|
معطيات إسرائيلية كشفت أسباب الهزيمة في حرب الـ"2006"
الوطن، قطر1-1-2008
فيما تتوقع أوساط إسرائيلية حدوث تغييرات كبيرة في سلم القيادة
السياسية والعسكرية الإسرائيلية نهاية الشهر الجاري مع صدور
توصيات لجنة فينوغراد المتعلقة بأخطاء حرب يوليو في العام
2006، أكدت دراسة حديثة صادرة عن مركز بغين - السادات للدراسات
الاستراتيجية أن الخطأ الكبير الذي ارتكبته القيادتان السياسية
والعسكرية في الحرب التي دامت شهراً تقريباً تمثل في تهدئة
مخاوف سورية بدلا من تهديدها او توجيه ضربة عسكرية لها لتقليص
قدرتها الصاروخية على الردع على اعتبار دمشق مركز الثقل
الاستراتيجي في المواجهة ضد حزب الله وخلصت الدراسة الى أن
الخطا الاستراتيجي في تفويت تلك الفرصة من قبل إسرائيل كان
كبيراً لأن الظروف الدولية في عام 2006 جعلت سوريا عرضة للضغط
العسكري من قبل أمريكا وفرنسا اللتين سعتا لعزلها، وقالت
الدراسة إن امتناع إسرائيل عن إدخال قوات إلى ميدان المعركة
كان خطوة مضرة، لأنها دللت على الضعف وعززت النظرية التي سادت
في أنحاء العالم العربي، والتي تقول إن المجتمع الإسرائيلي
حساس أمام الخسائر البشرية وعززت ايضا نظرية "بيت العنكبوت"
التي عمل حزب الله على نشرها حول قدرة اسرائيل على الصمود، وقد
صدرت عدة قرارات خاطئة عن الجيش أدت لانهاء مهمات عسكرية بسبب
الإصابات رغم ان تلك المعارك كانت مهمة لدرجة تسمح بالمزيد من
الاصابات في صفوف الجيش الإسرائيلي.
وخلصت الدراسة الى ان صواريخ الكاتيوشا التي لم تتوقف طيلة
الحرب منحت حزب الله النصر في النهاية ورغم الاستهتار بهذه
الصواريخ بسبب عدم دقتها وشحنتها المتفجرة الصغيرة نسبيا فمن
اصل 4000 صاروخ، فان 25 % منها أصاب مناطق عمرانية في الشمال
ووجهت الدراسة انتقادات لمعنويات القيادة قبل الحرب ودللت على
ذلك بمقولة رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت في الخطاب
المشهور الذي ألقاه في يوليو عام 2005 ، "لقد تعبنا من القتال،
تعبنا من أن نكون شجعان، ومن الانتصار، ولقد تعبنا من هزيمة
أعدائنا".
الفشل في الاستعدادات
قبل الحرب كانت توقعات إسرائيل غير واقعية فيما يتعلق بمستقبل
النزاع المسلح مع حزب الله. الجيش الإسرائيلي لم يتوقع الحاجة
إلى خوض معركة عسكرية واسعة النطاق في لبنان. الفرضية المقبولة
التي سادت حينها كانت أن الحرب التقليدية الواسعة على طول حدود
إسرائيل غير متوقعة، وان في المستقبل ستخوض إسرائيل بشكل خاص
حروبا صغيرة. يبدو أن السيرة الذاتية لآرييل شارون، رئيس
الحكومة السابق، ساهمت في ردع إسرائيل عن التفكير في معركة
واسعة في جنوب لبنان. مسؤولية شارون في حرب لبنان عام 1982
والصعوبات التي ظهرت بعدها، كانت في نظر الكثيرين وصمة في
مسيرته السياسية. في عام 1983 وجدت لجنة كوهين أن شارون مهمل،
لأن لم يتوقع ويمنع المجزرة التي ارتكبتها الميليشيات
اللبنانية في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا.
محاولات تحسين صورته بعد ذلك، خلال فترة تولي منصب رئاسة
الحكومة، ردعته عن القيام بتورط آخر في لبنان. شارون كان لفترة
زمنية شخصية مؤثرة في إسرائيل، ويجب الافتراض أن أولوياته أثرت
على تفكير المؤسسة الأمنية بعد انتخابه لرئاسة الحكومة في عام
2001. عدم الالتفات من جانب الأركان العامة في الجيش
الإسرائيلي لمسألة لبنان انعكس افتراضات لإسرائيل بخصوص عدم
معقولية حرب برية يتم فيها استخدام واسع لفرق مدرعة على
حدودها. اللواء أودي آدم اشتكى من أن القادة العسكريين الكبار
لا يجرون تقريبا مناقشات تتعلق بالجبهة اللبنانية. حتى أن
حالوتس لم يذكر حزب الله في استعراضه الاستراتيجي أمام مؤتمر
رتسيليا، في يناير 2006 وكذلك أيضا، فشل الجيش الإسرائيلي
بتعزيز قوته العسكرية قبل الحرب. وزير الدفاع شاؤول موفاز
(الذي تولى هذا المنصب بين نوفمبر 2002 ومارس 2006) قرر تقصير
مدة الخدمة العسكرية الإلزامية للجنود من أربعة إلى ثمانية
أشهر، وهو قرار كان من المفترض أن يدخل حيز التنفيذ في مارس
2007 وقد بادر أيضا إلى قانون جديد يقصر الخدمة الاحتياطية
ويقلص مدة التدريبات. ووفقا لكلام اللواء بني غانتس، قائد
الأسلحة البرية في الجيش الإسرائيلي، فان مخصصات تدريب وحدات
الاحتياط قلصت منذ عام 2001 بـ5,3 مليار شيكل. بسبب الضرورات
الناتجة عن الموازنة قلص الجيش الإسرائيلي حجم فرق الدبابات.
وظهرت أيضا ضغوط متزايد لإلغاء خط إنتاج دبابة "الميركافا"،
بفرضية ان لا توجد معقولية لسيناريو خوض حرب برية تكون فيها
حاجة لعدد كبير من الدبابات. حتى جدول الأولويات لعمليات
الشراء تأثر من هذا التقدير. فبسبب تقليص الموازنة التي تمنح
الدبابات الحماية من
Trophy
لم يتم تركيب منظومات أسلحة مثل الصواريخ، ولم يتم شراء قنابل
خارقة للتحصينات لصالح سلاح الجو. هذان السلاحان كان يمكن أن
يستخدما جيدا في صيف 2006 بشكل عام، الجيش الإسرائيلي لم يُعِد
وحداته القتالية للـ"سيناريو اللبناني". فقط جزء بسيط من
القوات الخاصة تلقت الحد الأدنى من التدريبات كاستعداد للقتال
في جنوب لبنان. أكثر من ذلك، مسؤولو الاستخبارات العسكرية
امتنعوا عن نقل معطيات جمعوها عن مواقع حزب الله في جنوب لبنان
(المحميات الطبيعية) إلى الوحدات في الميدان.
الخطأ الثاني كان فشل القيادة الإسرائيلية في فهم الأهمية
الاستراتيجية لتأثير عدد كبير من هجمات الكاتيوشا. فصواريخ من
هذا النوع اعتبرت بشكل عام بأنها سلاح ضرره قليل، بسبب عدم
دقتها والرأس المتفجر الصغير نسبيا، وفي المرحلة الأولى من
الحرب وجه حالوتس ملاحظة بأن "الصواريخ قصيرة المدى ليست وسائل
قتالية حاسمة". في صيف 2006 لم يكن سكان إسرائيل في شمال
البلاد مستعدين للصمود أمام صليات كبيرة من الصواريخ. خلال
الحرب تلقت قيادة الجبهة الداخلية في الجيش الإسرائيلي، التي
مهمتها منح الحماية الفعالة، انتقادات لاذعة، وبعد الحرب كان
نفس وجود هذه القيادة موضع شك. فشل إسرائيل بتخصيص أموال كافية
لتطوير منظومة حماية مناسبة تحمي من تهديدات على النمط الذي
يمثل حزب الله، كان خطأ استراتيجيا.
الصناعات العسكرية الإسرائيلية وجدت عدة أجوبة تكنولوجية
لتهديد الصواريخ قصيرة المدى، لكن الحكومة امتنعت عن تجييرها
إلى المنظومات التنفيذية. فقط بعد الحرب، في فبراير 2007 ،
صادقت وزارة الدفاع على تطوير منظومات الدفاع ضد الصواريخ
قصيرة المدى والمتوسطة. في الواقع، حماية الجبهة الداخلية لم
تكن جزءا من المخطط الاستراتيجي للجيش الإسرائيلي للحرب في صيف
2006 حتى أن حماية الجبهة الداخلية لم تذكر في الوثيقة التي
تتعلق بالأهداف الاستراتيجية التي قدمت للحكومة بداية المعارك.
مع مرور السنوات أهملت إسرائيل جمع المعلومات في موضوع
الكاتيوشا قصيرة المدى، الأمر الذي انعكس عدم اهتمام، والبت
بمصير أي رد عسكري. فقط في المراحل الأخيرة للحرب جرت محاولة
للحد من صليات الكاتيوشا وتحويلها إلى هدف أساسي. فقد سعى
الضباط الكبار إلى تحقيق هذا الهدف لكن بتردد كبير. اللواء
أودي آدم، قائد المنطقة الشمالية، كان يشك بنجاح الوسائل
العسكرية في منع الصواريخ. اغلب صواريخ الكاتيوشا قصيرة المدى
سقطت في حقول مفتوحة وسببت أضرارا خفيفة، لكن من اصل 4000
صاروخ، فان 25 % منها أصاب مناطق مبنية في كل شمال إسرائيل.
اكثر من ذلك، مرفأ حيفا، مصافي التكرير، ومنشآت استراتيجية
كثيرة تم إغلاقها خوفا من الدمار. اكثر من مليون إسرائيلي
عاشوا في الملاجئ، وحوالي ثلاثمائة ألف هاجروا من منازلهم
مؤقتا وطلبوا اللجوء في الجنوب. في نهاية الأمر، تحولت
الكاتيوشا إلى المعيار الأساسي لتعريف الانتصار في الحرب. لم
يكن هناك حاجة إلى خبرة عسكرية كبيرة لملاحظة أن عدم قدرة
الجيش الإسرائيلي على التقليل من كمية إطلاق الكاتيوشا بشكل
بارز في المراحل الأخيرة للحرب يشكل فشلا ساطعا. ادعى رئيس
الحكومة ايهود اولمرت عندما أعلن في الثالث من شهر اغسطس 2006
ان من غير الممكن قياس نتائج الحرب وفقا لعدد الصواريخ التي
أطلقت باتجاه إسرائيل. لكن صليات الكاتيوشا التي لم تتوقف على
المدن الشمالية منحت حزب الله، في نهاية الأمر، الانتصار في
الحرب. إدارة استراتيجية غير سليمة خلال الحرب الاعتماد الزائد
على القوة الجوية خلال الحرب كان خطأ استراتيجيا ثالثا. صحيح
أن الجيش استثمر الكثير على القوات الجوية في السابق، لكن حتى
سنوات التسعينيات كان يقول ان الانتصار الحاسم يستوجب مناورة
برية ناجحة. لكن بعد حرب الخليج في العام 1991 ، تحولت القوات
الجوية إلى أمر مغرٍ من الناحية العسكرية. قادة إسرائيل كانوا
مقتنعين كثيرا باستخدام سلاح الجو الإسرائيلي الذي لا يوجد
مثيل له في المنطقة. سلاح الجو الإسرائيلي يسمح بالقيام بتدمير
كبير، من دون أي إصابة من الجانب الإسرائيلي. القوات الجوية
كانت مرتبطة جدا بالتكنولوجية الجديدة التي تميز
RMA - The Revolution in Military)
ما يسمى التحول بالشؤون العسكرية والادعاءات عن تغير طبيعة
الحرب. (Affairs
سلاح الجو الإسرائيلي نجح بإقناع المستوى السياسي انه يستطيع
توسيع دوره العسكري بنجاح إلى خارج المهمات الجوية التقليدية،
ومواجهة التحديات الأمنية. بشكل حاسم، في المقابل طور الجيش
الإسرائيلي عقيدة للقتال في مواجهة بقوة منخفضة، بالدمج بين
القوة الجوية والقوات الخاصة. هكذا تورط سلاح الجو الإسرائيلي
اكثر فاكثر في الحرب الصغيرة التي خاضها الجيش ضد الفلسطينيين،
وتوسيع مهامه قوبل عامة بشكل جيد. عضو الكنيست يوفال شتاينتس،
الرئيس السابق للجنة الخارجية والأمن في الكنيست، كان أحد
الإسرائيليين القليلين الذين شككوا بفائدة منح أفضلية عالية
إلى هذا الحد لسلاح الجو، سواء على مستوى الموازنة أو على
مستوى المذهب القتالي. شكوكه بكل ما يتعلق بنجاعة الرد الجوي
الحصري على الأعداد الكبيرة لصواريخ الكاتيوشا التي نشرها حزب
الله بقيت جانبا. صحيح أن سلاح الجو كان ناجعا في تدمير
الصواريخ بعيدة المدى ومطلقيهم، لكن لم يكن قادرا على وضع حد
للكاتيوشا قصيرة المدى جنوب الليطاني. الحقيقة التي تتحدث، انه
على ما يبدو فقط قوات برية تستطيع القيام بمعالجة حاسمة لهذا
التهديد لم تستوعب بكاملها من قبل مسؤولي الجيش الإسرائيلي.
رئيس الأركان حالوتس كان طيار خدم قائدا لسلاح الجو (بين ابريل
2000 ويوليو 2004). حماست من القوات الجوية كانت قاطعة. في
مقابلة أجراها في العام 2000 أعلن أن القوات الجوية هي العنصر
المسيطر في لائحة ردود الجيش الإسرائيلي. وحتى ان أكد في حال
التصعيد على طول الحدود مع لبنان، سلاح الجو سيكون العنصر
العسكري الأساسي، إذا لم يكن الوحيد، الذي سيقوم بالرد
التنفيذي المناسب. في السنوات الأخيرة كنا شهود على أعداد
كبيرة لضباط سلاح الجو الذين تسلموا مناصب في الجيش الإسرائيلي
خارج الخدمة في سلاح الجو. لكن تدفق ضباط سلاح الجو اثر على
التفكير العام للجيش، وخلق جوا ميالا جدا إلى استخدام القوات
الجوية.
في حرب 2006 كان معروفا أن حالوتس يعارض الاجتياح البري إلى
لبنان. وكما قال، خطوة كهذه تنفذ فقط كخيار أخير. احتل سلاح
الجو أساس خطة الطوارئ التي أعدها الجيش الإسرائيلي لمواجهة
التصعيد على الحدود الشمالية نتيجة عملية خطف من قبل حزب الله،
لكنها كانت تتضمن أيضا استخدام القوات الخاصة داخل لبنان.
حالوتس فضل استخدام سلاح الجو، وعدم المخاطرة حتى بمهمات
للقوات الخاصة. في 19/7/2006 عندما قرر اولمرت وبيرتس إرسال
قوات خاصة إلى داخل لبنان في مسعى لمواجهة تهديد الكاتيوشا،
امتثل حالوتس للأوامر، لكن اعتقد أن إسرائيل لم تستنفد كامل
المنفعة الموجودة بالضربات الجوية فقد عارض القيام بعمليات
برية واسعة النطاق تقريبا حتى نهاية الحرب. تردده، بالإضافة
إلى ارتداع القيادة السياسية من استخدام الجيش البري، سمح لحزب
الله بمواصلة إطلاق الكاتيوشا باتجاه إسرائيل طوال الشهر. على
الرغم من الانتقادات المذكورة أعلاه، على ما يبدو أن المنظومة
الجوية كانت لتعتبر أنهانجحت لو توقف القتال بعد أيام معدودة.
إسرائيل ردت بقوة وجبت ثمناً باهظاً على استفزازات حزب الله،
مع أضرار قليلة لها. مسار العملية كان متناسبا مع اقتراح
اللواء احتياط ديفيد عبري على وزير الدفاع في الأيام الأولى
للحرب. لكن الحرب تواصلت من دون توقف، القوات البرية تورطت
بالتدرج، وصليات الكتيوشا استمرت، وأدت إلى نتيجة استراتيجية
مختلفة تماما.
فشل إضافي في إدارة الحرب من جانب إسرائيل كان إخفاق
القيادة بالاعتراف أن المعركة ضد حزب الله هي حرب، وليس فقط
عمليات انتقامية، أو نوع من الرد العسكري المحدود. الحكومة لم
تعلن عن وضع طوارئ، ولم تستخدم صلاحياتها الإدارية والقانونية
في أيام الطوارئ. حتى القيادة العسكرية لم تفهم بسرعة أنها في
خضم حرب، حيث قامت من بين بعض الأمور بعرقلة تجنيد الاحتياط
الذي كان ضروريا لعملية عسكرية واسعة. هذا الارتداع من استخدام
قوات برية ناتج أيضا من الخوف الزائد بوقوع إصابات، وهو خطأ
استراتيجي رابع. وبالفعل، اللواء اليعيزر شترن، رئيس القوى
البشرية، اشتكى بعد الحرب أن الجيش الإسرائيلي اظهر حساسية
كبيرة أمام فقدان الأرواح، وكشف حقيقة أن إحدى المعارك في
الحرب توقفت بسبب حجم الإصابات. ومثال آخر على ذلك، اللواء
احتياط يورام يئير، الذي ترأس إحدى لجان التحقيق التي أنشئت من
قبل الجيش بعد الحرب، وجه انتقادات إلى القرارات غير المرضية
الصادرة عن الجيش لانهاء مهمات عسكرية بسبب الإصابات، وأشار
إلى أن نصيحة "القتال بحذر" أعطيت في أحيان متقاربة. الارتداع
من توجيه قوات برية إلى ميدان المعركة اغلق فجوة عميقة بين
قيادة إسرائيل وشعبها. القيادة السياسية لإسرائيل مقتنعة،
وبخطأ، أن المجتمع الإسرائيلي تعب من النزاع المتواصل، وانه
غير مستعد لدفع ثمن حرب لا تتوقف. ايهود اولمرت، في منصب كنائب
رئيس الحكومة، قال في الخطاب المشهور الذي ألقاه في يوليو
العام 2005 ، "لقد تعبنا من القتال، تعبنا من أن نكون شجعانا،
ومن الانتصار، ولقد تعبنا من هزيمة أعدائنا، هذه الملاحظات
تعكس الشعور بالتعب في المستوى القيادي. حتى متخذي القرارات في
عملية أوسلو، وبشكل خاص اسحق رابين، كانوا مليئين بشعور كهذا
والنظرية الخاطئة عن المجتمع الإسرائيلي. قرار الحكومة في مايو
عام 2000 بالانسحاب من لبنان، كان تعبيرا إضافيا عن هذه
العلامة.
النظرية الخاطئة امتدت أيضا إلى المستويات العسكرية الكبيرة
جدا. في بداية العام 2004 ، أعلن رئيس الأركان حينها موشي
يعلون، أن الحلقة الضعيفة جدا في المؤسسة الأمنية التابعة
لإسرائيل كانت فقدان قوة الصمود. ومثال على ذلك أيضا، اللواء
بني غانتس، قائد المنطقة الشمالية، اعترف هناك قلقا من
الصواريخ الموجودة بحوزة حزب الله، لكن قلقا اكثر من قدرة
المجتمع الإسرائيلي على الصمود أمام ضغوط الحرب.
الحالة النفسية هذه التي سادت وسط القيادة السياسية في إسرائيل
منذ التسعينيات، أثرت على مسؤولي الجيش في الحرب الأخيرة ضد
حزب الله، والامتناع عن وقوع خسائر تحول إلى الخطة الأساسية
لأسلوب عمل الجيش الإسرائيلي. وقد ادعى رجال أكاديميون أن
إسرائيل، كما ديمقراطيات غربية أخرى، تجد صعوبة في خوض حرب
بسبب الامتناع عن وقوع خسائر. عمليا، تظهرأبحاث كثيرة أن كره
وقوع خسائر لا يميز ما يسيطر على الجمهور العام في أمريكا، على
العكس، القيادة السياسية الأميركية تستطيع التوجه إلى مخزون
كبير من الدعم في معارك عسكرية مرتبطة بأثمان عالية في
الأرواح، لكن بشرط أن يكون لهذه المعارك فرص النجاح. الجمهور
الأميركي لا يكره الخسائر لكن يكره الهزيمة. اكثر من ذلك،
الخسائر الكبيرة والمتزايدة تكون محمولة. هذا الأمر واضح وجلي
للعين حتى في إسرائيل. صحيح أن الحاجة لمنع وقوع خسائر مفهوم،
لكن المجتمع الإسرائيلي اظهرقدرة صمود كبيرة خلال الحرب.
المجتمع الإسرائيلي عاد واظهرقدرة صمود عالية حتى في حروب
الاستنزاف، .
وبشكل خاص في المعركة التي بادر إليها الفلسطينيون في سبتمبر
2000 في حقيقة الأمر، اختلف الجمهور الإسرائيلي في الاستطلاع
الذي جرى في الفترة الأخيرة على مقولة أن الإرهاب الفلسطيني
سيحطم المجتمع الإسرائيلي، لأنه شعر في صيف 2006 بالأخذ
بالحسبان التهديد الواضح الذي مثله حزب الله، كان دعم الجمهور
حماسيا وأيد بشكل واسع العمليات الهجومية، حتى عندما كان لا
مفر من وقوع خسائر في الجيش. العمق الإسرائيلي اظهرالحزم
والاستعداد لتحمل ضيم المعارك. الأغلبية الساحقة من
الإسرائيليين قدمت دعما كاملا خلال الحرب. فقد أرادوا الانتصار
القاطع، وكانوا مستعدين لدفع ثمن باهظ مقابل ، بمن فيهم الذين
عاشوا في الملاجئ. حتى الاهالي الذين خسروا أبناءهم في الحرب
أيدوا توسيع العمليات. كذلك أيضا، على الرغم من النظرية
المقبولة بان الجيش الإسرائيلي لم ينجح كثيرا في الحرب بلبنان،
لم يحدث أي انخفاض في معنويات المجندين الجدد للخدمة في
الوحدات القتالية. العميد ناسيم بردا، رئيس قسم التخطيط في
شعبة القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي، قال في نوفمبر 2006 ،
لم يكن هناك أي انخفاض، وبشكل عام حصل ارتفاع معين. حسب كلام
بردا فقد فضل المجندون الخدمة في الوحدات التي عانت من خسائر.
من الناحية الاستراتيجية، ارتداع إسرائيل عن إدخال قوات إلى
ميدان المعركة كان خطوة مضرة، لأنها تشير إلى ضعف. النظرية
التي سادت في أنحاء العالم العربي، بان المجتمع الإسرائيلي
حساس بصورة متطرفة أمام الخسائر البشرية، سببت بشن هجمات، فقد
كانت النظرية التي حركت الفلسطينيين للبدء بمعركة "الإرهاب" ضد
إسرائيل في سبتمبر 2000 هذه الرؤية هي أيضا القاعدة لنظرية
"بيت العنكبوت" فيما يتعلق بإسرائيل، التي نشرها السيد حسن نصر
الله زعيم حزب الله، أي بمعنى، الحرص الذي وضعت إسرائيل على
قيمة الحياة البشرية وكذلك قيم الغرب التبجحية، أضعفوها
وحولوها وعرضوها للضرر. الخوف من وقوع خسائر وسط الجنود،
والتردد الناتج عن ذلك من قبل القيادة في إسرائيل للقيام
بعمليات عسكرية، شكلا خرقا للرؤية الاجتماعية الأساسية التي
قامت عليها دولة إسرائيل. وفقا للرؤية الاجتماعية، يتنازل
المدنيون عن جزء من حريتهم ومستعدون لدفع ضريبة مقابل التزام
الدولة بمنحهم الأمن. الدولة هي المؤسسة الاجتماعية، التي جدوى
وجودها هو منح الناس الأمن عبر استخدام أجهزة فرض القانون، مثل
الشرطة والجيش. المنطق الصهيوني ارتكز على السعي إلى وضع حد
لعدم مقدرة يهود الشتات، بإقامة دولة يهودية يكون دورها
الأساسي الدفاع عن مواطنيها اليهود، وإذا دعت الحاجة بالقوة.
لقد كنا في الفترة الأخيرة شهودا على تحول لا يصدق للمنطق
الصهيوني والسياسي، يوجد اليوم تحمل اكبر بكثير اتجاه وقوع
خسائر مدنية من وقوع خسائر وسط الجنود. ليس دائما الدفاع التام
وهدف واقعي، لكن يبدو أن الدولة اليهودية تجد صعوبة بالقيام
بدورها الأساسي، بمنح الأمن لمواطنيها. حتى المساعي العلنية
لإسرائيل لتهدئة سوريا خلال الحرب لم تكن مفهومة، وشكلت الخطأ
الاستراتيجي الخامس من قبلها. قادة إسرائيل أعلنوا تكرارا ان
لا نية لإسرائيل لتوسيع عملياتها العسكرية اتجاه سوريا. على
سبيل المثال فقد قال رئيس الحكومة اولمرت، أن سوريا هي خارج
إطار العمليات العسكرية.
وزير الدفاع بيرتس قال للصحافة وللمجلس الوزاري المصغر ان لا
يوجد لإسرائيل أي نية لتوسيع الحرب وشمل سوريا فيها. حتى ان
بعد ذلك دعا إلى استئناف مفاوضات السلام مع سوريا. اللواء غادي
آيزنكوت، رئيس شعبة العمليات في الأركان العامة، أشار بان "حزب
الله أطلق علينا صواريخ سورية"، لكن أكد أن الجيش الإسرائيلي
لا يدرس مهاجمة سوريا. بدل الضغط على دمشق لوقف إرسال شحنات
الأسلحة إلى حزب الله، السلاح الذي تسبب بأضرار كبيرة في
إسرائيل ومكن منظمة صغيرة من معارضة الحكومة المركزية في
لبنان، خرج قادة إسرائيل عن طورهم للإيحاء لسوريا أن دمشق
تستطيع مواصلة سفك دماء إسرائيل عبر مندوبين، من اشعارها أنها
مضطرة لدفع ثمن على تصرفاتها الهجومية. في تصريحاتها
الاسترضائية، وفرت إسرائيل على السوريين الحاجة إلى التفكير
بما ستكون نتائج سياساتهم الهجومية اتجاه إسرائيل. المخاوف من
التصعيد خيمت على الاعتبارات الاستراتيجية لحكومة إسرائيل في
صيف 2006 اولمرت رفض الاقتراح الذي قدم الى اللواء احتياط مئير
دغان، رئيس الموساد، في اليوم الأول على الحرب، بإضافة أهداف
سورية على لائحة سوريا في المعادلة.
الأهداف التي أعدها سلاح الجو، اولمرت ونظرائه تجاهلوا حقيقة
انه في السابق، كان التصعيد أداة ناجعة بالزام خصوم إسرائيل
باتفاقات وفقا لشروطها. القيادة الإسرائيلية كانت تستطيع
محاكاة القيادة التركية في أكتوبر 1998، حيث كان كافياً توجيه
تحذير نهائي من قبل أنقرة وإصرارها الحازم باستخدام قوات كبيرة
ضد سوريا، الأمر الذي فرض على حافظ الأسد وقف الدعم السوري
المتواصل للمنظمة الكردية الـ "بي بي كي" للأسف الشديد،
القيادة الإسرائيلية لم تتعلم من السابقة التركية، وتقطع
المساعدة السورية لحزب الله.
تفويت الفرصة من قبل إسرائيل كان كبيرا لان الظروف الدولية في
العام 2006 جعلت سوريا عرضة للضغط العسكري. علاقاتها مع
أمريكا، والقوى العظمى المسيطرة في العالم كانت متزعزعة. يضاف
إلى دعم حزب الله، استمرار دمشق في إيواء قيادة حماس والجهاد
الإسلامي، على الرغم من انه في السابق تعهدت للولايات المتحدة
بإغلاق مكاتبهم. سوريا عرقلت المحاولات الأميركية والفرنسية
لإعادة قوة لبنان، بشكل خاص بعد مقتل رئيس الحكومة رفيق
الحريري في فبراير 2005 كانت واشنطن تعلم جيدا أن نظام بشار
الأسد سمح بتسلل المقاتلين من أراضيه إلى العراق، والرئيس بوش
أوضح ان يرى بسوريا المسؤولة عن الأزمة في صيف 2006 في اجتماع
الرباعية في روسيا في السابع عشر من شهر يوليو 2006 ، مكبر
الصوت الذي بقي مفتوحا التقطه بوش وهو يقول ما يمكن أن يؤثر
على سوريا. حتى أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك توصل إلى استنتاج
انه لا يوجد سبب للدخول في محادثات مع سوريا، وان موقف بلاده
متماثل مع أمريكا. في العالم الغربي ظهرشعور معاد لحزب الله،
وتم الإعراب أيضا عن الغضب اتجاه حزب الله وعلى حلفائه ، سوريا
وإيران، بالامتناع عن مهاجمة أهداف سورية، فوتت إسرائيل الفرصة
المحتملة لضرب منظومة الصواريخ السورية طويلة المدى التي تشكل
تهديداً على أغلبية أراضي إسرائيل، والتي من المحتمل أن تسبب،
كاحتمال، أضرار كبيرة. سوريا كانت ضعيفة من الناحية العسكرية،
ولم تكن قادرة على مواجهة إسرائيل في حرب تقليدية. يضاف إلى
ذلك، كما ظهرفي لبنان، وجود القدرة لسلاح الجو الإسرائيلي على
إسكات الصواريخ بعيدة المدى (بخلاف الكاتيوشا قصيرة المدى).
المخاطر المتعلقة بالتصعيد الإقليمي كانت قليلة. لم تكن إيران
في وضع تستطيع معه التدخل مباشرة. اكثر من ذلك، فقد حاولت كسب
الوقت من اجل إكمال مشروعها النووي، ولا يفترض أن ترتكب خطأ
لتعجيل الإجراءات الدولية التي تهدف إلى وقف تطلعها النووي.
سوريا هي مركز الثقل الاستراتيجي في المواجهة ضد حزب الله.
معركة ناجحة ضد سوريا يمكن أن تضعف حزب الله، وربما في أعقاب
ذلك أيضا تعزيز حكومة السنيورة. عملية عسكرية ضد سوريا كان
يمكن أن تلمح بوضوح إلى إصرار إسرائيل على مواجهة تهديدات
الإرهاب ومندوبي إيران، وتعزيز قوة الردع الإسرائيلية. معركة
كهذه كانت تضعف أيضا التأثير الإيراني في المنطقة. كذلك أيضا،
كانت تضر بقدرة إيران على الانتقام في حال ضرب منشآتها
النووية.
ولا يقل أهمية عن ذلك، معركة كهذه تستخدم عبرة لكل المتطرفين
الذي يعتقدون أن الإرهاب يفيد ضد قوى متفوقة من الناحية
العسكرية. عمليا، الفلسطينيون، الذين تأثروا كثيرا من نجاحات
حزب الله في السابق، كانوا يقيسون أهدافهم وفقا لذلك. وفي
النهاية، كانت أمريكا راضية برؤية حليفتها الإقليمية توجه ضربة
خاطفة إلى دمشق.
|