من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 
 

 

 

نحو ضبط المصطلحات في السلام الفلسطيني

 

 

بقلم: شحادة موسى

 خلفية

شكلت قرارات المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشرة (الجزائر،1988)، تحولاً جذرياً في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية وافتراقاً عن المرتكزات الأساسية في فكر هذه الحركة، والتي تشمل منطلقاتها وأهدافها.

باختصار، كانت مسيرة الحركة الوطنية منذ تشكلت في بداية العشرينات من القرن الماضي، مسيرة نضال ضد المشروع الصهيوني في فلسطين. وقد انطلقت الحركة من إدراكها للخطر الصهيوني وأبعاده على الوطن والشعب، وبذلك تحدد الهدف الوطني بمقاومة الهجرة اليهودية إلى فلسطين. وقد فشلت الحركة الوطنية في تحقيق هدفها. وفي المقابل استطاعت الحركة الصهيونية في عام 1948 من الاستيلاء على معظم أراضي فلسطين (78%) وطرد أكثر من نصف الفلسطينيين من ديارهم، وأصبح ذلك العام يعرف بعام النكبة. وبعد النكبة نهضت الحركة الوطنية بأشكال جديدة تتوجت بالمقاومة المسلحة، لتحقيق الهدف الذي تحدد في ضوء الواقع الجديد، باسترداد الوطن الذي اغتُصب وعودة الشعب الذي طُرد.

وقد حافظت الحركة الوطنية على هويتها النضالية حتى العام 1988 وصدور قرارات المجلس الوطني المشار إليها. فقد تضمنت تلك القرارات الإعلان عن مواقف وتوجهات مخالفة لما استقرت عليه الحركة الوطنية من مبادئ وأهداف وأساليب عمل. وكان من بين تلك المواقف وأخطرها، الاعتراف بقراري مجلس الأمن رقمي 242 و 338، فذلك يعني بكل وضوح الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، وبحقها وسيادتها على الأراضي الفلسطينية التي اغتصبتها عام 1948. وبالمناسبة فان إعلان المجلس للاستقلال الفلسطيني كان مجرد جسرٍ لضمان موافقة المجلس على القرارين المذكورين.  (انظر كتاب محمود عباس "طريق أوسلو"، ص41). وأصبحت عبارة الأرض المحتلة تعني عند القيادة الفلسطينية الأراضي التي احتلت عام 1967. وبذلك أيضاً، جعلت منظمة التحرير الفلسطينية من نفسها طرفاً في حرب 1967 ولها أراضىٍ محتلة تطالب باستعادتها، اسوة بالدول العربية التي احتلت أجزاءّ من أراضيها في تلك الحرب.

وعلى إثر ذلك، بدأت تظهر مصطلحات وعبارات جديدة في اللغة السياسية للحركة الفلسطينية. وهي عبارات ملتبسة، يقصدون بها غير ما يوحيه ظاهرها، ومغاير لما ألفه الوعي الشعبي الفلسطيني. من هذه المصطلحات: السلام، والمشروع الوطني، والدولة الحلم، والوطن وأرض الوطن، وغيرها.  لذا، أصبح من الضروري الوقوف أمام هذه المصطلحات، وكشف المعاني والمرامي المقصودة بإستخدامها، ومن ثم تحديد موقف منها.

مفهوم السلام

لا يكف مسؤولو السلطة الفلسطينية، عن ترديد العبارات التي تعكس رغبتهم، بل تلهفهم على السلام، والظهور بمظهر دعاة سلام وأعداءً للعنف. ويؤكدون استعدادهم للتوصل إلى معاهدة سلام مع إسرائيل والتوقيع عليها خلال عام.

لا شك في أن السلام شعار جميل وهدف نبيل. ونقيض السلام هو الحرب وسفك الدماء. ولكن اين هو موقع شعب فلسطين أو منظمة التحرير في معادلة الحرب والسلام. إن قرار مجلس الأمن رقم 242 خاص بالدول المتحاربة عام 1967، والفلسطينيون لم يكونوا من بين هذه الدول. ومع ذلك، وضعوا انفسهم في وضع الدولة المتحاربة، أو المكافئة لها. ومن هنا يأتي الحديث عن معاهدة السلام أو الصلح Treaty of Peace. وهي معاهدة تعقد بين متحاربين لالقاء السلاح وإعادة السلام. والذين كانوا يطالبون منظمة التحرير بالاعتراف بالقرار 242 إنما كانوا يريدون منها أن تُعلن تنازلها عن المطالبة بحق الشعب الفلسطيني في أرضه وعودته إليها، وفي المقابل، يتم القبول بالحديث معها بشأن النزاع على أراضي 1967.

هذه الوضعية التي اتخذتها منظمة التحرير لنفسها، ونظرتها الجديدة للصراع، جعلتها، كما يبدو، ترى أن موضوع "الخلاف" لا يستحق استمرار سفك الدماء. وبدأت تتحدث عن الحاجة إلى وضع حد للقتال والمعاناة، وتمد يدها للطرف الآخر لصنع السلام.

وجدت هذه المبادرة تشجيعاً من الجانب الآخر، وحثاً على تقديم المزيد. وتجسد هذا الوضع في المشهد الدرامي في واشنطن عام 1993، وفي مشهد مماثل في أنابوليس عام 2007. في المشهد الأول وقف الرئيس الأميركي كلينتون بين ياسر عرفات واسحق رابين ليقول إن هذين الزعيمين يريدان السلام ويتصافحان علامة على الاتفاق على الصلح. وفي المشهد الثاني وقف الرئيس جورج بوش بين محمود عباس وايهود أولمرت ليقول نفس عبارة كلينتون عن القائدين اللذين يريدان السلام، وعلينا أن نساعدهما على ذلك.

كان من النتائج المباشرة لما حصل، تراجع استخدام عبارة "القضية الفلسطينية" في اللغة السياسية الفلسطينية الرسمية، لتحلّ محلها عبارة السلام والعملية السلمية. فالذي اتفق عليه الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني هو أن الخلاف بينهما محصور على مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة وليس على شيء آخر. ويتم حل هذا الخلاف بالمفاوضات عبر ما يسمى بالعملية السلمية.

ووجدت اللغة الجديدة طريقها إلى المستويات الرسمية ووسائل الإعلام العربية، حيث أخذ الحديث يجري عن قضية السلام وعملية السلام. وإذا ذكرت "قضية فلسطين" فالمقصود هو السلام. من الأمثلة على ذلك، ما ذكر عن جولة الرئيس المصري في أوروبا في ديسمبر 2007م، من أنه سوف يبحث قضية السلام في الشرق الأوسط (قناة النيل الفضائية، 14/12/2007م)، وما ذكر عن مؤتمر نادي موناكو الذي عقد في الدوحة في شهر فبراير 2008 من أنه سوف يناقش قضية السلام في الشرق الأوسط "إسرائيل وفلسطين" (الصحف 24/2/2008). وغني عن البيان، ان عبارات عامة ومبهمة مثل "السلام" و"الشرق الأوسط"، يمكن أن تعني أي شيء غير القضية الفلسطينية.

 

مغالطات السلام

انطوت هذه الاطروحات على مغالطة كبرى، جرّت معها العديد من الاشكالات واللبس في المفاهيم والمعاني. فأقلُّ ما يُقال في تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية سلام، انه عبث بالتاريخ، واستهتار بالقضية، وخداع للذات لا طائل منه. القضية الفلسطينية، كما سجَّلها التاريخ، واستقرت في وعي ووجدان الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، وغيرها من الشعوب والجماعات، هي قضية اغتصاب وطن وطرد أهله بالقوة أو ما أصبح يُعرف بنكبة عام 1948. وهذه القضية ليست على الاطلاق "مشكلة اللاجئين"، التي وضعت على جدول أعمال مفاوضات المرحلة النهائية بين إسرائيل والفلسطينيين، مثلها مثل قضية المياه في الأراضي المحتلة عام 1967. ان مشكلة أو مشاكل اللاجئين هي نتيجة أو مظهر أفرزته القضية الأصلية، قضية النكبة. انها مغالطة تاريخية خطيرة ان يجري طمس القضية بالحديث عن أحد مظاهرها.

وشكل الاعتراف بإسرائيل على أساس القرار 242 تجاوزاً لقرار الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947 بتقسيم فلسطين. فقرار التقسيم، وهو قرار ظالم وغير شرعي، منح اليهود نحو 57% من مساحة فلسطين وكانوا يملكون نحو 6.5% فقط من هذه المساحة. ولكن إسرائيل قامت عام 1948 على 78% من مساحة فلسطين، أي ان 37% من "أراضي إسرائيل" هي مما خصصه قرار التقسيم للدولة العربية الفلسطينية. والقفز فوق هذا القرار، يحمل ضمناً الاستعداد لتجاوز قرار الأمم المتحدة رقم  194 لعام 1948 والخاص بعودة الفلسطينيين إلى ديارهم التي طردوا منها في أي من الدولتين اللتين حددهما قرار التقسيم. ولذا، فان حديث أصحاب مشروع السلام عن حق العودة، يفتقد إلى المصداقية. ولحق العودة عندهم معنى آخر غير ذلك الذي تتصوره جماهير الشعب الفلسطيني.

ومن المغالطات التي يرتكبها أصحاب مشروع السلام، الادعاء بالمساواة المزيفة أو الكاذبة مع العدو. فقد قررت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية اعتبار نفسها والعدو الصهيوني في موقع قانوني وسياسي وأخلاقي واحد. وعرضت عليه التصالح وحل الخلاف بينهما بالطريقة السلمية.

يعتبر هذا الموقف غير مألوف لدى حركات التحرر الوطني. وباستقراء التاريخ نجد أن المعادلة في قضايا التحرر كانت دوماً واضحة وتقوم على أنها صراع بين معتدٍ باسم المستعمر أو المحتل، وبين حركة شعبية تجابه المعتدي من أجل تحرير وطنها وشعبها من نير الاحتلال. والاتفاقيات التي تبرم مع المستعمر عند رحيله،  تحمل اسم الاستقلال أو الجلاء، ذلك أن المقاومة ليست من أعمال الحرب التي تقع بين الدول، وتنتهي بمعاهدات صلح أو سلام.  غير أن الحركة الفلسطينية سارت على عكس هذه القاعدة، فدعت إلى التصالح وليس إنهاء الإحتلال.  وليس هناك ما يشير إلى إحتلال أو أراضٍِِ محتلة في مفاوضات العملية السلمية.

ولم يسبق أن سجَّلت حركة تحرر وطني على نفسها، القبول بموقف أو  رأي يساوي بينها وبين المستعمر الذي يحتل بلدها ويستبد بشعبها. فذلك موقف غير أخلاقي ولا إنساني، لأنه بكل بساطة يساوي بين القاتل والمقتول، والمعتدي والمعتدى عليه، وبين مقاومة شعبية من أجل الحرية وقوات غازية تمارس القتل والتدمير في سبيل الظلم والعدوان. بهذه الرؤية والقناعة المبدئية تعامل القادة العظام لحركات التحرر مع المستعمر، ورأوا أنهم أعلى منه قيمة وأرفع شأناً رغم تفوقه المادي، لان الحق والعدل اشرف وأنبل من الظلم والاستبداد.

لذا، يخطئ من يتوهم ان المباهاة بالتساوي مع المعتدي يمكن أن تُعلي من قامة صاحبها، أو ان استجداء السلام يكسبه احترام الآخرين، خاصة إذا كان ما يجري هو في الحقيقة استسلام لإرادة العدوان وتنازل عن الحق. ثم أن التظاهر الخادع بالتساوي لا يغير من الواقع الفعلي لوضعية كل من الطرفين، والتي ستأتي لحظة الحقيقة وتكشفها. فليس عيباً أن يكون المرء ضعيفاً مادياً، ولكن العيب كله أن يصبح المظهر الزائف بديلاً عن التمسك بالحق.

ومما يثير العجب، ان يأتي الادعاء بالمساواة من قيادة الحركة الفلسطينية، بالنظر لما يتفرد به الاستعمار الصهيوني من طبيعة وممارسات استيطانية إحلالية. فهو جاء من الخارج، واغتصب الأرض، وطرد السكان، واستولى على البيوت والاملاك. وهذه حالة ليس لها مثيل في عالم اليوم. والقضية التي ترتبت على ذلك تتلخص بالعودة: عودة الذين طُرِدوا، وعودة الحقوق التي اغتُصِبت. ولا معنى للحديث عن المصالحة والسلام ان لم يبدأ من هنا، فالقضايا الأخرى فروع.

ويزداد الأمر غرابة حين يتضح ان الادعاء بالمساواة والدعوة للسلام، تترافق مع الاستعداد لالقاء السلاح عبر مصطلح نبذ العنف والإرهاب. ومعروف ان إلقاء السلاح من جانب واحد هو علامة على الاستسلام. ويروي محمود عباس (أبومازن) ما حدث بهذا الشأن بعد إعلان مبادرة السلام الفلسطينية عام 1988، ويقول إن الولايات المتحدة رفضت الحوار مع منظمة التحرير ما لم تصدر بياناً صريحاً بنبذ الإرهاب، وان فريقاً في الوفد المرافق لياسر عرفات إلى جنيف كان يرى سحب الذرائع من امريكا، أقنعه بذلك فأعلن عرفات في مؤتمر صحفي في جنيف في 14/12/1988 رفض المنظمة القاطع لجميع أشكال الإرهاب (محمود عباس، طريق أوسلو، ص55). وجدير بالملاحظة أن منطق سحب الذرائع لا يزال سائداً لدى مسؤولي السلطة الفلسطينية الذين يدعون إلى الهدوء والسكينة، بالرغم من علمهم الأكيد بان حبل الذرائع الإسرائيلي لا ينتهي.

والأدهى من ذلك كله أن هذا السلام يتجاوز عن كل ما لحق بشعب فلسطين عام 1948، ويضيف إليه الإعتراف بشرعية إغتصاب الأراضي التي أحتلت عام 1967.  فما دام الوجود الإسرائيلي في هذه الأراضي ليس إحتلالاً، فإنه يتساوى من حيث المبدأ والحقوق بالوجود الفلسطيني.  ولهذا يتم التفاوض على حصته من هذه الأراضي وما عليها وما في باطنها.

ان هذه المواقف وغيرها، تؤكد على ضرورة تحديد المصطلحات المستخدمة في إطار ما يسمى بعملية السلام، حتى لا تختلط الأمور، وتضيع القضايا الجوهرية وسط الانشغال بالتفتيش عن المعاني المضمرة.

لقد استخدم مصطلح السلام للتمويه على شعور بالفشل والانهزام أمام العدو والتنازل عن أقدس الحقوق الوطنية. ولذا هو اسم لغير مسمى، وبدعة في تاريخ حركات التحرر الوطني. ومن البدع ما هو في النار.

 المشروع الوطني

من المصطلحات التي أفرزها نهج التسوية، ولحقت بمشروع السلام، عبارة المشروع الوطني الفلسطيني. وترد هذه العبارة عادة مقرونة بعبارة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

على مستوى التعاريف، يشير تعبير "مشروع" إلى الطموح وتحسين الأوضاع والتقدم. ويظهر هذا القصد عند الحديث عن المشاريع التجارية، ومشاريع التنمية، كما يظهر في الحديث عن النهضة القومية.

ومصطلح المشروع الوطني لم يستخدم من قبل في أدبيات الحركة الوطنية الفلسطينية. ويرجع ذلك إلى تصور بديهي ومحسوم، وهو ان المشروع الوطني هو المشروع المضاد والمناهض للمشروع الصهيوني. وهذا هو المقياس الحقيقي لأي مشروع أو نشاط يتعلق بالقضية الفلسطينية. فما هو المشروع الوطني الجديد؟

منذ اتفاق أوسلو، أصبح من الواضح ان المكوّن الرئيسي لهذا المشروع هو الدولة في حدود الأراضي المحتلة عام 1967. قبل ذلك كانت فلسطين المحتلة عام 1948 والعودة إليها، هي الهدف الوطني المعلن والمتفق عليه. ويظهر من أحاديث وممارسات أصحاب هذا المشروع، ان السبيل الذي يعوّلون عليه لتحقيق هدفهم، يتمثل في التفاهم مع إسرائيل والاعتماد على مساعدة الولايات المتحدة الأميركية. فالرئيس الأميركي بوش، أعلن في عام 2002 عن تأييده لإقامة دولة فلسطينية. وإسرائيل وافقت على أن يكون للفلسطينيين دولة. والسلطة الفلسطينية، كما تعلن بنفسها، ليس لديها من خيار غير المفاوضات مع إسرائيل، والتي تشجعها الولايات المتحدة.

لقد بقي مفهوم هذه الدولة وماهيتها غير واضح حتى الآن. الرئيس بوش يتحدث عن دولة مسالمة ديمقراطية، وإسرائيل لم تتحدث قط عن دولة مستقلة.  واتفاق أوسلو نظم سلطة حكم إداري، ولم يتضمن شيئاً عن الدولة أو عن تقرير المصير، ولم ينص على أن الضفة الغربية وقطاع غزة هي أراضىٍ فلسطينية، أو إنها أراضىٍ محتلة.  بل إن الإتفاق لم يصف السلطة الفلسطينية بالوطنية، ربما لأن كلمة "وطنية"National  مشتقة من كلمة أمة بالانجليزية Nation والتي تعتبر الأساس القومي لنشوء الدول.

وعلى صعيد الواقع، يلاحظ ان السلطة الفلسطينية تحرص على تأكيد التزامها بتنفيذ المطلوب منها في مجالي محاربة الإرهاب (المقاومة) والعملية السلمية (المفاوضات). كثيرة هي التصريحات والأطروحات التي يطلقها مسؤولو السطلة عن عبثية المقاومة وعن المفاوضات كخيار استراتيجي وحيد. ويكفي الاشارة هنا إلى ان الرئيس أبومازن صرح بعد أيام من المجزرة الكبيرة التي ارتكبتها إسرائيل ضد قطاع غزة أوائل مارس/آذار 2008، بان السلطة بالرغم من كل الاعتداءات الإسرائيلية تطالب بالسلام وتصرّ عليه فلا طريق غير السلام (الصحف9/3/2008). وقبل ذلك كان نمر حماد، المستشار السياسي للرئيس، قد صرح بان حركة فتح بكل مؤسساتها قررت عدم القيام بأعمال العنف وسلّمت سلاحها واندمجت بقوات الأمن (الصحف4/2/2008).

ويُكثر أصحاب المشروع الوطني من الحديث عن المفاوضات كخيار استراتيجي لا بديل له. ويصورونها على أنها المعركة الوطنية الحقيقية، التي لديهم فيها حجة وتخشاها إسرائيل. ويسترسلون في وصف هذه المعركة واستعداد المفاوض الفلسطيني لخوضها، وما شابه من هذا الكلام. ولكن ياسر عبدربه أدلى مؤخرا بتصريح يُعتبر شهادة بالغة الدلالة عن المفاوضات وفحواها وجدواها. والمذكور هو أحد الرموز البارزة في نهج التسوية والمفاوضات، ولكنه في لحظة غضب كما يبدو، نطق بالحقيقة ووصف المفاوضات بأنها شكلية وغير جدية وان كل ما هو مطروح في الافق دولة بحدود مؤقتة (الصحف21/2/2008).

وفي المقابل تواصل إسرائيل تنفيذ خططها الاستيطانية وغيرها من الإجراءات في الأراضي المحتلة، والتي قوَّضت الأسس اللازمة لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. وليس من المعروف ان كانت إسرائيل ستوافق فعلاً على إقامة هذه الدولة، التي تعد بها هي والولايات المتحد، ولا كيف ستكون.

هل هو مشروع وطني؟!

لكي يصح وصف المشروع بالوطني، ينبغي ان يتصف بميزتين أو إحداهما على الأقل. الأولى أن يحظى بإجماع أو شبه إجماع من الشعب، والثانية أن يكون معبّراً عن الانتماء للوطن وتطلعات أبنائه.

فيما يتعلق بالمسألة الأولى، يمكن القول باطمئنان أنها غير متوافرة. فمعظم الفصائل الفلسطينية بما فيها تلك المنضوية في منظمة التحرير، ترى ان ما يمثل أولوية وطنية هو حق العودة وليس الدولة. هذا من حيث المبدأ. أما الدولة التي يريدها أصحاب المشروع وفقاً لرؤية الرئيس بوش، فهناك من المؤشرات ما يدل على أنها لا تحظى حتى بإجماع فريق السلام نفسه.  وفيما يتعلق بالانتماء الوطني، فهناك مؤشرات تنفي هذه الصفة عن المشروع. فالوطن الفلسطيني معروف بتكوينه التاريخي والجغرافي والثقافي. والوطن، أي وطن، يمكن أن يتعرض لغزو خارجي أو انقسام داخلي، ولكنه يحتفظ باسمه المعبّر عن هويته. والوطن الفلسطيني خضع في الماضي لحكم غزاة كان من بينهم العبرانيون، ولكنه احتفظ باسمه القديم، أرض كنعان. وقرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام1947، قسّمها إلى فلسطين عربية وأخرى يهودية، مثلما يقال عن حالات مماثلة مثل قبرص وكوريا، وفيتنام وألمانيا سابقاً، أي بإضافة صفة جغرافية أو عرقية إلى الاسم الأصلي، الذي يبقى هو المعبّر عن الوطن.

وأصحاب المشروع الوطني يقصدون بالوطن الأرض المحتلة عام 1967، وهو لابد أن يتقلص لاحقاً ليتطابق مع أرض الكيان الذي ستمنحه لهم إسرائيل. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فقد قال شيمون بيريز مرة عن القدس انها عاصمة الشعب اليهودي، وبإمكان الفلسطينيين ان يختاروا أي مكان آخر ويطلقون عليه اسم القدس. وهكذا، فالوطن الذي يتحدث عنه أصحاب المشروع ليس هو الوطن التاريخي، الماثلة صورته في وجدان أبنائه، ولا هو الذي يعبّر عن تطلعاتهم وأمانيهم. ولعل من المناسب هنا، استحضار مقولة للمرحوم خالد الحسن، أحد القادة المؤسسين لحركة فتح، يقول فيها إن الوطن لا يباع ولا يؤجر، وهو ليس ملك لجيل واحد فقط من أبنائه، ولا يوجد قانون يفرض علي أي شعب ان يتنازل أو يبيع جزءاً من وطنه إلى شعب أو تجمع بشري آخر (خالد الحسن، فلسطينيات، أوراق سياسية "11"، ص85).

·     ويعتبر الموقف من حق العودة، من أهم المؤشرات على وطنية المشروع. من الواضح أن العبارات التي يستخدمها أصحاب المشروع عن هذا الحق، والموقف الإسرائيلي الحاسم بهذا الشأن، تشير إلى ان حق العودة ليس مطروحا للتفاوض في عملية التسوية الجارية. أما حل مشكلة اللاجئين فذلك موضوع آخر. وبالنظر لحساسية الموضوع، فقد جرى دفع بُدلاء، على شكل مباحثات ووثائق ثنائية، أو تصريحات فردية، للافصاح عن حقيقة الموقف من حق العودة وان بلغة مراوغة، مثل ايجاد حل عادل أو متفق عليه لمشكلة اللاجئين، أو عودتهم إلى أرض الدولة الموعودة.

 

وللأسف، يبدو ان أصحاب المشروع الوطني نسوا أن اللاجئين الذين يتحدثون عنهم كقضية للتفاوض، مثل المياه الجوفية والحدود في الضفة والقطاع، هم أصل القضية، وبدمائهم كتب سجل المقاومة ولا يزال، وهم الذين ينبغي أن يتحدثوا عن قضيتهم، قضية فلسطين.

·          والأخطر من ذلك كله، ان يكون المشروع الوطني متوافقاً مع المشروع الصهيوني. فذلك ينزع عنه كل صفة وطنية.

 

يتمثل المشروع الصهيوني حالياً بسياسة الانطواء والتجميع التي تنتهجها إسرائيل. وتهدف هذه السياسة إلى الاستيلاء على أكبر قدر من الأرض بأقل عدد من السكان، والانكماش عن المناطق ذات الكثافة السكانية العالية. وفي إطار هذه السياسة انسحبت إسرائيل من قطاع غزة عام 2005، وتقوم في الضفة الغربية بمواصلة التوسع الاستيطاني وبناء الجدار العنصري، وإعلان الاستعداد لإزالة المستوطنات العشوائية مع ضم الكتل الاستيطانية إلى إسرائيل. وعلى ضوء هذه السياسة، يجب ان تُفهم قرارات إسرائيل خلال الأشهر الثلاثة التي اعقبت مؤتمر انابوليس (نوفمبر2007) ببناء آلاف الوحدات السكنية في الضفة الغربية دونما اعتبار لاعتراضات السلطة الفلسطينية (لمزيد من التفصيل انظر: الحياة، 16/3/2008).  وأنابوليس هذا حضر إليه كل العرب، وبشٌر بالسلام خلال عام.  أما الإستيطان، فيجدر التذكير أن إسرائيل بحسب تفسيرها للإتفاقيات مع م ت ف حول وضع الضفة والقطاع، تقيم المستوطنات على أراضٍ متنازع عليها No-Man’s-Land وليست فلسطينية.

أمام هذه الوقائع، يؤكد العديد من الخبراء والمثقفين المعنيين بالقضية، ان ما يسمى بحل الدولتين قد انتهى، ولم يعد هناك أساس لقيام دولة فلسطينية ذات معنى. أما أصحاب المشروع الوطني، فيبدو انه ليس لديهم خيار غير تعليق الأمل على إسرائيل والولايات المتحدة لظهور هذه الدولة. وربما لهذا يصفونها بالحلم.

وإسرائيل من جانبها، وفي إطار تنفيذ المشروع الصهيوني، لا تمانع في إطلاق اسم دولة على ما يتبقى من الأراضي الفلسطينية، بعد استكمال عملية التجميع والانطواء، وبناء الجدار العنصري، وإجراءات أخرى تقتضيها متطلبات الأمن الإسرائيلي. فهذه "الدولة" مصلحة إسرائيلية، كما يراها قادة إسرائيل والولايات المتحدة وغيرهم من أصدقاء إسرائيل، لانها تخدم أهدافاً حيوية في المشروع الصهيوني: فهي تقطع الطريق على حل الدولة الواحدة، وسوف تكون سياجاً أمنياً لإسرائيل، ودولة الفلسطينيين التي يطبق فيها حق (العودة  يشكل اللاجئون في الضفة والقطاع نحو نصف عدد السكان)، كما أنها تشكل غطاءً لكي تستكمل إسرائيل عملية التطهير العرقي التي نفذتها عام 1948، وتطرد "عرب إسرائيل" تطبيقاً لمفهوم الدولتين لشعبين.

 

وفي ظل هذه الاعتبارات، يصبح من الصعب ملاحظة فوارق جوهرية بين المشروع الصهيوني في مراحله الحالية، وما يُسمى بالمشروع الوطني الفلسطيني. وقد سبقت الإشارة إلى ان هذا المشروع لا يحظى باجماع وطني، ولا يعبر عن الانتماء إلى الوطن، ولا يستجيب لتطلعات وطموحات الشعب الفلسطيني، وبالتالي لا تتوافر له المقومات التي تُسوِّغ وصفه بالوطني. انه، على العموم، مشروع خاص بجماعة أو فريق فلسطيني، ومشروع للسلطة والحكم وليس للتحرر والعودة. والسؤال الذي يبرز هنا هو لماذا اذن هذا التشويش والخلط في المفاهيم والمصطلحات؟!

يبدو ان ذلك يرجع إلى ضرب من الانفصام الوطني، ان صح التعبير، عند أصحاب المشروع الوطني. ونعني بذلك وجود حالة تقوم فيها شخصية أو جماعة وطنية، نتيجة لتصورات وأوهام خاصة، بافعال غير وطنية، وهي تظن ان ذلك هو الوطنية بعينها.

لقد فشلت قيادة المقاومة الفلسطينية في تحقيق ما وعدت به جماهير الشعب، التي التفت حولها تحت شعار ثورة حتى النصر. ومثل هذا الفشل ليس حالة فريدة في تاريخ حركات المقاومة والثورات الشعبية، غير ان القيادة الفلسطينية، لاعتبارات ذاتية وشخصية، لم تقبل الاعتراف بالواقع، وتحاول تطوير عملها وأساليب نضالها، وانما ابتدعت معادلة رحًلت فيها فشل التحرير بالمقاومة، إلى نصر السلطة بالمفاوضة.

وقد جَهَدت هذه القيادة للحصول على سلطة حكم إداري في الضفة الغربية وقطاع غزة. وكانت موقنة بان هذه السلطة سوف تكون مضمونة لها وحدها بفضل الالتزامات التي ارتبطت بها مقابل الحصول على السلطة. فليس هناك غيرها، أو من هو تحت جناحها، يمكن ان يقبل بهذه الالتزامات. وحتى حين تُفسح المجال لاشراك آخرين معها، فيجب ان يظلوا هامشيين ويبقى القرار بيدها.

ومع ذلك، وبفعل التصورات والأوهام الخاصة، اعتبرت هذه القيادة ان ما حصلت عليه، أي السلطة، هو مصلحة لكل الشعب، فهي، كما ترى نفسها، والشعب شيء واحد. وهكذا، اصطنعت لنفسها هالة، واستخدمت أوصافاً، ومارست أفعالاً، لتبدو وكأنها بالفعل حققت النصر النهائي.

وقد افرز هذا التحول توجهات من شأنها ان ُتحدث تغييراً عميقاً حتى الجذور، يطال كل ما هو فلسطيني، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. وظهر خطاب جديد يستخدم ألفاظاً بمدلولات مستحدثة تشمل الوطن والشعب والحقوق، وغيرها من المفردات كتلك التي تحدثنا عنها في هذا المقال. ومن المعروف ان الكلام هو ألفاظ لها معاني، وما لم يكن هناك فهم مشترك لهذه الالفاظ فانها تكون رطانة لا قيمة لها. فهل يُكتب للغة الجديدة النجاح أم تبقى اشبه بالرطانة الخاصة باصحابها.

خاتمة

منذ نحو عقدين من الزمن، حدث تحول جذري في موقف قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية تجاه العدو الصهيوني. وأدى ذلك إلى تطورات عميقة الأثر على الحركة الوطنية، وعلى حاضر ومستقبل الشعب الفلسطيني بأكمله. لقد تناولت هذه المقالة بعض المظاهر التي أفرزها ذلك التحول. ولكن الأمر يتطلب دراسة وتحليلاً في العمق، يكشف أسباب وأبعاد ما حدث، وإلى اين المصير.

في هذا المجال، يمكن الاشارة على سبيل التقريب، مع الفارق، إلى ظاهرة المصالحة مع المستعمر، واستمرار العلاقات معه بعد الاستقلال، في العديد من بلدان العالم الثالث. فالنخب التي قادت حركات التحرر والاستقلال، ووصلت إلى الحكم في تلك البلدان، قامت ولأسباب مختلفة، بالإبقاء على العلاقات بين بلدانها والدول التي كانت تستعمرها من قبل غير أن الوضع يختلف في الحالة الفلسطينية، حيث قامت النخب التي قادت المقاومة بإجراء المصالحة قبل ان تُنجز مهمة التحرير/الاستقلال. والفرق كبير بين الحالتين. ففي الأولى أي في البلدذان التي أنجزت الإستقلال يمكن وصف العلاقة الجديدة بالتعاون أو التبعية. أما في الحالة الفلسطينية، فالعلاقة تتجاوز التبعية إلى التواطؤ والارتهان.

لقد تصدى عدد ن المفكرين لدراسة الظاهرة التي حدثت في بلدان العالم الثالث. الا ان عملهم بدأ من النهاية، أي بما حدث بعد الاستقلال. ويمكن للباحثين ان يجدوا في الحالة الفلسطينية فرصة لرصد ظاهرة وهي لا تزال في طور التكوين. فبالامكان الآن مشاهدة حركة وطنية وهي تتحول إلى نقيضها قبل ان تحقق الهدف الذي قامت من أجله.

مثل هذه الدراسة، لابد ان تكشف الدوافع والرؤى الحقيقية لقيادة هذه الحركة، وتكوينها الاجتماعي والفكري. وكذلك الحال بالنسبة للقوى الحليفة، وتلك التي تقف في مواقع ملتبسة. ولعلّ هذه الدراسة تسهم في الوقت ذاته، في الجهود من اجل بلورة رؤية للامكانات والخيارات المتاحة لصياغة برنامج وطني حقيقي للعمل المستقبلي.

 

 

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة