|
هافانا
ـ
كوبا
نور الدين عواد
يشهد عام 2008 حملة انتخابية عامة في الولايات المتحدة
الامريكية، فهذه هي آخر زفرة في انفاس ادارة جورج بوش الابن،
ونامل ان تكون الاخيرة في فكر وسياسة المحافظين الجدد، الذين
كان لهم الفضل في افلات العنان للفاشية الامبريالية وترجماتها
في السياسة الخارجية للادارة، تجاه وطننا العربي الكبير، لا
سيما في فلسطين والعراق ولبنان والصومال و...و... بالاضافة الى
افغانستان وربما الباكستان من جوارنا الاسلامي.
في الحقيقة قمت باعداد هذه المساهمة باللغة الاسبانية،
وتوزيعها على بعض مراكزالابحاث السياسية والاجتماعية السياسية
والاكاديمية المعنية بشؤون الولايات المتحدة، ووزعت على بعض
وسائل الاعلام اعتبارا من 28 مايو 2006. وقد رايت الآن انه من
المناسب ترجمتها الى العربية ووضعها امام القاريء العربي،
للاستفادة منها، كوجهة نظر ضمن العديد من رؤى مثقفين ومنظرين
وسياسيين حول هذا الموضوع المثير للجدل.
اتوخى الاسهام في اماطة اللثام عن هذه القضية التي تقسم العرب
عموما الى فريقين: فريق يؤمن بسطوة اللوبي الصهيوني على
السياسة الخارجية الامريكية، وبالتالي "لا حول لنا ولا قوة" في
مواجهة امريكا وشعار 100% من اوراق اللعبة بيد امريكا (والوقوع
في الياس والاحباط والواقعية الحقيرة، المؤدية الى الاستسلام
غير المشروط وحتى الاندماج في المخطط الصهيوامريكي لشطب القضية
الفلسطينية من جذورها) وفريق يدعو ويراهن على امكانية خلق لوبي
عربي يفرض نفسه على السياسة الخارجية الامريكية تجاه القضايا
العربية (والسقوط في الاوهام القاتلة، نظرا للفرق النوعي بين
اللوبي الصهيوني الامريكي واي لوبي عربي امريكي مقيم او وافد
لا فرق على الاقل في المدى المنظور). من هنا لا بد من وضع
الامور في نصابها، والانصراف الى خلق "لوبي عربي" ينطلق من
الذات القومية في وطننا وبناء مقومات الصمود والمقاومة
والثورة، والتصدي للمخططات والسياسات الامريكية الصهيونية، بغض
النظر عن مصدرها، سواء كانت واشنطن او تل ابيب او طوكيو.
رهاننا يجب ان ينطلق، بالضرورة، من رؤانا وامكانياتنا وقوانا
الذاتية، وليس من فذلكة "اللعب على التناقضات بين امريكا
واسرائيل"، فهي في نهاية المطاف غير موجودة، وان وجدت فانها لا
ترقى الى تناقضات تناحرية، تلغي جوهر العلاقة الحميمية بين
فرعي الجذع الامبريالي الواحد.
هذا هو النص كاملا:
في الآونة الاخيرة كثرت التنظيرات والتحليلات حول اللوبي
الموالي لاسرائيل في الولايات المتحدة الامريكية، الذي يتمحور
حول اللجنة الامريكية ـ الاسرائيلية للشؤون العامة المعروفة
اختصارا بـ "آيباك". توجد هناك اسطورة داخل وخارج الولايات
المتحدة الامريكية تقول بان اليهود يقررون السياسة الخارجية
الامريكية ازاء الشرق الاوسط ويسيطرون عليها. لكن تجد هناك
ايضا الوقائع الملموسة التي تثبت بان المصالح القومية
الامريكية يحسمها النظام السياسي الامريكي، بغض النظر عن
اختلافها او تشابهها او حتى تماثلها مع المصالح القومية
الاسرائيلية.
جون ميرشيمير، مدير برنامج السياسات الامنية الدولية في جامعة
شيكاغو، ومرجعية رئيسية لفئة المحافظين الذين يطلق عليهم لقب
"واقعيون"، و ستيفن ووالت، عميد مدرسة الحكم "جون كينيدي" في
هارفارد، خبيران سياسيان امريكيان مشهوران، قاما باعداد دراسة
بعنوان "اللوبي الاسرائيلي في اللولايات المتحدة والسياسة
الخارجية الامريكية" وتوصلا الى خلاصة مؤداها ان " العلاقة بين
واشنطن وتل ابيب تضر بأمن الولايات المتحدة الامريكية، وان
اللوبي الامريكي الموالي لاسرائيل، لا سيما آيباك، قد ساهم في
تحويل حماية اسرائيل الى جانب مفتاحي في السياسة الخارجية
امريكية (...) آيباك تشكل ثاني اهم لوبي في الولايات المتحدة
الامريكية".
حسب نفس المصدر، يرى المؤلفان ان اللوبي يعلن بان " المصالح
الاسرائيلية والامريكية متماثلة من حيث الجوهر" و "يبالغ في
قدرة اسرائيل" على الاسهام في الحرب على الارهاب (...) والاهم
من ذلك هو ان امريكا تعاني من الارهاب الى حد كبير بسبب
تحالفها الوثيق مع اسرائيل وليس العكس (...) وبعد هذا وذاك "
اسرائيل ليست حليفا وفيا": فهي لا زالت تتجسس على امريكا وتبيع
الاسلحة الى الصين (...) كما ان "اسرائيل تتمتع بالحصانة داخل
الكونغرس" (...) وبعض الصهاينة المسيحيين مثل ديك تشيني،
اعلنوا ان " الاولوية رقم واحد للسياسة الخارجية الامريكية
تتمثل في دعم اسرائيل حتى في احلك الظروف (...) العقيد
المتقاعد في الجيش الامريكي وورنر فار، ينبه الى ان اسرائيل هي
خامس قوة نووية في العالم وفي عام 1997 كان لديها 400 سلاح
نووي وهيدروجيني. اما المرشح الرئاسي الجمهورس السابق بات
بوكنان فقد قال: "آيباك، وهي عميل بالفعل لحكومة اجنبية، تسيطر
على الكونغرس الامريكي. لا يوجد اي نقاش مفتوح حول السياسة
الامريكية ازاء اسرائيل".
اما المركز الدولي للدراسات الامريكية والغربية فقد نشر
مقتطفات من بحث ميرشيمير ووالت حيث يؤكدان ان" السياسة
الامريكية قد ابتعدت عن الواقعية التي يجب على ادارة جورج بوش
العودة اليها والاكتراث بالمصالح الامريكية بدلا من المصالح
الاسرائيلية (...)ويفيدان بانه امام مؤتمر آيباك (ابريل 2006)
الذي جمع 4000 عضو ونصير ومفكر وسياسي، تحدث نائب الرئيس ديك
تشيني وكال المديح لدور آيباك في تعزيز وتطوير العلالقات
الامريكية الاسرائيلية".
وفي عدد آخر من نشرة المركز الدولي للدراسات الامريكية
والغربية، يفيد المؤلفان بان استقصاء اجري عام 2004، اظهر ان
36% من اليهود الامريكيين لا تعنيهم اسرايئل بتاتا (70% من
اليهود الامريكيين لم تطأ اقدامهم اسرايئل قط). لا يوجد اجماع
بين مختلف فعاليات ما يسمى بـ "الجالية اليهودية الامريكية"
ازاء السياسات الاسرائيلية. بالاضافة الى آيباك ومؤتمر رؤساء
الجاليات اليهودية الكبيرة (وهم متطرفون ومتعصبون لاسرائيل،
ومعارضون للعملية السلمية في أوسلو ويدعمون السياسات التوسعية
الليكودية) يضم اللوبي ايضا مسيحيين انجليكيين ( غاري بور،
جيري فولويل، رالف ريد، بات باترسون، ديك آرمي، توم ديلي)
ومحافظين جدد (جون بولتون، روبرت بارتلي (مدير تحرير وول ستريت
جورنال) ويليام بينيت، جين كيركباتريك، جورج ويل (كاتب وصحفي
ذو نفوذ). "امام جمهور امريكي قال ارييل شارون " عندما يسالني
الناس عن كيفية مساعدة اسرائيل اقول لهم ادعموا آيباك" اي ان
آيباك هي منظمة عميلة لحكومة اجنبية تشدد الخناق على الكونغرس
ولا تسمح له بمناقشة السياسة الامريكية ازاء اسرائيل".
من جهته، جوزيف مسعد (استاذ السياسة العربية الحديثة في جامعة
كولومبيا) قام بازالة الغموض الغيبي وحطم كثيرا من الحجج
المتعلقة بهذا الجدال الجاري. و"يقدم فهما موضوعيا للوبي
الموالي لاسرائيل في الولايات المتحدة الامريكية في سياق
السياسات والمصالح التي تضعه في المكان اللائق به: في خدمة
مصالح الشركات الامريكية. وفي الوقت الذي يقرّ فيه مسعد ويبرز
القوة الهائلة التي يتمتع بها اللوبي الموالي لاسرائيل في
الولايات المتحدة الامريكية، فانه يصرّ على ان الحكومة
الامريكية هي المسؤولة عن وضع السياسات التي يدعمها هذا
اللوبي".
على ضوء هذه الاراء وغيرها كثيرة اخرى، اعتقد انه لكي نفهم
بشكل افضل جوهر هذه المعضلة، يجب ان ننطلق قبل كل شيء من
الاعتبارات التاريخية ـ الثقافية والاجتماعية ـ السياسية
للنظام السياسي الامريكي:
·
اليهود الامريكيون في معظمهم مندمجون ومنخرطون في النسيج
الاجتماعي ـ السياسي للامة الامريكية، بمعنى، انهم يشكلون جزء
عضويا من المجتمع الامريكي منذ تشكله كمجتمع.
·
هيكلية الحكومة وآليات أداء النظام السياسي الامريكي تسهل
المهمة امام مجموعات الضغط اوالمصالح في الولايات المتحدة
الامريكية، حيث يلعب المال دورا حاسما في الانتخابات الرئاسية
والتشريعية.
·
المصالح القومية الامريكية تحددها وتحسمها الطبقة المسيطرة
بمجملها ولا تستجيب بالتحديد لعرق او اثنية او حزبية الذين
يروجون لها، بل تستجيب فقط للاوليغارشية فوق الامبريالية التي
تمر بطور العولمة.
·
العلاقات والمصالح الخاصة بين الولايات المتحدة الامريكية
واسرائيل، يمكن فهمها اذا ما انطلقنا من حقيقة ان اسرائيل
ومصالحها، من منظور امريكي ( على ان سيرورتها التاريخية من
اسرائيل الاسطورية الغيبية، مرورا بدولة موائمة، دولة مطية،
دولة حليفة، دولة شريكة، دولة حليفة استراتيجي ولغاية الآن)
اصبحت مصلحة حيوية امريكية.
·
البرنامج النووي والاسلحة النووية التي بحوزة دولة اسرائيل
الصهيونية، يقع خارج المساءلة الدولية (مجلس الامن الدولي
واللجنة الدولية للطاقة الذرية) لانه مفهوم ومقبول ضمنيا انها
تخص القوة العظمى، التي ابتكرت وطورت السلاح النووي، وتتمتع
اسرائيل بحصانة كبقية القوى الاعضاء في النادي النووي.
نظرا لكل هذه الاعتبارات نتفق مع راي جوزيف مسعد ولا نرى اي
تناقض في دور آيباك في النظام السياسي الامريكي.
هشاشة الحجج بخصوص العلاقات بين الولايات المتحدة الامريكية و
اسرائيل.
فيما يتعلق بنوع العلاقة الرسمية القائمة بين امريكا واسرائيل،
تثبت التجربة المعاشة والمحققة ان اسرائيل تخضع سياساتها
لمتطلبات الادارة الامريكية وتاخذها على محمل الجدّ.
في 8 نوفمبر 1956، كان لدى الاتحاد السوفييتي خطة عسكرية
لتوجيه ضربة قاصمة لاسرائيل، في حال عدم انسحابها من سيناء
المصرية وفقا لقرار الامم المتحدة. لكن بن غوريون كان خائفا من
رد الفعل الامريكي اكثر من خوفه من التهديد السوفييتي.
في 12 مارس 1957، وخلال اجتماع الحكومة الصهيونية، قال مؤسس
دولة اسرائيل "لا ادري ماذا سيكون مصيرنا (...) ان قوى مثل هذه
القوى يمكنها ان تجبرنا على الرحيل. صحيح ان فرنسا وبريطانيا
قررتا دخولنا واحتلالنا لسيناء (...) انني اخاف من امريكا اكثر
من خوفي من العالم باسره (...) الولايات المتحدة الامريكية
ستجبرنا على الخروج من سيناء ولا تحتاج لارسال اي جيش لذلك؛
يكفي ان تعلن قطع العلاقات الدبلوماسية معنا؛ يكفيها ان تعلق
الدعم المالي".
عندما يوجد انسجام وتناغم بين السياسات والمصالح لكلا
الدولتين، فان اسرائيل تستطيع ان تقرر ما تشاء واذا انعدم فان
الولايات المتحدة الامريكية هي التي تقرر ولصالحها:
·
عام 1956 اجبرت امريكا اسرائيل على الانسحاب من سيناء وقطاع
غزة.
·
اجبر جيمي كارتر مناحيم بيغن على التوقيع في 1978 ـ 1979 على
اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر والتصالح معها والانسحاب وتفكيك
مستوطنات.
·
عام 1991، اجبرت امريكا اسرائيل بعدم الرد على القصف العراقي
ب 47 صاروخ سكاد، خلال حرب الخليج الاولى.
·
جورج بوش الأب اجبر اسحق شامير على حضور مؤتمر مدريد عام 1991،
رغما عن ارادته.
·
ويليام كلينتون اجبر بنيامين نتنياهو على التوقيع على خطة
اعادة الانتشار واتفاق واي ريفر عام 1998.
·
ضغط جورج بوش على أرييل شارون لكي ينفذ خطة الانفصال من طرف
واحد عن غزة عام
2005.
بهذا التأمل الموجز، نترك للقاريء حرية "استخلاص النتائج" وفقا
لما ينصح به رينالدو تالادريد، زميلنا الكوبي مدير برنامج
"رحلة الى المجهول" وصحفي متخصص بالشؤون الامريكية، في المؤسسة
الكوبية للراديو والتلفزيون..
|