|
دراسة عسكرية "اسرائيلية"
تدعوالى العودة لقواعد القتال التقليدية
البحث الجديد (رقم 89)الصادر عن
معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب كان تحت
عنوان "النار عن بعد،المناورة والحسم عن بعد " وقد كرسها
الباحث رون طيرة الذي وضع الدراسة( وهو طيار حربي وقائد كبير
بالاستخبارات والعمليات الخاصة سابقا ويخدم اليوم في وحدة
التخطيط الحربي في سلاح الجو ضمن الاحتياط).
لتلخيص
إخفاقات الجيش “الإسرائيلي” خلال العدوان على لبنان من الناحية
العسكرية الإستراتيجية داعيا إلى العودة لقواعد القتال
التقليدية. قد تطرقت لأسباب فشل طريقة القتال الجديدة التي
اعتمدها الجيش “الإسرائيلي” في الحرب الأخيرة وسط مقارنات مع
الحربين الأمريكيتين على العراق وفيتنام وحرب حلفاء الناتو على
صربيا وحرب اكتوبر/تشرين الأول1973 وغيرها. وأشارت الدراسة إلى
نقاط ضعف ومخاطر طريقة الحرب الحديثة التي تقوم على أساس
الصدمة والترويع برمي كميات هائلة من النار المصوبة عن بعد
والمراهنة على دور الضغوط المتسّببة بالتداعيات وصولا
للاستسلام السريع دون الاجتياح البري خوفا من أن تمنى الجيوش
الغربية المهاجمة بخسائر بشرية باهظة.
ولفت الباحث إلى أن الجيوش في أمريكا و”إسرائيل” وبلدان غربية
قد شهدت في السنوات الأخيرة “ثورة” دراماتيكية تتمثل بتوظيف
التطور الألكتروني الهائل واعتماد النار عن بعد كطريقة قتالية.
ونتيجة لذلك تغير بنيان الجيوش بحيث تم التنازل عن الحاجة
بتركيز قوى ميدانية كبيرة لتدمير قوى العدو لصالح جمع معلومات
استخباراتية عن العدو وتحسس نقاط ضعفه واستهدافها . وضمن هذا
المفهوم يتم ممارسة تأثيرات عليه نفسية ومرتبطة بالوعي
بجوهرها، ترمي التسبب بعميانه ومحاصرته وشّله أو قطع رأسه
وغيرها من التأثيرات التي تؤدي لانهيار استراتيجي بوعيه
واضطراره بالتالي لتغيير سلوكه وتحقيق الهدف الإستراتيجي
للحرب.
وأشارت الدراسة إلى أن مفهوم معركة “النار عن بعد” لن يلائم
طبيعة “الحرب المعينة” التي تقف خلف عتبة الباب داعية لتبنيه
بالتدريج وبعد التثبت منه والاحتفاظ بموازنة بينه وبين مفهوم
الحرب التقليدية وأضافت تحتاج الولايات المتحدة ل “النار عن
بعد” بسبب حاجتها للرد السريع على كل نقطة بالكرة الأرضية ولا
علاقة لذلك بنا، ولذلك يبدي الجيش الألماني تحفظا واضحا من
معركة “النار عن بعد” ويتبنى بعض عناصرها باعتدال وانتقائية
لأنه لا يزال يعتبر القيادة والإستراتيجية المحور المركزي
للحرب”. وانتقدت الدراسة قلة عمق وحجم النقاش الجاد الذي
رافق تغيير بنيان الجيش “الإسرائيلي” وتبنيه لنظرية” النار عن
بعد” التي انهارت خلال الحرب على لبنان وأضافت” كانت “إسرائيل”
محظوظة حينما تيقنت من محدودية النظرية المذكورة خلال امتحان
محدود- حرب لبنان الثانية- وليس خلال حرب شاملة ونرجو أن يؤدي
الفشل لإعادة الحسابات بثورة “النار عن بعد”.
وأكد معد الدراسة أن بوسع المعركة بالنار عن بعد المستفيدة من
آخر صرعات التكنولوجيا الألكترونية أن تساهم بالمجهود الحربي
الكبير لكنها ليست بديلا عن طريقة القتال التقليدية القائمة
على احتلال أرض العدو. وأضاف “في حال تم الارتقاء من المستوى
التكتيكي للمستوى الإستراتيجي والعملياتي العالي لا بد من
الاحتفاظ بطرق القيادة والتفكير التقليدية والمحاذرة من تقلص
هامش الرؤية نحو حسابات بمستوى تدمير أهداف فقط. ومن المألوف
القول أنه في حال كانت المطرقة هي الأداة الوحيدة بيدك تبدو لك
كل مشكلة وكأنها مسمار. وقد دللت الحرب الثانية على لبنان أن
تدمير الأهداف عن بعد لم ينجز مكاسبها العسكرية والسياسية
المشتهاة”.
وأشار الباحث إلى أن طريقة “المعركة عن بعد” تميل للإنشغال
بالاستراتيجية مباشرة متجاوزة الحاجة ب “تبذير” الوقت والموارد
على الاشتباكات التكتيكية بالجبهة كما فعلت “إسرائيل” بالحرب
الثانية على لبنان وبخلاف الأولى عام 82. وأضاف “ولذلك اختفت
الإستراتيجية وتبخرت فنون القتال ولم يتم إدارة شيء سوى
الإرشاد بضرورة إيجاد أهداف وتدميرها من دون عنصر المفاجأة
والحيلة وتناغم مختلف الوسائل القتالية”.
وضمن مراجعة دواعي الهزيمة في لبنان أوضحت الدراسة أن القيادة
العليا للجيش “الإسرائيلي” لم تؤد الكثير من وظيفتها خلال
العدوان على لبنان وبواسطة “النار عن بعد” حيث بدا أنها تخلصت
من جل مهامها. وأضافت “لم تستنفد القدرات العسكرية بالمكان
والزمان الحاسمين ولم يشمل المجهود الحربي فكرة استغلال
النجاح. لقد تمسك الجيش من بداية الحرب حتى نهايتها بطريقة
“المعركة عن بعد” ورغم الضريبة الكلامية المتعلقة بالتفتيش عن
مركز ثقل العدو لم تجر محاولة للمساس بمراكز حزب الله الخلفية
المهمة”. وأشارت الدراسة إلى أن عنصر “النار عن بعد” ضمن
المجهود الحربي “الإسرائيلي” خبا جراء العجز عن مواصلة البحث
عن أهداف ذات جودة بكمية كافية وليس نتيجة قرار قيادة الجيش
بوقفها في ذروة القوة والمكاسب.وأشار الباحث إلى أن مهندسي
نظرية “النار عن بعد” أنفسهم يشترطون توفر ثلاثة شروط لتشغيلها
وهي وجود عدو مبني كجهاز وفيه مفاصل ونقاط ضعف بالغة الحساسية
وأن تكون هذه معروفة استخباراتيا. وأضافت “صحيح أن حزب الله
مبني كجهاز ولكن الشرطين الآخرين لم يتوفرا بالحرب الأخيرة.
ولذلك ورغم استخدام160 ألف قذيفة مدفعية و15 ألف غارة جوية
و1800 قذيفة عنقودية تحمل مئات آلاف القنابل و8000 ساعة إبحار
لسلاح البحرية أطلقت خلالها2500 قذيفة لم تنجح “إسرائيل”
إلا بتدمير بضع عشرات من الأهداف الثمينة
وقتلت 200-400 عنصر من حزب الله”.
ونوهت الدراسة إلى أن مبنى حزب الله المعد سلفا لهذا النوع من
الهجوم أفرغ النار “الإسرائيلية” من جدواها وتسبب بفشلها
بالمستوى الإستراتيجي والعملياتي والتكتيكي وأضافت “لم ننجح
بقطع رأسه أو شّله أو تعميته أو إنجاز أي تأثير آخر من شأنه
المس برغبته ووظيفته وبقدرته على استهدافنا بالصواريخ”.
ولفت الباحث إلى خطورة تحول رؤية الحرب لمجرد إحصاءات وتحليلات
عملياتية فقط، مشددا على أنها ليست فرعا من العلوم الدقيقة
وقال إنها فرع من علم الاجتماع والسيكولوجيا. وأضاف “وربما هي
ضرب من الفنون أصلا وليست علما. وهناك متغيرات إنسانية في
الحرب لا يمكن قياسها كالقيادة والإدارة الناجعة والتجربة وشدة
البأس والتركيز والإصرار والتشبث بالمهمة والقدرة على الخلق
والانضباط والتضحية والشجاعة”.
واعتبر الباحث أن “إسرائيل” نجحت في التخلص من أزمتها بالأيام
الأولى من حرب تشرين الأول 73 وتغلبت بمعاركها الأخيرة بفضل ما
ذكر، وأضاف وفي حالات متطرفة نجح هوشي منه الفيتنامي وماوتسي
تونغ الصيني بفضل إستراتيجية ذكية،مواظبة وإصرار رغم أن
جيشيهما لم ينتصرا بالمعارك الأساسية.
وأكدت الدراسة أنه بالمنظور القريب الجيش المنتصر هو فقط الذي
يثبت رايته في قمم أراضي العدو ولفتت إلى أن الامتحان الحقيقي
للحرب يتمثل بقدرة الجنود “الإسرائيليين” التغلب على العدو
وجها لوجه وداخل تحصيناتهم، وأضافت “لابد للجيش أن يدرك البعد
المتعلق بميدان المعركة وتقدير العدو وأن يفضل تنفيذ المهام
على تقليص حجم خسائره”.
وأوصت الدراسة بضرورة إبطاء وتيرة التغيير داخل الجيش وبتبني
الأفكار الحداثوية بالتدريج وبعد تجريبها، وأضافت “علينا
التصرف باعتدال وتواضع لا بغطرسة وبالشؤون العسكرية علينا
التحول من الثورة إلى التطور”. واعتبرت الدراسة أن نجاح “النار
عن بعد” منوط بعدة عوامل منها حالة الطقس ومدى تزود العدو
بوسائل قتالية الكترونية وبالقدرة على إسكات مواقع النار
المضادة وبعدم انتهاء الحرب بتبادل ضربات إستراتيجية من
الجانبين
وأكدت الدراسة أن القدرة على حسم الحرب بواسطة “النار عن بعد”
تتطلب على الأقل توفر شرطين متراكمين أولهما وجود رافعات أو
نقاط ضعف تتيح ممارسة الضغط على صناع القرار لدى العدو وأن
تكون لهذه الرافعات والنقاط شكل وهدف يمكن ضربه عن بعد بنيران
مصوبة جيدا. ونوهت إلى أن التكنولوجيا ذاتها التي توفر الوسائل
الحربية هي التي تصنع أيضا الوسائل المضادة.
وشّدد على أن “إسرائيل” لن تنتصر في معاركها مع جيرانها إلا
بالمحافظة على قدرة المناورة الميدانية لأن الطريق الوحيدة
لمنع استهداف أراضيها بالصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى من هضبة
الجولان وجنوب لبنان وغزة هي احتلال الأرض، ولأن ذلك هو الطريق
الأساسية لإنتاج التأثير الحاسم على الوعي بأننا أحرزنا
الانتصار والعقاب”. وقال الباحث إن “إسرائيل” فشلت في حرب
لبنان الثانية بتحقيق ما نجحت تحقيقه بالحرب الأولى حينما
استطاعت تحييد الصواريخ التي طالت شمالها بفضل الاجتياح البري
فقط.وأضاف “في الحرب الثانية اعتمدنا على النار من بعد فأبقينا
بذلك بيد العدو القرار النهائي هل سنحقق أهداف الحرب أم لا،
فإذا قرر الاستسلام لمؤثرات الحرب بعد احتساب جدوى استمرارها
مقابل خسائره فنكون أنجزنا الأهداف أما إذا قرر امتصاص ضرباتنا
والبقاء صامدا بوعيه ورأيه رغم تدمير الأهداف والأضرار
الوظائفية اللاحقة به فلن يكن بوسعنا إنجاز هدف الحرب وهذا هو
الفارق بين نظرية النار عن بعد وبين نظرية القتال
التقليدية”.واعتبر الباحث أن “إسرائيل” تحركت في حرب لبنان
الأولى عام82 ضد قدرات العدو فيما تحركت بالثانية عام 2006 ضد
إرادته ورغباته لافتا إلى أن القوة العسكرية التقليدية تشكل
قوة فارضة تستطيع أن تملي بشكل مباشر وقاطع الواقع المطلوب
بينما تشكل “النار عن بعد” قوة ضاغطة فقط.
كما فاضل بين العدوان على لبنان وبين الحرب العالمية الثانية
فقال إن قوات الحلفاء قتلت 5.5 مليون جندي ألماني ودمرت نصف
جيش ألمانيا واحتلت نصف أراضيها لكن الانهيار الإستراتيجي
بالوعي لدى الرايخ الثالث حصل فقط عند دخول الحلفاء العاصمة
برلين. وأضاف “أما حربنا الثانية في لبنان فأرادت القفز فورا
ومباشرة للاستراتيجية وانشغلت بكيفية انهيار وعي حزب الله وسط
تجاوز عملية “تبذير” الموارد التكتيكية والمجابهة الميدانية
الباهظة الثمن بالأرواح ففشلنا بتحقيق غاياتها”.
|