من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 
 

 

 

 

المقاومةاللبنانية أسقطت الأسطورة و الأمة تستطيع القضاء على المشروع الصهيوني

 

 

وليد محمد علي

 

 

حقائق من عدوان تموز وانتصار المقاومة:

المتابع المتبصر لشؤون وشجون الصراع مع المشروع الصهيوني، يستخلص أن الانتصار الذي تحقق في لبنان (في آب 2006) بتضحيات وبطولات حزب الله، وبصبر وصمود أهل جبل عامل والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، واحتضان جلّ الشعب اللبناني، ليس مفصولاً بأي حال من الأحوال عن النضال المديد للشعب الفلسطيني, الذي تمكن، وبدعم من الشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم، من منع تحول المشروع الصهيوني إلى دولة مستقرة، لها شرعية معترف بها كجزء من المنطقة؛ ليس جزءاً عادياً، بل جزءاً مهيمناً كما كان مخططاً له.

 هذا النضال هو حلقات متتالية مترابطة، وكل حلقة تبتدئ بإيجابيات ما سبق وتتخلص من بعض سلبياته. لكن إذا كان ما أنجزته النضالات السابقة قد أوجد كماً من التراكمات التي نجحت نسبياً في منع الكيان الصهيوني من الاستقرار، ومن أن يتحول من مشروع استعماري استيطاني إلى دولة عادية متمكنة، فإن الذي حدث مؤخراً في لبنان شكل تحولاً نوعياً في طبيعة المواجهة مع هذا المشروع لعدة أسباب أهمها:

 أولاً: إن الكيان الصهيوني، منذ نشأته وحتى هزيمته في لبنان، ظل يعيش في إطار تصور سعى كل معسكر الأعداء لتكريسه، وهو أن الجيش الصهيوني لا يقهر، ولا يمكن لكل الجيوش العربية أن تهزمه ولو لمرة واحدة، لأن ذلك يعني فناء الكيان...فالصهاينة لا يقدّسون جيشهم او يخلعون علية هالة أسطورية لمجرد أنه انتصر في الحروب التي خاضها ضد العرب، بل لسبب آخر أهم وأعمق. ففي حين أن الدول هي التي تبني جيوشها، فإن جيش الكيان، ابتداء من عصابات "هاغانا" و"شتيرن" ورغون"، هو الذي بنى "الدولة"!

لذا، فإن الكيان، ومنذ قيامه عام 1948، زوّد بأسلحة تتفوق -وبدرجة كبيرة- على جميع الأسلحة التي بحوزة الدول العربية. وقد ظل هذا الكيان وحده من يمتلك عنصر الردع، الأمر الذي مكّنه من أن يعيش طوال الفترة الماضية بدون أي تهديد جدي لأمنه واستقراره وتطوره, كما استخدم قدرته الردعية في العام 1982 لإضعاف المقاومة الفلسطينية وصولاً إلى جرّها للتوقيع على اتفاقات أوسلو التصفوية. وقد سعى الكيان لاستخدام عنصر الردع أيضاً في كبح مقاومة حزب الله عن طريق تهديد لبنان بالدمار وإثارة الفتن الداخلية.

لكن في المقابل، تمكن حزب الله من تأسيس بنيته المقاومة على أساس القدرة على إسقاط نظرية الردع الصهيوني، وإنهاء أسطورة الجيش الذي لا يقهر. وقد امتلك الحزب ما يلزم من عوامل القوة التي تردع العدو؛ صحيح أن عناصر القوة و الردع التي يمتلكها حزب الله هي أدنى من عناصر الردع التي يمتلكها الكيان، لكن التوازن النسبي كان كافياً لإيقاع الرعب والذعر في صفوف الجيش الصهيوني والمستعمرين على السواء. بل إن التأثيرات امتدت إلى الحكومة الصهيونية نفسها التي شعرت بالهزيمة والإحباط، بالأخص بعد المعركة الأخيرة.

 ثانياً: لقد حصل العدوان الذي تم الإعداد له , بالتنسيق والتكامل بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، وبتواطؤ -أو رضى- بعض الدول والقوى المعروفة، بهدف القضاء على حزب الله، كجزءٍ من مخطط عام لإعادة رسم خريطة المنطقة وفق متطلبات "الشرق الأوسط الجديد" الذي "بشرت" به وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس في الأيام الأولى للعدوان (يمكن العودة إلى ما نشرته وسائل الإعلام عن التقرير الذي كتبه سيمور هيرش في مجلة نيوركر بتاريخ 14/8/2006 ). وقد كتِب الكثير عن هذا المشروع الذي كان يفترض له أن يتحقق أولاً بتصفية المقاومة في لبنان، ثم بتغيير الأوضاع في سوريا، وتوجيه ضربة قاصمة لإيران، على أن يترافق كل ذلك مع ضرب المقاومة في فلسطين والعمل لتصفية القضية المركزية عبر إخضاع الشعب الفلسطيني لمشروع تسوية ظالم تحت ذريعة أن "ليس بالإمكان أحسن مما كان". لكن الشرط الأساسي لنجاح هذا المخطط كان مبنياً على افتراض نجاح الضربة الصهيونية ضد لبنان، التي كان مقدّراً لها أن تكون في أيلول/ سبتمبر أو في تشرين/أكتوبر. إلا أن ألطاف الباري عزّ وجل (كما أكد سماحة السيد حسن نصر الله ) وفّقت مقاتلي المقاومة الإسلامية بعملية "الوعد الصادق المباركة"، لتفرض على العدو توقيتاً جديداً للعدوان، الأمر الذي أفقده مزايا عديدة كان يمكن أن يوفّرها عنصري المفاجأة والتخطيط المسبق.

ومن ثمّ كان الفشل الذريع الذي سيجبر الكيان الصهيوني على إعادة النظر في الكثير من المفاهيم التي كانت سائدة في مؤسساته العسكرية والمدنية. فنتائج العدوان كشفت عن عيوب جوهرية في بنية الكيان برمّته. وأول ما سيعاد النظر فيه هو حقيقة القدرة الردعية للمشروع الصهيوني. فقد دمرت إنجازات مجاهدي المقاومة أسطورة الردع الصهيونية التي كانت ترتكز على نقل المعركة إلى أرض "العدو" وحسمها بسرعة، وإبعاد الجبهة الداخلية عن نيران هذا العدو. وكان السائد في الكيان ولدى حلفائه والمهزومين من الحكام العرب، أن القوة العسكرية الضخمة والمتفوقة ستجعل من تحقيق هذه الأهداف أمراً ممكناً. ولكن تبين في المواجهة الأخيرة أن القوة الهائلة لم تمنح العدو القدرة الردعية في مواجهة عمليات عمليات المقاومة المختلفة عن العمليات العسكرية التقليدية للجيوش الكلاسيكية. فالقوة التدميرية وحدها غير قادرة على تحقيق الردع في الحروب الشعبية؛ وعندما يتم استخدام القوة تفقد وظيفتها الردعية وتدخل في مجال استخدامها العسكري. وبالتالي يحتاج تحقيق الأهداف السياسية إلى دفع أثمان باهظة لإجبار الخصم على فعل ما يريد صاحب القوة المتفوقة. ولم يدرك الصهاينة أن استخدام القوة في غير مواجهة الجيوش التقليدية يفقد القوة وظيفتها الردعية. ومهما بلغت القدرة التدميرية من شراسة، فهي تبقى عاجزة عن الوصول إلى أهدافها، طالما أنها لا تستطيع "إكراه الخصم على تنفيذ إرادتنا" بلغة العسكريين.

إن القدرة على الردع تقوم على فرض السلوك على العدو دون الوصول إلى حد استخدام القوة، حيث يكفي التلويح باستخدام القوة لردع الخصم عن التفكير في أي سلوك يدفع إلى استخدام القوة. لكن لم يصل الكيان الصهيوني إلى هذا الوضع مع المقاومة في فلسطين أو في لبنان،حيث لم تنجح خطة الانسحاب الأحادي من غزة في إعادة الاعتبار لقدرة الردع الصهيونية، ولم يتمكن العدوان على لبنان -رغم كل التدمير والمجازر- من سحق حزب الله ووقف تهديد مجاهديه وصواريخهم. وطالما أن الحرب لم تقنع الخصم بأنه هزِم، حتى لو تم إيقاع خسائر كبيرة به، فإن الحرب تكون قد فقدت أي إنجاز سياسي، وبالتالي يمكن تصنيفها كحرب خاسرة بامتياز، وهذا تقييم أغلب المراقبين في الكيان، كما مراكز الأبحاث والخبراء العسكريين في الغرب.

ثالثاً: ما الذي حدث في نهاية هذه المعركة؟ إن نتيجة /33/ يوماً من العدوان الوحشي التدميري لم تكن فقط الصمود في المواجهة يحلّل البعض، بل جرى منع العدو من تحقيق أهدافه الرئيسة، مع إلحاق خسائر كبيرة في البنية العسكرية لجيشه؛ فما أصاب المدرّعات، ووحدات النخبة في لواء غولاني وغيره، وما أصاب الكيان على مستوى بنيته القيادية، وبنيته الاجتماعية، حيث اضطر ربع السكان إلى الرحيل عن أماكنهم في الشمال إلى العمق الفلسطيني المحتل، شأن له دلالاته العميقة على مستقبل المشروع الصهيوني. كذلك أن تصل الصواريخ إلى مناطق قرب تل أبيب (من المعروف أن معظم المنشآت الحيوية تتمركز في المنطقة الساحلية الممتدة من الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة الى مدينة تل أبيب، وما تبقى موجود في عسقلان والمجدل والنقب). وهذه المناطق هي "خاصرة رخوة" للكيان تهددها المقاومة الفلسطينية. والنتيجة أن حزب الله أوقع في “إسرائيل” قدراً معتبراً من الخسائر البشرية والمادية لم تقو الجيوش النظامية العربية على تحقيقه خلال الحروب العديدة، ولم يستسلم الحزب في النهاية لشروط العدو السياسية عند اتخاذ قرار وقف العمليات الحربية.

 هذا الأمر دفع "رونو جيرارد "، أشهر مراسل عسكري فرنسي، للكشف في تصريحات خاصة "للجزيرة نت" بأن جنود لواء غولاني الذين صحبهم أثناء الحرب الأخيرة كانوا ينظرون إلى حزب الله أثناء المعركة باعتباره "الطرف الأفضل". كما أن ما سمعه "جيرارد" من الجنود الصهاينة وما لمسه بنفسه في أرض المعركة بعين الخبير الفاحصة، دفعه لدعوة "إسرائيل" إلى "تغيير عقيدتها القتالية قبل أن تشرع في أي مواجهة جديدة مع حزب الله".

 

لقد أدت حرب تموز 2006 إلى قلب الحسابات والخطط، والى تفكيك النظريات أو المفاهيم الأمنية الصهيونية. وبالتالي هي قادت إلى شطب الأجندات والشروط الإسرائيلية أو خفض سقفها.. ما دفع ليس فقط الى تأجيج الخلافات والى "حرب الجنرالات" داخل المؤسستين العسكرية والسياسية.. بل الى حروب داخلية أخرى مفتوحة على كل الاحتمالات. وقد توصل مركز أبحاث "ريئوت" الصهيوني في وثيقة أصدرها في تشرين الثاني /نوفمبر2006 إلى ضرورة إعادة النظر في الاستراتيجية الصهيونية، بحيث يتم تطوير النظرة الى الإرهاب (المقاومة) من كونه إزعاجاً يستحق رداً عسكرياً موضعياً، إلى اعتباره جزءاً من منظومة مقاومة تشكل تهديداً وجودياً لـ "إسرائيل" ".كما اعترفت الوثيقة "أن منظومة المقاومة نجحت في إدخال إسرائيل في وضع استراتيجي دوني".

إذاً، فشل العدوان، ولم تتمكن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من استرداد هيبتها وقدرتها الردعية. فيما تمكنت المقاومة اللبنانية من إسقاط الأسطورة / الشائعة: الجيش الذي سعى الصهاينة (وداعموهم) لتمكينه وتسويقه كجيش لا يقهر.كما تمكنت المقاومة من أن تثبت في الواقع الملموس قدرة الأمة إذا ما اعتمدت خيار المقاومة على إفشال مخططات الأعداء، وإلحاق الخسائر الفادحة بهم.

 إن فشل الكيان الصهيوني في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبيرة التي كانت مرسومة للعدوان الأخير على لبنان، وأساسها استرداد القدرة الردعية للمؤسسة العسكرية، يعني أننا أمام مرحلة نوعية جديدة في صراعنا المفتوح مع المشروع الصهيوني وما يمثل. فعدم تمكن الكيان من استرداد قدرته الردعية قد يعني نهايته؛ لقد "هدفت المعركة في لبنان، من جملة ما هدفت إليه، الى إعادة بناء الردع الإسرائيلي. حدد الجيش هذا الهدف، لأنه في السنين الأخيرة تبيّن بوضوح "عجز ردعي" متراكم من قبل إسرائيل".عوزي أراد، يديعوت أحرونوت - 20/9/2006.

إن مستقبل المشروع العنصري فوق أرض فلسطين متوقف الى حدٍ بعيد على تمكنه من استرداد قدرته الردعية. ولتوضيح هذه الفكرة نذكّر بما قاله "أبراهام بورغ" رئيس الكنيست الأسبق عن سقوط الإيديولوجيا الصهيونية؛ فحين ينعى "قائد" صهيوني مخضرم هذه الأيديولوجيا، هو يلغي القالب الجامع لهذا الخليط من شعوب الأرض الذي اقتلعته الحركة الصهيونية من بلاد أجداده لتستعين به على اقتلاع شعب فلسطين، ولتؤسس الكيان الصهيوني كثكنة عسكرية متقدمة للاستكبار العالمي؛ وسقوط الصهيونية يعني أن ما من شيء بقي لحفظ الكيان الصهيوني إلا القدرة على إخضاع الآخر بالقوة، وهذا لا يتم إلا عبر قدرة الردع التي يجسدها الجيش، و عبر الاستخبارات القادرة على اختراق الآخر، و كذلك السيطرة النفسية عليه، وإقناعه باستحالة هزيمة المشروع الصهيوني القادر على "الانتصار" دائماً. كل ذلك القالب من الأوهام سقط؛ فاهتزت ثقة المستعمرين الصهاينة بالقدرة الردعية للمؤسسة العسكرية و الأمنية ما عنى إنذاراً بقرب سقوط "البقرة المقدسة " (الجيش الصهيوني)، التي إذا سقطت ينهار المشروع برمّته. ويتوقف على استرداد هذا الجيش قدرته على (الردع) تحقيق ما حلمت به كونداليزا رايس من قيام "الشرق الأوسط الجديد"، وما حلم به رئيس وزراء العدو إيهود أولمرت من حصول تحول نوعي وجذري في المنطقة، لذا كان الإعداد الاستراتيجي لمعركة أرادوها فاصلة وحاسمة في مواجهة حزب الله.

تأثيرات الهزيمة على "إسرائيل"

وعليه، ماذا يعني هذا الانتصار اللبناني بدلالاته الاستراتيجية على العدو؟! وماذا يعني فشل تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحلف الأمريكي-الإسرائيلي؟! ألا يعني انتصاراً استراتيجياً نوعياً للمقاومة، من أولى دلالاته أن فقد جمهور المستوطنين ثقته بقيادته، حيث أشار بحث نشِر على موقع المشهد الاسرائيلي بتاريخ 24/10/2006 إلى أنه:

"في لبنان أظهرت الحرب أن الدعاية والإعلام الإسرائيليين عانا من قصورٍ شديد وعدم مصداقية، لدرجة أن قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي كانت ميّالة للاعتماد على تقارير "حزب الله" والثقة بصدقية بيانات أمينه العام، السيد حسن نصر الله، أكثر من ثقتها بصدقية سائر المتحدثين الإسرائيليين، السياسيين والعسكريين على حد سواء".

وكشف معدّ البحث، د. أودي ليفل، وهو محاضر بارز في علم النفس السياسي وعلاقات الجيش ووسائل الإعلام في جامعة "بن غوريون" في بئر السبع: "لقد نشأ وضع إشكالي، فبدلاً من أن يعتمد الجمهور الإسرائيلي على متحدث قومي يُطلعه ويبيّن له مجريات الأحداث يومياً، أصبح الجمهور يولي ثقته في هذا الصدد لزعيم العدو الذي نحارب ضده"!

وتابع "ليفل" موضحاً، في مقابلة أجريت معه حول النتائج التي توصل إليها: "في مواجهة زعيم يتمتع بتأثير إعلامي مثل نصر الله، كان يتعيّن على المؤسسة (الإسرائيلية) الرسمية إعداد ردٍ بنفس المستوى على الأقل". وأضاف: ن زعيماً إعلامياً جيداً يجب أن يوفّر للمشاهد ثلاثة جوانب أساسية وهي: المصداقية واليقين والترقب. المصداقية بمعنى قول الحقيقة، واليقين بمعنى نقل واقع الأمور في الميدان، والترقب أو الانتظار لسماع بياناته".

وفي سياق البحث (الاستطلاع) الذي أجراه د. ليفل، سئِل المشتركون عن الشخص الذي وفّر لهم (الخبر) اليقين بشأن مجريات القتال، ومن هو الذي حظي بأقصى ثقة ومصداقية لديهم. وقد كانت النتائج قاطعة حيث أشار المشتركون إلى (السيد) حسن نصر الله باعتباره أكثر مصداقية بكثير من سائر المتحدثين الإسرائيليين على اختلافهم، إذ لم يحظ أي من المتحدثين الناطقين بالعبرية بعلامات مصداقية عالية كالتي حصل عليها نصر الله (الناطقة بلسان الجيش الإسرائيلي، ميري ريغف، حصلت على 19% فقط). كما قدّرت النتائج أن خطب نصر الله وفّرت للجمهور الإسرائيلي اليقين والترقب على حد سواء.

وأكد "ليفل" في استنتاجات بحثه أن مصداقية نصر الله لدى الجمهور الإسرائيلي أقوى بكثير من مصداقية الزعماء الإسرائيليين، وبالذات بعد انتهاء الحرب،كاشفاً أنه نشأ خلال الحرب وضع نفسي غير مفهوم:"فبدلاً من أن ينتظر الجمهور متحدثنا القومي ليوضح له ما يحدث كل يوم، وأن يبدو كمتحدث موثوق، فقد حدث شيء غير مسبوق، إذ بات الجمهور يرى في زعيم العدو الذي نحاربه متحدثاً موثوقاً أخذ الجمهور الإسرائيلي ينتظر ويترقب خطبه وبياناته".

وبتاريخ 31/7/2006 جاء في صحيفة "معاريف" تحت عنوان:" العودة الى أرض الواقع":

"إن القيادة الاسرائيلية مكوّنة على ما يبدو من أشخاص عديمي التجربة سقطوا كأطفال صغار في مصيدة نصر الله. ذلك لأن راشداً مسؤولاً مثل أريك شارون، وصاحب تجربة في الساحة اللبنانية، كان سيُجنّبنا بالتأكيد الوقوع في هذا الخطأ المتكرر".

     وأضافت الصحيفة: كم مرة يتوجب أن نُذكّر أن الصدام بين جيش مسلّح بطائرات أفـ15 ودبابات الميركافاه وبين تنظيم عصابات، لن ينتهي بانتصار ذلك الجيش الضخم. ولماذا يدخل الجيش الاسرائيلي الى معركة لم يستعد لها ولم يُجهّز نفسه لمواجهة تلك الكمية الكبيرة من قاذفات الصواريخ بصورة ناجعة؟ ربما بسبب نقص المعلومات الاستخبارية أو لعدم وجود حلول لضرب المخابئ والمكامن الخفية. وعدا عن ذلك، لماذا فشلت إسرائيل مرة أخرى في مجال الحماية والتحصينات، وخصوصاً في تطوير منظومة مضادة للقذائف الصاروخية، وأيضاً في بناء الملاجىء الملائمة والجاهزة للحرب الطويلة

وتكفي إطلالة على مرآة الرأي العام في الكيان الصهيوني –وسائل الإعلام - لمشاهدة آثار الهزيمة المدوّية التي لحقت بالكيان: عزل قادة عسكريين؛ لجان تحقيق؛ وتقاذف للمسؤولية، حيث شعرنا لأول مرة أنهم يألمون كما نألم، لكننا نرجو ما لا يرجون!

ألا يكفي دليلا قاطعاً على تلك الهزيمة أن صواريخ حزب الله ظلت تصبّ حممها على شمال فلسطين حتى آخر لحظة في الحرب، وظل مجاهدوه مرابطين في مواقعهم في القرى الحدودية، فيما لم يظهر للجنديين الأسيرين أي أثر!

لقد أجبِر الكيان الصهيوني على التراجع عن كل شروطه، بل هو رضخ لإرادة السيد نصرالله المعلنة منذ اليوم الأول الذي أسِر فيه الجنديين عندما قال: "إن التفاوض والتبادل هما الطريق الوحيد لإطلاق سراحهما". ألم يجبر العدو على الاعتراف أن نتائج هذه الحرب هي الأولى من حيث الاستعداد والأهداف والهزيمة الاستراتيجية التي لحقت به ؟ألم تتمكن المقاومة من إسقاط أسطورة التفوق الصهيوني، وكذلك التوظيف الأمريكي لآلة الحرب الإسرائيلية في إرهاب الأنظمة والشعوب العربية؟ ألم يهز انتصار حزب الله ثقافة الهزيمة التي شاعت بعد نكسة يونيو/حزيران 1967، وما أدت اليه من شعور بالعجز الكامل تجاه العدو الصهيوني؟ ألم تؤرّخ المقاومة لبداية مرحلة جديدة في الصراع عنوانها البطولة والصمود ودفع الأعداء للتقهقر والانكفاء؛ فضلاً عن أنه من خلال مواقف وممارسات مختلف القوى الدولية والإقليمية، الرسمية والشعبية، وما بثته أجهزة الإعلام المرئية والمقروءة، انقشعت الظلال التي راكمتها القراءات غير الواقعية للصراع، بحيث تجلّت حقائقه بأوضح صورها. وبالنتيجة فقد توفر للشعوب العربية وضوح الرؤية كما لم يتوفر من قبل؛ وبالتبعية غدا ميسوراً اتخاذ المواقف في ضوء المعرفة الوافية بطبيعة أدوار سائر القوى المشاركة والمؤثرة في الصراع الذي فجّره بالأصل تأسيس الكيان الاستعماري الاستيطاني العنصري الصهيوني على تراب فلسطين.

إن ما أنجزته المقاومة في لبنان وفلسطين يؤسس بلا أدنى شك لإعادة صياغة شاملة لثقافة الأمة، ولهويتها الحضارية أيضاً.

 

خلاصات من انتصار حزب الله

لعلّ الدراسة التي أعدّها مديرا المنتدى البريطاني للنزاعات "مارك بيري" و"إلستير كروك" هي الأكثر جدية ودقة في مقاربة الحرب بين حزب الله وإسرائيل. ذلك أن الباحثين انطلقا من معطيات ميدانية استقياها من مصادرهما في تل أبيب وواشنطن، مع اعترافهما بعدم اكتمال الخصائص العلمية لما قدّماه بسبب عدم قدرتهما على لقاء ضباط ميدانيين في الجانب الآخر، لأن "قياديي حزب الله لن يتحدثوا علناً عن أسلوب إدارتهم للمعركة، ولا عن انتشارهم ولا عن استراتيجيتهم في المستقبل". ويؤسس "كروك" و"بيري" على ملاحظات أمنية وسياسية وعسكرية، فيخرجان بنتيجة تخالف "وجهة النظر" الاسرائيلية والأميركية، الى حد إعلان انتصار حزب الله الذي "نجح في اختراق الاستراتيجيا الاسرائيلية ودورة صناعة القرار عبر سلسلة عمليات استخبارية وعسكرية وسياسية، وحقق انتصاراً حاسماً وكاملاً". وتجدر الإشارة الى تاريخ كل من الباحثين، إذ عملت "كروك" مستشارة لشؤون الشرق الأوسط في المفوضية العليا للاتحاد الأوروبي، وهي عضو في لجنة ميتشيل المتعلقة بالانتفاضة الفلسطينية، أما "بيري" فهو مستشار سياسي في واشنطن، ومؤلف ستة كتب عن التاريخ الأميركي، ومستشار شخصي سابق للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

أول تصور يخرج به الباحثان في المنتدى البريطاني هو أن "الإخفاق الأمني الاسرائيلي خلال الحرب كان كارثياً. ويُكمل الباحثان في طرح جملة استنتاجات وأسئلة يستخرجانها من المعطيات الميدانية ومنها أن:

 

ـ هزيمة إسرائيل على يد حزب الله كانت حاسمة، ولكن الهزيمة السياسية لأمريكا، التي انحازت الى إسرائيل ورفضت وضع حدٍ للحرب، كانت كارثية...

 أما بالنسبة للمعركة السياسية فيستهل "كروك" و"بيري" الجزء الثالث من دراستهما بالإشارة الى استطلاع للرأي أجرِي في مصر، إبّان حرب تموز، وأظهر أن أكثر الزعماء السياسيين شعبية هما السيد حسن نصر الله والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد...

 

والنتيجة الأولى للمعركة السياسية، بحسب الدراسة البريطانية، هي أن "السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة تمر بصعوبات". وهنا لائحة أخرى من الخلاصات التي خرج بها "كروك" و"بيري" في الجزء الأخير:

ـ أولاً: أثبت انتصار حزب الله إمكانية هزيمة إسرائيل أو أي قوة غربية كبرى عسكرياً في معركة مفتوحة، إذا ما استُخدِمت تكتيكات عسكرية مناسبة على مدى طويل.

ـ ثانياً: أثبت انتصار حزب الله للشعوب في العالم الإسلامي أن الاستراتيجيا التي تتبعها الحكومات العربية والمسلمة في استرضاء الولايات المتحدة من أجل الحصول على مكافآت سياسية، لا ولن تجدي نفعاً.

ـ ثالثاً: كان لانتصار حزب الله تأثير محبط لدى حلفاء أميركا في المنطقة. فالدعم الشعبي لحزب الله على امتداد العالم العربي وضع معظم الزعماء العرب لأميركا في موقع حرج. وأي تآكل آخر في مواقع هؤلاء قد يؤدي الى فقدانهم السيطرة على بلادهم...

ـ رابعاً: إن انتصار حزب الله قد أضعف بشكل خطير الحكومة الإسرائيلية، حيث تعتقد إسرائيل أنها خسرت قوة ردعها وأن عليها استرجاعها........

ـ خامساً: انتصار حزب الله وضع حدّاً لأي أمل في حل سياسي سطحي للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني......

ـ سادساً: أسفر انتصار حزب الله عن عمى شديد في القيادة السياسية الاسرائيلية إزاء وضع إسرائيل الجيوستراتيجي.

ـ سابعاً: موقع حزب الله في لبنان أصبح أقوى بكثير، كما هي حال حلفائه.

وفي الخلاصة، يستنتج الباحثان أن انتصار المقاومة في لبنان هو أكثر دلالة مما يظن الخبراء في أوروبا وأميركا. قوة إسرائيل وأميركا قد تلطخت، وقيادة جديدة تنشأ في الشرق الأوسط.

 (نقِل بتصرف عن صحيفة الأخبار اللبنانية 20/11/2006)

 

إن ما جرى في لبنان يؤسس لفكرة أن هذا الكيان ليس أكثر من بيت عنكبوت، وأن انتصاراته السابقة كانت نتيجة لروح الهزيمة التي سادت بعض الأوساط في أمتنا، نتيجة الشعور بالخوف من هذا الجيش الذي ظنوا أنه لا يقهر.

 

وحين يقرّ الصهاينة أنهم"لا يستطيعون تحمل هزيمة واحدة"، فلأنهم يعرفون أن وجودهم غير شرعي وغير طبيعي، ولن يستمر إلا عن طريق القوة والمزيد من القوة. لكن إذا أقفلت هذه الطريق وسقطت أداة القوة، وثبت أنها لم تكن أكثر من أضغاث أحلام، كما كشف العدوان الأخير على لبنان، أفلا يكون من المنطقي بالنسبة لتجمع بشري هجين لا يملك من مبررات الوجود إلا ما سقط وتبدد، أن يبحث عن مكان آخر. ألم يدرك هذا التجمع الاستيطاني بعد، أنه لا يمكن أن يستمر في أرض ترفضه وفي بيئة لا يستطيع إلا أن يكون غريباً فيها!


وهنا نتساءل: إذا سقطت تلك المفاهيم وانتهى عصر الهزيمة النفسية، ماذا سيكون انعكاس كل ذلك على مستوى الشارع العربي؟ وعلى مستوى الشارع الفلسطيني أساساً؟

على المستوى السياسي، حطمت الانتصارات في لبنان، والمقاومة المستمرة لشعب فلسطين، الأساطير الصهيونية "المؤسسة" التي بدأوا يتحدثون عنها في الكيان كشائعات يثبت كذبها؛ الشائعة الأولى أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، فالشعب الفلسطيني يقاوم منذ أكثر من مئة سنة. إذن هذه الأرض لها أصحاب، وليس صحيحاً أنها بلا شعب. لقد حاول الصهاينة أن يقنعوا اليهود بأن "المسألة اليهودية" دائمة ولا يمكن حلّها في أوروبا؛ لكن المستوطن الصهيوني يرى اليوم أن "اليهودي" الذي بقي في أوروبا استقر في مجتمعه، أما اليهودي الذي ُجلِب إلى فلسطين فهو غير مستقر أمنياًـ لذلك أفرزت الحرب الأخيرة خلافاً حاداً داخل مجلس الحاخامين في ألمانيا، تلك الدولة التي تمكنت الحركة الصهيونية من إخضاع معظم "يهودها" للمشروع الصهيوني بفعل تنسيقها وتكاملها مع الحركة النازية؛ فقد عادت الخلافات لتتجدد، وكأننا في المرحلة التي سبقت المؤتمر الصهيوني الأول (1897) من خلافات بين الحاخامات الألمان. إن خسارة إسرائيل للحرب الأخيرة بدأت تكرّس و تكشف- طبيعة هذا الكيان الذي حصل على "براءته" الدولية بسبب عاملين: الأول يتلخص في محاولة استخدام هذا الكيان كثكنة عسكرية متقدمة للامبريالية وقوى الاستعمار، وتأليب الشعوب ـ الغربية طبعاً ـ عبر الحديث عن واحة الديمقراطية الغربية في هذا القطاع العربي "المتخلف"، المعادي لكل أشكال التقدم؛ والثاني، استغلال الأبعاد العقيدية البروتستنتية للملايين المؤمنة بالألفية "السعيدة" التي تعتقد أن التجمع "اليهودي" في فلسطين هو تحقيق للنبوءات التوراتية والإنجيلية المبشّرة بعودة المسيح!

 الذي حدث في لبنان كشف حقيقة "إسرائيل"، ككيان نازي، فاشي، مجرم، لا يقيم وزناً للإنسان، حيث نقلت وسائل الإعلام العالمية همجية ودونية العدو، وكذلك الولايات المتحدة التي تريد أن تستخدم إسرائيل كثكنة عسكرية متقدمة، للقيام بمهام وظيفية، أساسها تصفية حركة التحرر العربية والإسلامية.

لقد خسر الكيان الصهيوني "البراءة" الدولية إذن، ولم يعد قادراً على تأدية دوره الوظيفي. والانتصار بهذا المعنى هو انتصار نوعي استراتيجي، لكنه يظل جزءاً من حرب بدأت الآن، برؤية جديدة، على أرضية أنه بالإمكان هزيمة المشروع الصهيوني وتحقيق التحرير الكامل لفلسطين، الذي أوشك بعضنا أن يراه مستحيلاً، وكأن الكيان هو قدر نهائي، وكأن الولايات المتحدة باتت "الإله" الحاكم لهذه الأرض، ونحن لا حول لنا ولا قوة!

 

خاتمة

يبقى السؤال المطروح على كل القوى الحية في أمتنا حول كيفية الاستفادة من هذا الانتصار الاستراتيجي والتاريخي في تفعيل صراعنا مع المشروع الصهيوني.

كيف نتمكن من استلهام تجربة حزب الله، الذي استطاع بناء صيغة نضالية متجددة تمكنت من عوامل القوة، فأسقطت أسطورة الجيش الذي خاله البعض لا يقهر، وهزّت أسس المشروع الصهيوني بقوة.

كيف نبني على إنجازات المقاومة للتخلص من أمراض خبيثة قاتلة وغريبة عن أصالة أمتنا، يستغلها الأعداء أقصى درجات الاستغلال لتعزيز مصالحهم والقضاء على هذه الأمة. وأبرز تلك الأمراض: العصبيات الإثنية والطائفية والمذهبية والحزبية.

إننا على يقين أن أمتنا التي أنجبت أبطالاً مثل مجاهدي لبنان وفلسطين الاستشهاديين والاستشهاديات، قادرة حتماً على تجاوز أزماتها، وبناء مشروعها المتمكن من عوامل القوة، والمتجاوز لعوامل الضعف، على طريق استئصال الغدة السرطانية واحتلال هذه الأمة لموقعها الطبيعي تحت الشمس، كخير أمة أخرِجت للناس.

 

 

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة