|
"العمليات الاستشهادية"
تراكم للقوة أم تعطيل للتسوية ؟
د.طلال عتريسي
تزامن تصاعد العمليات الاستشهادية في فلسطين مع الهجمات التي
حصلت في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 على واشنطن ونيويورك.
والمقصود من الإشارة إلى هذا التزامن هو الحرب التي شنتها
الإدارة الأميركية على ما سمته "الإرهاب العالمي" وعلى كل من
يؤويه أو يقدم له العون أو يمد له يد المساعدة. وهي الفرصة
التي سنحت لرئيس الحكومة الإسرائيلية آرييل شارون، والتقطها
مباشرة، فجعل حربه ضد الانتفاضة حربا ضد الإرهاب، واعتبر
الرئيس الفلسطيني بمثابة "ابن لادن" ينبغي القضاء عليه والتخلص
منه.
هذا التزامن جعل الانتفاضة وعملياتها الاستشهادية تحديدا موضع
اتهام بالإرهاب، يمكن تسويقه دوليا في ظل حملة أميركية إعلامية
وسياسية وأمنية لا سابق لها ضد إرهاب غير محدد المعالم، يدمج
بين المنظمات الخيرية والإنسانية وبين حركات المقاومة، وبين
الإرهاب نفسه، وخصوصا في البلاد الإسلامية. وفي ظل تراجع دولي
أمام هذه الحملة، وتعاون واسع مع الولايات المتحدة تارة من
خلال المعلومات الأمنية أو مراقبة تحويل الأموال، أو الأشخاص
أو المشاركة في التعبئة الإعلامية، أو في العمليات العسكرية
كما حصل في أفغانستان أو في بعض البلدان العربية والإسلامية
لاعتقال أو لاغتيال من ينتمون إلى "تنظيمات إرهابية" مثل تنظيم
القاعدة…
لم يكن ما يجري في فلسطين بعيدا عن تلك التغيرات الكبرى التي
تحصل من حولها وفي العالم. وخصوصا أن المواجهة تدور على أرض
المعركة وليس حول طاولة التفاوض، مما دفع البعض إلى الاعتقاد
بضرورة وقف أو تجميد ما يمكن أن يساهم في اتهام الانتفاضة
بالإرهاب مثل العمليات الاستشهادية، إن لم يكن وقف الانتفاضة
أصلا، انسجاما مع الانكفاء العربي والدولي أمام الهجمة
الأميركية على العالم، ومنعا لرئيس الحكومة الإسرائيلية من
توظيف هذه العمليات في حربه ضد الشعب الفلسطيني تحت شعار
الإرهاب الذي اجتمع العالم ضده خلف الولايات المتحدة
الأميركية.
ساهم في شيوع هذا الاعتقاد فلسطينيا وعربيا ودعوة البعض إليه،
مجموعة من المتغيرات السياسية والميدانية في داخل فلسطين ومن
حولها وفي العالم :
أ-
فقد حققت الولايات المتحدة "انتصارا" على نظام طالبان وأسقطته،
ما جعل هذا النظام والحرب التي خيضت ضده نموذجا وتهديدا لما
يمكن أن يتعرض له من تنطبق عليه صفة الإرهاب.
ب-
مارست الولايات المتحدة في هذا المناخ "الانتصاري" ضغوطا شديدة
في جميع الاتجاهات من أجل:
-
وقف العمليات الاستشهادية وعدم تسميتها بالاستشهادية تحديدا.
وقد استجابت بعض وسائل الإعلام لهذه الضغوط فأصبح يستخدم تارة
"عمليات فدائية" وطورا "عمليات انتحارية".. كما تم ربط هذه
الدعوة إلى وقف الانتفاضة وعملياتها بالضبط الأمني الذي هو
واجب السلطة الفلسطينية والذي يفترض أن يسبق أي تفاوض سياسي
بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين".
-
"إصلاح السلطة الفلسطينية". وهذه الذريعة التي استخدمت لدعوة
هذه السلطة إلى توحيد أجهزتها الأمنية وإلى السيطرة على منفذي
العمليات الاستشهادية.
-
إقالة الرئيس الفلسطيني أو انسحابه من قيادة السلطة
الفلسطينية، بعد اتهامه بالتواطؤ مع بعض الجماعات التي تنفذ
تلك العمليات أو بالعجز عن منعها من القيام بذلك.
ج-
تراجع التأييد العربي الرسمي للانتفاضة، وانصراف الإعلام
العربي عنها وهدوء "الشارع العربي" تجاهها. بعدما كان الأمر
خلاف ذلك في السنة الأولى لاندلاعها. حتى أن الرئيس الفلسطيني
شعر بعزلة غير مسبوقة ولم يتلق تقريبا أي اتصال (كما قال
المقربون منه) من أي زعيم عربي، أثناء حصار الإسرائيليين له في
مقر السلطة الفلسطينية في رام الله.
ح-
المبادرة العربية التي تبنتها القمة العربية التي عقدت في
بيروت في آذار 2002، وفيها دعوة إلى التطبيع مع "إسرائيل" إذا
نفذت قرار الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران. وقد جاءت هذه
المبادرة في ذروة عمليات المواجهة البطولية والعمليات
الاستشهادية ضد محاولات جنود الاحتلال اقتحام المدن والبلدات
الفلسطينية.
خ-
الحشد الأميركي الإعلامي والسياسي والنفسي، ولاحقا العسكري ضد
العراق. الذي حوّل الاهتمام العربي والدولي إلى تلك الحرب
المتوقعة، ومحاولة تجنبها، في حين تحولت فلسطين وما يجري فيها
إلى قضية ثانوية.
د-
تصاعد العنف "الإسرائيلي" وعمليات الهدم والتدمير. فقد اعتمدت
الحكومة "الإسرائيلية" سياسة "الثمن الباهظ" التي على
الفلسطينيين أن يدفعوه مقابل استمرارهم في العمليات
الاستشهادية، كما اعتمدت في الوقت نفسه التركيز على مسؤولية
رئيس السلطة الفلسطينية عن وقف هذه العمليات. ما يؤكد صحة
المعركة التي يخوضها رئيس الحكومة آرييل شارون ضده من اجل
استبعاده أو استبداله.
وهكذا، نفذت "إسرائيل" مجموعة إجراءات ميدانية وعسكرية وأمنية
في إطار ردع الفلسطينيين ومحاولة منعهم من الشعور بالتفوق في
هذه المعركة. فقامت بسلسلة من عمليات الاغتيال المكشوفة لأكثر
من قائد وناشط من مختلف التنظيمات الفلسطينية بحجة إعدادهم
لتنفيذ "عمليات استشهادية". كما دمرت بيوت الاستشهاديين وبيوت
عائلاتهم. ثم عهدت إلى بناء السور الواقي لفصل الفلسطينيين
ومراقبة أي عملية يمكن أن يقوموا بها. إلا أن الأبرز في ما
اتخذ من إجراءات هو التدمير المتعمد لمقر رئيس السلطة
الفلسطينية ومؤسساتها الأمنية والمدنية، والحصار السياسي
والعسكري الذي تعرض له شخصيا، وترافق ذلك مع استمرار الضغوط من
أجل تنفيذ "الشق الأمني" قبل البحث في "الشق السياسي". ومن أجل
"إصلاح السلطة الفلسطينية" وإقصاء الرئيس الفلسطيني... أو نزع
الصلاحيات من يديه. ولم تتقدم في تلك الفترة المفاوضات
الفلسطينية "الإسرائيلية"، أي خطوة جدية إلى الأمام، باستثناء
بعض اللقاءات الأمنية بين الجانبين، ما دفع البعض إلى التشكيك
باستمرار "اتفاق أوسلو" على قيد الحياة، وبرغبة آرييل شارون في
التخلص من هذا الاتفاق بالقضم التدريجي له.
المهم أن وتيرة "الردع" السياسي والأمني والعسكري الإسرائيلي،
وما رافقها من اجتياح متكرر لأكثر من بلدة ومخيم ومن مواجهات
ومجازر وما أصاب السلطة الفلسطينية من تراجع في هيبتها ودورها
ومن تدمير للمؤسسات التي بنتها طيلة السنوات السابقة بعد
"أوسلو"، بالإضافة إلى الضغوط الدولية الهائلة على "الإرهاب" ،
والبرودة التي أصابت الشارع العربي تجاه الانتفاضة، وتراجع
الدعم العربي الرسمي لها.. كان هو السبب الذي جعل الانتفاضة
عموما والعمليات الاستشهادية خصوصا موضع تشكيك وتساؤل حول جدوى
استمرارها وحول المكاسب التي حققتها مقابل الأثمان التي
دفعتها..
هكذا يمكن أن نلاحظ ثلاثة اتجاهات في النقاش الفلسطيني والعربي
حول العمليات الاستشهادية وجدواها بالنسبة إلى الانتفاضة وإلى
النضال الفلسطيني عموما، أو بالنسبة إلى العدو وإنزال الخسائر
به.
الاتجاه الأول:
يذهب إلى الاستنتاج بأن العمليات الاستشهادية أساءت إلى
الانتفاضة للأسباب التالية:
-
لأنها حولت الانتفاضة من انتفاضة شعبية سلمية إلى عمل عسكري
محترف. ما أفقدها إلى التعاطف معها وأدخلها في إطار "الإرهاب".
كما أن ميزان القوى أصلا في المواجهة العسكرية ليس في مصلحة
الفلسطينيين.
-
لأن قتل المدنيين في تلك العملية أساء إلى صورة الانتفاضة
دوليا. وهذا ما لا يمكن الدفاع عنه أو تبريره، أمام الرأي
العام العالمي.
-
لأنها سمحت لشارون بتدمير كل ما بنته السلطة الفلسطينية من
مؤسسات، وبإضعاف نفوذ الرئيس عرفات وسيطرته على هذه السلطة..
-
لأنها عززت تيار اليمين في "إسرائيل"، وأضعفت "معسكر السلام" ،
ووحدت "المجتمع الإسرائيلي" خلافا للانتفاضة الأولى.
-
لأن الكفاح المسلح لا يمكن أن يكون بديلا عن الدبلوماسية
الدولية في ظل موازين القوى الراهنة.
-
لأن عمليات من هذا النوع لا يمكن أن ينفرد بقرار تنفيذها تنظيم
أو جماعة، لتأثيراتها الواسعة الاقتصادية، الاجتماعية،
والسياسية على مجمل الوضع الفلسطيني.
-
لأنه من المستحيل تحرير الأرض بالانتصار العسكري، وأن المقارنة
مع تجربة "حزب الله" في لبنان لا تتناسب مع خصائص الساحة
الفلسطينية ( طبيعة الاحتلال وطبيعة الدعم الإقليمي)، ولذلك
يستنتج أصحاب هذا الاتجاه ، ضرورة وقف العمليات الاستشهادية.
الاتجاه الثاني:
يدعو أصحاب هذا الاتجاه إلى "ترشيد" تلك العمليات من خلال:
-
عدم حصولها في داخل ما يسمى "الخط الأخضر".
-
توقيتها مع إيقاع المفاوضات السياسية بحيث يتم اللجوء إليها
إذا تشدد العدو في تلك المفاوضات. حتى لا تخدم سياسية شارون أو
تطيل عمره السياسي.
-
ربطها بتحقيق مكاسب محدودة( إطلاق سجناء، إيقاف هدم المنازل،
إلغاء مستوطنات).. حتى لو أدى ذلك إلى تفاهمات معينة مع العدو
أو بإشراف دولي، فإن ذلك سيحد من قدرة العدو على التنكيل
والانتقام من جهة، وسيكرس شرعية هذه العمليات من جهة ثانية(
على غرار اتفاق نيسان 1996 مع سوريا ولبنان وفرنسا وأميركا
بشأن المقاومة في جنوب لبنان).
-
حصرها ضد الجنود والمستوطنات، ما يخفف الضغوط الدولية التي
تنجم عن قتل المدنيين ويسقط ذارئع الاتهام بالإرهاب.
الاتجاه الثالث:
يدعو هذا الاتجاه بالتمسك باستمرار العمليات الاستشهادية.
لأنها السلاح الذي لا يستطيع العدو مواجهته، من هنا:
-
لا ضرورة لربط استمرار العمليات بأي مفاوضات سياسية أو غير
سياسية.
-
لا فرق في تنفيذ العمليات بين أراضي عام 1948 "الخط الأخضر"
وبين باقي أراضي فلسطين.
-
لا أهمية لتهمة الإرهاب التي تطلقها الولايات المتحدة وحكومة
العدو، فمثل هذه التهمة ستطلق ضد أي نوع من المقاومة يخوضه
الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال.
-
لا ينبغي المبالغة في الاعتماد على الرأي العام الدولي.
-
لا يمكن الفصل بين مدنيين وغير مدنيين في "إسرائيل"، فهو مجتمع
قائم على الاحتلال وعلى الاحتياط في وقت واحد. كما أن الجيش
"الإسرائيلي" لا يفرق في المجازر التي يرتكبها بين مدنيين وغير
مدنيين من الفلسطينيين.
-
ضرورة الاستمرار في إيقاع أكبر الخسائر في صفوف "الإسرائيليين"
عموما، وإشاعة الخوف وعدم الأمن في حياتهم اليومية وإثبات فشل
الأجهزة الأمنية، وعجزها عن كسر إرادة الشعب الفلسطيني.
-
لا مخاوف على تدمير مؤسسات السلطة الفلسطينية، لأنها ليست هي
هدف النضال الفلسطيني، والمفروض أن تكون هذه المؤسسات في خدمة
هذا النضال وليس عقبة أمامه أو هدفا له، في هذه المرحلة.
-
هذه العمليات حققت "توازن العرب" الذي يستند إلى رفع كلفة
الاحتلال، واستنزاف العدو، وعدم قدرته على التحمل طويلا.
-
حولت هذه العمليات المستوطنين عبئا على أمن الدولة بدل أن
يكونوا حماية لهذا الأمن.
-
إن عدم القيام بعمليات، وتبريد ساحة القتال، يشجع الاحتلال على
الاستقواء وعلى تصعيد العنف والاغتيال، كما حصل أكثر من مرة.
ومهما قيل بشأن التقاطع أو التعارض بين وجهات النظر والتحليلات
التي سبقت الإشارة إليها، فإن ذلك لا يمنع من الاعتراف بوجود
روتيني للانتفاضة عموما وللعمليات الاستشهادية خصوصا. واحدة
تريدها في خدمة استراتيجية التفاوض، ( رؤية السلطة الفلسطينية
ومن يؤيدها) وواحدة تريدها ضمن استراتيجية إنهاك العدو
واستمرار المقاومة ضده.
ولا تفوتنا هنا ملاحظة أن العمليات الاستشهادية أصبحت في
الأشهر الأخيرة الوسيلة شبه الوحيدة للانتفاضة التي تمارس من
خلالها ترويع العدو والانتقام من عمليات الاغتيال والتدمير
التي يقوم بها الاحتلال. وتراجعت كل أشكال الانتفاضة الأخرى،
من التظاهر إلى رشق الحجارة إلى العصيان والإضراب وسواها.
كما ينبغي الإقرار في الوقت نفسه بأن الانتفاضة وعملياتها لم
تكن هي المسؤولة أساسا عن توقف المفاوضات أو تعطيلها، فقد وصلت
هذه الأخيرة إلى طريق مسدود في نهاية ولاية كلينتون ومع حكومة
باراك في كامب دايفيد2، إلا أن العمليات الاستشهادية تحديدا
تجاوزت في مراحل كثيرة استراتيجية استخدامها وسيلة للتفاوض أو
للعودة إليه، كما كانت تريدها السلطة الفلسطينية التي تعرضت
بسبب عدم قيامها بالدور الأمني المطلوب "إسرائيليا" (منع
العمليات أو اعتقال منفذيها) إلى تقويض فعلي جعل سلطة رئيسها
التاريخية موضع رفض واتهام ، كما جعل مؤسساتها الأمنية
والاقتصادية والدستورية عرضة للتدخل المباشر من جانب قوى
خارجية لإعادة "ضبطها وهيكلتها"..
وإذا كان التضاد بين الاستراتيجيتين ( استراتيجية الإنهاك
واستراتيجية التفاوض) وصل في مراحل معينة إلى حد التصادم بين
أطرافه بحيث كان على الواحد منهما أن يخلي الساحة للآخر أو يزج
به في السجون.. إلا ان هذا التصادم لم يؤد إلى اقتتال داخلي.
ولم ينزلق الفلسطينيون إلى مثل ذلك كما توقعت أو أرادت
المؤسسات الأمنية والسياسة "الإسرائيلية". كما كشفت الانتفاضة
قدرتها على الاستمرار في ظل أوضاع إقليمية ودولية غير مؤاتية
وفي ظل هجوم أميركي محموم على "الإرهاب"، حجم التضحيات التي
استطاع الشعب الفلسطيني أن يتحملها وحجم الصمود الذي تمسك به.
هل يمكن القول في ظل ما أسلفنا، وبعد عرض الاتجاهات الفلسطينية
والعربية من الانتفاضة ومن عملياتها الاستشهادية، أن هذه
العمليات حققت فعلا "توازن رعب" مع قوة العدو وآلته العسكرية،
وأنها حلقة إضافية من حلقات النضال الفلسطيني الذي يتراكم عبر
الأجيال والسنين، أم أن هذه العمليات وصلت بدورها إلى طريق
مسدود مثل ما حصل مع المفاوضات، وأنها أضاعت على السلطة
الفلسطينية ما حققته من مكاسب ومن فرص لاسترجاع المزيد من
الأرض، ولمزيد من تثبيت مؤسساتها ووجودها؟
لا يختلف الإسرائيليون على قراءة الانتفاضة وعملياتها
الاستشهادية وعلى الآثار السلبية التي خلفتها عليهم. فثمة
إجماع عام على استحالة تدمير "البنية التحتية للإرهاب" على
الرغم من السور الواقي ومن كل الإجراءات الأمنية التي نفذت
طوال سنتين، بما فيها عمليات الاغتيال وتدمير المنازل واجتياح
المدن والمخيمات. فهاهو على سبيل المثال ( شاي فيلدمان –
المصدر الاستراتيجي 1/9/2002) يقترح أربع استراتيجيات "لكبح
جماح العنف". منها:
-
إعادة احتلال الضفة الغربية وغزة، وسحق السلطة الفلسطينية.
-
تنفيذ سياسة الفصل بين السكان.
-
استئناف الجهود الدبلوماسية، استنادا إلى صمود "إسرائيل" الذي
سيدفع الفلسطينيين إلى وقف العنف.
-
الشروع في محادثات مع دول عربية مركزية لإمكانية التوصل إلى
"حل إقليمي للنزاع" بروح المبادرة السعودية.
وبعدما يعرض الكاتب صعوبات تحقيق الاستراتيجيات الثلاث الأولى،
يرى في الأخيرة فرصة أفضل للتحقق شرط عدم تأييد الزعماء العرب
لكل مطلب فلسطيني ( وربما استطعنا أن نضيف بأن هذه
الاستراتيجية ستكون أكثر واقعية ولها حظوظ أكبر من النجاح إذا
نفذت الحرب الأميركية على العراق وما يحتمل أن يعقبها من ترتيب
لتسوية جديدة بشروط أميركية-إسرائيلية).
المهم أن الكاتب يعترف بالعجز عن إدارة الصراع مع الفلسطينيين
بواسطة القوة أو إعادة الاحتلال.
أما مارتن فان كرفيلد، أستاذ الدراسات العسكرية في كلية
التاريخ في الجامعة العبرية، فيقول في 8/3/2002 ما خلاصته: أن
صراعنا مع الفلسطينيين صراع خاسر منذ الانتفاضة الأولى، وهذا
الصراع سيؤدي إلى نهايتنا ، وإننا منذ لبنان في تراجع مستمر من
سيئ إلى أسوأ، ومن فشل إلى فشل. ويضيف "إذا ما استمر الوضع على
ما هو عليه فإن دولة "إسرائيل" ستتفكك، وأن الحل الوحيد-
بالنسبة إليه- هو سور كسور برلين بين "الإسرائيليين"
والفلسطينيين.
وتلتقي في الذكرى الثانية للانتفاضة، آراء المعلقين والمفكرين
والعسكريين في "إسرائيل" على "أن العمليات الاستشهادية ساهمت
بشكل كبير في تدمير الأمن الشخصي في كل مكان.. وفي صبغ الدولة
العبرية بالخوف.. وفي إعادة التوازن إلى ميزان الثقل بين
الجانبين".. ويشير الجنرال رؤوفين فيدهستور، وهو ضابط كبير
سابق في سلاح الجو الصهيوني "إلى أن أكبر تحدٍ يواجه دولته هو
فقدان الجمهور القدرة على تحمل الضغط الأمني.. وعلى تحمل حرب
استنزاف متواصلة على هذا النحو..".
وما هو أكثر أهمية من الاعتراف بصعوبة القضاء على الانتفاضة،
ما يتردد في اوساط الجنود وأهاليهم من أسئلة حول "معنى ما نقوم
به، ولماذا نموت؟" وحول الإحباط والقلق، والخوف، و"كم من
الممكن أن نستمر على هذا النحو ؟
تقول أستير فاكسمان (والدة أحد الجنود القتلى) في جيروزاليم
بوست (30/4/2001) " ما الذي نفعله هنا ؟ هل هناك مكان آمن في
هذه الدولة؟ ما الذي حدث لجنودنا الخائفين.. إنني لا أعرف
السبب الذي نموت من أجله، ولم أعد أثق بقادتنا وأخشى على
أولادي..".
ويقول ديفيد فورمان وهو حاخام من القدس:" الخوف يلف نهاري
والكوابيس تقتل ليلي، ولست أرى نهاية لذلك. نعم إنني أفقد
الأمل، إنهم يضربوننا بقنابل مدمرة، ونحن نرد الضربات بهجمات
قوية، ولا توجد نهاية لذلك".
ويعترف آساف بيليد في يديعوت أحرونوت (5/6/2001) بأنه "ليس
سهلا أن تكون إسرائيليا في أيام مليئة بالعمليات، وليس هناك
مكالمة هاتفية أو لقاء بين أصدقاء لا تبدأ بأسئلة ماذا سيحدث،
وكم من الممكن أن نستمر على هذا النحو.. وفي الكثير من
اللقاءات الشخصية ثار مؤخرا الجدل حول ما إذا كان يجب مغارد ة
البلاد أو البقاء.."
"ومواقع الانترنت تدل على الارتفاع في طلبات الهجرة إلى
نيوزيلاندا واستراليا وكندا.. وفي السنة والنصف الأخيرتين أكثر
الإسرائيليون من البحث عن جذورهم وهو يتوجهون إلى سفارات دولهم
الأصلية لطلب الجنسية".. (يديعوت أحرونوت 17/3/2002).
.." نحن نعيش في ظل الخوف من العملية التالية ومن الكارثة
التالية التي ستحل بالدولة".. يقول شيرلي غولان وأفرات ميلز في
يديعوت أحرونوت (30/5/2001).
وتتكرر هذه الأسئلة والمخاوف في الصحف العبرية، وتتقاطع جميعها
عند العجز عن إيجاد حل لما يحصل.
ما يهمنا من إيراد هذه الاستشهادات لمعلقين وباحثين وجنود
وسواهم، الإشارة أولا إلى "الإجماع" الإسرائيلي على ما فعلته
العمليات الاستشهادية بهم. وعلى ما أدت إليه من فقدان الثقة
بالجيش والحكومة وبالعيش الآمن في أي مكان يذهبون إليه، ودلالة
هذه الأحاسيس ومخاطرها على "الأمن الإسرائيلي" في إطار الصراع
المفتوح والدامي على أرض فلسطين، ليس لحظة تشكلها فقط، وإنما
ما سيحصل بسبب تراكمها. أي انعكاس الشعور بفقدان الأمن وبالعجز
عن إيجاد حل للصراع، وبالتفكير في مغادرة البلاد... على مستقبل
الدولة نفسها وعلى مستقبل الصراعات التي ستخوضها وعلى تراجع ما
يمكن أن نسميه " قوة الردع الاجتماعي" أو "قوة التماسك
الاجتماعي" فيها. وما يهمنا ثانيا من استعادة هذه النماذج من
مخاوف الإسرائيليين هو مستوى آخر من قوة الردع، هو قوة الردع
العسكرية المباشرة.
فهذه القوة أيضا في حال من التراجع أو "الأفول" كما يسميها "
أهارون ليفران"، الجنرال الذي شغل منصبا رفيعا في هيئة
الاستخبارات العسكرية "الإسرائيلية"، في دراسته التي وضعها في
شهر آذار/مارس 2001.
أما مبرر القول بتراجع "قدرة الردع" هذه فيعود إلى أن تعريف
الردع الذي هو " القدرة على ثني العدو عن القيام بأعمال
عدائية، عن طريق توجيه رسالة إليه مؤداها أن مثل هذه الأعمال
لن تكون مجدية" لم يعد ممكنا بالنسبة إلى "الحروب المصغرة"
التي خاضتها "إسرائيل" منذ عام 1982 إلى اليوم، خصوصا وأن
الردع من ناحية عملية هو القدرة على الحسم والانتصار في
الحرب... وبدون هذه القدرة لا معنى للدرع". وقد تحقق
الإسرائيليون من هذه القدرة وأثبتوا امتلاكها في حروبهم
التقليدية التي خاضوها مع الجيوش العربية، قياسا إلى تفوقهم في
كل عناصر الردع من السلاح إلى الإعداد إلى المفاجأة في شن
الحرب.. لكن هذه القدرة لم تبقَ على حالها منذ حرب تشرين عام
1973 وما أعقبها من حروب استنزاف، وصولا إلى اجتياح لبنان عام
1982، والمقاومة التي تعرض لها جيش الاحتلال الإسرائيلي،
واضطراره إلى الانسحاب على مرحلتين، عام 1985 وعام 2000، مرورا
بالانتفاضة الأولى عام 1987، ووصولا إلى الانتفاضة الثانية في
نهاية أيلول 2000. وفي كل هذه الحروب المصغّرة ظهر بشكل متدرج
التراجع في "قدرة الردع الإسرائيلية"، علما بأن هذه القدرة هي
كما يراها المحللون العسكريون "المدماك الأهم والأعلى في نظرية
الأمن الإسرائيلية"، ليس فقط لأسباب سياسية واستراتيجية، بل
ولأسباب ديموغرافية وجغرافية واقتصادية أيضا، لا تستطيع
"إسرائيل" أن تعوض التفاوت فيها مع العرب إلا بقدرة ردع عالية
وبحرب خاطفة وقصيرة الأجل، تمنع العرب من الاستفادة من تلك
العوامل لمصلحتهم في أي حرب.
إن استدراج "إسرائيل" أو تورطها في "حروب مصغرة" تعجز فيها عن
استخدام طاقتها القصوى من السلاح، خلافا للحروب التقليدية بين
الجيوش، هو العامل الأبرز في تآكل قوة الردع التي اطمأن
"الإسرائيليون" إلى امتلاكها ورفضوا التخلي عنها (السلاح
النووي) منذ تأسيس الكيان. فقد عجزوا عن إيقاف الانتفاضة
الأولى التي استمرت نحو سبع سنوات على الرغم من سياسة "تكسير
عظام" الأطفال الذين شاركوا فيها. وعجزوا قبل ذلك عن البقاء في
لبنان بعد اجتياحه عام 1982 فاضطروا إلى الانسحاب في مرحلة
أولى عام 1985 من معظم الأراضي اللبنانية، وحافظوا على شريط في
جنوبه تحميه مواقع لميليشيات متعاونة معهم من "جيش لبنان
الجنوبي"، ثم اضطروا إلى "انسحاب غير مشرف ومذل" من هذا الشريط
الحدودي أمام ضربات حزب الله الموجعة.. وهو كما يصفه أهارون
ليفران "مسلسل من الانتكاسات المتوالية التي تواجهها "إسرائيل"
وآلتها العسكرية على مختلف جهات الصراع العربي الإسرائيلي"..
وهذا يعني أن "إسرائيل" تفضل خوض حروب تقليدية بدلا من "حروب
مصغرة" تدفعها إلى التورط من دون قدرة على تحقيق الانتصار بشكل
حاسم.
وقد بينت العمليات الاستشهادية التي تميزت بها انتفاضة الأقصى،
حجم العجز الإسرائيلي عن تحقيق الانتصار على هذا العدو. وبينت
كيف تفقد القدرة على الردع فاعليتها في مواجهة هذا النوع من
الحروب وهذا النوع من الخصوم. "فبدلا من ردع الفلسطينيين، نقوم
بتحصين أنفسنا على اليمين والشمال في المواقع العسكرية
والمستوطنات، وفي وسائل النقل وغير ذلك".
ويؤكد "غال لوفت" الجنرال السابق في قوات الاحتلال
الإسرائيلية، في تقرير له نشر في مجلة "فورين أفيرز" في
آب/2002:" أن القنابل الانتحارية المستخدمة بشكل نظامي في سياق
نضال سياسي أمر لا يستطيع أن يحققه سلاح آخر: القدرة على إلحاق
ألم مدمر "بإسرائيل" لا سابق له.. ومن غير المتوقع أن تنجح
الحملة العسكرية الإسرائيلية في الانتصار على ظاهرة التفجير
الانتحاري.."
ويضيف "تيسير ابلاسي" من مركز القدس للأبحاث، تعليقا على
"العمليات الاستشهادية": "مع أن القوة العسكرية الإسرائيلية
قوة لا يستهان بها مقارنة مع القوة الفلسطينية، إلا أن هذا
العامل لم يحسم الصراع.." وينهي ابلاسي تقريره بالقول
"الاستراتيجيون الإسرائيليون يؤكدون أن الحسم العسكري هو من
الأمور غير الواردة في الصراع. فالصراع هو حول إمكانيات
استنزاف كل طرف للطرف الآخر، وإنهاك قوته ورغبته في التصدي.
وبناء على ذلك فإن ما سيقرر هو مقدرة كل طرف على الاحتمال ومدى
قدرة الحكومة الإسرائيلية على توفير الأمن الشخصي والاقتصادي
للمواطن الإسرائيلي، لأن المواطن الفلسطيني لم يعد لديه ما
يخسره، وطريقة حياته تؤهله ليكون أكثر احتمالا للصعوبات
والشدائد بينما غالبية "الإسرائيليين" ليسوا على استعداد
لتقديم الكثير من التضحيات، وكلما ازدادت الأوضاع سوءا ازداد
تأففهم ورفضهم لسياسة حكومتهم.."
ويربط "أهارون ليفي" بين هذا العجز عن الحسم، وبين قوة الدولة
ومناعتها. فبالنسبة إليه تقاس هذه القدرة وتلك المناعة بعاملين
اثنين: القوة العسكرية الفعلية، والقدرة على الصمود. فإذا كانت
القوة العسكرية لم تحسم الصراع، وإذا كان المجتمع الإسرائيلي
يعاني من تصدعات بارزة تنعكس بصورة سلبية على المعنويات
والدوافع القومية وعلى الروح القتالية لجنود الجيش
"الإسرائيلي"، فلا عجب إذن أن تكون قدرة الردع "الإسرائيلي" في
حالة تراجع وأفول.. ويشرح ليفي علاقة قوة الردع بمستقبل
"إسرائيل" فيقول "إن أفول قوة الردع الإسرائيلية ليس مرتبطا
فقط بمخاطر متزايدة بعض الشيء لنشوب حرب من هذا النوع ( حرب
مصغرة أو منخفضة القوة) بل مرتبط أيضا بمجالات أخرى، والمقصود
صورة "إسرائيل" من الداخل وانعكاساتها إزاء الخارج. فصورة
"إسرائيل" الضعيفة أو العاجزة التي تشجع حتى من هم أضعف منها
بكثير على التطاول عليها، ليس وضعا صحيا لا سيما بالنسبة إلى
دولة في ظروف "إسرائيل" ( قلة مقابل كثرة عددية، وبيئة
استراتيجية غير مستقرة..) كما أنها تنطوي في ثناياها على مخاطر
لا بأس بها.. فمعنويات الجمهور في دولة عرضة للتهديد، لها
اهمية قصوى، وعندما يشاهد مواطنوها في كل يوم انحدار وتواري
قدرة ردعها، فإن وضعهم المعنوي يهبط إلى درك سحيق ، وعندما
يفتقدون الأمن الشخصي والقومي أو حتى لحظة الاستقرار
والطمأنينة، فإن مخاوفهم ومعنوياتهم وهواجسهم تصل إلى ذروة
السلبية، والنتيجة استهتار عميق بمؤسسات الحكم والقائمين
عليها، وهو ما يمكن أن يتطور إلى حد العنف والتمرد وترك
البلاد.. إن دولة لا يستطيع مواطنوها الاعتزاز بها وبقوتها ليس
لها مستقبل مشرق.. وأن "إسرائيل" تبدو في صورة دولة واهنة لا
تستطيع التغلب تقريبا على أي اعتداء أو تطاول عنيف عليها..".
وفي المحصلة، إن العمليات الاستشهادية ووفقا لرؤية
الإسرائيليين مدنيين وعسكريين لها، ساهمت بدورها في تأكيد
العجز الإسرائيلي عن حسم الصراع حتى بالقوة المسلحة، وفي تعميق
التصدع الداخلي وتراجع القدرة على الصمود. لذا، لا يجوز كما
يدعو البعض "أن نتوقف في لحظة معينة لنحصي الخسائر، ونقول إن
هذه المرحلة قد فشلت..".. فهذه العمليات ليست معزولة عن مسار
تاريخي من المواجهة، ولا حتى عن مسار فاشل من التفاوض، وهي في
الوقت نفسه استراتيجية غير تقليدية تقوم على "توريط" "إسرائيل"
في "حروب مصغرة" تعجز عن تحقيق النصر فيها. وهي بهذا المعنى
تهدم حجرا جديدا في قدرة الردع الإسرائيلية، وتعطي دفعا إضافيا
لأفول هذه القدرة.
هكذا يمكن أن ننظر إلى أهمية استمرار تلك العمليات وإلى
الأثمان التي تستحق أن تُدفع من أجلها. كما يمكن أن ينظر إليها
كتهديد لعملية التسوية، ولاتفاق أوسلو وللسلطة الفلسطينية.
الفارق يكمن في الأهداف التي نتطلع إليها...
|