|
المشهد الاستراتيجي
الآسيوي في أوائل القرن الحادي والعشري
د. محمد السيد سليم
الهدف من هذه الدراسة الموجزة هو رصد أهم معالم
المشهد الاستراتيجي الآسيوي في بداية القرن الحادي والعشرين
واحتمالات تطوره،
وتأثيره علي الوطن العربي. وفي رصد هذا المشهد، فإنه من المهم
أن نتذكر أن آسيا
ليست عالما واحدا. فدول شرقي آسيا تختلف عن وسط آسيا أو جنوبي
آسيا، مما يجعل مهمة
إطلاق صفة آسيا علي ما نقول مسألة محفوفة بالمخاطر. والحق أنه
عند الحديث عن آسيا،
فإن المقصود غالبا هو دول شرقي وجنوبي آسيا، لأن وسط آسيا لم
يظهر بعد كقوة مؤثرة،
كما أن دول غربي آسيا تنتمي في الأغلب الي الشرق الأوسط. كذلك،
فإنه من المهم أن
نتذكر أن القرن الحادي والعشرين قد بدأ مع نهاية الاتحاد
السوفيتي سنة 1991، تماما
كما أن القرن العشرين بدأ مع سنة 1890، حينما بدأ النظام
العالمي في التحول نحو
القطبية الثنائية
لعل أهم معالم المشهد الاستراتيجي الآسيوي في مطلع القرن
الحادي والعشرين تتحدد في أربعة تيارات رئيسية أولها: هو
انتقال مركز الثقل في
النظامين السياسي والاقتصادي العالمي إلي آسيا، فقد انتقلت
بؤرة الصراعات العالمية
مع أوائل هذا القرن من أوروبا والشرق الأوسط إلي آسيا، وإن كان
هذا لا يعني
بالضرورة أن آسيا هي التي ستحدد مستقبل النظام العالمي، وإنما
يعني أن هذا المستقبل
ستكون ساحته هي آسيا، مما يعني أن قوي غير آسيوية مهمة ستشارك
في تلك المهمة. من
ناحية ثانية، فقد عادت آسيا الي استئناف رحلة الصعود الاقتصادي
بعد الضربة التي
تلقتها في إطار الأزمة المالية الآسيوية سنة 1997، وانتشرت في
آسيا المؤسسات
الإقليمية الجديدة والأقاليمية متعددة الأطراف في إطار مفاهيم
العولمة. كذلك، شهدت
آسيا دخول العامل النووي في السياسة الآسيوية، كما تبلورت
عمليات مهمة للتحول
الديمقراطي وتوازت معها عمليات صعود الحركات الأصولية
عندما بدأ القرن
العشرون، كان مركز الثقل في النظام العالمي يكمن في أوروبا مع
انشاء التحالفات
الأوروبية الثنائية (وفاق الأباطرة الثلاثة، والحلف الفرنسي -
الروسي) ولكن ذلك
المركز انتقل من أوروبا إلي شرقي آسيا، وذلك مع توقيع اتفاقية
الحلف البريطاني
-
الياباني سنة 1902، وانتصار اليابان في الحرب الروسية -
اليابانية (1904-1905)،
وتوقيع الاتفاق الروسي البريطاني سنة 1907. شيء من هذا القبيل
حدث مع أوائل القرن
الحادي والعشرين أيضا، فقد كان مركز الثقل في الصراع العالمي
مركزا في البلقان،
ولكنه سرعان ما انتقل إلى شرقي آسيا. وكان من مؤشرات هذا
التحول أزمة طائرة التجسس
الأمريكية قرب السواحل الصينية في أبريل سنة 2001، والتي كانت
أولي أزمات القرن
الجديد. وقد كشفت تلك الأزمة عن أن هناك صراعات بين الولايات
المتحدة والصين تدور،
ليس فقط حول تايوان، ولكن أيضا حول تنامي القدرة العسكرية
الصينية، التي تراها
الولايات المتحدة واليابان بمثابة تهديد لهما. وقد استطاعت
الدولتان احتواء الخلاف
بينهما، ولكن تلك الأزمة كشفت عن خلاف آخر حول مفهوم المنطقة
الاقتصادية الخالصة.
فقد أكدت الولايات المتحدة أن طائرتها كانت تطير فوق البحار
الدولية، بينما أكدت
الصين أن تلك الأجواء هي جزء في منطقتها الاقتصادية الخالصة
التي لا يجوز أن تحلق
في أجوائها الطائرات المعادية. ويفسر ذلك الصراعات التي تدور
بين اليابان من ناحية،
وكوريا الجنوبية والصين من ناحية أخري حول عدد من الجزر
الصغيرة في قيمتها
الاستراتيجية، ولكنها مهمة بالنسبة لتحديد المناطق الاقتصادية
الخالصة لتلك
الدول.
رغم أن أحداث 11 سبتمبر سنة 2001 حدثت في
الولايات المتحدة، إلا أنها
ساهمت في تكريس التحولات المشار إليها، وذلك مع الغزو الأمريكي
لأفغانستان في
أكتوبر سنة 2001. ولأول مرة، تمركزت القوات الأمريكية في
أفغانستان وفي بعض دول
آسيا الوسطي المجاورة، مثل أوزبكستان وقيرغيزستان. ورغم قلق
روسيا والصين من هذا
الوجود العسكري الأمريكي قرب حدودهما، إلا أنهما وافقتا علي
هذا الوجود، نظرا
للمصلحة المشتركة لكل الأطراف في انهاء نظام طالبان في
أفغانستان. ولذلك، فانه بعد
تحقيق تلك المهمة، بدأت الدولتان في مطالبة الولايات المتحدة
بإنهاء وجودها العسكري
في آسيا الوسطي علي الأقل، ولكن لم تستجب الولايات المتحدة
لهذا الطلب حتى الآن إلا
بشكل جزئي، ذلك أن الوجود الأمريكي في آسيا الوسطي هو لمراقبة
الصين من حدودها
الغربية. وكان قد سبق ذلك كله تصريحات الرئيس بوش حول أن الصين
'منافس استراتيجي'
وليس 'شريكا استراتيجيا'، علي نحو ما كان يؤكده الرئيس
كلينتون. وجاءت تصريحات
رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي السابق لتعبر -بشكل أوضح- عن
قلق الولايات المتحدة
من نمو القدرة العسكرية الصينية. وفي هذا الإطار، نفهم دعم
الولايات المتحدة
للبرنامج النووي الهندي، رغم عدم انضمام الأخيرة لاتفاقية منع
الانتشار النووي.
فالولايات المتحدة تعد الهند لكي تكون المنافس الاستراتيجي
للصين من ناحية الغرب،
في الوقت الذي تدعم فيه
اليابان علي الحدود الشرقية للصين. وفي الوقت ذاته، لحقت
كوريا الشمالية بالنادي النووي، وتصاعد صراعها مع الولايات
المتحدة التي تصر علي
تجريد كوريا الشمالية من أسلحتها النووية. وبذلك، فان الدول
النووية الأربع خارج
إطار اتفاقية منع الانتشار النووي توجد في آسيا
في الوقت ذاته، تقاربت
الصين وروسيا في إطار منظمة شنغهاي للتعاون التي تأسست سنة
1996، وأصبحت ركنا من
أركان التوازن الاستراتيجي في شرقي آسيا، وهو ما تأكد مع تولي
بوتين الرئاسة
الروسية وأتباعه سياسة 'أوراسية جديدة' مقابل السياسة
'الأورو-أطلنطية' التي كان
يتبعها الرئيس السابق يلتسين.
|