هذه المفاجآت محاولة التهويل من قدرات "العدو" في خطوة لاستدرار التعاطف الدولي من جهة، والحفاظ على مسبقاً الالتفاف الشعبي الإسرائيلي الذي أصابه التصدع كلما طال أمد الحرب من جهة ثانية، وتقديم مسوغات جاهزة مسبقاً لأي ردود هستيرية ضد المقاومة من جهة ثالثة.

 

خامساً: نجاح حزب الله في ضرب قوة الردع الإسرائيلية

لقد أعلنت إسرائيل بكل وضوح، وعلى ألسنة العديد من القادة العسكريين والمسؤولين السياسيين، أن أهم أهداف الحرب هو استعادة القدرة الردعية التي تآكلت منذ الانسحاب من لبنان في العام 2000، وتكرست بعدها سياسة ضبط النفس وفك الارتباط. ورغم حدوث تغييرات على أهداف هذه الحرب منذ أن اندلعت، وسارت نحو التراجع والتقليص في ظل القصور الذي ظهر على الأرض، إلا أن هدفاً واحداً بقي على حاله لم يتغير وهو: استعادة القدرة الردعية.

هذا الإصرار على استعادة القوة الردعية، يكمن في أن إسرائيل لا تستطيع أن توافق على بقاء الوضع على هذه الصورة، وأن تتعايش مع ضربات الكاتيوشا، وسبب ذلك بسيط: هو أن إسرائيل دخلت في عهد جديد، عهد السلاح المدفعي، كما برهنت صواريخ المقاومة الموجّهة لحيفا ونهاريا، وقصف عسقلان ومزرعة شارون في النقب الذي نفذته قاذفات حماس، وبالتالي ليس لدى إسرائيل من ردٍ مباشر على هذا السلاح، والرد الوحيد هو الردع الحاسم.([25])

ومع ذلك، بقي سعي إسرائيل لاستعادة قوة الردع المفقودة أمر يشوبه الكثير من الشكوك، لأنه وفقاً لأفضل السيناريوهات المتفائلة، سرعان ما سينهض حزب الله من جديد خلال عام أو عامين. ورغم أنه قد لا يستخدم المنظومة الصاروخية التي يملكها، إلا أن التهديد يبقى قائماً، والعبرة التي سيتوصل إليها الشرق الأوسط هي أن جيشاً عقائدياً صغيراً وماهراً ومنضبطاً، قادر على استفزاز إسرائيل ومواصلة بقائه في نفس الوقت، وبالتالي فإن بقاء حزب الله الذي هاجم حيفا وما زال "يزدهر" في جنوب لبنان، هو نفي سلبي مطلق للردع الساحق، ودلالة متواصلة على الضعف الإسرائيلي، وقد يبشر بحرب جديدة أشد صعوبة!

·                     مظاهر تآكل قوة الردع الإسرائيلية

أخذت قوة الردع الإسرائيلية في التآكل بصورة حقيقية كما تشير لذلك العديد من القراءات الاستراتيجية منذ الانسحاب "المذعور" من لبنان في أيار 2000، الذي ظهر وكأنه فرار لجيش عملاق من مجموعة من مقاتلي حرب العصابات، حيث بدأت صورة إسرائيل كدولة قادرة على مواجهة الضغوط، بالتآكل. وكل ما حدث على الحدود الشمالية منذ الانسحاب بدا وكأنه تأكيد على نظرية "بيت العنكبوت" التي تحدث عنها السيد حسن نصر الله!

منذ ذلك الحين نفذ حزب الله، بصورة منهجية ومتواصلة عمليات وصفت بـ"الاستفزازية" على الحدود. ردّت عليها إسرائيل بأعمال رمزية محدودة، عززت الانطباع بأنها تخشى من المواجهة المباشرة مع الحزب، وهي مستعدة لتحمل الخسائر التي تلحق بها شريطة أن تبقى الأنشطة التجارية في الشمال مزدهرة!

وجاء الانسحاب أحادي الجانب من غزة في أواخر 2005، ليسلّط المزيد من الضوء على التآكل الذي طرأ على صورة إسرائيل الردعية. وبلغ التأثير السلبي لتآكل قوة الردع ذروته في أن "أريئيل شارون" رمز القوة الإسرائيلية هو الذي أشرف على هذا الانسحاب. ومرة أخرى ساد الانطباع بأن إسرائيل غير قادرة على مواجهة ضغوط التنظيمات الفلسطينية المسلحة التي تقودها حماس، وتفضّل الانسحاب إلى ما وراء جدار حصين.([26])

وفي الوقت الذي واصلت فيه المنظمات الفلسطينية قصف التجمعات الاستيطانية في محيط غزة، جاء السيد نصر الله ليعطي تأكيداً إضافياً على صحة نظرية "بيت العنكبوت"، من خلال أسر حزب الله الجنود الصهاينة وقتل عدد آخر!

وبالتالي فقدت كانت الحرب في الشمال قبل كل شيء حرباً لاستعادة القوة الردعية، علماً بأنه من الخطأ الجسيم الاعتقاد بأن الردع الإسرائيلي تآكل بسبب تضررٍ ما في مكوّنات القوة البرية أو الجوية أو الاستخبارية ومعطياتها، وإنما بسبب أضرار فادحة أصابت العزيمة المفترض أن تستخدمها تلك القوات. جاء ذلك في ورقة أعدّها مجلس الأمن والسلام الإسرائيلي، ومما فيها: إن استعادة القوة الردعية للجيش، والتسوية التي ستتحقق في الشمال، ستؤثران بصورة ملموسة على دوائر الصراع الأخرى".([27])

لقد ارتكزت كلمة السر التي وقفت خلف نجاح الردع الإسرائيلي على اعتراف "العدو" بأنه سيدفع ثمناً باهظاً جداً إذا مسّ بإسرائيل. وهذا الأمر حال حتى اليوم، وخلال الحروب، دون إطلاق مئات الصواريخ العربية على العمق الإسرائيلي، حيث كان هناك خوف من توجيه إسرائيل لضربات قاسية ضد بعض العواصم العربية. ولكن عندما يطلق أكثر من ثلاثة آلاف صاروخ على الجليل وحيفا والخضيرة، دون أن تتمكن إسرائيل من جني الثمن من أي أحد، فإن الردع الإسرائيلي سيتصدع بالتأكيد.

إن المتابع للأهداف المعلنة للحرب الإسرائيلية، يرى بوضوح ارتباطها الوثيق باستعادة قوة الردع، وفقاً لما أوضحه د. "تسفي شتاوبر" رئيس مركز جافي للأبحاث الاستراتيجية التابع لجامعة تل أبيب، من أن القدرة على العقاب والاستعداد للقيام بذلك، يعتبران العنصران المركزيان اللازمان للردع، ومن الطبيعي أنهما ضروريان في الواقع الإسرائيلي. وفي مثل هذه الظروف، فإن للعملية العسكرية ضد حزب الله، وللقدرة العسكرية اللازمة للنجاح في إيقاع الضرر اللازم والكبير والمؤثر في البنية التحتية له، قيمة عليا من هذه الناحية، ويمكن القول بأنها مفصولة تماماً عن الإنجاز السياسي الذي يمكن أن يتحقق.([28])

وقد وصل القادة العسكريون والمسؤولون السياسيون إلى قناعة مفادها أن تحطيم قوة حزب الله وإبادة نموذج نصر الله هدف غير واقعي، ومن هؤلاء د."رؤوبين إيرليخ"([29])، المتخصص في الشأن اللبناني الذي ينتقد الأهداف الردعية الكبيرة بقوله:"كل من يفكر بإزالة قدرات حزب الله هو غير واقعي. يجب التفكير بمصطلحات: ماذا يمكن إنجازه؟ المتاهة اللبنانية تشدّنا مراراً وتكراراً إليها، نحن نريد إخراج لبنان من داخلنا أيضاً، ولكن لبنان لا تدعنا نخرج، لأن الهدوء الذي ساد في السنوات الأخيرة بعد الإنسحاب، كان نسبياً ومضلّلاً، وتم خرقه عدة مرات، وأدى إلى تمركز منظمة مسلحة قبالة الحدود الشمالية، وجعلتنا ندفع ثمن ذلك اليوم".

واعترف "إيرليخ" بفشل أحد أركان سياسة الردع الإسرائيلية، وهو الاغتيال، بقوله: لو كنا نعرف أن اغتيال (السيد) عباس الموسوي عام 1992 سيجلب لنا نائبه حسن نصر الله، ربما كنا سنفكر مرتين قبل تنفيذ الإغتيال"!

وللتأكد من تهاوي قوة الردع، كان كافياً النظر إلى قسمات وجوه جنود لواء "غولاني" الذين جاؤوا من ساحة المعركة لإدراك مدى صعوبة تلك المعركة، فالجنود الذين كانوا شباناً في مقتبل العمر، شاخوا بين ليلة وضحاها، مرهقين، مكتئبين وصامتين. وعندما حاول الصحفيون دفعهم للحديث رفضوا التعاون، ليس لأنهم غاضبين من فضول الصحافة وإلحاحها، وإنما لأنهم يعتقدون أن الكلمات لا تستطيع وصف ما حدث في تلك المعارك التي أوقعت في صفوفهم عدداً كبيراً من القتلى والجرحى، وبالتالي لم يعودوا يرون معنى حقيقياً لشعارات "الردع" التي قرأوها في الكراسات العسكرية.([30])

وفي المحصّلة، فإن أفضل السيناريوهات المتفائلة إسرائيلياً، لن يتعدى سيناريو الاستقرار والتوازن، الذي يفترض توصل الأطراف إلى تفاهم غير مباشر على حدود المقاومة وسقف العدوان ضمن توازن الرعب، وهو ما تبيّن من خلال دراسة إسرائيلية صدرت حديثاً بعنوان: "إسرائيل ومستقبل حزب الله"، وهي وصلت إلى نتيجة مفادها أنه على الصعيد العسكري، فإن حزب الله يسوّق نفسه بشكل أساسي كقوة ردع استراتيجية في مواجهة إسرائيل، وبدرجة أقل كمنظمة تمارس قتالاً تكتيكياً يومياً ضد الدولة العبرية.([31])

 

سادساً: تقلص الأهداف الإسرائيلية من هذه الحرب

من النتائج القاسية التي أصيبت بها إسرائيل، جيشاً وحكومة، ارتفاع منسوب الأهداف التي وضعتها منذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب، ثم ما لبثت أن تراجعت بصورة مريعة، ما أدى إلى ارتفاع أسهم المقاومة، التي حافظت في المقابل على منسوب "متواضع وثابت" من أهدافها، تمكنت من تحقيق ما هو أعلى منه مع انتهاء المعركة.

وبإمكان المراقب أن يرسم خطاً بيانياً لأهداف إسرائيل من هذه الحرب، ومشاهدة تراجعها بالعين المجرّدة من خلال التالي:

-                إعلان إسرائيل الأولي بأن المعركة لا تدور حول لبنان، فالمسألة هي أن "أمامنا ذراعاً مرتبطة بإيران وسوريا والقاعدة، ومن يواصلون المسار الذي بدأ في أبراج التوائم ([32]). إسرائيل لا تدافع عن كريات شمونة والخضيرة وتل أبيب فقط، لقد تحولت رغماً عنها إلى شريكة في الحرب ضد "الأصولية الإسلامية المتعصبة" التي يطلق عليها بوش "محور الشر" في هذا الجزء من العالم، لذلك على إسرائيل مواجهة الواقع، بحيث تلتقط نفساً عميقاً، ثم تبادر للقتال بكل القوة الجوية والبرية ضد حزب الله، إلى أن تشلّ قدراته كميليشيا عسكرية منتشرة على حدودها، حتى تبرهن له أن "الشيطان الأصغر" يمتلك الأنياب أيضاً.([33])

-                "شمعون بيريز" نائب رئيس الحكومة، اعتبر حرب إسرائيل في لبنان مسألة حياة أو موت، وأن مجال الاختيار ضيق للغاية: إما نحن أو حزب الله ولذلك رأينا أن قيادة سياسية تضع الصراع على هذا المستوى من الحدّة والأهمية المصيرية لا تتوانى عن إطالة أمد الحرب، ولا تتورع عن استعمال أفتك أنواع الأسلحة فيها، ولا تتردد في توسيع دائرة الاشتباك، لتشمل سوريا وربما غيرها أيضاً.

-                وزير الدفاع الصهيوني حوّل الحرب الدائرة إلى صراع شخصي مع السيد حسن نصر الله حين أعلن بصورة تفتقر إلى أدنى درجات اللباقة الدبلوماسية: حسن نصر الله سيتلقى ضربة تجعله لا ينسى اسم "عمير بيرتس"، زاعماً أنه على الرغم من كونه رجل سلام، فإنه يعتقد أن صنع السلام يستوجب "ضربهم ضربة قاسية" لم يشهدوا لها مثيلاً من قبل.([34])

-                الاقتراح الذي تقدم به "إليعيزر تسفرير" مدير مكتب الموساد في بيروت خلال اجتياح 1982، بوضع هدف اغتيال السيد نصر الله، أو العمل على نفيه ورفاقه في حزب الله إلى طهران، بقوله: إن أهم ما في هذه الحرب هو هدفها المعلن المتمثل في مضايقة شعب لبنان من أجل تأليبه على حزب الله، وهدفها السري هو تشويه صورة الأوضاع في لبنان، لتختلط الأمور على اللبنانيين ولا يعودون يعرفون اليد اليمنى من اليسرى.

-                ضابط رفيع المستوى في جهاز الموساد ركّز على ذلك الهدف، مطالباً بمواصلة العمليات الحربية، لأن المطلوب منها أن تكون عملية حربية "جذرية" حتى تتخلص إسرائيل من أكبر العوامل التي تشكل خطراً عليها. ولتحقيق هذا الهدف، يقترح تشويه سمعة نصر الله وإعداد خطة لقتل شخصيته، تمهيداً للخطوة التي لا بديل عنها، وهي اغتياله أو نفيه مع قادة حزبه إلى إيران.([35])

-                مدير معهد الدراسات التابع للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "رؤوفين إيرليخ" وضع هدفاً للعدوان الإسرائيلي على لبنان، تمثل في ضرورة تغيير نظرة العرب لإسرائيل، التي رسخت منذ الانسحاب في أيار2000، وفي غزة 2005، بأنها انسحبت مهزومة.([36])

-                فيما يتعلق بالأبعاد الجغرافية للمواجهة الحربية، حدد المستوى العسكري هدفاً استراتيجياً تمثل بتغيير "النظام الحدودي" القائم بين لبنان وإسرائيل، من خلال الضغط على اللبنانيين لإجبار حزب الله على الابتعاد عن الحدود، والتخلي عن مناطقه التي أقامها هناك. أما فيما يتعلق بالأهداف ذات الأبعاد السياسية فقد أرادت إسرائيل من هذه الحرب "هزّ" الجهاز السياسي الداخلي في لبنان، بما في ذلك إضعاف قوة حزب الله العسكرية والسياسية.([37])

·                     التراجع في سلّة الأهداف

فور تكشف المؤشرات الأولى على الهزيمة التي منِي بها الجيش الإسرائيلي، بدأت سلّة الأهداف بالانكماش بصورة تنازلية ملحوظة، حيث خرجت الدعوات بوجوب أن يكون للعملية في لبنان هدف محدود، ومحذّرة من أن يدّعي أحد تغيير الواقع وردع العدو "مرة واحدة وإلى الأبد"؛ كما قال الوزير "روني بار أون"، سواء كان الحديث يدور عن حزب الله، إيران، سوريا أو حماس، لأنه من السهل تحديد أهداف بعيدة المدى، وإطلاق تعبيرات "التبجح والبطولة" في الهواء، ولكن بعد أن تطلق هذه الأقوال يكون من الصعب أكثر التراجع إلى مواقف معتدلة ومعقولة.([38])

وقد بدأ التراجع المريع والسريع في آن من هدف تدمير حزب الله وإزالته من الوجود، إلى شرط سحب قواته على مسافة 30 كلم، ثم إعادة الجنديين الأسيرين فقط، ووقف القصف من قبل مقاتليه، مما دفع مصدراً عسكرياً للتحدث في الغرف المغلقة مطالباً بخفض سقف التوقعات من هذه الحرب، بقوله: كما هو الحال في غزة، فان احتمالية أن يكون باستطاعة العملية العسكرية، مهما كانت قسوتها، أن تتمكن وحدها من إعادة الجنود المختطفين سالمين إلى بيوتهم من أيدي حماس وحزب الله، تعتبر ضئيلة"!

فيما عبّر المدير السابق لمكتب "إسحاق رابين" عن تشاؤمه من إمكانية تحقيق الأهداف المعلنة لهذه الحرب، من خلال استحضاره تصريحاً لرابين ذات يوم حين قال: "كان لإسرائيل حرباً واحدة منذ نشوئها، وهي الحرب التي بدأت سنة 1948، ولا زالت متواصلة حتى اليوم، فبين حين وآخر أطلقوا عليها أسماء: حرب الاستقلال، وحرب السويس، وحرب الأيام الستة، وحرب يوم الغفران، ولبنان، وغيرها من الأسماء، لكنها في الحقيقة هي نفس الحرب، فقط الأسماء هي التي تتبدل".

ولذلك فإن الحرب الأخيرة كانت عبارة عن يوم من الصراع الطويل والقتال ضد حزب الله، علماً بأن هذا اليوم وهذا القتال لن يتمكن من محو هذه المنظمة عن الخارطة، وهذه الحرب لن تضع حداً للحروب ولا للمسلحين، ولن تضع حداً للتجهيزات القتالية، هي تستطيع فقط أن تضرب "الإرهاب" ضربة قاسية، في بنيته، وربما في وحداته القتالية، ولكن آجلاً أم عاجلاً، ويبدو أنه عاجلاً، ستعود وحدات حزب الله إلى مواقعها وتحسّن قدراتها، لأنها منظمة كـ"الأفعى المتعددة الرؤوس"، وكل رأس لها ينتج رؤوساً أخرى تكبر وتكبر من جديد! أي بمعنى أن هذه الحرب لن تحقق لنا الانتصار الذي نرجوه.([39])

أكثر من ذلك، فإن هذه الحرب ستنتهي وفقاً لوصف كاتب يساري بارز بـ"شعور حامض"، والأفضل البدء بالتعود على هذا الطعم، لأن الأهداف الثلاثة المعلنة لن تُنجز بشكل تام، ومقابل الجنود الثلاثة الأسرى ستدفع إسرائيل فدية، وحزب الله لن يتم نزع سلاحه بشكل تام، لأن الجنود المحتفظ بهم تحت التهديد بالسلاح الجاهز للإطلاق، سيموتون، وسيموت خاطفيهم إذا لم يأخذوا ثمناً لهم من أي نوع كان.([40])

وربما كان الجنرال "إيدو نيهوشتاين" أكثر العسكريين تعبيراً عن تراجع سلّة الأهداف العسكرية حين قال: لا يمكننا الحكم على هذه الحرب بطريقة تقليدية، لأنها لم تكن أصلاً حرباً تقليدية، ومن غير الواقعي أن نتوقع ظهور أعلام بيضاء تخرج من مخابئ حزب الله. وأوضح الجنرال الذي يتولى قسم التخطيط في الجيش الإسرائيلي، أن الجيش لم يتوقع وقف هجمات صواريخ الكاتيوشا، وإنما فقط "شلّ" حزب الله؛ ومن أجل إيقاف تساقط الكاتيوشا كالمطر، عليك أن تستولي على كل بوصة من الأرض اللبنانية، لذلك كان الهدف فقط توجيه ضربة كبيرة لحزب الله"!([41])

كما جاء تراجع الأهداف وتقهقر إسرائيل أمام تحقيقها عبر طرح أسئلة مثل:

-                من كان يُصدّق أن مدناً مثل صفد وعكا ونهاريا والناصرة وطبريا، وخصوصا حيفا عاصمة الشمال، ستنهض في كل صباح على صافرات الإنذار وعمليات القصف الفتاكة التي دفعت بعشرات الآلاف إلى وضعية اللجوء، وشلّت الحياة في جزء كبير من الدولة، وهذا كله قبل أن يحاول حزب الله إطلاق صواريخه الثقيلة على تل أبيب؟

-                من كان يُصدّق أن الجيش الإسرائيلي، الجاهز للحروب الكبيرة، القادر خلال ليلة واحدة على إلقاء 23 طناً من القنابل، لا ينجح في إيقاف الرشقات الصاروخية؟

-                كيف حدث أنه بعد بيان الجيش الإسرائيلي بأن قناة "المنار" قد قُصفت، ظهر السيد حسن نصر الله عبرها سليماً معافى، وأخذ يطلق تصريحاته المتحدية لإسرائيل؟

-                ما الذي جعل إسرائيل التي خرجت إلى الحرب بهدف القضاء على حزب الله كتنظيم عسكري وناشط على حدودها، مكتسبة دعماً دولياً وشعبياً، وجيش مزوّد بقوى بشرية مجهّزة بالعتاد والمهارة، ستؤدي إلى دحر حزب الله كقوة مهددة لإسرائيل، ولكن رويداً رويداً بدأت تتكشف معطيات ومؤشرات مقلقة، ووجد الجمهور الإسرائيلي نفسه أمام جيش غني وكبير وغبي، بدلاً من "الجيش الصغير والذكي" الذي عرفه في السابق؟

نعم، فمنذ الأيام الأولى لاندلاع الحرب، كان واضحاً أن إسرائيل لن تخرج منتصرة منها، وستدرك محدودية قدراتها العسكرية، وستنقش هذه الحرب في الوعي الإسرائيلي على أنها تعادل أكثر من كونها هزيمة قاطعة لحزب الله. وهناك احتمالية معقولة بأن يكون الاستنتاج الأساسي من الحرب هو إدراك قصور ومحدودية القوة الإسرائيلية.([42])

وفي كل الأحوال، يمكن القول أن قائمة الأهداف الإسرائيلية، بعد أسابيع من اندلاع الحرب، أصبحت أكثر تواضعاً مما كانت عليه في بداية الحملة العسكرية، حين تعتبر إسرائيل عدم وجود أي عنصر من عناصر حزب الله على خط التماس الحدودي المباشر، وانتشار قوة دولية حتى الليطاني، بمثابة إنجازاً كبيراً لها.([43])

            إن الأمر الأكثر وضوحاً في تراجع سلة الأهداف تمثل في الشعور الذي بدأ يساور قادة الجيش منذ الأسبوع الثاني لبداية الحرب، بأن "النصر الأكبر" لن يتحقق في هذه المعركة، وأن الأهداف "الضخمة المنفوخة" التي حدّدت لها لم تعد في متناول اليد، والذين يملكون سمعاً وبصراً حاديّن يستطيعون منذ الآن تشخيص بواكير ومؤشرات عملية "تغطية المؤخرات الكاسحة" التي ستبدأ فيما بينهم([44])

 

سابعاً: لجان التحقيق واهتزاز الثقة بالجيش

منذ اللحظة الأولى لتنفيذ حزب الله عملية "الوعد الصادق"، سرت موجة شديدة من الاستياء في صفوف الإسرائيليين، جمهوراً ونخبة وسياسيين، لأن الجيش تلقى ضربة ثانية في أقل من شهر بذات الطريقة، دون أن يأخذ العبر والعظات من العملية السابقة التي نفذتها حماس في غزة.

وفور إعلان الحرب على حزب الله، وبدء تنفيذ العمليات العسكرية، زادت موجات الاستياء والنقد، وتوجهت تحديداً نحو قادة الدولة في مؤسستي الحكومة والجيش على حد سواء، لاسيما فيما يتعلق بالتشكيك في إدارة المعارك الحربية.

وقد دفع الإخفاق الذي وقع فيه الجيش في نهاية الحرب، رئيس وزراءالعدو إلى تكليف ثلاث لجان تحقيق للنظر في التقصير على المستوى العسكري، والثغرات السياسية، وفي عدم استعداد الصفوف الخلفية التي أصيبت بحوالي أربعة آلاف صاروخ أطلقها حزب الله.

لكن الهجمة الأكبر جاءت من قبل قادة عسكريين وجنرالات سابقين، لاسيما الجنرال "أوري ساغي" الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الذي كشف أن "الفارق بين الأهداف التي حددها رئيس الأركان، وتلك التي حققها عمليا" فرق هائل، وبالتالي فهو مسؤول عن ذلك بشكل واضح فيما صرح الجنرال "يورام ياعير" أن القاعدة العسكرية غاضبة على إدارة الجيش!

وقد أخذت لجان التحقيق التي دار حولها لغط كبير مسارات متعددة، لكنها ركزت على الأداء المهين لرئيس هيئة الأركان "دان حالوتس"، حيث وجهت إليه العديد من الأسئلة والاتهامات، أثّرت في مجموعها على النظرة التي يتطلع بها المجتمع الإسرائيلي إلى المؤسسة العسكرية، لاسيما في ظل قناعة ترسخت في الوعي الشعبي بعدما اتضحت بوادر "الهزيمة" بأن اليوم الذي سيتلو الحرب، سيكون كثير من الناس ملزمين بدفع الحساب، فـ إسرائيل ستكون مضطرة لأن تفحص نفسها، وهذا الفحص سيكون مؤلماً وحاداً، لأنه سيطال المستويات كافة، العسكرية والسياسية.([45])

·                     الأسئلة الافتراضية للجنة التحقيق

إن الدعوات الكثيرة التي وجّهت لضرورة إجراء تحقيق اقتصرت على الجانب العسكري، ومن الأسئلة والاتهامات التي طرحت ضد الجيش وقيادته:

1- كيف يسمح رئيس الأركان لنفسه أن يبيع أسهمه في البورصة في يوم اندلاع الحرب، علماً بأن تفسيراته وتبريراته لم تلحق به إلا المزيد من الضرر، ومن دون "فضيحة" الأسهم، فإن قيادة الجيش تتحمل المسؤولية الكاملة عن الثغرات في الجيش.([46])

2-          لقد ولّدت الحرب الكثير من الأسئلة المتعلقة بالجيش وقيادته على حد سواء، وخاصة شخصية "عمير بيريتس" الذي ثبت أن تعيينه في منصب وزير الدفاع كان فكرة مهزوزة، وجاءت الحرب لتسرق كل الأوراق، فـ"بيريتس" أصبح بين ليلة وضحاها منشوراً لهيئة الأركان، بحيث لم يفهم اللغة العسكرية، ولم ينزل إلى عمق قيود القوة، وأطلق تهديدات عديمة التغطية على الجانب الآخر، وأيد بحماسة كل خطة للجيش دون نقاش!([47])

3-          كيف يقرر وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان شن حرب كارثية بعد تشاور لبضع ساعات فقط، في ظل فشل الأخير في إعداد الجيش لهذه المهمة، وطرحه تصوراً غير واقعي للمجريات والنتائج المتوقعة؟

4-          كيف يحتمل قائد الجيش أن يبقى على رأس المؤسسة العسكرية بعد أن أثبتت مجريات الحرب عدم رجاحة عقله، لاسيما وأنه خرج للحرب انطلاقاً من عدم التجربة، ومحدودية القدرة على السير ولو خطوة واحدة إلى الأمام؟([48])

ولعل السؤال الأهم الذي يفترض أن يوجه لقيادة الجيش هو: كيف بدأت الحرب، وكيف انتهت؟

في هذا السياق، يجب أن يُسأل فقط عدد محدود من الشهود: كيف اتُخِذ القرار في الحكومة؟ ما الذي سلِّم من تقارير إلى رئيس الحكومة ووزرائه، وما الذي عرفوه قبل أن تطلق الرصاصة الأولى، وهل اتخذوا القرار برغم عِلمهم ما علموا، إذا علموا؟ ومن سيتحمل مسؤولية وضع الجنود في ساحة المعركة مثل "أوزات في المسلخ" أمام مقاتلي حزب الله؟([49]).

إن السؤال الكفيل بهز أي ثقة في المستقبل بالمؤسسة العسكرية، طرحه وزير الدفاع الأسبق "موشيه أرنس" حين تساءل: ما السبب في حالة "الإغفاء" التي أصيب بها الجيش وقادته منذ انسحاب عام 2000؟ هل كان الانشغال بالانتفاضة، ثم الغرق في هوس الانسحاب أحادي الجانب، مبررّاً للنوم عن خطر حقيقي ووجودي يهدد الدولة؟([50])

وهناك أسئلة أخرى لا تقل أهمية: هل خلق "حالوتس" أمام القيادة السياسية الانطباع بان عملية جوية ستكفي لتحقيق الأهداف التي حددت للحرب، إعادة الأسرى، انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، ونزع سلاح حزب الله في الشمال؟ وهل شكك أحد ما في ذلك؟ ماذا عرف قادة الجيش أنفسهم عن مستوى جاهزية جيشهم للمواجهة مع حزب الله، وعن أهلية وحدات الاحتياط، وقدرة المنظومات المدنية على العناية بسكان الجبهة الداخلية؟ وهل كلّفوا أنفسهم وعلى رأسهم "حالوتس" عناء الاستيضاح بذلك قبل أن يقرروا فتح الحرب؟([51])

وقبل ذلك وبعده، كيف تمكن حزب الله من الحصول على الأسلحة التي راكمها خلال السنوات الست الأخيرة بوسائل سياسية أو عسكرية، دون أن يرفّ جفن لأحد من قادة الجيش، الذين لم يشعلوا الأضواء الحمراء؟

إن الفشل الأكبر الذي وقعت فيه المؤسسة العسكرية، انطلق من نقاط جوهرية كانت لجنة التحقيق ستطرقها بالضرورة ومنها:

-               الافتراض الواهم بأن سلاح الجو هو جواب المشكلات الأساسية للأمن الإسرائيلي.

-               ولأنها وعدت بأنه يمكن حسم الحروب التقليدية بغير دم، وعرق ودموع،

-        ولأنها لم تبنِ روحاً قتالية، واستنفدت أكثر مواردها في إدارة الاحتلال من جهة، وفي الإعداد للانفصال من جهة أخرى، من غير أن تستعد للحرب الحقيقية كما ينبغي.([52])

علماً بأنه بعد أربعة أشهر من نجاح المقاومة الإسلامية في قصف البارجة البحرية، أعلن سلاح البحرية نتائج التحقيقات التي أجراها، وجاءت النتائج على النحو التالي:

1-                   لم يأخذ ضباط سلاح البحرية بالحسبان إمكانية وجود هذا النوع من الصواريخ لدى حزب الله، وإمكانية تعرض البارجة للقصف،

2-          رغم التحذير الذي نقله رئيس شعبة الرقابة في قسم الاستخبارات في أبريل 2003 حول الحاجة لفحص إمكانية وجود هذا النوع من الصواريخ لدى حزب الله والاستعداد وفق ذلك، فقد أبحرت السفينة على بعد 31 كم عن شواطئ لبنان دون أن تكون مستعدة لإمكانية إطلاق الصواريخ باتجاهها،

3-          أسهمت سلسلة من الأعطاب الفنية والقرارات الخاطئة لضباط السفينة في جعل السفينة أقل حماية، حيث تبين أن هناك خللاً فنياً في الرادار قلّل أداءه بنسبة 50%.

وقد اعترفت جهات رفيعة المستوى في سلاح البحرية أن سلسلة الإخفاقات التي تبيّنت في التحقيقات، خطيرة، وهي أدت إلى إصابة السفينة، وفي ظروف أخرى كان من الممكن أن تؤدي إلى إغراق السفينة ومقتل 80 جندياً كانوا على متنها!([53])

هذه النتائج الأولية، تبرز مناخ عدم الثقة الذي تولّد بصورة لا تقبل الشك بقيادة الجيش والمؤسسة العسكرية إجمالاً، وهو يعود في حقيقته إلى عجزها عن الإجابة على سيل كبير من التساؤلات، أهمها:

أ‌-                    ما هي الخيارات الرئيسة التي يستطيع الجيش تنفيذها في غضون أزمان محددة؟

ب‌-        ما هي الأهداف الرئيسة لكل خيار، وكيف تُرسم صور النهاية, وما هو قوس النتائج المتوقعة من الإنجازات العسكرية والضرر بالعدو، والمعنى السياسي، ومصابي الجيش، ومصابي الجبهة الداخلية والكلفة الاقتصادية؟

ت‌-                بالقياس إلى كل خيار، ما هي القوات التي يجب على الجيش استعمالها في أطوار العمل المختلفة؟

ث‌-         على ماذا تعتمد الإجابات، هل التدريبات الابتدائية للقوات هي قاعدة صلبة للتنبؤات، وإلى أي مدى تستعد القوات ونظريات التشغيل لتنفيذ الخيارات؟ هل يعتمد الجيش على أسلحة ونظريات قتالية لم تُجرّب بعد في الظروف التي تشابه الظروف المتوقعة؟

ج‌-         ما مدى الثقة في المعلومات الاستخبارية واستيعابها التي تعتمد عليها الإجابات، وكيف توصلوا في المؤسسة العسكرية إلى تنبؤات عن التأثير في حزب الله وردود فعله؟

ح‌-                  بعد جميع التقديرات، ما الذي يوصي به الجيش كأفضلية أولى وثانية، ولماذا؟

هذه هي التساؤلات كان يجدر برئيس الأركان أن يضعها على الطاولة مع كبار ضباطه، ومن ثم يتم عرض إجاباتها على وزارة الخارجية، والموساد، ومجلس الأمن القومي، ومستشارين سياسيين وأمنيين منتخبين.([54])

إن الثقة التي باتت مهزوزة نجمت عن حالة لم يعهدها الجيش الإسرائيلي من قبل عقب انتهاء الحرب، فقد أعلِن عن وقف إطلاق النار في وضع هو الأسوأ بالنسبة لإسرائيل: ليس في حالة انتصار، ولا في حالة انهيار، وإنما في حالة من الفشل الطبيعي، حرب كان فيها عدد كبير من المقتادين، ولكن لم يكن فيها قيادي واحد، وقدر كبير من عجرفة القادة الكبار، ومن الخطابات "التشرتشلية"([55])، مع قدر قليل جداً من التفكير فيما تريده "الدولة" وما تسعى إليه في هذه الحرب!

 


 


*  باحث فلسطيني في الشؤون الإسرائيلية

1) هآرتس، 22/7/2006.

2) الإذاعة العبرية، 1/8/2006.

1) زخرت وسائل الإعلام الإسرائيلية لاسيما المرئية منها، بشهادات عديدة لجنود عادوا من المعارك البرية عن عقم المعلومات الاستخبارية التي تم تزويدهم بها من قبل قادتهم في القواعد العسكرية البعيدة عن ساحة المعركة.

2) شكل هذا الشعار أحجية لدى أجهزة الأمن الإسرائيلية، بكل ما تعنيه الكلمة، وقد راقبت أداء مسؤوليها على شاشات التلفزة لدرجة أن بعضهم خمّن أن المقصود قد يكون في عبارة "ما بعد بعد حيفا" استهداف سفارات ومصالح إسرائيلية في أمريكا وأوروبا.

1) كان الحشد الذي جمعه حزب الله في هذا المهرجان، مفاجأة غير سارة بالمطلق لكل من ساءهم انتصار المقاومة، حيث شكل الجمهور الهائل استفتاء شعبياً على خيار المقاومة، ولم يستطع كبار القادة الإسرائيليين إخفاء هذا الشعور.

2) هو جهاز الاستخبارات البشرية ومهمته تجنيد العملاء وتفعيلهم.

2 ) هآرتس، 24/7/2006.

1) زئيف شيف، هآرتس، 14/7/2006.

1 ) آري شابيط، هآرتس، 28/7/2006

2) دراسة أعدّها الباحثان: كروك، هي المستشارة السابقة لخافيير سولانا، وبيري، هو المحلل العسكري والمتخصص في الشؤون الخارجية. يمكن الرجوع إلى نص الدراسة كاملة على موقع: www.times.com   

1) أليكس فيشمان، يديعوت أحرونوت، 25/7/2006.

 2) عمير ربابورت، معاريف،17/8/2006.

3) أليكس فيشمان، يديعوت أحرونوت، 25/7/2006.

1) عاموس هرئيل وآفي ساخاروف، هآرتس، 25/7/2006.

1) زئيف شيف، هآرتس، 1/8/2006.

2) هآرتس، 21/8/2006.

1) التسمية الإسرائيلية لحرب حزيران 1967، التي احتل فيها الجيش الإسرائيلي ما تبقى من أرض فلسطين، وبعض الأراضي العربية خلال ستة أيام فقط.

2 ) زئيف شيف، هآرتس، 11/8/2006.

1 ) بإمكان القارئ العودة إلى المبحث الخاص بالإخفاق الاستخباري الإسرائيلي ليرى حجم المفاجآت الأمنية التي قدمها حزب الله.

1) لواء د.جمال مظلوم، إدارة حزب الله للعمليات العسكرية، مجلة السياسة الدولية، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، القاهرة، العدد 166، أكتوبر 2006، ص96.

2) معاريف، 14/7/2006.

1 ) عمير ربابورت، يديعوت أحرونوت، 21/7/2006

1) سيفر بلوتسكر، يديعوت أحرونوت، 17/7/2006.

2) عاموس هرئيل، هآرتس، 20/7/2006.

1) ابراهام طال، هآرتس، 3/8/2006

1) تومي لبيد، التلفزيون الإسرائيلي، 28/7/2006.

2 ) إبراهام طال، هآرتس، 3/8/2006.

1) يديعوت أحرونوت، 17/7/2006

2) ضابط الاستخبارات ضمن وحدة الإرتباط في لبنان خلال الثمانينيات، ونائب "أوري لوبراني" منسّق عمليات الحكومة الإسرائيلية في لبنان، وأحد مخططي سياسة إسرائيل تجاه لبنان، وهو يدير حالياً وحدة المعلومات التابع لـ"مركز تراث الاستخبارات". ألّف إيرليخ أربعة كتب،  بضمنها دراسة "الورطة اللبنانية"، التي قدمها كأطروحة نال عليها شهادة الدكتوراه.

1) هآرتس، 12/8/2006.

2) أعدّ الدراسة الباحث الإسرائيلي دانيئيل سوبلمان المتخصص في شؤون حزب الله في مركز يافي للدراسات الاستراتيجية.

1) المقصود برجي التجارة في نيويورك اللذان ضربا في أحداث 11 سبتمبر 2001.

2) يوئيل ماركوس، هآرتس، 8/8/2006 .

1) أليكس فيشمان،يديعوت أحرونوت، 14/7/2006. والواضح أن بيرتيس هو الذي لن ينسى اسم نصر الله بعد الهزيمة التي مني بها جيشه خلال الحرب.

2) صحيفة الخليج 25/7/2006.

3) معاريف، 15/7/2006.

1) معاريف، 15/7/2006.

2) هآرتس، 14/7/2006.

1) إيتان هابر، يديعوت أحرونوت، 14/7/2006.

2) يارون لندن، يديعوت أحرونوت 20/7/2006.

3) دوغ ستروك وتال زيبر، واشنطن بوست، 20/8/2006.

1) عوزي بنزيمان، هآرتس 23/7/2006.

2) أليكس فيشمان، يديعوت أحرونوت، 28/7/2006.

1) يديعوت أحرونوت، 21/7/2006.

1 ) بن كاسبيت، هآرتس،11/8/2006.

1) الوف بن، هآرتس،17/8/2006 .

2) ناحوم برنياع، يديعوت أحرونوت، 17/8/2006.

3) عوزي بنزيمان، هآرتس،20/8/2006.

1) إيتان هابر، يديعوت أحرونوت، 20/8/2006 .

2) هآرتس، 22/8/2006.

3) ألوف بن، هآرتس، 15/8/2006.

4) آري شبيط، ملحق هآرتس، 4/8/2006.

1) التلفزيون الإسرائيلي، 8/11/2006.

1) البروفيسور يحزقيل درور، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية، يديعوت  أحرونوت، 21/8/2006

2) في إشارة إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق "ونستون تشرشل"، حيث اتهم أولمرت بمحاولة محاكاته حين دأب على الحديث للجمهور الإسرائيلي عن الدم والعرق والدموع!

 

 

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة