من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 
 

 

 

القضية الفلسطينية ما بعد "سيطرة" حماس على قطاع غزة

 

 

 

أ. حميدي العبدالله*

النزاع بين حركتي حماس وفتح وصل إلى درجة غير مسبوقة، بعد قيام حركة حماس بالاستيلاء على قطاع غزة، ما تسبب برد فعل عنيف من قيادة السلطة الفلسطينية التي قطعت كل جسور الحوار، وقرّرت خوض معركة إخراج حماس ليس فقط من أطر السلطة وحسب، بل ومن العمل السياسي الفلسطيني. وكان لهذا التجاذب الحاد آثار سلبية على القضية الفلسطينية، حيث وضعها في مسار جديد، يثير الكثير من الأسئلة ويطرح العديد من التحديات والتداعيات.

 

أولاً، لماذا كان التعايش مستحيلاً بين حماس وفتح؟

قبل التعرف إلى سمات الوضع الجديد الذي نشأ ، لا بد من التوقف عند الأسباب التي أدت إلى انهيار اتفاق مكة وسقوط حكومة الوحدة، وفشل التعايش بين حماس وفتح. وفي هذا السياق، يمكن لحظ النقاط التالية بوصفها العوامل الجوهرية التي منعت التعايش وغذّت الصراع، وأدّت إلى اعتماد حماس  لخيار الحسم العسكري:

العامل الأول، تمثل في الموقف الإسرائيلي والأمريكي، الذي عارض منذ البداية اتفاق مكة ورفض الاعتراف بحكومة الوحدة الوطنية والانفتاح عليها. فمنذ الأيام الأولى لعقد اتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، أعلنت واشنطن وتل أبيب أنهما لن تقبلا بهذه التحولات، وبدءا بممارسة الضغوط على محمود عباس لحملـه على الإطاحة بحكومة الوحدة الوطنية؛ وجمّدت الولايات المتحدة المعونات التي كان من المقرّر أن تقدمها للرئاسة الفلسطينية، مع ربط عودة هذه المعونات بتخلّص عباس من حكومة الوحدة الوطنية. وقد استغلّت بعض الأطراف الفلسطينية، التي عارضت اتفاق مكة كما عارضت أي حل للخلاف بين حماس وفتح عن طريق الحوار، الموقف الأمريكي الإسرائيلي، ولجأت إلى تغذية الاحتكاكات والصراعات الميدانية بين عناصر حماس وبين عناصر من أجهزة السلطة وحركة فتح؛ كما أسهمت الاشتباكات التي وقعت أكثر من مرّة في تغذية الاحتقان بين الطرفين، وبات الجميع يخشى من أن تنزلق المواجهة بينهما إلى نقطة يصعب معها السيطرة على الموقف، وفعلاً هذا ما كان.

العامل الثاني، التباين والاختلاف الجذري في الرؤية السياسية بين حماس وفتح لآفاق حل القضية الفلسطينية؛ ففي حين أن فتح-محمود عباس تؤيد وقف المقاومة والانتفاضة، والاكتفاء بالعمل السياسي والدبلوماسي، مع الاستعداد لتقديم تنازلات كبيرة لتسهيل التوصل إلى حلول تحت شعار «خذ وطالب»، تصرّ حركة حماس على التمسك بخيار المقاومة، ولا ترى أن ثمة إمكانية للتوصل إلى تسوية في وقت قريب؛ وأقصى ما توافق عليه الحركة هو هدنة طويلة الأمد شرط موافقة إسرائيل على الانسحاب إلى حدود 4 حزيران عام 1967، والسماح بقيام دولـة فلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية تكون عاصمتها القدس، دون أن تعترف حماس بإسرائيل. وبديهي أن الخلاف بين الرؤيتين داخل حركة تحرر وطني واحدة كفيل بتفجير النزاعات بينهما، وهذا واقع شهدته كل حركات التحرر في العالم؛ ولا يمكن استثناء الساحة الفلسطينية من فعل هذا القانون. وربما لعب الطابع الاستيطاني للاستعمار الصهيوني لفلسطين دوراً كبيراً في تأخر نشوء هذه الظاهرة وتحوّلها إلى نزاع اتخذ شكل المواجهة المسلحة. لكن من الطبيعي مع طرح الحلول لتسوية الصراع أن يتفجر النزاع بين أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية تعبيراً عن الاختلاف في الرؤية السياسية أسوة بما حدث في كل حركات التحرر في العالم.

العامل الثالث، الصراع على السلطة. فمنذ نشوء السلطة الفلسطينية بعد الشروع في تنفيذ اتفاق أوسلو، ولِد هيكل لمؤسسات "شبه دولة" في الأراضي الفلسطينية، لجهة وجود وزارات ومؤسسات تدير شؤون المواطنين الفلسطينيين؛ وقد خصّصت لهذه الوزارات والمؤسسات موازنات، حيث قدّرت موازنة السلطة السنوية بحوالي مليار دولار؛ وبديهي أن هذه السلطة طرحت بعدين للصراع؛ الأول مادي، أي صراع على الامتيازات طالما أن هناك موازنات فعلية. وحينما تتشكل السلطة فإنها تستدعي إلى جانبها الصراع عليها؛ والبعد الثاني سياسي يرتبط بالخيارات الوطنية الكبرى، فالسلطة ليست مجرّد إدارة مدنية لشؤون الناس، بل هي سلطة سياسية بالدرجة الأولى، وهي انبثقت من اتفاقات أوسلو وملزمة بتنفيذ بنود هذه الاتفاقات والتحرّك في الأطر التي رسمتها. ولكن اتفاقات أوسلو لم تحظ بإجماع فلسطيني، وكانت  منذ البداية محور صراع عنيف بين أطراف حركة التحرر الوطني الفلسطيني. وقد جاء الانسحاب الإسرائيلي من غزة وتفكيك المستعمرات التي أقيمت هناك منذ عام 1967، ليضيف أبعاداً جديدة للصراع على السلطة، حيث لا يمكن اعتبار الجلاء عن قطاع غزة جزءاً من اتفاق تعاقدي مع الإسرائيليين، بل هو جاء ثمرة لعمل المقاومة الدؤوب والتضحيات الكبيرة التي قدّمها الشعب الفلسطيني؛ وبالتالي، فإن جميع القوى التي شاركت في تحريره باتت معنية بالسلطة التي ستتولّى إدارة شؤونه. وهذا زاد من حدّة الصراع بين الفصيلين الرئيسيين في الحركة الوطنية الفلسطينية.

هذه العوامل الثلاثة مجتمعة هي التي تفسّر النزاع بين حماس وفتح ووصولـه إلى مرحلة اللا تعايش أو مرحلة الصدام  المباشر. ويمكن القول إن أي عامل بمفرده ما كان لـه أن يوصل إلى هذه النتيجة.

 

ثانياً، سيطرة حماس على غزة: التحدّيات والفرص

قاد الصراع الإيديولوجي والسياسي، وأيضاً الصراع على السلطة، إلى اضطرار حركة حماس للقيام بالحسم الذي قاد إلى فرض سيطرتها على الأوضاع في قطاع غزة. وهذه السيطرة تحمل معها الكثير من التحديات والمخاطر، لكنها في الوقت نفسه توفّر بعض الفرص التي يمكن إذا أحسِن استثمارها أن تشكل مدخلاً لإصلاح الحركة الوطنية الفلسطينية بمؤسساتها المختلفة، وخصوصاً منظمة التحرير، وهيكل السلطة الوطنية، ومرجعيتها القانونية والوطنية.

·          التحديات:

تحديات عديدة طرحتها سيطرة حماس على قطاع غزة والانفراد بإدارة شؤونه، ومن أبرز هذه التحديات:

أولاً؛ وحدة الشعب الفلسطيني. إذ ثمة مخطط يرمي إلى عزل أجزاء فلسطين بعضها عن بعض، تتطلع إسرائيل إلى ترسيخ كانتونات فلسطينية على قاعدة تكريس الحكم الذاتي. لذاهي قامت بتقسيم المناطق الفلسطينية منذ فترة طويلة إلى أربع كانتونات أساسية، الأول في غزة، والثاني في شمال الضفة الغربية، والثالث في وسطها، والرابع في جنوبها؛ أما مدينة القدس، فتسعى إسرائيل إلى تهويدها، وتكريس ضمّها بصورة نهائية. وحتى الآن فشل هذا المخطط، لأن الفلسطينيين أجمعوا على رفضه وقاوموه بكل قوة؛ ولكن وجود سلطتين متناقضتين في القطاع والضفة الغربية قد يرسّخ الواقع الكانتوني إذا استمر سنوات طويلة، وإذا سمِح لإسرائيل بتنفيذ مخططاتها على هذا الصعيد، ولم تضع فصائل المقاومة وفي مقدمتها حماس في أولى فقرات برامجها ومهامها إسقاط هذا المسعى الإسرائيلي. وهنا يواجه حماس تحد كبير وصعب ومعقّد، وهو التوفيق بين توفير الأمن والاستقرار والحد الأدنى من إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في القطاع، وبين تحوّله إلى قاعدة محرّرة تشارك في الكفاح الوطني الفلسطيني بكل قوّتها لتحرير الأرض الفلسطينية وصولاً إلى كامل الحقوق التي تشكل الحد الأدنى الذي تتمسك به غالبية الفلسطينيين. وبديهي القول إن الاشتراك الفعّال لقطاع غزة في المقاومة سيجعله عرضة لانتقام قوات الاحتلال مع ما  يترتب على ذلك من مآسٍ إنسانية ومعاناة لحوالي مليون ونصف من أبناء الشعب الفلسطيني، إضافة إلى استمرار فرض الحصار المحكم على القطاع طالما اشترك بفعالية في النضال الوطني الفلسطيني؛ وهنا تبرز معضلة كبرى تواجه حماس بعد سيطرتها بمفردها على القطاع: كيف يمكنها أن توفّق بين اشتراك القطاع في نضال الشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه كاملة وبين ضرورات توفير الحد الأدنى لإدارة حياة المواطنين في هذه المنطقة؛ وهذا ربما سيكون التحدي الأبرز الذي واجهته حماس منذ فوزها في الانتخابات وتشكيل الحكومة الفلسطينية، ويواجهها بقوة أكبر بعد الانفراد بالسيطرة على القطاع وتولّي إدارة شؤونه.

ثانياً؛ لقد وجّهت عملية غزة ضربة قوية للوحدة الوطنية الفلسطينية. صحيح أن حماس تؤكد بأن العملية التي قامت بها استهدفت الرموز المتعاونة مع الولايات المتحدة ومع إسرائيل، والتي سعت دائماً لتخريب الوحدة الوطنية وعرقلة كفاح فصائل المقاومة المختلفة؛ لكن فتح بكل قياداتها، وهي من كبرى فصائل العمل السياسي في فلسطين، اعتبرت نفسها مستهدفة من كل ما جرى في غزة، وقد أدّت الممارسات ارتكبها بعض مقاتلي حركة حماس، أثناء اللجوء إلى الحسم والاستيلاء على المقرات الحكومية، إلى تعزيز الانطباع الذي حاولت ترويجه القيادات المتضررة في فتح والسلطة بأن حماس قامت بحركتها مستهدفة حركة فتح بكاملها، وبديهي أن الشرخ السياسي الكبير بين حماس  وفتح، بما يمثّله هذان التنظيمان على الساحة الفلسطينية يؤثّر سلباً، وبقوة كبيرة، على الوحدة الوطنية. ويمكن القول إن الوحدة الوطنية تتعرض حالياً لامتحان هو الأخطر منذ نشوء القضية الفلسطينية، وسيكون من الصعب على حماس والقوى الوطنية الأخرى التغلب على هذه المعضلة، ومجابهة هذا التحدي، إذا تعذر إيجاد حل للخلاف بين حماس وفتح؛ وإذا كانت القيادات والكوادر الوطنية في فتح تتحمل القسط الأساسي من مسؤولية مواجهة هذا التحدي لجهة عدم الالتزام بالتوصيات الإسرائيلية-الأميركية، وعدم تغليب التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي، فإن حركة حماس تتحمل مسؤولية لا تقلّ عن المسؤولية التي يتحملها الجناح الوطني في فتح في مواجهة التحدي الجديد والخطير؛ كما أن فصائل المقاومة الأخرى، وخصوصاً الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومنظمات المجتمع الأهلي الوطنية التي لم ترتبط بالمؤسسات الدولية المموّلة لهذه المنظمات الأهلية، يترتب عليها هي الأخرى القيام بدور نشط للضغط من جهة على الطرفين من أجل تصويب وتصحيح مسيرتها، وللتوفيق بينهما من جهة أخرى وحثّهما على نبذ خلافاتهما التي يشكّل استمرارها خطراً يقوّض القضية الوطنية الفلسطينية، ويخدم مصالح الاحتلال.

·          الفرص:

مثلما أدّت سيطرة حماس على قطاع غزة إلى إثارة كل هذه التحديات الخطيرة، إلا أنها في الوقت ذاته انطوت على فرص إذا أحسنت القوى الوطنية الفلسطينية اغتنامها فإنها قد تنقل القضية الفلسطينية إلى مسارٍ جديد أفضل مما كان عليه الحال في الماضي. ومن أبرز هذه الفرص:

أولاً، وضعت سيطرة حماس على القطاع حداً للصراعانوي على التناقض الرئيسي, فإ،دم الالتزام بالتوصيات الإسرائيلية الأميركية, وعدم تغليب التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي, فإ، بين الفصيلين الرئيسيين، وما ترتّب على هذا الصراع من تداعيات على أمن المواطنين وعلى قدرتهم على تسيير شؤون حياتهم؛ إذ من المعروف أن الفوضى المسلّحة والصراعات بين حماس وفتح بدأت منذ قيام السلطة الفلسطينية وانكفاء الاحتلال عن المدن الكبرى. ثم تصاعدت المواجهات بين الفصيلين قبل انتخابات المجلس التشريعي بعدما وصلت إلى ما يشبه الحرب الأهلية، وسقط من جرائها عشرات الشهداء ومئات الجرحى، وقد ولّدت هذه المواجهات حالة من الإحباط الشديد في صفوف الشعب الفلسطيني، وأضعفت مستوى التأييد العربي الرسمي والجماهيري للقضية الفلسطينية، ووفّرت مناخاً ملائماً لإسرائيل والولايات المتحدة للتلاعب بالفلسطينيين وتحريض بعضهم على بعض؛ علماً أن "انتصار" إدارة بوش والحكومة الإسرائيلية لـ"فتح" في مواجهتها مع حماس هو انتصار زائف، ذلك أن واشنطن وتل أبيب عاملتا الرئيس عرفات، القائد التاريخي لحركة فتح، بنفس الطريقة التي يعاملان بها الآن حركة حماس؛ ووقوفهما اليوم إلى جانب فتح يشكّل في واقع الأمر دعماً للقوى ذاتها داخل المنظمة وداخل حركة فتح التي حاولت إضعاف ياسر عرفات والتيار الوطني في حركة فتح.

وفي مطلق الأحوال، فإن سيطرة حماس على القطاع أزالت أساس الصراع الدموي الذي نشب بعد إبعاد جناح فتح المرتبط بالولايات المتحدة، والذي كان يقف وراء الاستفزازات التي أدت إلى استمرار الصراع بين الفصيلين الرئيسيين طيلة الفترة الماضية.

انتهاء الاقتتال الداخلي في قطاع غزة بعد انتفاء أسبابه، يولّد فرصة هامة جداً للتوجه بالتعبئة على المستوى الشعبي العام نحو مواجهة العدو الإسرائيلي الذي يحتل الأرض الفلسطينية، ويحاصر المواطنين في قطاع غزة، ويقوم بالتنكيل بالناشطين والمواطنين في الضفة الغربية والقطاع؛ ذلك أن تراجع حدّة الصراع الداخلي يؤدي آلياً إلى تزايد الاهتمام بالصراع مع الاحتلال وتوفير شروط مواجهته. كما ستتراجع أيضاً حالة الإحباط التي عاشها الشعب الفلسطيني جرّاء الاقتتال الداخلي، وتعود حالة التضامن مع الشعب الفلسطيني ومع مقاومته البطولية لنيل حقوقه، إلى ما كانت عليه كون الصراع بدأ الآن يدور على جبهات القطاع بين قوى المقاومة وبين قوات الاحتلال.

ثانياً، وفّرت سيطرة حماس على قطاع غزة، وتشكيل حكومة الطوارئ التي انحصر وجودها في الضفة الغربية، فرصة لأن يصبح القطاع منطقة محرّرة، خاصةً أن انسحاب إسرائيل منه لم يأت نتيجة لاتفاقات تعاقدية بين السلطة وبين حكومة العدو؛ فالانسحاب من غزة وتفكيك المستعمرات هناك، حصل بعد أن يئست إسرائيل من الحصول على تسوية وفق شروطها مع الفلسطينيين، كما جاء بعد أن أيقنت إسرائيل أن حرب الاستنزاف التي تخوضها المقاومة الفلسطينية منذ عام 1967 قد أوصلتها إلى وضع يصعب معه الاستمرار في احتلال القطاع، وبات الانسحاب تحت ضربات المقاومة أمراً لا مفرّ منه؛ ولكن السلطة في غزة ظلّت حتى الفترة الأخيرة هي ذاتها السلطة المنبثقة عن اتفاقات أوسلو. وبعد سيطرة حماس على قطاع غزة، وتشكيل حكومة الطوارئ، وعدم الاعتراف بحكومة إسماعيل هنية، توفّر أساس لإدارة القطاع على أساس وطني جديد، أي إقامة سلطة وطنية حقيقية على أرض فلسطينية محرّرة بعيداً عن آليات ومرجعيات أوسلو التي ضربها الاحتلال عندما قام بإعادة احتلال مدن الضفة الغربية التي كان قد انسحب منها عند توقيع هذه الاتفاقات.

ثالثاً، تتيح سيطرة حماس على قطاع غزة، وفوزها في انتخابات المجلس التشريعي في مطلع عام 2006، فرصة جديدة لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة هيكلة أجهزة العمل السياسي والوطني في الداخل، بما في ذلك هياكل السلطة والأجهزة المنبثقة عنها. وإذا كانت جميع الفصائل، بما في ذلك تيار واسع في حركة فتح، تشكو في السابق من تفرّد القيادات النافذة في فتح في الهيمنة على القرارات الوطنية الفلسطينية، وكان من الصعب وضع حدٍ لهذا التفرد بسبب التوازن الداخلي المختلّ لصالح هذه القيادات والدعم العربي والدولي غير المحدود الذي تحوز عليه، فإن التغييرات التي شهدتها الساحة الفلسطينية، بدءاً من انتخابات عام 2006 وانتهاءً بسيطرة حماس على قطاع غزة، خلقت موازين قوى جديدة وضعت العمل الوطني الفلسطيني أمام خيارين لا ثالث لهما، إما استمرار الخلاف لسنوات طويلة، وهذا أمر خطير ويضرّ بالقضية الفلسطينية، فضلاً عن أنه يولّد دينامية ستؤدي إلى حلولٍ ما في نهاية المطاف؛ وإما اتفاق الفصائل المختلفة على أسس جديدة للعمل الوطني، وبالتالي إعادة بناء المؤسسات استناداً إلى التوازنات الجديدة. وعلى الرغم من أن سيطرة حماس بدت وكأنها دفعت إلى الوراء مسألة حل هذه القضية، إلا أنها في واقع الأمر رسّخت الواقع الذي يحتّم البحث عن حلٍ جديد ينقل القضية الفلسطينية إلى مسارٍ جديد، حيث بات احتمال تشكيل جبهة وطنية فلسطينية في إطار منظمة التحرير هو الاحتمال المرجّح من الناحية الموضوعية، حتى وإن كان هذا الهدف يبدو في تلك اللحظة صعب المنال.

 

ثالثاً، سيطرة حماس على غزة: الدروس والخلاصات

تُعتبر سيطرة حماس على غزة تحولاً نوعياً في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، بحيث يوازي هذا التطور في نتائجه وتداعياته سيطرة حركة فتح في نهاية عقد الستينات على منظمة التحرير ومؤسساتها. ويمكن في هذا السياق رصد الدروس والخلاصات التالية:

* الخلاصة الأولى، لم يعد في غزة، عملياً وقانونياً، وجود للسلطة التي انبثقت عن اتفاقات أوسلو من الناحية الموضوعية. فالقطاع الآن هو عبارة عن منطقة محرّرة أرغمت المقاومة قوات الاحتلال على الجلاء عنها.

* الخلاصة الثانية، إلى حكومة فيّاض المدعومة من رئيس السلطة الفلسطينية وقيادة حركة فتح، غير مؤهّلة لتوحيد الفلسطينيين، وهي تعمل الآن تحت الوصاية الأميركية وبارتباط وثيق مع إسرائيل. وهذا الواقع ستترتب عليه نتائج وتداعيات سياسية كثيرة من أهمها:

1-     عودة التمايز إلى صفوف حركة فتح بين جناحين، حيث يسعى الأول إلى تعزيز التعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة، ويستعد لتقديم تنازلات كبيرة في الميدان السياسي، من وقف المقاومة وجمع أسلحتها، وهو شرع في ذلك، إلى قبول تسويات مع إسرائيل كان قد رفضها ياسر عرفات عندما كان رئيساً للسلطة الفلسطينية. وفعلاً، فقد بدأت هذه التمايزات في الظهور إلى العلن، وتجلّت بمؤشرات كثيرة أبرزها المواقف التي أعلنها عضو اللجنة المركزية لحركة فتح هاني الحسن، وتصريحات رئيس اللجنة المركزية للحركة فاروق القدومي التي أعلن فيها أن فتح لن تلقي السلاح قبل استعادة الحقوق، والبيان الصادر عن كتائب شهداء الأقصى الذي جاء فيه إن الكتائب «التي أقسمت على السير على خطى الرمز القائد ياسر عرفات، وحملت السلاح بشرف، لن تتركه أو تتخلّى عنه مهما كان الثمن، فقد سلمنا إياه الكاسر الياسر أبو عمار لنرفع علم فلسطين فوق مآذن القدس، لا لنسلّمه للعدو مقابل منصب أو مال»؛ واعتبرت ما حدث «مؤامرة على الكتائب»؛ قاصدة بذلك تسليم الأسلحة من بعض أعضاء الكتائب بناء على قرار للسلطة مقابل وقف إسرائيل لملاحقتهم.(1)

2-     معظم الفلسطينيين، وخصوصاً فلسطينيي الضفة الغربية، يرفضون التفريط بحقوقهم الثابتة، ولا يمكنهم أن يغيّروا موقفهم لمجرّد وقف الملاحقات وتخفيف حواجز الجيش الإسرائيلي، وإعادة بعض الأموال المصادرة من قبل إسرائيل؛ وهم لا يعتبرون ذلك بديلاً عن استعادة الأرض المصادرة وتدمير الجدار العازل، وبناء دولة فلسطينية على كامل الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967، وضمان حقوق اللاجئين؛ وإن أي تفريط بهذه الحقوق أو تجاهل لها من قبل السلطة الفلسطينية وحكومة سلام فياض، سيؤدي إلى انحسار التأييد الشعبي للسلطة، ذلك أن الشعب الفلسطيني الذي قدّم  ويقدّم الكثير من التضحيات لن يفرط بحقوقه ولن يسمح لأي جهة مهما كانت بتجاهل هذه الحقوق التي تمثل الحد الأدنى الذي لا يمكن التراجع عنه.

3-     المجموعة السياسية التي تدير السلطة اليوم لا تتمتع بتأييد شعبي واسع. ولولا الخلاف بين حركتي حماس وفتح الذي أتاح لها فرصة النطق باسم فتح، لما كان لها حتى أن تشكّل حكومة؛ فحكومة سلام فياض تمثل مستقلين لا يحوز معظمهم على أي تأييد شعبي، ومؤهّلاتهم الوحيدة هي صلاتهم مع الولايات المتحدة ورضى الإدارة الأميركية عنهم؛ ولكن قضية صعبة ومعقّدة مثل القضية الفلسطينية، لا يمكن أن يكون المعبّر عنها والناطق باسمها سلطة هزيلة التمثيل إلى هذا المستوى.

4-     المواجهة بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال تظل هي التناقض الأساسي مهما بذلت من محاولات لتضخيم التناقض بين فصائل المقاومة، خصوصاً بين حماس وفتح. ويمكن أن يستمر تأجّج الخواطر أسابيع وحتى أشهراً بين فتح وحماس، ولكن مع مرور الوقت ستتراجع هذه الحساسيات، وتظل ممارسات الاحتلال التعسفية بحق أبناء الشعب الفلسطيني هي المحرّك الأساس للصراع بين الاحتلال وغالبية الفلسطينيين.

5-     فصائل المقاومة الأخرى، وخصوصاً الجبهة الشعبية وحركة الجهاد، أعلنت رفضها إلقاء السلاح ووقف المقاومة، وهذا من شأنه أن يضع السلطة أمام الخيارات الصعبة؛ فإما التصدي لفصائل المقاومة الأخرى، وهذا يغيّر مجرى النزاع الداخلي من نزاع فصائلي بين حماس وفتح إلى نزاع على الخيارات الوطنية بين السلطة وكل فصائل المقاومة، وإما التراجع عن قرار جمع السلاح ووقف المقاومة، خاصة أن إسرائيل رفضت الشروع في مفاوضات الحل النهائي لأنها غير مستعدة للجلاء عن الضفة الغربية والقدس الشرقية وتسوية قضية اللاجئين؛ وبديهي أن الرفض الإسرائيلي يسِقط الرهان على الخيار الدبلوماسي ويعزّز خيار المقاومة، وهذا لا يصبّ في مصلحة المجموعة المهيمنة الآن على السلطة الفلسطينية.

 

رابعاً، النزاع الفلسطيني الداخلي إلى أين؟

دخل النزاع بين حماس وفتح مرحلة جديدة في ضوء رفض قيادة فتح الحوار مع حماس قبل إزالة نتائج الأحداث الأخيرة التي شهدتها غزة، وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل سيطرة حماس على القطاع، في حين تصر حركة حماس على بدء الحوار من دون شروط. وفي ضوء الخلاف المحتدم حول هذه المسألة، تلوح في أفق المرحلة المقبلة السيناريوهات التالية:

·     السيناريو الأول، العودة إلى الحوار في وقت لاحق بعد أن تهدأ الخواطر، وبعد اقتناع جميع الأطراف بخطورة استمرار الانقسام وانعكاساته السلبية على القضية الوطنية، خاصة أن مصر والسعودية لا تؤيدان تماماً محاولات الولايات المتحدة وإسرائيل لتأجيج  الخلاف وتعزيز الانقسام. وفي هذا السياق، نقِل عن مصادر دبلوماسية في واشنطن تأكيدها أن إدارة بوش أبلغت رئيس الاستخبارات المصرية عمر سليمان «اعتراضها على أي انفتاح تجاه قيادة حماس، ورفضها أي حوار يقوّي الحركة ويعطيها شرعية»(2). ولكن لا يبدو أن مصر والسعودية مستعدتان للتراجع عن موقفهما؛ ومع مرور الوقت سوف يصبح الحوار بين حماس وفتح مطلباً لا يمكن تجاهله، وبالتالي سيبدأ الحوار، وقد يتم التوصل إلى تسوية جديدة تأخذ بعين الاعتبار التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية ليس فقط في ضوء سيطرة حماس على قطاع غزة، بل أيضاً في ضوء نتائج النزاع بين الطرفين ووصوله إلى طريق مسدود بعد أن اختبر كل طرف رهاناته وخياراته المنفردة.

·     السيناريو الثاني، ترسيخ واقع الانقسام السياسي الفلسطيني على قاعدة قيام كيانين، الأول في غزة تقوده حركة حماس، والثاني في الضفة الغربية تقوده السلطة وتدعمه جهات في حركة فتح؛ وهذا السيناريو هو الذي يفسّر الأحداث التي شهدها قطاع غزة في شهر حزيران الماضي. وقد نشر «دنيس روس» المبعوث الأميركي للسلام في عهد كلنتون مقالاً في صحيفة «واشنطن بوست» قبل عشرة أيام من اندلاع المواجهات في غزة بين حماس وفتح قال فيه إنه سمع رأياً فلسطينياً (وإسرائيلياً) يقول «دعونا نجعل الضفة الغربية تعمل اجتماعياً واقتصادياً ومؤسساتياً، وبعد ذلك نستطيع أن نحافظ على نجاحنا بعكس ما جرى في غزة، حيث تصل نسبة البطالة إلى ما يقارب 70%؛ ولندع حماس تتزعم دولة بدون قانون. سوف نبني دولتنا الخاصة بنا. دعونا نتوصل إلى تفاهم مع الأردن وإسرائيل على الأقل فيما يتعلق بالكونفدرالية الاقتصادية والأمنية؛ وفي حال استمرار حماس في سيطرتها على غزة، فإننا قد نصل إلى حلٍ بثلاث دول»(3). إن رهانات هذا الفريق معقودة على «الاعتماد على قوات الدفاع الإسرائيلي لضرب التحديات المتوقعة من حماس، وعلى الأردن والولايات المتحدة للمساهمة في تشكيل قوات الأمن»(4)؛ الولايات المتحدة من جهتها «شجّعت في هدوء الرئيس محمود عباس على حلّ الحكومة الفلسطينية وعزل رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية؛ كما اتصلت رايس هاتفياً بالرئيس عباس قبل إعلان تشكيل حكومة سلام فياض «كي تؤكد على التأييد الأميركي لهذا التحرك». وتنقل صحيفة «نيويورك تايمز» معلومات من تل أبيب تفيد بأن إسرائيل «تروّج لمقترح بكيانين منفصلين في الضفة الغربية وقطاع غزة».(5)

لكن هذا السيناريو غير قابل للتطبيق على المدى البعيد، وذلك لأسباب عديدة أبرزها:

السبب الأول، إن الكيان الفلسطيني في غزة محاصر من قبل إسرائيل ويتعرض شعبه للاضطهاد. ومع استمرار الحصار وتفاقم معاناة المواطنين، فإن فصائل المقاومة -وفي طليعتها حماس- لن تقف مكتوفة اليدين، وستحاول ممارسة الضغط على إسرائيل وعلى بعض الأنظمة العربية المشاركة في عملية الحصار لإرغامها على إنهائه؛ وهذا سيضع إسرائيل أمام خيارات صعبة، فإما العودة إلى احتلال القطاع، ودونه الكثير من المصاعب والتحديات، وإما رفع الحصار عن القطاع، وبالتالي فشل محاولات إرغام قوى المقاومة في غزة على الاستسلام.

السبب الثاني، كيان الضفة الغربية هو واقع عملياً تحت سيطرة الاحتلال، وليس تحت السيطرة الحصرية لحكومة السلطة الفلسطينية؛ وممارسات الاحتلال التعسفية المستمرة بحق الشعب الفلسطيني وناشطي المقاومة لن تدعم هذا الكيان ولن تقود إلى تحسّن حياة المواطنين. وفي هذا السياق أشارت نتائج استطلاع للرأي أجراه «المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية"، بعد أسبوع على انتهاء أحداث غزة إلى «أن حركة حماس لا تزال أكثر شعبية من فتح عند أكثر من ربع فلسطينيي الضفة الغربية».(6)

السبب الثالث، أن الشعب الفلسطيني متمسك بوحدته الوطنية،  ويقف بقوة ضد محاولات تحويل الصراع الحزبي إلى محاولة لشقّ صفوفه وتصديع وحدته. وتلعب فصائل المقاومة وعدد آخر من القوى دوراً فعالاً في الضغط على طرفي النزاع، أي حماس وفتح، للعودة إلى طاولة الحوار لأنه السبيل الوحيد لحفظ وحدة الشعب؛ والأرجح أن طرفي النزاع لن يستطيعا تجاهل الدعوة إلى الوحدة لفترة طويلة.

من هنا، فإن تعليقات المحلّلين، وأبرزهم الأميركيين الذين تابعوا قضية الصراع، وخصوصاً من أصول يهودية، قد ركّزت على أن الرهان على قيام كيانين، الأول في غزة، والثاني في الضفة الغربية، مما يخرج إسرائيل من مأزقها، هو رهان لا يستند على أساس. في هذا السياق أكد «دنيس روس» «إن دولة فاشلة في غزة من شأنها أن تكون مصدراً مباشراً لعدم الاستقرار»؛ كما اعترف بأن «إسرائيل لن تجد احتلال شريط ضيّق من المنطقة من أجل إيقاف التهريب أمراً سهلاً»؛ وأضاف: «إن الوجود الإسرائيلي قد يشجّع أكثر على التمرّد كما حدث لإسرائيل في جنوب لبنان؛ كما أنه لا توجد قوة دولية بديلة قد تكون متيقظة أو جادة بما يكفي للقيام بعمل فعّال»؛ والأهم في نظر روس: «أن هناك الكثير من الأمور التي تفرّق الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولكن أيضاً هناك الهوية المشتركة التي تجمعهم كفلسطينيين. وعليه، فإن إقامة دولة فلسطينية بدون غزة قد تكون بمثابة المصدر الغير متناهي من عدم الاستقرار»(7). كما شكّك الخبير الأميركي من أصول يهودية «أنتوني كوردسمان» بقدرة الأطراف المعنية على «باحتواء حماس داخل غزة»(8)؛ وهو ارتكز في استنتاجه هذا على حقيقة أنه في غزة «نمو سكاني وتوقف نظام المدارس، وعملياً توقف التعاون الاقتصادي مع إسرائيل؛ ويمكن اعتبار غزة في ضوء ذلك مخيم لاجئين عملاق، ومن دون أمل اقتصادي». ويؤكد أن أي حل في الضفة الغربية وحدها، لا تكون لـه انعكاسات إيجابية على غزة «وحق العودة، ومن دون تأثير على الشتات الفلسطيني»، فإنه لن يكون حلاً. ويتفق مع استنتاجات كوردسمان «ديفيد ماكوفسكي»، مدير مشروع عملية سلام الشرق الأوسط في معهد واشنطن، الذي يقول «إن زعماء حماس مطمئنون أنه ليس ثمة أحد بمقدوره انتزاع غزة منهم؛ وليس ثمة قوة دولية ترغب بدخول قطاع غزة لتواجه حماس التي تجنّد حوالي (40) ألف مقاتل. وإذا كانت إسرائيل تواصل ضرباتها الانتقامية ضد الهجمات الصاروخية، فإنه من غير المحتمل أن تعاود الدخول إلى غزة بعد أن انسحبت من هناك قبل عامين»(9). كما حذّر هنري سيغمان مدير مشروع    أميركا- الشرق الأوسط والمحاضر في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن، من المغالاة في الضغط على غزة والاهتمام بالضفة الغربية بحجة تأمين تفوق سلطة محمود عباس في الضفة على سلطة حماس في قطاع غزة، مشدداً على أن «الذين لا يريدون حماس سيحصلون على القاعدة».(10)

وفي السياق ذاته، نقلت « صحيفة واشنطن بوست» بتاريخ 16 تموز 2007 عن تقييمات استخبارية ما مفاده «أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس لا يتحكم في كل المجموعات المسلحة ومنها كتائب شهداء الأقصى المرتبطة بفتح. ولذلك لن يتمكن من إيقاف كل الخطط الإرهابية؛ بينما تشير إلى مصلحة أعضاء حماس وباقي المتطرفين في إمكان استهداف إسرائيل من الضفة الغربية لإفشال الجهود الجديدة لإرساء السلام». وأضاف التقييم الاستخباري: «تواجه فتح تحدياً كبيراً في حكم الضفة الغربية بطريقة فعلية». وخلص التقييم الاستخباري إلى «أن عزل حماس في غزة وفق استراتيجية تدعمها إسرائيل وإدارة بوش قد يعزّز موقف الحركة بين الفلسطينيين»؛ ونقلت الصحيفة عن «بول بيلار» وهو مسؤول محلّلين سابقين في شؤون الشرق الأوسط في مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي تأكيده أن «حماس لن تختفي تحت الضغط والعزل، بل من المحتمل جداً أن تعود دولة حماس قوية، ولن يكون ذلك في مصلحة أحد».

هكذا يبدو واضحاً أن سيناريو كيانين منفصلين يواجه الكثير من العقبات والتحديات. والأرجح أن هذا السيناريو سيكون مصدراً لمشاكل إضافية لقوات الاحتلال والتحالف الداعم لها، أكثر مما سيؤدّي إلى تخفيف هذه المشكلات وإخراج إسرائيل من مأزقها.

·     السيناريو الثالث، سقوط قطاع غزة بيد حركة فتح بعد حصولها على مساعدات خارجية، أو سقوط سلطة عباس- فياض في الضفة الغربية. وإذا ما كان سيناريو استعادة فتح للسيطرة على غزة مستحيلاً على الأقل على المدى المنظور، فإن تعثّر مشروع محمود عباس- سلام فياض في الضفة الغربية يظل الاحتمال المرجّح، لأن إسرائيل ترفض حتى الآن الانسحاب إلى حدود 28 أيلول عام 2000، كما ترفض الشروع في المفاوضات حول الوضع النهائي. أما التسهيلات التي قدّمت لسلطة الضفة الغربية حتى الآن، فإنها شكلية ولن تؤدي إلى أي تحسن يمكنه أن يخدم هذه السلطة.

·     السيناريو الرابع، سيناريو إجراء انتخابات مبكرة للرئاسة والمجلس التشريعي. ولكن هذا السيناريو الذي أوصى به المجلس المركزي لمنظمة التحرير في اجتماعه الأخير في رام الله (بإيعاز من أبو مازن)، مستبعد لأسباب عديدة أبرزها:

أولاً، إن إجراء الانتخابات فقط في الضفة الغربية وتبرير ذلك على أنه يأتي في إطار المرحلية، حيث سيتم استكمالها لاحقاً في قطاع غزة، سيعمّق الانقسام بما يساعد إسرائيل على تمزيق فلسطين إلى كيانين هما أقرب إلى الكانتونات منه إلى شيء آخر.

ثانياً، إن إجراء الانتخابات في القطاع والضفة يحتاج إلى إجماع وطني بالدرجة الأولى والحصول على موافقة حماس. ولكن من المستبعد أن توافق حماس على إجراء هذه الانتخابات قبل المصالحة الوطنية، وقبل التأكد من نزاهة هذه الانتخابات ليس فقط في قطاع غزة، وإنما أيضاً في الضفة الغربية؛ وبديهي أن هذه الشروط غير متوفرة على الإطلاق في المرحلة الراهنة.

 

خامساً، مقترحات لمعالجة الأزمة الفلسطينية

يبدو من الصعب إيجاد حل للنزاع بين حماس وفتح واستعادة الوحدة الوطنية قبل اختبار المشروع الجديد المقترح لإسقاط حماس عن طريق إقامة كيانين الأول مدعوم في الضفة الغربية، والثاني عرضة للحصار والمؤامرات في قطاع غزة. وقبل أن تفشل هذه الرهانات، فإن استئناف الحوار يبدو أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً؛ ولذلك فإنه من الضروري العمل على:

أولاً، ضرورة إدارة حماس لقطاع غزة من الناحية الأمنية والاقتصادية، على نحو يجعل غالبية المواطنين يشعرون بالفرق بين ما كان عليه حالهم عندما كانت المجموعات التي تثير الاضطراب موجودة في غزة وتفتعل الاشتباكات بين الحين والآخر، وبين وضعهم الحالي.

ثانياً، مهما كان الوضع الأمني مستتباً، ومهما كانت الإجراءات الاقتصادية مريحة وفاعلة، فإن المواطنين لن يشعروا بالتحول الإيجابي إذا استمر الحصار بقوة كبيرة، ، خاصةً أن حملات إعلامية مكثفة سوف تركّز على أن سيطرة حماس  على قطاع غزة هي المسؤولة عن التردّي الاقتصادي وليس الحصار الذي تفرضه إسرائيل؛ ولهذا يتوجب على حركة حماس والقوى الفلسطينية الأخرى، وخصوصاً القوى الوطنية في فتح، تنظيم حملة معاكسة تحمِّل الاحتلال مسؤولية المصاعب، مع توجيه إنذار لإسرائيل، مفاده أن استمرار الحصار وتشديده قد يدفع حماس وقوى المقاومة  إلى خوض مواجهة مفتوحة مع الاحتلال الإسرائيلي، وأنها ستقوم بفتح المعابر بالقوة، الأمر الذي سيضع إسرائيل أمام خيارات صعبة، إما القيام بعملية مكلفة ضد القطاع والانتشار على الحدود بين مصر والقطاع، وهي تتحاشى هذا الخيار منذ فترة طويلة خوفاً من كلفته السياسية والاستنـزافية، وإما تخفيف الحصار إذا تعذّر رفعه كاملاً، الأمر الذي ينعكس مع الاستقرار الأمني إيجاباً على وضع المواطنين في غزة.

ثالثاً، إذا نجحت حماس في توفير الاستقرار في القطاع وفي تسهيل الحركة الاقتصادية، وأضعفت الحصار المفروض على القطاع، فإن الركن الأساسي في الاستراتيجية المعادية سوف ينهار، أي سوف تسقط الرهانات على تحول غزة إلى جحيم قد يدفع المواطنين للابتعاد عن حماس، وأكثر من ذلك الثورة عليها.

رابعاً، المطلوب أن تبذل حركة حماس جهوداً استثنائية لإقناع فتح بالعودة إلى الحوار. ويمكن القول إن قيادة فتح التي ترفض العودة للحوار الآن تحت ضغط إسرائيل والولايات المتحدة، وتحت تأثير الصدمة التي خلّفتها سيطرة حركة حماس على غزة، ستغيّر مواقفها مع مرور الوقت تحت تأثير ثلاثة عوامل أساسية:

·     العامل الأول، رغبة القوى والعناصر الوطنية داخل حركة فتح التي كانت متضرّرة من الجناح الذي أقصِي في غزة، والذي يتحمل مسؤولية تردّي الوضع بين التنظيمين الفلسطينيين، بهذا الحوار، لأن هذا الجناح مستفيد هو الآخر من إقصاء الرموز التي عرِف عنها علاقاتها الوطيدة مع إسرائيل والولايات المتحدة، وكذلك فسادها.

·     العامل الثاني، ضغط القوى الوطنية الفلسطينية الأخرى، وغالبية الشعب الفلسطيني التي لا ترى مصلحة في استمرار الخلاف والصراع بين فتح وحماس، لأن استمراره يلحق أذى كبيراً بالقضية الفلسطينية.

·     قناعة مصر والسعودية والتي جاهرتا بها علناً بأن لا حل للأزمة خارج نطاق الحوار. وإذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتين الآن على التغلب على تأثير القاهرة والرياض، فإن هذا لن يستمر طويلاً، ولهذا فإن الحوار آتٍ عاجلاً أم آجلاً، وليس هناك خيار آخر؛ ولهذا يجب أن لا تيأس حركة حماس من الدعوة إلى استئناف الحوار.

خامساً، الحوار الذي سوف يستأنف في وقت لاحق لا يجب أن يكون مثل الحوارات السابقة، أي مضيعة للوقت، بل يجب أن يكون حواراً جدياً ويجب أن يشمل القضايا الأساسية التي هي جوهر الخلاف بين حماس وفتح؛ وتتوفر الآن شروط وتوازنات تسمح للمرة الأولى منذ نشوء منظمة التحرير الفلسطينية، وقيام السلطة، بإجراء عملية تصحيح جدية لمؤسسات العمل الوطني الفلسطيني الأساسية.

سادساً، لابد أن يتضمن أي جدول أعمال للحوار، القضايا الأساسية التالية:

1-     إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، وبدء هذه العملية فوراً بحيث تصبح إطاراً جامعاً لكل فصائل العمل الوطني الفلسطيني. ويمكن للتفاهمات التي تم التوصل إليها في لقاءات القاهرة (التي عقِدت قبل عامين) أن تشكّل الأساس لاتفاق جديد بعد إدخال  تعديلات عليه تواكب التطورات والتحولات التي شهدتها الساحة الفلسطينية في الآونة الأخيرة؛ ولا بد من ملاحظة أنها المرّة الأولى التي باتت فيها موازين القوى داخل الساحة الفلسطينية تضع العمل الوطني أمام خيار من اثنين، إما استمرار الأزمة أو الشروع فوراً في إصلاح مؤسسات العمل الوطني؛ هذا الإصلاح الذي تأخر كثيراً.

2-     إصلاح هيكلية السلطة، وخصوصاً الأجهزة الأمنية، وإعادة النظر بالقوانين التي تشكّل مرجعيتها التي كانت انعكاساً لاتفاقات أوسلو، لتراعي التحول الذي حدث بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة من طرف واحد، وقيام إسرائيل باحتلال الضفة الغربية، بحيث تكون قوانين السلطة الجديدة، هي أقرب إلى القوانين التي تنظّم عمل سلطة قائمة على أرض تم تحريرها بقوة المقاومة، وبفعل توازن القوى الجديد مع إسرائيل.

3-     إصلاح الأجهزة الأمنية لابد أن يأخذ بعين الاعتبار المعطيات الخاصة التي تميّز الوضع الراهن للقضية الفلسطينية، إذ لا يمكن بناء أجهزة أمنية وكأنّ فلسطين باتت أرضاً محرّرة بالكامل من الاحتلال. ولهذا، فإن الأجهزة الأمنية يجب أن تكون ذراعاً عسكرية ضد الاحتلال، ومن أجل توفير الأمن في المناطق المحررة؛ وهذا يعني أنه لا بد أن تشارك فيها كل قوى المقاومة، وأن يكون انتماؤها الوطني واضحاً لا لُبس فيه، وأن توضع لها لوائح تحدد مهامها؛ وبمعنى آخر، فإن المطلوب هو بناء الأجهزة الأمنية بروحية بناء جيش وطني يشارك فصائل المقاومة عملية تحرير الأرض، وحفظ الأمن الداخلي ليس وظيفته الوحيدة.

4-     يجب حلّ التناقض والخلاف حول الرؤية السياسية لعملية التسوية بين فتح وحماس، ليس عبر صياغات عامة  وحمّالة أوجه، بل عبر الاتفاق على ماهيّة التسوية التي يجب أن تشكّل الحد الأدنى وترضي غالبية فصائل المقاومة والشعب الفلسطيني؛ ذلك أن الاتفاقات السابقة، بما في ذلك اتفاق مكة وتفاهما القاهرة، لم تحسم هذه المسألة، وظلّ هذا الخلاف يشكّل جذر الأزمة الحالية التي تعصف بالعلاقات الفلسطينية، وخصوصاً بين حماس وفتح.

سابعاً، لا يمكن للحوار المتوقع أن ينجح في وضع  حد للأزمة الحالية بين فتح وحماس، إذا لم يتم إشراك الفصائل الأخرى في هذا الحوار، وخصوصاً الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية. وقد يكون من المفيد بدايةً إجراء ما يشبه المصالحة بين حماس وفتح، ولكن لا بد من الاستفادة من دروس الماضي، والتجارب التي أخفقت، لسلوك خيار جديد؛ وفي مطلق الأحوال، فإن مشاركة الفصائل الأخرى في الحوار من شأنها أن توصل  إلى نتائج حاسمة من جهة، تحصّن أي اتفاق يمكن التوصل إليه من جهة أخرى.

=======================================

(1)          نشِر النص الحرفي لبيان كتائب الأقصى على موقع عرب 48 الإلكتروني.

(2)          صحيفة الحياة (17-7-2007).

(3)          دنيس روس، صحيفة واشنطن بوست (4-6-2007).

(4)          مارتن أنديك، صحيفة واشنطن بوست (16-6-2007).

(5)          صحيفة نيويورك تايمز (16-6-2007).

(6)          صحيفة واشنطن بوست (17-7-2007).

(7)          دنيس روس، صحيفة واشنطن بوست (4-6-2007).

(8)          حوار منشور على موقع مجلس العلاقات الخارجية بتاريخ 18-6-2007.

(9)          صحيفة هيرالد تربيون (20-6-2007).

(10)       صحيفة الحياة السعودية (24-6-2007).


 


* باحث فلسطيني

 

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة