من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 
 

 

 

 

محاربة اسرائيل حزب الله

 

 

بقلم : دافيد بقاعي

 

مركز اريئيل للدراسات السياسية


 

 

محاربة اسرائيل حزب الله

أولى الخطوات في محاربة العالم الحر محور الشر الاسلامي*

(كُتبت هذه المقالة في اثناء الحرب، في 17 - 22 تموز 2006)

بقلم: دافيد بقاعي**

 

الساحة اللبنانية

لبنان هو المثال البارز على اختلاق استعماري فرنسي، حدوده صناعية وسكانه الخلطاء من أقليات دينية وطائفية مختلفة لا تريد العيش معا ولا تستطيع. هذه "دولة بلا دولة"، أقامت فيها منظمة ارهابية "دولة داخل دولة" تحت رعاية دولة خارجية، هي ايران وبدعم منها. كان لبنان دائما مستنقعا مغطى بشرك عسل مع طبيعة مدهشة بجمالها لجميع المدعوين اليها والمشاركين فيها. لقد أُقيم كدولة مسيحية برعاية فرنسا، وتورطت مع الفلسطينيين، والسوريين والاسرائيليين، وقد تصبح دولة شيعية بصيغة الخميني، ورأس حربة لاستراتيجية ايران في الشرق الاوسط.

تمت صياغة الأهداف الرئيسة للحفاظ على النظام والسلام الداخلي في لبنان والاتفاق على ذلك على يدي النظام الدولي في القرار 1559 الصادر عن مجلس أمن الامم المتحدة، والذي قرر تجريدا كاملا من السلاح لجميع القوات اللبنانية والعصابات غير اللبنانية؛ ودعا حكومة لبنان الى ضمان صلاحيتها التنفيذية في جميع مناطق جنوب لبنان، وفي ضمن ذلك نشر الجيش اللبناني هناك؛ وقرر طرد جميع القوات الاجنبية ومعداتها عن الارض اللبنانية ومنع تغلغل متكرر للوجود السوري فيها. تُرى هذه المبادىء وبحق شرطا يسبق اعادة السيادة اللبنانية والحفاظ على استقلال لبنان. تم الاعتراف بانسحاب اسرائيل انسحابا تاما الى "الخط الازرق" بالقرار 1310 من قبل مجلس الأمن، في السابع والعشرين من تموز 2000. أخرجت سوريا قواتها من لبنان في خلال سنة 2005، بعد مقتل رفيق الحريري في شباط 2005، وإن يكن أفراد الأمن ووكالات الاستخبار السورية ما يزالون عاملا مهما في لبنان وعلى الخصوص أناس وجهات محلية، مثل رئيس لبنان، لحود.

على رغم ذلك، قوّت منظمة حزب الله، وهي ذراع ايران التنفيذية وعميلة سوريا، قبضتها في لبنان وأعلنت عن معارضتها الكاملة لتجريدها من السلاح. أصبح حزب الله الجهة القوية الرئيسة التي تتحدى الجميع، بحيث لا توجد للجهات السياسية، حتى لو كانت تريد طرد حزب الله أو إضعافه، قدرة عسكرية وسياسية على فعل ذلك. وفوق ذلك كلما تركت قوات سوريا لبنان، ابتدأت قوات ايرانية غير رسمية - "الحرس الثوري" وعملاء استخبارات - دخوله والتأثير في النظام السياسي داخله وقام بعضهم على الحدود مع اسرائيل. إن السفير الايراني في بيروت ذو قوة كبيرة في النظام السياسي الداخلي، وأصبح حزب الله جهة غالبة، حتى لو كانت قوته العددية الرسمية ضئيلة. زادت قوته العسكرية مع تسلحه بنظم صاروخية سورية وايرانية لمدى قصير ومتوسط، مع قدرة على تهديد أكثر اراضي اسرائيل. بل حظي حزب الله باعتراف رسمي عندما التقى الأمين العام للامم المتحدة كوفي عنان مع نصر الله في العشرين من حزيران 2000، وعندما حل قادة قوة الطوارىء للامم المتحدة محل ضباط التنسيق والربط مع حزب الله، وجعلوا اليونيفيل في الواقع متعاونا كاملا معه. إن هذا الشيء جعل ايران تُقدر أن الغرب اذا حاول أن يتخذ وسائل ما في مواجهتها في أعقاب برنامجها الذري، فان قوة حزب الله وتهديده الصاروخي سيستطيعان جعل اسرائيل رهينة بل سيستطيعان كبح قوتها العسكرية بسبب التهديد الصاروخي.

ينبغي أن نذكر ايضا أنه لا يوجد لحزب الله أي خطوط حمراء في نشاطه الاستراتيجي، وأن كل وسيلة تبدو له مشروعة ومناسبة. وهذا هو سبب أن لم يكن له أي تحفظ من إدخال وسائل قتالية، وفي ضمنها صواريخ بعيدة المدى، في بيروت وجعل كل بيت وكل قرية مخزنا للسلاح ومواقع لحفر الأنفاق. اليوم لا يهم حزب الله تدمير لبنان. كان حزب الله في اعماله الارهابية التي نفذها أول من استعمل  القتلة - المنتحرين في بيروت في سنة 1983 لمواجهة قوات الولايات المتحدة وفرنسا وسبب هربها من لبنان؛ نفذت المنظمة اختطافات طائرات وقضت على ركابها؛ واختطافات أفراد وقتلهم بقدر كبير واحتجاز آخرين كرهائن لسنين. كل ذلك صاغ صورة حزب الله الرائدة عند المنظمات الارهابية في العالم. وزيادة على ذلك أن كمية السلاح والصواريخ التي حشدتها المنظمة في لبنان تُعرض الشرق الاوسط للخطر، وتهدف الى إحداث قوة وتأثير سياسي في المنطقة. في نهاية العملية يفترض أن يكون حزب الله جهة سياسية عظيمة التأثير لا منظمة ارهابية عنيفة فقط، تعمل في دور لاعب كبير في المنطقة.

 

الساحة الاسرائيلية

كان هرب اسرائيل المذعور في الخامس والعشرين من ايار سنة 2000، الذي يسمى "انسحابا احاديا" برهانا ساطعا على نصر حزب الله، وأفضى الى خطبة نصرالله الشهيرة في مرجعيون، التي قال فيها ان اسرائيل على رغم قوتها الذرية وقوة سلاحها الجوي، ضعيفة كخيوط العنكبوت. في التسعينيات كان حزب الله عازما على قلب معادلة الردع مع اسرائيل. ان حرب العصابات الناجحة التي أدارها في جنوب لبنان، من غير أن تستعد اسرائيل أو تحضر لنفسها لهذا النوع من القتال؛ وتفجير سفارة اسرائيل في بوينس ايرس في سنة 1992، ردا على اغتيال عباس موسوي والشاحنة المتفجرة التي فجرت النادي اليهودي "ايميا" في بوينس ايرس في سنة 1994؛ والاستعمال الذكي للدعاوة واستنزاف الرأي العام في اسرائيل، بمساعدة جماعات ومنظمات اسرائيلية - التي تحتمل مسؤولية باهظة عن الحرب التي تجري اليوم - كل اولئك رمز على نحو بارز الى فشل اسرائيل في ردع حزب الله او حتى في القضاء عليه. على العكس أعظمت اسرائيل صورة وتصور نصرالله، وحولت منظمة صغيرة الى جيش مخيف بقوته. اسرائيل، كالولايات المتحدة، يراها حزب الله "نمرا من ورق"، ودولة ينقصها التصميم على القتال وهي عديمة عامود فقري قوي. كانت النتيجة قلبا لـ "الطبق الاستراتيجي" على وجهه. لأول مرة في تاريخ دولة اسرائيل لم تنجح في ردع اعدائها فضلا عن أن حزب الله قد نجح في الوصول الى ردع فعالٍ لها. ان ظاهرة الانسحاب المذعور لبراك، لا حقيقة الخروج من لبنان (الذي كان يجب القيام به قبل ذلك) بل طريقة تنفيذه؛ والهرب المذعور في الليل، مع إسلام الاصدقاء في لبنان، بغير تحديد خطوط حمراء و "أسباب للحرب"، منح حزب الله نصرا عسكريا وسياسيا بيّنا ورمز لأول مرة الى تعزز مكانته كقوة وحيدة فعالة في جنوب لبنان، من غير أن تتحداه أي جهة لبنانية.

كان لقلب معادلة الردع تأثير من تلقاء ذاته، بانه منع أي عملية إسرائيلية فعالة؛ وزاد من مكانة حزب الله كمنظمة ونصرالله كزعيم؛ وشجع تغلغل ايران التدريجي وتأثيرها في الجهاز السياسي اللبناني. كان هذا أسطع برهان على أن الارهاب ينجح ويمنح أولئك المصممين والقساة امتيازات حقيقية. ان حزب الله كمنظمة إرهابية ونصر الله كزعيم ذي حضور قوي قد زادا تأثيرهما في أربعة صُعد: أولا، في ردع فعالٍ لإسرائيل، وبمس شديد بصورتها، وبوجدان الطريقة المنتصرة لمواجهتها؛ وثانيا، لزيادة تأثير حزب الله السياسي في لبنان وتعويق القوات اللبنانية عن معارضة نشاطه. بخلاف تامٍ لتقديرات "خبراء" كثيرين في إسرائيل، عمل حزب الله دائما مع الإستراتيجيتين مع: السير نحو القدس، أي تصريف حرب تحرير فلسطين من اليهود والسير على نحو منظمٍ وواضح نحو بيروت، أي السيطرة على لبنان وجعله دولة شيعية كما فعل الخميني. وثالثا، التأثير الجذاب الذي امتلكه عند الفلسطينيين وعرب اسرائيل أو بقدر كبير أيضا السيطرة على جزء ملحوظ من توجيه عملياتهم الإرهابية المضادة لاسرائيل. ورابعا، مهد حزب الله الطريق لتحويل منظمة إرهابية الى قوة عصابات مع الحفاظ على وسيلة الارهاب من أجل أن يصبح قوة سياسية داخلية مهمة وفي الآن نفسه ليصبح منظمة ذات تأثير في نظام الارهاب الدولي للقاعدة. على نحو مفارق، تم تخفيف هذا الاتجاه بعقب القضاء على أبو مصعب الزرقاوي، وهو مبغض شديد للشيعة. بعد موت عرفات أصبح واضحا تماما أن نصرالله هو اللاعب الرئيس في استعمال الارهاب الفلسطيني. اضافة الى ذلك أصبح نصرالله بطلا عند عرب إسرائيل أيضا ومقدما للأمل لانه ربما يكون قد وُجد هذه المرة الزعيم الوحيد الذي يستطيع أن يغلب اسرائيل. كان جزء كبير من العمليات الارهابية التي قام بها عرب إسرائيل بتوجيه حزب الله واستعماله، بتوسط رجل الاتصال قيس عبيد الذي كان مسؤولا أيضا عن ادخال المخدرات من لبنان الى إسرائيل، عِوض الحصول على معلومات استخبارية.

ابتدأ تأثير حزب الله المباشر في النشاط الفلسطيني بعد عرب إسرائيل في أيار 2000. في زمن مؤتمر كامب ديفيد، في تموز 2000، لحظ عرفات نجاح حزب الله الكبير وعلى رغم الاقتراحات السخية التي تلقاها من أجل تسوية سياسية (في محادثات طابا في كانون الثاني 2001  بلغ الاقتراح الى 101.5 في المائة: مقابل 1.5 في المائة ستحصل عليها اسرائيل من المناطق سيحصل عرفات على 3 في المائة من رمال حلوتسا"، ورفض. كان واضحا عنده أن فلسطين ستحرر بالدم والنار فقط - على حسب نموذج حزب الله - لا بتسوية سياسية. أثبتت طريقة الارهاب نفسها وابتدأ عرفات الذي خطط اجراءاته تخطيطا حسنا، بها على نحو منظم ومؤسس في نهاية ايلول 2000، تحت إسم انتفاضة الاقصى. ان العلاقة بين نجاح حزب الله وبين رفض اقتراحات اسرائيل في كامب ديفيد وابتداء حرب الارهاب، ليست علاقة مؤقتة فقط بل علاقة موضوعية وثيقة وعميقة، لم يقف عندها باحثون فقط مثل البروفيسور برنارد لويس، بل ناطقون فلسطينيون رسميون أيضا. ثبت أن مقترحات عرفات الأساسية صحيحة مرة بعد مرة لاسفنا: الارهاب يثبت نفسه وينجح، واسرائيل تفهم القوة فقط وهذا الامر يعني عند عرفات أن اسرائيل ستنهار مقابل قوة تصميم الارهاب الفلسطيني، كما حدث في لبنان.

مع ذلك، تبين لعرفات بما ساءه أنه بخلاف الضعف العام ووهن الردود الذي كشفت عنه إسرائيل حيال حزب الله، فإنها لم تنهر بإزاء الفلسطينيين وان ردها العسكري القاسي على الارهاب كان شديدا، حتى لو كانت التنبه بعد سنة ونصف السنة من ارهاب غير انساني. من منتصف آذار 2002. آنذاك فقط "حُسم الامر" في اسرائيل، التي أدركت ان الحديث عن حرب إرهابية، تهدف الى استنساخ نجاح حزب الله في لبنان. حتى لو كنا نعتقد أن اسرائيل لا تعرف كيف تحارب الارهاب وأنها لم تحارب الارهاب قط محاربة فعالة، بل بالرد فقط لا بالمبادرة - ومن هنا ينبع انعدام نجاحاتها المهمة - فانها لم تمكن الفلسطينيين من التوصل الى انجازات، ولو كتلك التي تقرب من انجازات نصرالله.

بمنظار واسع لقضية لبنان، تشحب مسيرة غباء براك بالقياس الى شارون. نفذ براك عملية عديمة المسؤولية لهرب مذعور، أصبح سابقة. اطارها وجوهرها الحماقة، لكن كان يمكن النظر اليها كتجربة. بمقابلته لم يقل شارون بشيء في لبنان لمدة خمس سنين، على رغم أن حزب الله تحرش وتحدى، واذل اسرائيل وسخر منها علنا، وهاجم بلدات، واختطف جنودا وقتل آخرين، وفيهم مواطنون. كان رد اسرائيل مهينا. لم يتم القضاء على أحد من حزب الله داخل لبنان لمدة خمس سنين من حكومة شارون. وجه اطلاق المدافع وهجوم الطائرات الاسرائيلية الى أماكن خالية من الناس، والى الرمال والصخور وفي أفضل الحالات الى مواقع حزب الله العسكرية، التي عرفنا سلفا أنها غير مأهولة. صدت إسرائيل ورُدعت عن العمل، بإسم "سلامة الاكواخ الخشبية" وبإسم "النماء الاقتصادي" في الجليل. ان ساق الجميع الى التهدئة والى تعويق النقد في الداخل، ورفضت انجازات نصرالله كتحصيل حاصل.

ان الهرب من لبنان يشحب بالقياس الى الهرب من غزة. وكأنه لم يتعلم شيء من الهرب من لبنان وآثاره الشديدة. استقر رأي حكومة شارون مرة اخرى على الهرب وهي تكرر اطار لبنان. أصبحت هذه جريمة تكلف دماء، لكن لن تقوم لجنة تحقيق بالطبع. لم نتعلم دروس الهرب المذعور من لبنان فضلا عن وجود مكان لاعتقاد أن الهرب من غزة قد تم من أجل تغيير صورة شارون، لكي يُستقبل في حضن اليسار الدافىء، ويحظى بتقدير الاعلام ويدخل التاريخ كرجل سلام. قضى أحد المحامين، وابنان اثنان وثلاثة خبراء بالعلاقات العامة، مصير شعب اسرائيل في لحظة من الزمن وأدروا الدولة باجراءات فيها مسؤولية باهظة عن الواقع الذي يحدث الان. لا توجد لهذه القضية اية صلة بطرد 7.500 مستوطن من غوش قطيف. الموضوع هو معاني الهرب من لبنان الذي صعد رد الارهاب الفلسطيني، ويعرض للخطر سكان الجنوب ومواقع استراتيجية، ويهدد بالوصول الى يهودا والسامرة ايضا. ستتغلغل دروس لبنان وطرائق قتال حزب الله الى الفلسطينيين وقد يحكم علينا بعقب الهرب بواقع أقسى تحت غسل الكلمات "الانفصال" و "الانطواء".

كما في حالة لبنان، اطلقت في اسرائيل شعارات لا أساس لها ولا مسؤولية. أعلن براك بانه اذا اُطلقت رصاصة واحدة من أرض لبنان - فان لبنان سيشتعل. ان الشيء الوحيد الذي اشتعل مدة ست سنين هو توسلات سكان الشمال، وجنود الجيش الاسرائيلي المصابين والحقول الخضراء عندنا. وكذلك أيضا كان رد شارون: اذا بادر الفلسطينيون هجوما على إسرائيل فان ردها سيكون قاسيا لا مثيل له وسيكون لاسرائيل في هذه المرة شرعية النظام الدولي. وماذا حدث في الواقع؟ اُطلقت مئات صواريخ القسام على مدن وبلدات في اسرائيل؛ واستهدفت مواقع استراتيجية من غزة؛ وحُفرت أنفاق الى داخل أرض اسرائيل؛ واُستعمل عليها ارهاب عنيف قاسٍ؛ واصبحت أرض غزة دولة للقاعدة، ولحزب الله ولحماس؛ واصبحت الحدود مع مصر مخترقة لدخول الارهاب وعملياته؛ ويدعُ معبر رفح كل ارهابي ضئيل الشأن الى دخول غزة. كانت هذه نتائج الهرب المذعور، لكن قيل لسكان اسرائيل بمساعدة اعلام مشايع لشارون "الجديد" انه يوجد في الحقيقة عدد من المشكلات الصغيرة، لكن الوضع ما يزال على ما يرام حقا وأن الاجراءات ناجحة حقا. أجل، لقد علمنا الحكماء أن من لا يتعلم من التاريخ فسينتهي الى أن يجربه مرة اخرى ويبدو أن "نجاح" الهرب من غزة، كذاك الذي سبقه من لبنان، كان مثيرا للانطباع جدا، الى حد أنه بدأ التخطيط لهرب ثالث، تحت الاسم الشفري "الانطواء". اذا تمت عملية كهذه فستكون مثيرة للاهتمام حقا، لان ثمّ احتمالا في هذه المرة أن يبلغ الارهاب "دولة شمال تل أبيب".

ثمّ ظاهرة لا تقل خطرا وعدم مسؤولية هي أن النظام الدولي والرأي العام في اسرائيل قد اعتادا لسنين حقيقة أن إسرائيل ترى الارهاب والعنف، وعمليات القتلة، المنتحرين واختطاف الجنود وضعا يمكن العيش معه لا تحطيما لكل شيء لا تقبله اية دولة ذات سيادة وذات كرامة قومية. اصبح "ردع" اسرائيل تعبيرا لغويا وغطاءا على الشره، وعدم الاستعداد الوطني وخداع الذات. بخلاف التصريحات، أدارت اسرائيل - ربما أكثر من اية دولة في العالم الغربي، مفاوضة لمختطفين وقتلة، وأجرت تبادل "أسرى" وخضعت للارهاب. وفوق ذلك بيّنت اسرائيل للعالم أن الاسير الاسرائيلي، بل جثته، يساوي الاف المخربين القتلة. ان نمط السلوك هذا كان الحافز الرئيس على اختطاف جنود آخرين. رسخ عند المنظمات الارهابية الرأي (وقد عبر عرفات عن ذلك تعبيرا جليل)، ان إسرائيل تفهم لغة القوة فحسب. لهذا عندما تبدأ اسرائيل موجة "مفاجئة" من قتال عسكري ذي شأن، فان أعداء إسرائيل بل النظام الدولي لا يفهمون ماذا حدث لها ويعرفون ذلك انه "غير تناسبي".

أجل، ان المميز الغالب لسلوك اسرائيل وردودها الاستراتيجية هو العملَ على حسب "عارض كأس الدم": فهي تضبط نفسها، وتكف غَربها، وتتغاضى، الى ان تمتلىء كأس الدم، وعندها ترد بقسوة عسكرية تُرى ردا مبالغا فيه. وهذا يفضي بالنظام الدولي الى وقف اسرائيل والى منعها احراز أهدافها. كان يجب أن يُتعلم الدرس منذ زمن: إن الساعة الرملية السياسية تقتضي استعمال ساعة توقيت عسكرية وتقتضي في الأساس تحديد سياسة واضحة وعقلانية وتحديد أهداف يمكن احرازها بتصميم والتزام. مع انعدام السياسة وتحديد الاهداف، تجري الحرب في ضمن تحديد أهداف وصوغها في أثنائها ولا تثبت النتيجة دائما ما كان يمكن احرازه. وفوق ذلك، في عقب انعدام العلم والتجربة بادارة التفاوض، تضاع الانجازات في ميدان القتال في الاكثر ولا تزال السياسة تفشل ونتيجة ذلك أن تنبت بذور الحرب القادمة.

تصور اسرائيل دولة لا تفهم أنه ينبغي القتال بلا هوادة في مواجهة تحديات وتهديدات متكررة لارهابيين وأن رفض الخروج للحرب، سيأتي آخر الأمر اليها بالحرب، في ظروف أصعب وأثمان أبهظ. يبدو أن إسرائيل لم تتعلم دروس المهادنة في أوروبا وسياستها المصالحة في لبنان ومع الفلسطينيين سببت أنها لم تستعد للواقع الشديد الذي نوجد فيه. ان الحرب القاسية، والاضرار الشديد بالجبهة الداخلية، والخسائر بالارواح، والاضرار الاقتصادية والضربة الاليمة للسياحة بعد أن ابتدأت تنتعش، نتيجة مباشرة لتجاهل ما اقتضى هذا العمل الشديد الوطء منذ زمن.

 

الأزمة التي نمت ومعاني الحرب في لبنان

ابتدأت الازمة بمبادرة حزب الله، لكن بتأييد الوكيلة، ايران، التي قوي عندها ان سياسة اسرائيل الشرهة التجاهلية والردع الفعال لحزب الله سيمنعان أي رد ذي شأن من اسرائيل. تم التعبير عن ضعف اسرائيل التصوري باقوال اولمرت، عندما أعلن في واشنطن، قبل أن يصبح رئيسا للحكومة قائلا: تعبنا من الحروب، وتعبنا من كوننا شجعانا، وتعبنا من الانتصارات وتعبنا من هزيمتنا أعداءنا. هذه الكلمات الاستخذائية التي تعبر عن روح متخاشع عبرت في الحقيقة عن الواقع الذي انسحبت فيه إسرائيل مرتين انسحابا احاديا وتهدد بفعل ذلك مرة ثالثة. والنتيجة المثيرة هي أن إسرائيل تحرب الان ببالغ القوة في تلك الأمكنة التي هربت منها خاصة، من لبنان وغزة. هل تعلمت اسرائيل شيئا من هذا؟ هل استوعبت اسرائيل أنه لا يُهرب من الارهاب؟ يبدو أن لا، لانها تخطط للهرب مرة اخرى في المستقبل، تحت الاسم الشيفري "الانطواء"، ومن هناك ايضا ستضطر الى ان تقاتل عن حياتها وعن القدس. هذه الظاهرة تلائم القول الخالد لحاييم وايزمن أول رئيس لدولة اسرائيل: "الشعب اليهودي حكيم، لكن لا عقل له". أجل تبين أنه حتى لو أن إسرائيل تملك قدرات ووسائل للدفاع عن نفسها فانها بلا تصميم وارادة لاتمام جهود متصلة لتهزم اعداءها. في إطار هذا النظر ابتدأت الأزمة الحالية.

في 12 تموز ابتدأ اجراء لحزب الله مخطط له، بهجوم على دورية للجيش الاسرائيلي، واصابة لافرادها واختطاف لجنديين. اثبتت العملية الى اي حد كانت المعلومات الاستخبارية لحزب الله فعالة والى اي حد كان التنفيذ ناجحا. كانت هذه العملية استمرارا لاختطاف جندي الى غزة بعد حفر نفق داخل اسرائيل. كانت هاتان العمليتان منسقتين تنسيقا جيدا، ولم يكن بالامكان تنفيذهما بلا ضوء أخضر من ايران. المميز البارز هو أن الحرب التي نشبت كانت غير تناسبية: ففي حين ابتدأت  اسرائيل الحرب كما حدث في كوسفو في 1999، حيث سحقت الولايات المتحدة الجيش الصربي وأخضعته، صرف حزب الله حرب عصابات كما تم في فيتنام. أرادت اسرائيل أن تحرز نفس أهداف الاخضاع كما في كوسفو، من الجو، لكن هذا التوجه لا يلائم الواقع اللبناني واستعداد حزب الله لحرب عصابات. انه لا يبالي المس بالبنى التحتية الفارغة وتدمير لبنان على الخصوص يدفع بأهدافه قدما - فالنظام الدولي سيقف اسرائيل ويندد بها؛ وحزب الله خاصة سيوحد القوى الداخلية في لبنان لتؤيده ويثبت لها أنه المدافع الوحيد الذي واجه عدوان اسرائيل، وأنه يجب الحفاظ على قوته العسكرية؛ وبهذا كما يبدو أيضا سيزيد تأثير ايران، كوكيلة ترعى لبنان.

لقد انتصبت أمام ايران ستة أهداف في ادارة الازمة:

أولا، ان تصرف الانتباه العالمي عن مشكلة الذرة التي تطورها. كانت الولايات المتحدة قد طلبت نقل الموضوع الى مجلس الأمن وبهذا كانت الساعة الرملية السياسية التي تقود الى اجراءات عسكرية ستبدأ عملها؛

ثانيا، تقليل الضغط على حزب الله لينزع سلاحه وللتمكين من نشر جيش لبنان في الجنوب. زاد هذا الضغط جدا بعد خروج القوات السورية من لبنان. أراد حزب الله بجر اسرائيل الى الحرب أن يثبت أنه هو فقط يملك وسائل الدفاع عن أرض لبنان وان يسوغ رفضه نزع سلاحه. بالاضافة الى تصوره العقائدي الذي يقول ان حزب الله سيتم التمكين له بالدم والنار؛

ثالثا، استنزاف اسرائيل كذراع تهديدية للغرب في الشرق الأوسط واخراجها من دائرة الحرب المستقبلة لايران بمواجهة مشكلات أمنية مع اعدائها المحليين (الارهاب الفلسطيني وضغوط حزب الله العسكرية لمدن اسرائيل وسكانها)؛

رابعا، جعل حزب الله وايران العامل الرئيس الذي يعتني بـ "قضية فلسطين"؛ حزب الله الذي يحارب من أجل المصالح الفلسطينية ولتحقيق مطالبهم العادلة وايران كحاملة لراية الجهاد ومحاربة العدو الكافر في الشرق الاوسط؛

خامسا، جعل ايران عامل قوة ذا تأثير في الشرق الأوسط، يجب أخذ رأيها في الحسبان وتقريب موعد جعل لبنان دولة شيعية بذلك. أصبح يوجد اليوم لسفارة ايران في بيروت تأثير في الاجراءات السياسية، أما نصرالله فهو البطل الاوحد عند عرب إسرائيل والفلسطينيين؛

سادسا، يعتقد نصرالله اعتقادا تاما انه سيحرز نصرا عسكريا على إسرائيل ويؤمل به ان يعزز مطلبه القيادة السياسية في لبنان. سيعرض كالزعيم الوحيد الذي واجه قوة اسرائيل العسكرية وتغلب عليها، وهذا هو مصدر الغطاء الذي يمسك به للدفاع عن لبنان في وجه العدوان الصهيوني.

بهذا المعنى، ليس الحديث فقط عن محاربة حزب الله في لبنان، بل عن حرب لها آثار أوسع، اقليمية بل دولية، تتصل بمكان ايران ومكانتها. هذه هي الاهداف كما رأتها ايران وقدرتها وهذا هو ردها على الاستراتيجية الأمريكية التي تهدف الى منع البرنامج الذري لايران واقلال تأثيرها وتهديدها للمنطقة. ليست جميع الأهداف التي حُددت آنفا منطقية بالضرورة ويمكن احرازها. ان الفشل في احرازها قد يفضي بايران الى وضع استراتيجي أحط. انها ترى حزب الله مهما كواحدة من أساطينها الاستراتيجية وكخط الدفاع الأول في وجه الغرب. مع ذلك قدرت ايران مع حزب الله أنه سيكون لاجراء كهذا ولاحداث أزمة اقليمية، على اية حال، مزايا كثيرة تغطي على النقائص. كانت ههنا مقامرة كبيرة عززتها صور ضعف اسرائيل والولايات المتحدة، اللتين لا تملكان قدرة على الصمود، واللتين لا تملكان طول نفس وقوة داخلية. رجحت هذه الامور كفة ادارة الازمة بوسائل قتالية.

رد اسرائيل، كما قيل آنفا، فاجأ بقوته وبمساره. أصبح الوضع العسكري لا يطاق وامتلأت كأس الدم. هذا الاخلال الجوهري بجميع قواعد القانون الدولي، كان يجب أن يوجد عليه رد اسرائيلي شديد، لا من أجل اطلاق الجنديين المختطفين فقط بل من أجل هدم البنية التحتية للقوة العسكرية وتسليح حزب الله الذين يهدد سكان اسرائيل وينشيء ميزان قوى جديدا في العلاقات بين اسرائيل وحزب الله. كان كل امتناع اسرائيلي آخر لن يعني فقط الاضرار الجوهري بقوتها، بل اضعافها الاستراتيجي أيضا. بعقب ضبط اسرائيل نفسها كان يفترض أن يبدأ الفلسطينيون هجوما ارهابيا واسعا عليها، كجزء من اجراءات استنزافها المستمرة ولتشجيع تراجعها. ان هدف نصرالله الواضح هو تفتيت قوة اسرائيل باحداث خسائر بالارواح، وبان يسبب بذلك اهتزاز الرأي العام في اسرائيل وفتِ قوته. مع ذلك، فشلت اسرائيل أيضا بان لم تأخذ في الحساب استراتيجية نصرالله التي تقصد الى الحفاظ على قوته. انه يؤمل تحت غطاء سفك الدم الاسرائيلي ان يحرز وقف اطلاق نار، من غير ان يتم الاضرار جوهريا بفقاره القيادي، ومن غير أن يفقد تفوقه العسكري وتأثيره السياسي داخل لبنان.

توقع حزب الله عملية عسكرية لاسرائيل، لكنه لم يتوقع سعتها وصورة ردها. لقد أراد قتالا بريا، اعتقد به أن يستنزف وأن يسفك كثيرا من دم جنود اسرائيل وان يقرب بهذا خضوعها بمساعدة ضغوط الرأي العام ومنظمات المتعاونين معه في اسرائيل التي تتصل باليسار المتشدد المعادي للصهيونية. إن اسرائيل التي عملت بهجوم جوي واسع النطاق في أنحاء لبنان، مع الإضرار بالبنى التحتية وفرض حصار بحري، وبري وجوي فاجأت نصرالله حقا. ومع ذلك، حدث ههنا الخطأ الأول وقد يكن الأكثر حسما، الذي سيمنع اسرائيل النصر في الحرب. كان يجب بدء الهجوم الجوي في الساعة الاولى ومن الفور، قبل كل شيء بقصف دقيق لجميع قيادات حزب الله في حي الضاحية في بيروت وصرف العناية الى القضاء على القيادة كلها. لم تكن ولا توجد غاية أهم وأكثر حسما من القضاء على قيادة منظمة ارهابية وعصابية وهذا الشيء صحيح في الاساس في شأن حزب الله. كان يجب ان تصاب قيادة المنظمة كلها اصابة بالغة وكان ذلك سيغير كل الميزان الاستراتيجي، حتى لو كان استمر اطلاق الصواريخ والقتال في الميدان وقتا ما. أكدنا في مقالات كثيرة في الماضي مكررين ذلك الاهمية العليا للقضاء على قادة المنظمات الارهابية والعصابية. ان اضاعة اسرائيل هذه الفرصة قد تمنعها لأسفنا الانتصار وهي في الحقيقة تنشيء أساس الحرب المستقبلة الآتية، لانها تمنع إحداث حسم.

من المهم أن نذكر أنه بعد إنسحاب قوات سورية من لبنان، ابتدأت القوى السياسية الداخلية في لبنان تطلب طلبا شديدا نزع سلاح حزب الله وانشاء الاساس للحفاظ على استقلال لبنان وسيادته، بأن ينشر جيشه في جميع مناطق الدولة. مع ذلك لم تكن تلك الاصوات على قدر كافٍ من القوة والوضوح، لانها لا توجد قوة لبنانية داخلية تستطيع مواجهة قوة حزب الله. هذه إحدى المشكلات الكبيرة في كل نظام سيكون في لبنان: مَن سينزع سلاح حزب الله ومن يستطيع فعل ذلك. إن إمكان أن يصبح جزءا من الجيش اللبناني وأن يحل الموضوع بذلك، بمنزلة كارثة للبنان وإسرائيل على السواء  ولا يحل قبوله. نعود مرة أخرى الى عوامل التدخل الاسرائيلي في لبنان، بحيث يوجد من يطلبون إلى اسرائيل أن تقوم من أجلهم بهذا العمل القذر ولكن بغير تدخلهم. يجب على اسرائيل أن تعمل فقط من أجل تقديم مصالحها والحفاظ عليها لا من اجل مصالح الآخرين.

يكمن خطأ حزب الله الاستراتيجي في التقديرات التي تقلل من قوة إسرائيل وتصميمها على تصريف الأزمة. تبين هذه التقديرات أن نصرالله لم يتعلم أنماط رد إسرائيل حينما تمتلىء الكأس بالدم وفي الأساس عندما خرجت إسرائيل عن طور التجاهل والامتناع وأدركت أن محور الشر الاسلامي المتشدد يريد إخضاعها. حزب الله - الذي يمثل مصالح ايران، ويستعين بسورية ويعمل عميلا لها - جعل لبنان دولة شيعية صغيرة. ان عملية الاختطاف والهجوم على اسرائيل في 12 تموز كانت في الحقيقة خطوة اخرى الى الأمام: فقد عمل حزب الله كدولة قائمة بنفسها وقرر أن يجر لبنان كله الى محاربة إسرائيل، على رغم أنه كان واضحا له أن الثمن الرئيس سيدفعه لبنان ومواطنوه. لقد "أثبت" رد إسرائيل ذلك وتم الإضرار إضرارا شديدا حقا بالبنية اللبنانية التحتية. والسبب هو أن إحدى وسائل الانتصار على العصابات هو عزلها عن المساعدة والتأييد من قوى خارجية ومنع وجود "قاعدة العصابات"، أي البنية التحتية الإمدادية من السكان وكونهم درعا بشرية. مع ذلك كان نصرالله هو الذي هدد تهديدا مباشرا وواضحا، أمام عدسات التلفاز، النخبة السياسية والحكومية في لبنان بأن "هذا هو وقت التكافل والتعاون. يجب تأجيل جميع الاختلافات على موعد آخر. أحذركم القيام بأخطاء. هذه مسؤولية وطنية. لا يستطيع أحد ان يسمح لنفسه بأن يعمل عملا يشجع العدو على مهاجمة لبنان". نصرالله على قناعة بأن مسارات الحرب تعجل بالنصر، وتؤيد مصالحه ومصالح ايران في لبنان، ومن هنا أعلن بأن القرار 1559 مدفون تحت الانقاض في بيروت.

إن الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي يهدف الى اقتلاع حزب الله من الجذور وتدميره كقوة عسكرية وكمنظمة إرهابية مهددة، مهمة صعبة ومعقدة. ليس سبب ذلك أن الحديث عن قوة عصابات شبه عسكرية فحسب، مدربة ومزودة جيدا بالسلاح المحكم؛ ولا فقط لانها تدعمها إيران وسورية دعما جيدا، بل لانها ذات تمكين عميق بين السكان الشيعة، وعدتهم نحو من 40 في المائة من جملة سكان لبنان وبسبب بناء قاعدة قتالية في جميع البلدات والقرى، داخل البيوت وبينها، وتحتها في الاساس كما يبدو، على هيئة أنفاق طويلة (أهذه مفاجأة استراتيجية من حزب الله؟). مع خروج سورية عاد "حرس الثورة الايراني" ليشغل دورا مهما في التسليح، والتوجيه والقيادة الاستراتيجية لحزب الله ويشغل ضباط ايرانيون دورا رئيسا في الاستخبارات الاستراتيجية والتكتيكية والتجنيد السياسي. تصل الصواريخ لآماد مختلفة، التي تُنتج في ايران، لبنان من طريق مطار دمشق الدولي وبعضها ينتج في سورية وتنشر في أنحاء لبنان. وهذه تعطي حزب الله مجال تنفس طويلا نسبيا لتصريف حرب عصابات ويجب على اسرائيل أن تستعد لحرب ملائمة في مواجهة ذلك.

اجراءات حاسمة لم تُنفذ من الفور

بعد مضي خمسة أيام من القتال في لبنان، لُحظت الاخطاء الشديدة في اجراءات عسكرية لم تنفذ: أولا، عدم القضاء على نصرالله والقيادة العسكرية، والسياسية، والدينية لحزب الله مع فور الابتداء بالحرب. كان قصف قيادات حزب الله في بيروت ضرورة حيوية لادارة حرب ناجحة منتصرة. ان ما تم بعد مضي ثلاثة أيام كان تدميرا للبنى التحتية بغير أهمية استراتيجية، بل رمزية فحسب، لان القيادة كانت قد أصبحت في مخبأ. كما قيل آنفا لا يمكن ان تُهزم عصابات بغير القضاء على قيادتها. ان الامثلة من أمريكا اللاتينية (توبماروس، ومونتنروس، والمسار اللامع)، ومن اوروبا (الفرق الحمراء، وحزب الجيش الاحمر) ومن الشرق الأوسط (بي.كي.كي) تثبت تماما هذا الزعم. كان عمل من الفور في حي الضاحية سيشوش أيضا على سلسلة القيادة والمبادرة التشغيلية للقتال الارهابي لحزب الله. كنا نستطيع أن نفاجيء أكثر القيادة، وأن نقضي عليها.

يجب أن يموت نصرالله لانه رجل الاتصال الحاسم بالارهاب الجهادي العالمي، بتوسط عماد مغنية؛ وهو رجل الاتصال الحاسم بالفلسطينيين، بوساطة خالد مشعل؛ وهو رجل الاتصال الحاسم بعرب اسرائيل، بوساطة قيس عبيد. يجب أن يموت نصرالله لان القضاء عليه حاسم بالقياس الى لبنان، كما أن للقضاء على الزرقاوي تأثير عظيم في الوضع في العراق والارهاب في الشرق الأوسط (في الاردن، وسيناء)، وكما أن ابن لادن مستحق للموت. ليس هذا انتقاما أو انفعالا بل حسابا باردا وعقلانيا. ثمّ اُناس لا يحل ان يعيشوا اذا كنا نريد إعطاء إحتمال لعالم أفضل. أصبح نصرالله رمزا عالميا لـ "كيف تعالج اسرائيل والولايات المتحدة" وهو وسيلة حاسمة في استراتيجية ايران في الجبهة الارهابية وتعويق إسرائيل.

وفوق ذلك يعلمنا التاريخ عدة أشياء في الموضوع. إن القضاء التام فقط على النظام النازي وعلى اليابان الاستعمارية أنهى الحرب العالمية الثانية. لاسفنا، لا توجد أنصاف سلام أو أنصاف تسويات سياسية. فهذه حكمها الانفجار. إن التسوية السياسية الجزئية، التي تم الحديث عنها في سنة 1971 بين إسرائيل ومصر لم تكن تستطيع ان تكون دائمة. وعندما تم تحطيم الوضع الراهن - ابتدأت مصر الحرب في سنة 1978. ثمّ مثال أقرب هو صدام حسين. في سنة 1991 نفذت الولايات المتحدة برياسة الرئيس بوش "عملا غير منته" عندما حررت الكويت من إحتلال العراق. كان يجب على الولايات المتحدة أن تعلم أن الكويت كانت العرضَ لا الجوهر. لم تعالج صدام حسين الذي كان العامل المبادر والمنشيء للازمة والتهديدات التي نشأت في النظام. في سنة 2003، عرف الرئيس بوش الابن الخطأ الحاسم، وأسقط صداما ونظامه - بثمن أعلى بما لا يقاس وبتورط شديد لجيش الولايات المتحدة في العراق مستمر الى اليوم.

أجل، من غير القضاء على نصرالله والقيادة الرفيعة ومن غير إضعاف تام لحزب الله، من المشكوك فيه جدا أن يمكن إحراز الاهداف المذكورة آنفا ويحكم علينا بعودة الازمات واشتدادها على نمط محدد وبتصعيد طاغ. على اي حال، يجب على اسرائيل أن تعلن بان نصرالله في جميع الظروف مستحق للموت وأنها ستعمل في القضاء عليه في اية فرصة، وأي وقت وأي مكان يظهر فيه.

ثانيا، تقسيم عمل غير صحيح في مراحل تحديد الاهداف. ان لبنان كدولة اصيب بشدة أما حزب الله والشيعة فانهم يخرجون الى الان بكلفة ضئيلة جدا وبعقب ذلك قد يعيدون بناء أنفسهم سريعا، بمساعدة ايران. اسرائيل دمرت وهدمت في الاساس بنية تحتية، لكن يمكن اعادة بناء البنية التحتية بسهولة. لا ينقصهم المال. بمقابلة ذلك، تنذر القيادة الرفيعة الحية باستمرار الحرب في المستقبل، بل بالاضرار الشديد بمكانة اسرائيل الاستراتيجية في المستقبل. لا يحل ان يستمر هذا الوضع. الحديث ايضا عن ظاهرة ثقافية عربية - اسلامية، يعززها تكتيك حرب العصابات: في وقت الضغط الكثيف، عندما يثبت عندكَ ان لا أمل لك - اختبىء واُهرب واخرج عند أول فرصة من المخبأ مع أصوات منتصر. اذا بقيت حيا - فقد نجحت وعندها يجب عليك ان تستعد للمرحلة القادمة من المواجهة. بمقابلة ذلك، الضغوط في اسرائيل مغايرة تماما. فالجبهة الداخلية مرهقة، وقد تنهار المنعة اذا ما استمر ضغط صواريخ الكاتيوشا، وذلك في الاساس بـ "تشجيع" الاعلام الالكتروني والمكتوب، الذي يشيع الخضوع، ويزرع سلب الروح المعنوي، ويساعد حزب الله في حربه الدعائية بتقاريره من الجبهة الداخلية، ويعطي الجيش توجيهات ماذا يفعل وفي الاساس يعود الى التذكير بصدمة لبنان والهجوم البري.

ثالثا، كان يجب بذل جهد أكبر لاصابة كثيفة لجنوب لبنان منذ المرحلة الاولى، في محاولة الى إبطال صواريخ الكاتيوشا من هنالك في الاساس. كانت اصابة الصواريخ الطويلة المدى التي استقر الرأي على مهاجمتها أولا صحيحة، لكن اصابة صواريخ الكاتيوشا التي اقيمت في الجنوب حُددت كما يبدو هدفا ثانويا، وبعقب ذلك ربما يكون ازداد تهديد الصواريخ للبلدات الشمالية. من غير أن ندخل قضية القتال البري، لاننا لا نملك الخبرة العسكرية، ربما كان يجب استعمال ضغوط برية في أماكن محددة في جنوب لبنان، بموازاة القصف من الجو. على اية حال، اصابة بلدات الشيعة المؤيدين لحزب الله بوضوح في جنوب لبنان، والذين هم جزء من النظام الاجتماعي - السياسي، والاصابة المادية ايضا بمفوضات قيادة حزب الله في القرى ووسائلها، كانت وما تزال ضرورية. ان طريقة الهجمات الجوية التي قام بها الجيش الاسرائيلي على حسب مثال كوسفو في سنة 1999، والتي كسرت الجيش الصربي وأخضعت ميلوزفيتش، من المشكوك فيه أن يكون لها نفس التأثير في الشيعة وفي استعداد حزب الله للرد. يجب أن نضيف ههنا انه لا يمكن في محاربة المتشددين ولا يحل الحفاظ على "الاخلاق" و "القيم". لا يحل لنا أن نستمر مع أخلاق اليسار المتشدد في إسرائيل المعوجة لان ولدا يهوديا قتيلا افضل من ولد فلسطيني، او من ولد لبناني قتيل كما نرى. "فقراء مدينتكَ أولا" دائما. سندفع ثمنا باهظا في القتال البري ويجب ان نسحق وأن ندمر البلدات - لمنع اصابة جنودنا. لا يحل ان يستمر اليسار المتشدد اليهودي في تحديد جدول العمل في إسرائيل.

ورابعا، كان من المهم فرض حصار تام على مناطق يهودا والسامرة وغزة من فور بدء الحرب، وينبغي أن نؤمل ان يقوم الخطر الشديد. من البين تماما أن نصرالله سيستعمل خلاياه في المناطق ويشجع سائر المنظمات الارهابية الفلسطينية على استعمال الارهاب من اي نوع، لفتح جبهة اخرى في مواجهة إسرائيل. لا يحل ان يصرف الانتباه الى عمليات القتلة - المنتحرين والى العنف المدني المنظم. من جهة ثانية، يوجد جانب آخر: في ظل صرف الاهتمام الى لبنان، يجب على اسرائيل أن تستعمل ضغطا أكثف لاصابة البنى التحتية للارهاب في غزة. لا يجب أن يصاب سكان غير مشاركين في الحرب. أما الارهابيون فيجب القضاء عليهم. هذه فرصة مهمة ولا يحل ان يخرج الفلسطينيون من المعركة في الشمال وهم في نفس الوضع الاستراتيجي. ولا يحل ايضا ان يحتذوا مرة اخرى على عمل حزب الله ويطبقوه والا فان الواقع اللبناني سينقل الى المناطق أيضا في ظروف وشروط أقسى.

أهداف للاحراز مع نهاية الأزمة

أولا، تطبيق تام كامل لقرار مجلس الأمن 1559، الذي يدعو الى تجريد حزب الله التام من كل سلاح جمعه والى نشر جيش لبنان على امتداد الحدود الاسرائيلية - اللبنانية. يجب على المجتمع الدولي أن يفرض تطبيق القرار، الذي هو المخرج الرسمي الذي يُمكّن من استقلال لبنان وسيادته. يجب على جيش لبنان أن يحصل على جميع الوسائل العسكرية والسياسية لضمان أن يستطيع نشر قواته في الجنوب وأن يمنع استمرار السيطرة العسكرية والسياسية لحزب الله في المنطقة. يجب منع قدرة حزب الله على العمل في وجه اسرائيل على حسب قراره، مع وكلائه من ايران وسوريا، وأن يُمنع بأي وسيلة وطريقة عودته في المستقبل الى جنوب لبنان. بهذا المعنى حرب اسرائيل في لبنان ليست عقوبة فقط، بل عملية استراتيجية على نحو واضح، ويجب أن يستمر نشاط اسرائيل حتى إبطال قدرة حزب الله وعزله وتجريده من سلاحه، بحيث لا يستطيع أن يعمل مثل ذراع ارهابية لايران. إن اقتلاع قدرة حزب الله العسكرية من الجذور سيضع حدا لأحد التهديدات الشديدة لايران في كل مرة يُضيق عليها النظام الدولي بسبب نشاطها الذري وتريد صرف انتباهه.

ثانيا، يجب أن يعود المختطفون الى بيوتهم، بلا شروط ومن الفور مع وقف اطلاق النار. إن الاصوات التي تُسمع اليوم في اسرائيل مقلقة جدا وهي بمنزلة شرك عسل. الاعادة ممكنة ومن الواجب تنفيذها. لا يجوز التخلي ولا يجوز التفكير بمفاهيم التبادل والتفاوض. اختُطف الجنود من اسرائيل الى لبنان، وحكومة لبنان فحسب مسؤولة عن عودتهم الى البيت. توجد جهات مؤثرة في الساحة وأفراد تفاوض من تلقاء انفسهم ينتظرون فقط أن يدعوهم لمنح خدمة الوساطة. لا يجوز الموافقة على وقف اطلاق نار وبدء التفاوض آنذاك فقط. لا تفاوض ولا وقف للقتال بغير عودة المختطفين الى بيوتهم. تستطيع اسرائيل أن تكون سخية بعد الاعادة وأن يستقر رأيها على التفضل. مثلا، أن تُعيد السجناء، اذا وُجدوا، وأن تُعيد جثثهم، لكن لا التفاوض. نصر الله اذا لم يُقض عليه، هو فنان التفاوض. ألم نتعلم ذلك؟ واذا ما سمعنا لاصوات بيننا تدعو الى الموافقة على هذه الصيغة أو تلك من ادارة التفاوض بعد وقف اطلاق النار، فسنصل الى وضع يكون فيه وقف لاطلاق النار ويلعب نصر الله بأعصابنا في اسابيع أو ربما شهور من التعذيب والضغط، وهو شيء سيُعظم انتصار حزب الله. يجب الاستعداد لهذا الأمر. في الايام القريبة سنحصل على عدد جمٍّ من البلاغات مصدرها الحرب النفسية وضغوط عائلات المختطفين، فيما يتعلق بتسوية سياسية، ووضع المختطفين والاستعداد لاطلاق سراحهم، وأن جهات دولية (كالوسطاء الالمان) مستعدة لبدء العمل. ستوجد تصريحات وإنكارات، وآمال وخيبات آمال. وكل شيء في قبضة نصر الله المتصرفة. إن شرك العسل أن نوافق فقط على وقف اطلاق النار. لا يجوز أن ننجر، حتى ولو انكسر القلب.

ثالثا، طرد جميع القوات الايرانية الرسمية عن لبنان ("الحرس الثوري") وغير الرسمية ("المستشارين" و"الخبراء"، بل وأفراد السفارة الايرانية). في الآن نفسه يجب إبعاد جميع المعدات العسكرية الضخمة التي حشدتها ايران في لبنان. كل تسوية سياسية تكون أقل من ذلك، تعني استمرار سوء الوضع في لبنان ككيان سياسي واستمرار وضع أن تكون ارضه منطقة سيطرة، وتأثير، وتهديدات موجهة الى اسرائيل. يجب ايضا تحديد تسويات مستقبلية لكي لا يُكرر هذا الوضع بعد فترة زمنية. بل أن يُقرر أن يكون لبنان بلا قوات اجنبية وسلاح اجنبي لا يوافق عليه. إن لبنان المتحرر من ايران والذي يوجد فيه حزب الله بلا سلاح هو دولة تستطيع العودة الى النماء والى العيش بسلام مع اسرائيل.

رابعا، يجب على اسرائيل أن تعلن بأن كل ما يتصل بحزب الله - نزع السلاح والخروج عن مناطق الجنوب، ينطبق ايضا على الفلسطينيين وأن كل تسوية في جنوب لبنان تتصل ايضا بالقوات غير النظامية الفلسطينية الارهابية الموجودة في لبنان. يجب أن تُصاغ التسوية الرسمية على نحو عام وعلى نحو خاص، مع تحديدات واضحة ومُلزمة. لا يجوز أن تنشأ في الغد مشكلة جديدة في ظل الارهاب الفلسطيني وبتأييد شيعي.

خامسا، عمل سوريا في لبنان ومكانتها. طُردت سوريا عن لبنان في سنة 2005 فقط، لكن حضورها موجود في مستوى عملاء الاستخبارات والمتعاونين الحكوميين الكبار وعلى رأسهم الرئيس إميل لحود، الذين يحافظون على مصالحهم. في الظاهر القصة سهلة. سوريا كايران ايضا يجب أن تنهي تدخلها وحضورها في السياسة اللبنانية. مع ذلك، نقترح الفحص عن القضية فحصا مغايرا. على رغم سلوكها الحذر في اثناء الازمة، الى الآن، من المعقول جدا أن نفترض أن سوريا ستقع عليها ضغوط ايرانية كبيرة لمساعدة حزب الله، كلما استمرت الازمة وأصبح وضع حزب الله أشد. لا يمكن الاعتماد على بشار الأسد وليس هذا مكان تحليل شخصيته الصبيانية الضعيفة. لا يجوز لاسرائيل أن تفتح جبهة اخرى مع سوريا لكي لا تنشيء حافزا وذريعة لايران أن تتدخل. يقتضي الأمر حذرا كبيرا من قبل اسرائيل، لا لأن سوريا وايران وقعتا على معاهدة دفاع مشترك فقط، تقول إن ايران ستدافع عن سوريا اذا هوجمت.

في الحقيقة أنه لم يكن للاتفاقات في العالم العربي قط (وايران دولة مسلمة غير عربية) أهمية عملية، بل رمزية فقط، للمزاج والطقوس. لكن في الظروف الموجودة، وفي الضغوط التي تتعرض لها ايران ومع كون حزب الله ذراعا استراتيجية لها، يجب أن نُقدر بحذر أن ايران قد تتدخل عسكريا. ومن هنا تأتي التوصية بأن تنقل اسرائيل الى سوريا كل يوم، على نحو مباشر وصريح، على أيدي رؤوسها السياسيين والعسكريين، أنها لا تنوي أن توجه العمل اليها. لاسرائيل أمور غير مقضية مع حزب الله في لبنان فقط. وبهذا ينبغي أن نأمل أن ينجح بشار الأسد في أن يحط عنه الضغوط الايرانية وأن تهدأ نفسه.

فيما يتعلق بلبنان، لا تصد سوريا عن الاستمرار في تحريك قِدر السياسة اللبنانية - من اجل الحفاظ على مصالحها ومنع تقوّي عوامل قوة اخرى. يجب أن نفهم أن سوريا سترى لبنان دائما ركيزة أساسية في أمنها القومي، وخط دفاع أخيرا تقريبا لوجود النظام في دمشق. من هنا يجب أن يكون لسوريا دور واستعداد مغايران. بخلاف ايران، التي يجب فصم العلاقة بينها وبين لبنان فصما تاما وبلا شروط، فان وجود سوريا في لبنان له أهمية باحراز الأهداف المذكورة آنفا - نزع سلاح حزب الله ونشر جيش لبنان في الجنوب. يجب أن نعترف بأن انسحاب الجيش السوري من لبنان كان عاملا مهما في تقوّي حزب الله وزيادة تأثير ايران. تستطيع سوريا ويجب عليها ان تكون عامل توازن داخل ميزان القوى في النظام السياسي اللبناني. لماذا؟.

يجب الاعتراف بحقيقة أساسية - لبنان مستنقع مُغرق لا للمدعوين اليه وللمتدخلين الخارجيين في شأنه فقط بل لسكانه في الداخل ايضا. لبنان دولة أُقيمت من اجل طائفة دينية، وهي على أقل قدر من شكل الدولة بين دول الشرق الاوسط كلها. لقد وُلد بخطيئة مزدوجة: في الداخل، بحفاظ على توازن مصنوع مشايع للمسيحيين، وفيما يتعلق بالبنية الطائفية؛ ونحو الخارج، يعود جزء كبير من ارضه التاريخية الى الدولة السورية. لبنان مصاب بأكثر المميزات الأساسية للدولة: فهو بغير مجتمع سياسي وهوية وطنية كاملة الصياغة؛ وقد خطّ الاستعمار الفرنسي حدوده، بلا منطق طبوغرافي وسياسي؛ وأكثر ارضه اقتطعت من الاراضي السورية؛ وأطره الداخلية تقوم على صدوع شديدة على خلفية  عِرقية - طائفية، مع ارتباك في قضية مكانته العربية. لبنان بلا اطار سياسي شرعي وليس سوى جهاز متعدد الطوائف، الطائفة الدينية فيه هي مركز التعريف الذاتي ونمط الاخلاص والمشايعة الاجتماعية. إن الاخلاص العائلي - الطائفي قيمة مقدسة ومصدر للتعريف، والطائفية أساس الانتظام السياسي والعسكري. والأمر يعني أن من المشكوك فيه كثيرا أن يستطيع لبنان أداء عمله على نحو مُنظم بلا انجرار الى الفوضى، اذا لم توجد جهة سياسية قوية تُعيد الاستقرار.

اذا وُجدت دولة أو ائتلاف من الدول الغربية يأخذ على عاتقه هذه المهمة، فتجب مباركة ذلك. لكن الواقع اللبناني لا يجذب جهات خارجية. يذكر الجميع سياسة الارهاب من استعمال القتلة المنتحرين لمواجهة مؤسسات ومصالح للولايات المتحدة، وحملة قتل وذبح الناس، واحتجاز الرهائن وإعدامهم، والاختطافات، والعنف من كل نوع. تستطيع سوريا أن تقوم بالدور - تحت سلطة دولية توجب قواعد وشكل عمل - حتى انصياغ مجتمع سياسي مستقر في لبنان. هذه مصلحة اسرائيلية بارزة، لأن الخيارين الرئيسين هما فوضى طائفية، أو تدخل ايراني سيجعل لبنان دولة شيعية على هيئة الدولة الخمينية. على رغم أن سوريا مكروهة في لبنان وحازت لنفسها صيتا سيئا، فانها تستطيع أن تشغل هناك دورا حيويا، يُخرجها عن مكانة "الدولة المجذومة". من هنا تستطيع سوريا مع شرعية دولية كـ "دولة محترمة" ومع موافقة دولية على دورها في لبنان، أن تصبح عاملا حاسما معيدا لاستقرار الجهاز السياسي اللبناني.

سادسا، تحديد خط عمل ملزم في اسرائيل يتصل بسلوكها في جنوب لبنان في المستقبل، يجب أن يكون قائما على سياسة اسرائيلية جديدة وصريحة لـ "اسباب الحرب" و"الخطوط الحمراء". ومعنى ذلك التدخل العسكري - على الفور وفي جميع الظروف - لاسرائيل، اذا ما دخلت منطقة جنوب لبنان قوة عسكرية/ ارهابية معادية. يجب أن يكون هذا مقرونا الى اتفاقات وقف اطلاق النار والتسويات التي سيتم التوقيع عليها وتحصل على اعتراف دولي، لكن هذا أشد إلزاما لاسرائيل. لا يجوز أن يمنع الخنوع والمهانة في السنين الست الأخيرة، في ظل "سلامة الأكواخ الخشبية" اسرائيل عن العمل لمنع جعل لبنان منطقة توجد فيها قوى عنيفة معادية لاسرائيل وأن تفضي على نحو محدد الى انشاء منطقة حاجزة في جنوب لبنان، تشبه نظام نار، يمنع وصول قوات معادية الى الحدود مع اسرائيل. سيفضي ذلك الى صياغة تحديدات واضحة تتصل بالوضع الجديد في المنطقة، الذي سيُقر "السلام الاسرائيلي".

والى ذلك يجب على اسرائيل أن تأخذ بعدد من أنماط السلوك الاخرى. يجب عليها أن تستوعب أن المصالحة في الثقافة السياسية العربية - الاسلامية - تعني الكارثة؛ والهرب - معناها الخوف؛ وضبط النفس، والامتناع، و"العض على الشفتين" - ومعناها الضعف العام؛ والتجاهل، وعدم التصميم، وغياب الاستعداد لمواجهة تحديات وتهديدات - ومعناها ضغوط أشد لتقويضها من ناحية عسكرية وسياسية. يجب على اسرائيل أن تفهم أهمية "الصورة الظاهرة"، التي تنسب بها الى أعدائها قيمها وتصوراتها. كان ذا صلة بالقضية اللبنانية اللقاء الصادم لرئيس الحكومة مناحيم بيغن مع بشير الجميل في نهاريا، في الاسابيع الاولى من حرب 1982. أوضح الجميل لبيغن أن اسرائيل اذا كانت تريد حقا تغيير الوضع في لبنان وانشاء قواعد نظام مستقر، فعليها أن تسلك في لبنان "كما في لبنان". لم يكن بيغن الديمقراطي الليبرالي يستطيع قبول هذه المواقف والنتيجة مكتوبة بالدم على صفحات تاريخ اسرائيل.

يجب أن نؤكد أن تحقيق هذه الشروط سيُمكّن من اعطاء لبنان احتمال الخروج من الواقع الداخلي والخارجي الصعب كدولة مستقلة، ذات سيادة وديمقراطية. هذا الموقف يلائم رؤيا ادارة بوش عن مساعدة شعوب الشرق الاوسط في تحرير نفسها من عبء الحكام المضطهدين، والنُظم الاسلامية المتطرفة، والمعارضة العنيفة التي لا مسؤولية عندها، واعطاء احتمال مهما كان واهيا، لتشجيع نشوء نظام ديمقراطي في لبنان. اذا انتهت جميع الجهود الدبلوماسية الى أن تفرض على اسرائيل انهاء العملية العسكرية قبل أن تُحرز الأهداف المذكورة آنفا فيما يتصل بلبنان واذا لم يُنزع سلاح حزب الله واستمر في كونه قوة عسكرية وسياسية ذات شأن - فقد يكون ذلك كارثة على اسرائيل والمجتمع الدولي. اذا ما استمر هذا التوجه فانه يُنذر بتغير جوهري وازدياد كبير لعنف الفلسطينيين. سيحاولون مُحاكاة النموذج اللبناني وبهذا سيأتون باب النظام الاقليمي والدولي بقضايا مأزومة جديدة، وبأعمال ارهابية وعنف في مستويات لا نظير لها في الماضي (لان ايران ايضا ستحاول زيادة سيطرتها على الجهاز السياسي الفلسطيني الارهابي).

المشكلة الحاسمة هي، هل الأهداف التي صيغت آنفا واقعية ويمكن احرازها؟ والجواب بالنفي للأسف. في عالم غير كامل، فيه السياسة هي ماهية "الامور غير المقضية"، والحياة السياسية هي مصالحة، وتسويات مؤقتة، وأزمات مكررة؛ عالم لا يمكن فيه حل الصراعات، بل مضاءلتها فقط أو ادارتها - يصعب جدا الحديث فيما يبدو في الظاهر واقعا مثاليا. اذا كان الامر كذلك، فما الذي يكون بمنزلة الواجب الذي لا حيدة عنه وما الذي لا يكون كذلك؟.

إن نزع سلاح حزب الله، ومنعه أن يكون قوة عسكرية مسلحة وإبعاده عن مناطق جنوب لبنان شرط أساسي وضرورة حيوية. يجب علاج هذا بأي ثمن وبلا مهادنة. هذا الامر صحيح فيما يتعلق بالمنظمات الفلسطينية في لبنان ايضا، التي يجب إبطال فعلها ونزع سلاحها. في مقابلة ذلك، فيما يتعلق بتقوّي جيش لبنان ونشره في الجنوب، يجب التسليم لعدم حدوث هذا الأمر ولعدم كونه ذا شأن. لماذا؟ لان الشيعة في جيش جنوب لبنان هم الأكثرية ومشايعتهم للمصلحة الطائفية الشيعية حاسمة؛ ولانهم لن يفعلوا شيئا للحفاظ على الوضع الذي سينشأ؛ ولانهم مثل اليونيفيل لن يُعرضوا حياتهم للخطر ايضا حتى لو شاءوا. وفوق ذلك، الاعداد، والتسلح، والتدريب وتعظيم جيش لبنان عمل لسنين طويلة وليس نجاحه مضمونا. ما الذي نفعله حتى ذلك الحين اذا؟ من الواضح أنه لا يوجد فراغ، وفي قضية جنوب لبنان يجب العلاج من الفور وعلى نحو عاجل، والى ذلك أن القوة الحاكمة المركزية في لبنان، ليست فقط بلا تصميم بل هي بلا قوة وبلا قدرة ولو شكلية على العمل.

يجب أن تكون ايران خارج اللعبة السياسية اللبنانية. إن دولة شيعية - خمينية اخرى في لبنان كابوس يجب أن يكون منع تحقيقه التزاما واضحا للنظام الدولي. يجب ردع العدوان الايراني في لبنان، من غير ما صلة بعملية برية ملزمة في شأن قضية الذرة الايرانية. إن لبنان، كدولة بلا شكل دولة، يُحدث فراغا تطمح ايران الى دخوله. هذا هو الخطر ويجب منعه بأي ثمن. في مقابلة ذلك، قضية سوريا مغايرة وتتصل اتصالا وثيقا بامكانية جعل الوضع السياسي في لبنان مستقرا. هنا ايضا تدخل النظام الدولي حاسم. يجب العمل في قبول سوريا ومنحها الشرعية، وتأييد بشار الأسد، ومساعدة سوريا اقتصاديا وسياسيا وأن تحدد مع ذلك شروط واضحة صارمة تتصل بسلوكها في لبنان. وهكذا ستنشأ مصلحة سورية، تلائم مصلحة لبنان (جعل النظام السياسي مستقرا)؛ ولاسرائيل (منع الأعداء المشتركين والتهديدات في الحدود)، والنظام الدولي (أن يكون لبنان حُرا، وألا يكون الشرق الاوسط مركز تهديد شديد جدا). ستستطيع سوريا جعل القوى السياسية المتخاصمة في لبنان تستقر. لقد صنعت ذلك في الماضي، باتفاق الطائف في الأساس في تشرين الاول 1989، الذي قررت فيه اطار حكم شكليا مغايرا وأكثر منطقية في لبنان وهذه ايضا مصلحتها اليوم.

وفي النهاية، اذا تمت هذه الاعمال على نحو واقعي مصمم، أي، مع العلم بما يجب احرازه، وما يمكن احرازه وما لا يمكن احرازه في مقابلة ذلك، فان لبنان سيصبح أكثر استقرارا. يجب أن نقرر أن لبنان لن يصبح دولة ديمقراطية. إن الشرق الاوسط كله، وجميع النظم الحاكمة العربية والاسلامية فيه بعيدة  جدا عن إحداث ديمقراطية ليبرالية. الحديث عن نظم حكم ذات سلطة وعن قيادة تنتقل بالوراثة، مسيطرة وقامعة. في الحقيقة أن لبنان يخالفها، لكن الديمقراطية لن تنشأ هناك ايضا. انها ستُعطى في الأقل احتمالا أفضل للنماء والازدهار.

يجب الثبات على هذه المبادىء، وفي ضمنها اطلاق الجنود المختطفين بلا شرط، حتى لو وُجد من يميلون الى المصالحة، ويزعمون أن هذه الصفقة حسنة ومطلوبة، لكن الحديث عن مطالب لا يمكن احرازها ويجب السعي الى ما يمكن احرازه. إن هؤلاء الذين لا ايمان عندهم أو الذين لا صبر عندهم قد يؤيدون الحرب القادمة، التي ستكون أعظم قوة وفي ظروف أشد. مثلا، جميع خسائر الولايات المتحدة في حرب الخليج في سنة 1991 كانت عديمة الشأن بالقياس الى الكارثة التي تحدث في العراق اليوم من جهة عدد ضحايا الولايات المتحدة فحسب. تمت جباية ثمن الحرب غير المقضية في 1991 بكامل الفظاعة من سنة 2003 الى اليوم. يجب أن نذكر الى ذلك أن الواقع الدولي اليوم أكثر تفهما لاسرائيل، في مستوى الحكومات بيقين، وإن كان أقل قدرا كالعادة في مجال الاعلام. يأمل كثير انتصار اسرائيل، لا من اجلها، ولكن بسبب فهمهم من هو حزب الله وما معنى انتصاره في لبنان، وفي ضمن ذلك انتصار ايران.

اذا أضاعت اسرائيل أهداف الحرب، فلن يكون هذا جريمة لا يمكن التكفير عنها فقط، بل قد تدفع ثمنا باهظا في علاقاتها بالنظام الدولي ايضا، ولكن وفي الأساس في علاقاتها بالولايات المتحدة. إن الولايات المتحدة ترى اسرائيل ذخرا استراتيجيا وجهة سياسية اقليمية عظيمة الشأن. انها تهب لاسرائيل تأييدا سياسيا ودوليا لا مثيل له، وتساعدها عسكريا وقت الحاجة بالسلاح والمعدات ومن المعقول أن نفترض أن تحوّل اليها مساعدة اقتصادية لتغطية نفقات الحرب. وهي تتوقع أن تقوم اسرائيل بالعمل: إضعاف حزب الله ومنعه كجهة سياسية ايرانية؛ والمس باستراتيجية ايران الارهابية وتأثيرها الاقليمي؛ وبدء مواجهة قضية الذرة الايرانية. إن عدم احراز أهداف اسرائيل حيال حزب الله والإضرار الشديد بالبنى التحتية في لبنان، قد يفضيان الى أن تفكر الولايات المتحدة تفكيرا آخر في شأن مكانة اسرائيل الاستراتيجية. سيكون لهذا آثار لا يمكن التنبؤ بها تتصل بالمستقبل. يجب على اسرائيل، ولو من اجل مصالحها، أن تُحدث تغييرا حاسما للوضع في لبنان. إن تخييب أمل الولايات المتحدة قد يكون عاملا سلبيا آخر يضر بمكانة اسرائيل كذخر استراتيجي.

 

مرسل من مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

* نتيف، مركز ارئيل للدراسات السياسية، العدد 4-5 (111 - 112)، ايلول 2006 .

** مستشرق يحاضر في معهد العلوم السياسية في جامعة حيفا. نشر وحرر كتبا كثيرة في موضوعات الاسلام والشرق الاوسط.

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة