من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 

الاسلاميون بين انتهاج العنف وعدمه

 

هيثم أبو الغزلان

 

استطاع الغرب  تحقيق  أهدافه ضد عالمنا العربي الإسلامي؛ فبعد ثورته العلمية والمادية الباهرة، شن حربه الشاملة التي هدفت لإسقاط النظام السياسي الإسلامي، وتدمير المؤسسات الإسلامية القائمة، ومحاولة تدمير العقل الإسلامي وحشوه بمفاهيم الغرب ليقطع صلته بالإسلام وواقعه، وتجزئة الوطن الإسلامي، وتكريس التغريب، وأخطر هذه الخطوات كانت إقامة إسرائيل في قلب العالم الإسلامي لتكرس كل خطوات المراحل السابقة من تجزئة وتغريب وتدمير للعقل المسلم.

 

ولمواجهة مثل هذا المشروع كان رد الفعل الإسلامي محاولة لإنقاذ ما يمكن، ولرد التحدي بدأت خلال القرن ما قبل الماضي ما يسمى بظاهرة الإسلام السياسي تتبلور للرد على التحدي الغربي، وجسّدها في حينه كل من جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وحركات مثل الوهابية، والسنوسية و المهديه... كما قامت جماعة الإخوان المسلمين في آذار (مارس) عام 1928، على يد الاستاذ حسن البنا وستة من اخوانه الذين زاروه في منزله وهم: حافظ عبد الحميد، وأحمد الحصري، وفؤاد إبراهيم، وعبد الرحمن حسب الله، وإسماعيل عز، وزكي المغربي وهم من الذين تأثروا بالدروس والمحاضرات التي كان يلقيها البنا، فأبلغوه عزمهم على مبايعته على أن "تكون لدعوة الإسلام جنداً" وفيها حياة الوطن وعزة الأمة وبناء لرأي البنا سميت الجماعة بالإخوان المسلمين(1).

 

ويقسّم البعض الفترة الممتدة من العام 1932 وحتى عام 1949 إلى ثلاثة مراحل هي:

المرحلة الأولى: (1932-1939)، رُكز فيها على الأنشطة التعريفية بالجماعة، والتركيز على المحاضرات والدروس في الدور والمساجد وإصدار المجلات (مجلة الإخوان المسلمين) و(مجلة النذير)، وإصدار عدد من الرسائل والنشرات... وإنشاء الشعب في القاهرة والأقاليم والاتصال بخارج مصر (الجزائر، اليمن، سوريا، الجزيرة العربية)، وإقامة المؤتمرات الدورية في القاهرة...

المرحلة الثانية: (1939-1945)، استغل البنا إنشغال الحكومة المصرية والإنكليز بمجريات الحرب العالمية، فركز على إستكمال بناء البنى التنظيمية والإدارية للجماعة في مصر والبلدان الإسلامية.

المرحلة الثالثة: (1945-1949)، عاش الإخوان في هذه الفترة مرحلة كانت مضطربة وتعد من أخطر المراحل التي مرت بها الأخوان لضخامة الأحداث التي شاركت فيها وانعكاس ذلك عليها، وأهم هذه الاحداث:

 

إغتيال البنا مؤسس الجماعة (12/02/1949).

ولقد طالب الإخوان بعد إنتهاء الحرب العالمية عام 1945 بإلغاء معاهدة عام 1936 الموقعة مع بريطانيا. رافق ذلك فترة إضطراب سياسي لدرجة أنه تعاقبت على الحكم فيها - على قصرها ثلاث وزارات وكانت علاقة الإخوان بهذه الحكومات تتفاوت من حيث درجة المواجهة فقط، غير أنها لم تكن بأي حال من الأحوال مستقرة(2). ففي (14/02/1946) بلغ التململ السياسي مداه في البلاد فاشترك الاخوان مع بقية الهيئات الشعبية في مظاهرات صاخبة اضطر الجيش بعدها لاطلاق الرصاص على المتظاهرين فقتل وجرح من جرح وحاصر البوليس المركز العام للاخوان ودورهم في القاهرة(3).

 

وتعتبر الفترة التي قاد بها حسن البنا الاخوان المسلمين فترة الفعل والتأسيس لكثرة فاعلياتها ومهاراتها التي عكست حركة في طور الصعود. كما استطاع البنا ان يثبت في تاريخ الجماعة بعض الاعراف والأصول التنظيمية والإدارية الايجابية منها ظاهرة المؤتمرات العامة. واستطاع البنا ان يكرس الحس الإداري والتنظيمي عبر تفويض السلطات لكل المواقع القيادية في الهرم الاداري للإخوان. وتمكن من توثيق الصلة بين الإخوان والمجتمع المصري عبر احتضان الأخير والدفاع عنه وعن مصالحه العليا من خلال مؤسسات تقدم خدمات مجانية طبية وثقافية اقتصادية واجتماعية للمواطنين(4).

 

وبالرغم من النقاط الإيجابية في شخصية البنا إلا أن الدكتور عبد الله فهد النفيسي يحدد ثلاث نقاط ضعف أساسية لدى البنا هي:

- ضعف اشرافه على (النظام الخاص)، أي الجناح العسكري للاخوان(5).

وقد كانت قضية اغتيال المستشار الخازندار هي المناسبة الفاصلة التي برز فيها للعلن وجود اختلاف، لا بل افتراق، بين تيارين ونهجين داخل العمل الاسلامي:

 

الأول يمثله البنا ومن سار معه من الإخوان...

 

والثاني يمثله جماعات الجهاد والجماعة الإسلامية وفكر التكفير والهجرة والمفاصلة والعنف(6)...

 

- إهماله تدريب كوادر قيادية تتمتع بأهلية القيادة لتأتي من بعده.

- تحامله الدائم على الحزبية والأحزاب بما يعكس لديه غياب النظرية المتكاملة لعلاقاته السياسية داخل مصر(7)...

وقد عاشت حركة الإخوان ما بين 1945 1970 مرحلة التردد والتأثر ورد الفعل، بعد أن كانت مؤثرة، ولقد أفرزت هذه الفترة بما رافقها من قمع مباشر ومتلاحق للإخوان مدرسة فكرية جديدة هي مدرسة الأستاذ سيد قطب وما تفرع عنها من مدارس تشمل رؤى وأفكاراً خرجت عن فكر مؤسس الإخوان حسن البنا رحمه الله.

 

ولقد مر فكر سيد قطب بمرحلتين:

الأولى: هي المرحلة الإجتماعية التي طرح فيها المشكلة الإقتصادية التي تواجه المجتمع، وبتحديد الإرتباط بين المشكل والتصور الإسلامي وبدائل الحل.

المرحلة الثانية: هي التي تبلورت في الستينات وظهرت فيها كتبه: هذا الدين، المستقبل لهذا الدين، معالم في الطريق. وقد اشتمل الأخير على رؤية نوعية للمجتمع وللعلاقات القائمة في إطاره وكيفية تجاوزه ووسائل ذلك التجاوز. ومحور رؤية سيد قطب تقوم على أساس الإعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية. والحاكمية في الوضع الجاهلي تستند إلى البشر فتجعل بعضهم لبعض أرباباً، لا في الصورة الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى ولكن في صورة إدعاء حق وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين(8).

وعلى الصعيد الحركي والتنظيمي يطرح قطب مفهوم العزلة إذ يجب على الحركة الإسلامية برأيه أن تعتزل المجتمع في فترة التكون كي تتحاشى كل مؤثرات الجاهلية التي تحيط بها وترجع إلى (النبع الخالص) أي القرآن الكريم الذي تكون عليه (الجيل القرآني الفريد).

 

وهذه المقولات تصطدم بمقولات مؤسس الحركة حسن البنا وخلفه المستشار مأمون الهضيبي الذي رد على أفكار سيد قطب والمودودي في كتاب (دعاة لا قضاة)(9).

 

ويعطي قطب تصوره للتغيير معتبراً أن من واجبات الحركة الإسلامية إعادة المجتمعات البشرية الى معنى العبودية الخالصة لله بإقامة النظام الإسلامي، وتحكيم الشريعة الإسلامية. ولكن يضيف نقطة البداية يجب أن تكون بنقل المجتمعات ذاتها الى المفاهيم الإسلامية. كما أنه يرفض الوصول إلى الحكم عبر طريق الانقلاب وإنما حصر تصوره للتغيير فقط عن طريق تغيير تصورات المجتمع  كله(10).

 

وقد انقسم الإخوان المسلمون آنذاك بين مؤيد لهذا الرأي وهم قلة، ومعارض لهذا الإتجاه، ومن لم يفهم الدعوة أصلاً... وبعد ذلك تعصّب لها البعض وزاد عليها، كالجماعات التي خرجت من رحم الإخوان، وتمايزت عنها كالجماعة الإسلامية المصرية، الجهاد المصرية، وحركات التكفير والهجرة وغيرها من الحركات التي اتخذت من العنف أسلوباً للمواجهة، وترفض بدورها كل الأشكال الموجودة الآن، وتدعو للتمسك بنص التجربة الماضية.

 

وقد أثرت أفكار سيد قطب في بعض كوادر الإخوان، وكان لعمليات التعذيب والإذلال أثر كبير في زيادة الفجوة بين الإسلاميين والنظام القائم آنذاك. فتشكلت منظمة (الفنية العسكرية) من مجموعتين إسلاميتين إحداهما متأثرة بأفكار قطب والأخرى سلفية النزعة والتوجه بقيادة صالح سرية والتي انتهت بإعدامه، واعتبر سرية بأنه الذي وضع حجر الأساس لما  عرف فيما بعد بتنظيم الجهاد المصري، وبلور أفكاره في "رسالة الإيمان"، وتتلخص هذه الرسالة بـ:

شرح مفصل لمعاني الإيمان الستة وضرورة الأخذ بها.

تكفير النظم السياسية القائمة والأحزاب السياسية غير الإسلامية.

العداء الشديد للغرب وأطروحاته الفكرية.

وبعدها شكّل الخارجون من قضية "الفنية العسكرية" مجموعات أخرى، ومنهم: إسماعيل طنطاوي، مصطفى يسري، محمد عبد السلام فرج، حسن الهلالي، أيمن الظواهري، رفاعي السرور وغيرهم(11).

 كما شكّل فيما بعد شكري مصطفى "جماعة المسلمين" أو التكفير والهجرة، ومصطفى كان عضواً في الإخوان حين اعتقل في العام 1963 وأفرج عنه عام 1971، بعد أن تشرّب بفكر جاهلية  المجتمع وتكفيره، مفسراً أفكار قطب تفسيراً خاصاً في مؤلفات عديدة أهمها (الإصرار التبيين الخلافة) واتسمت هذه الأفكار بالتطرف والحدة والقول بفساد المجتمع الذي أفرز نظاماً فاسداً. وبعدها برز اسم "الجماعة الإسلامية" التي انبعثت عن حركتين طلابيتين هما "الجماعة الدينية" و"الشباب المسلم"، ورغم أن قيادتها ارتبطت بالإخوان، إلا أنه في نهاية السبعينيات بدأ خط الجماعة ينحو نحو التطرف وأخذت الجماعة بأسلوب المواجهة مع السلطة. وشكّل المهندس عبد السلام فرج تنظيم الجهاد بالتنسيق مع حسن الهلاوي، وانضم عبود الزمر الضابط في المخابرات الحربية سابقاً الى التنظيم. وقد تبلورت أفكار الجهاد من خلال مؤلف فرج (الفريضة الغائبة).

 

وفي العام 1979 توحد تنظيما الجماعة الإسلامية والجهاد تحت اسم (تنظيم الجهاد)، ويعتبر عبد السلام فرج المسؤول المباشر عن وضع خطة إغتيال الرئيس المصري أنور السادات عام 1981. وبعد نجاح إغتيال السادات وفشل السيطرة على الدولة، اعتقل معظم قادة التنظيم، وفي السجن نشبت خلافات بينهم أدت للإنشقاق إلى قسمين: الجماعة الإسلامية بقيادة الشيخ عمر عبد الرحمن أميراً لها، وتنظيم الجهاد بقيادة أيمن الظواهري.

 

وأصدرت الجماعة الإسلامية ما اعتبرته وثيقة بعنوان "حتمية المواجهة"، لخصت فيها خطها الفكري:

أنه يجب قتال الحاكم المبدل لشرع الله.

وجوب إقامة دولة الخلافة.

وجوب تحرير بلاد المسلمين وعلى رأسها فلسطين.

وجوب الجهاد وتغيير المنكر باليد وأحقية الجماعة الإسلامية بتنفيذ ذلك لغياب السلطة الإسلامية.

أما بالنسبة لتنظيم الجهاد فإنه يعتمد أسلوب الإنقلاب العسكري وإحداث الثورة الشعبية لحماية الإنقلاب من التدخلات الأجنبية، وقد أصدر التنظيم وثيقة أعدها عبود الزمر بعنوان "مقومات الإستمرار" وتقوم على:

التغلغل في أوساط القوات المسلحة وأجهزة الشرطة لإستقطاب أكبر عدد منهم.

إعتماد المنهج الإنقلابي لتحقيق الأهداف واعتماد أسلوب الثورة الإسلامية للقضاء على أي محاولات مضادة(12).

ورغم محاولات هذه الجماعات المتكررة في فرض برامجها من خلال إستخدامها للعنف، ومقابلة ذلك بعنف لا يقل قسوة مارسته أجهزة الأمن، الا أن انعطافاً حدث في الخامس من تموز (يوليو) من العام 1997، وأثناء نظر القضية العسكرية رقم (235) الخاصة بمحاكمة قادة الجماعة الإسلامية، ألقى أحد هؤلاء بياناً دعا فيه أعضاء الجماعة لوقف العنف ضد الحكومة المصرية. وبعد ذلك أعلن الشيخ عمر عبد الرحمن من معتقله في أمريكا موافقته على المبادرة، وقد إعتبرت الحكومة المصرية ذلك تكتيكاً مؤقتاً هدفه التقاط إعضاء الجماعة لأنفاسهم من جراء الحملات الأمنية المتواصلة ضدهم. وفي (28/03/1999) أيد أعضاء الجماعة الإسلامية الوقف الكامل لكل أعمال العنف والبيانات المحرضة عليها.

 

وفعلاً بدأ من أطلق عليهم القادة التاريخيون بإصدار سلسلة كتب تحت شعار "سلسلة تصحيح المفاهيم" لمراجعة الفترة الماضية التي استخدموا خلالها العنف، وهذه الكتب هي:

مبادرة وقف العنف.

تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء.

حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين.

النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين(13).

ففي الكتاب الأول (مبادرة وقف العنف)، يستعرض قادة الجماعة في الباب الأول المبادرة التي أطلقوها لوقف العنف، ثم يقوم المؤلفون بتفنيد آراء القائلين بضرورة العنف ضد الحكومات القائمة.

وفي الباب الثاني دعا المؤلفون الى النظر الى الواقع واستقراء معطياته، واعتباره مرتكزاً رئيساً من مرتكزات  الفتوى التي يجب أن تقوم على أساسين: الواقع ومعطياته، والدليل الشرعي المتضمن في الكتاب أو السنة أو غيرهما من مصادر التشريع المعتبرة.

الباب الثالث خصصه المؤلفون لتصحيح المفاهيم وقالوا فيه: «أننا مطالبون بضبط أعمالنا وتصوراتنا ومفاهيمنا بالشرع بغض النظر عن رأينا في مدى إلتزام الآخرين به أو مخالفتهم إياه».

كما أنهم وضعوا موانع لقتال الحكومات القائمة منها: إذا كان غالب الظن أن الجهاد لن يحقق المصلحة التي شُرع من أجلها، كتعارض القتال مع هداية الخلائق والعجز والهلكة، أو وجود مسلم في صفوف المشركين، أو نطق الكافر بالشهادتين أو توبة المرتد وجوعه إلى الإسلام...

أما في الكتاب الثاني (تسليط الإضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء)، فقد قالوا في الباب الأول بشرعية التغيير في الإجتهادات الفقهية، واستعرضوا آراء العديد من العلماء والفقهاء الذين غيّروا اجتهاداتهم ورجعوا عن كثير من أقوالهم لمّا تبين لهم خلافها مع الشرع الحنيف، كالإمام الشافعي، وأبو يوسف ومحمد وزفر عندما خالفوا إمام مذهبهم الأصلي أبو حنيفة.

 

وفي الباب الثاني: تحدثوا عن تصحيح مفهوم الجهاد باعتبار أنه وسيلة وليس غاية، وخلصوا الى أن الجهاد مع عدم تحقيق الغاية منه، غلو وتشدد مذموم.

 

الباب الثالث: تحدثوا فيه عن حرمة إلقاء النفس في التهلكة وحرمة قتل المدنيين من غير أهل المقاتلة والممانعة، وكذلك  حرمة قتل المستأمنين والسياح.

 

وفي الكتاب الثالث (حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين)، فيتحدثون عن الغلو في الدين وأسبابه ومظاهره، مرجعين أصول ذلك إلى الخوارج الذين خرجوا على الإمام علي بن أبي طالب (رضي  الله عنه)، رغم كونهم عبّاداً زهّاداً إلا أنهم مغالون في الدين.

 

وبعد ذلك يتم تلخيص مظاهر الغلو في الدين ومنها: التعصب للرأي وعدم الإعتراف بالرأي الآخر في الأمور الإجتهادية والأمور المحتملة، وإلزام جمهور الناس بما لم يلزمهم الله به، والتشدد في غير موضعه.

 

أما لجهة الغلو في الدين فيذكرون أسباب هذا الغلو في : ضعف البصيرة بحقيقة الدين، والإتجاه الظاهري في فهم النصوص دون فهم محتواها ومعرفة مقاصدها والإشتغال بالمعارك الجانبية عن القضايا الكبرى للأمة، والإسراف في التحريم بغير دليل، واتباع المتشابهات وترك المحكمات وعدم التعلم على أيدي العلماء وضعف البصيرة بالواقع والحياة وسنن الكون.

 

كما تحدثوا عن الآثار السلبية لتكفير عصاة المسلمين، وبدعة تكفير جهّال المسلمين والرد عليها، والغلو في تكفير المسلمين بالموالاة الظاهرة، وقد فنّد الكتاب كل ذلك بالقرآن والسنة.

 

وفي الكتاب الرابع: (النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين)، فيتحدث الكتاب عن عملية الإحتساب، والمحتسبين الذين يتصدون لإزالة المنكر. فيتحدثون عن الإخلاص الذي هو سر بين العبد وربه. ويعالج الكتاب أخطاء المحتسبين، مثل سوء الظن بالناس والتجسس عليهم وحملهم على مذهب المحتسب، وعدم الرفق بالحطاة... ويعدد نماذج من هذه الأخطاء مثل: إعتراض المحتسب لرجل يسير مع إمرأة في طريق مليء بالمارة، أو إعتراض المغنين بعد عودتهم من الأفراح، أو دهم البيوت والتجسس عليها لضبط رجل وإمرأة منفردين... أو سكب ماء النار على وجه المتبرجات لردعهن(14).

 

وهكذا بات التمييز بشكل واضح بين تيارين أساسيين في الحركة الإسلامية: تيار العنف، وتيار اللاعنف، وعلى هذا فإنه من غير المنصف ولا الموضوعي وضع الحركات والفصائل الإسلامية في سلة واحدة، أو النظر إليها بمنظار واحد، فقد يجد المراقب خلافاً في الرؤية والمشروع بين حركة وأخرى، وقد يجد اختلافاً واضحاً في المشروع والوسائل والأهداف والرؤى بين حركة وأخرى، وهذا بدوره يعود إلى الظروف والواقع والمحيط الذي نشأت فيه تلك الحركة، أو ذاك الفصيل، وعلى الرغم من أن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة هما القاسمان المشتركان للحركات الإسلامية، إلا أن قضية الفهم والتطبيق والخضوع للواقع تجعل هذا الأمر أحد أسباب التمايز بين هذه الحركات، فالبعض يرى ضرورة عودة المجتمع إلى التمسك بالقرآن والسنة اتباعاً حرفياً (التمسك بالنصوص وعدم الخروج عنها لا تأويلاً ولا تفسيراً)، وقسم آخر يدعو أيضاً إلى التمسك بالشعائر الإسلامية والقيم كمنهج حياة، لكنه أيضاً يدعو إلى فهم حاجات العصر واستيعاب حركة التطور، وتحديد مشكلات هذا العصر، وحصر المشكلات التي يعاني منها المسلمون والعمل على إيجاد حلول عملية لها بما لا يتعارض مع الإسلام ولا يخرج عن روحية العصر، يقول السيد محمد حسين فضل الله: «هناك مشكلات موجودة في العالم الإسلامي، مثل فقدان الرؤية الواضحة الموضوعية للواقع الإسلامي والفكر الإسلامي، والخطوط الإسلامية ولحركة التطبيق للقيم الإسلامية في الواقع، وهذا ما نلاحظه في تنوع الحركات الإسلامية وتخلفها وفوضوية بعضها الآخر، فترى أن بعض الحركات الإسلامية يفكر كما لو أننا نعيش قبل 500 أو 600 سنة... وهناك حركات إسلامية تلتزم العنف تحت عنوان الجهاد في الوقت الذي كان هناك مجال للرفق... ولذلك لا نستطيع أن نضع الحركات الإسلامية في العالم في دائرة واحدة وفي حكم واحد، فهناك حركات إسلامية عقلانية موضوعية تدرس الواقع وتتحرك فيه، سواء أكان عنفاً أو رفقاً، من خلال طبيعة الظروف الموضوعية التي تحيط بها. وهناك حركات إسلامية تحدق في اتجاه واحد»(15).

أما على صعيد تحقيق نتائج للمشروع الإسلامي من خلال العنف، بالطبع، إن ذلك لم يحقق للحركات التي مارست العنف أي أهداف، بل على العكس من ذلك، فقد تأخرت الحركات الممارسة للعنف الداخلي، و«يظهر استقراء تجارب الحركات الإسلامية للعنف أنه وسيلة فاشلة في العمل السياسي، والأمثلة على ذلك كثيرة، فقد فشل العنف في جميع التجارب في تحقيق انتصار سياسي حقيقي كبير أو صغير للإسلام وللمشروع الإسلامي الكلي على مستوى العالم الإسلامي أو الجزئي في بلد الحركة الإسلامية التي تمارس العنف المسلح، ولم يقتصر الأمر على الفشل وعدم الجدوى، بل تعداه إلى إنزال أضرار فادحة بالمشروع الإسلامي الجزئي مثل: تهمة الإرهاب التي ألصقت بالإسلام والحركة الإسلامية، وإرهاق المجتمع الأهلي، وعزلة الحركة الإسلامية عن المجرى السياسي العام، ودفع الحركة الإسلامية إلى ارتباطات وتحالفات مع أنظمة ذات سياسة خاصة بها ناشئة عن أوضاعها الدولية والإقليمية، وهي تحمل السمات السياسية نفسها للأنظمة المراد محاربتها»(16).

ولا يقتصر تخبط الحركات الإسلامية بتأييدها العنف أو ممارستها له، إنما يتعدى إلى تخبطها في خطواتها تجاه التغيير الذي تنشده، فهي تارة تعمل بأساليب علنية، وفجأة تنقلب إلى السرية، وحيناً تعمل بأساليب سلمية فإذا بها تمارس أساليب القوة والعنف، ومرة تركز في عملها على بناء المؤسسات، ومرة أخرى تهمل المؤسسات وتلتفت إلى بناء الإنسان، وأحياناً تسالم الحكام وأخرى تعاديهم. إن هذا التقلب والإنقلاب عائد إلى أن هذه الحركات لم تحدد نظريتها في التغيير، ولم تبلور رأياً في: كيف يكون التغيير؟ وما هي مراحله؟ وبمن يبدأ؟ ثم فيمن يستثني؟ وما الذي تقوله للناس الآن، وما الذي تؤجل قوله؟ ومن الذين نركز الهجوم عليهم؟ ومتى يكون التبشير؟ ومتى يكون الإنذار؟ وكيف يجب أن يكون موقفنا من الحكام؟... إن بلورة هذه النظرية ووضعها بشكل واضح أمام الدعاة العاملين في مسار التغيير يبعد الحركة الإسلامية عن الاضطراب والتخبط، ويجعلها تحقق أهدافها بأقل التضحيات الممكنة، وأسرع الأوقات المطلوبة. وهذا ما قصرت فيه إلى الآن مما جعلها تخسر كثيراً من الجهود والأوقات(17).

ومن الملاحظ أن العنف الذي مارسته الحركات والجماعات الإسلامية كان بمثابة رد فعل على عنف السلطة، وهنا، يجدد السيد محمد حسين فضل الله رفضه للعنف، ويؤكد أن العنف ليس هو خيار الحركة الإسلامية في الداخل للوصول إلى الحكم، «فنحن نلاحظ أن العنف هو خيار الحركة الإسلامية للدفاع عن نفسها... وعندما يكف الآخرون عن العنف، فإننا نتصور أن الحوار والوصول إلى المواقع المتقدمة خلال الاستفتاء الشعبي هو الأقرب إلى استقرار الحركات الإسلامية»(18).

 

الحركات الإسلامية واللاعنف

 

لقد حصل تطور مهم في فكر وممارسة الحركة الإسلامية المعاصرة، وجاء هذا التطور نتيجة «للمعارك» التي خاضتها وأرهقتها، وجعلتها تبتعد عن تحقيق أهدافها التي وضعتها، ويبقى هناك أمور عديدة يجب القيام بها حتى تستطيع هذه الحركة القيام والنهوض ومنها الشروع بالمراجعة الشاملة لأساليبها، وخطابها، ومنهجية عملها، وأن تجعل وعيها لذاتها ومحيطها المدخل الأنسب لحفظ وجودها وبقائها على قيد الحياة، وربما تكون حركة النهضة التونسية، والدكتور حسن الترابي، وبعض المثقفين الإسلاميين الآخرين، قد بدأوا فعلاً ـ ليس بالمعنى التنظيمي ـ بتشكيل تيار إسلامي عريض يقبل الآخر، ويتعالى عن أوهام امتلاك الحقيقة المطلقة التي يُرَوَّج لها.

فقد جاءت فكرة تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي التونسية (1981 ـ 1989) بعد اقتناعها بالخروج من الدائرة الفكرية إلى الدائرة السياسية، وامتلاكها مبررات عديدة أهمها:

نضج الخطاب الإسلامي وبداية اقتناع كوادر الفكرة الإسلامية بضرورة لعب دور في الواقع السياسي التونسي.

غرق السلطة التونسية في حال التبعية، وضرورة التصدي لها من خلال المساهمة في التغيير السياسي.

التحديات التي عاشها العالم العربي والإسلامي، مثل أحداث أفغانستان، لبنان، وفلسطين...

انتصار الثورة الإسلامية في إيران(19).

وقد ساهم هذا الاتجاه من مواقعه في إعادة الاعتبار للإسلام فكراً وثقافة وسلوكاً، وإعادة الاعتبار للمسجد. كما ساهم في تنشيط الحياة الثقافية والسياسية فأدخل عليها لأول مرة نفساً جديداً في اتجاه تأصيل الهوية والوعي بالمصلحة وتأكيد التعدد بتجسيمه واقعياً... ورغم سعيه الرصين المتعقل لتلمس أشجع سبل التطور والتغيير فقد تعرض هذا الاتجاه إلى سلسلة من التهم الباطلة والحملات الدعائية المغرضة نظمتها ضده السلطة الحاكمة ووسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية، بلغت هذه الحملات حد الاعتداء تعسّفاً على وسائل إعلامه قصد منعه من إبلاغ صوته وتطورت بعد ذلك إلى إشكال أشد قهراً فقدمت عناصره إلى المحاكمات وتكثفت ضد أفراده التتبعات والتحقيقات وفتحت أمام شبابه السجون والمعتقلات حيث الضرب والتعذيب والإهانة(20).

وتقدم حركة الاتجاه الإسلامي التونسية نفسها ناطقاً رسمياً باسم الإسلام في تونس، وأكدت أنها لا تطمع يوماً أن ينسب هذا اللقب إليها. فهي مع إقرارهاحق جميع التونسيين في التعامل الصادق المسؤول مع الدين، ترى من حقها تبنّي تصور للإسلام يكون من الشمول بحيث يشكّل الأرضية العقائدية التي منها تنبثق مختلف الرؤى الفكرية والاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحدد هوية هذه الحركة وتضبط توجهاتها الاستراتيجية ومواقفها الظرفية(21).

كما أنها حددت مهامها التي تعمل على تحقيقها بـ:

بعث الشخصية الإسلامية لتونس حتى تستعيد مهمتها كقاعدة كبرى للحضارة الإسلامية بإفريقيا ووضع حد لحالة التبعية والاغتراب والضلال.

تجديد الفكر الإسلامي على ضوء أصول الإسلام الثابتة ومقتضيات الحياة المتطورة وتنقيته من رواسب عصور الانحطاط وآثار التغريب.

أن تستعيد الجماهير حقها المشروع في تقرير مصيرها بعيداً عن كل وصاية داخلية أو هيمنة خارجية.

إعادة بناء الحياة الاقتصادية على أسس إنسانية وتوزيع الثروة بالبلاد توزيعها عادلاً...

المساهمة في بعث الكيان السياسي والحضاري للإسلام على المستوى المحلي والمغربي والعربي والعالمي حتى يتم إنقاذ شعوبنا والبشرية جمعاء مما تردت فيه من ضياع نفسي وحيف اجتماعي وتسلط دولي(22).

ورفضت الحركة العنف كأداة للتغيير، وتركيز الصراع على أسس شورية تكون هي أسلوب الحسم في مجالات الفكر والسياسة والثقافة. ورفضت مبدأ الانفراد بالسلطة الأحادية لما يتضمنه من إعدام لإرادة الإنسان وتعطيل لطاقات الشعب ودفع البلاد في طريق العنف. وقد طالب الأستاذ راشد الغنوشي الحركات الإسلامية «بعدم استخدام العنف والقمع والإقصاء كما يستخدمها العلماني، إنما مقياس الأمر يجب أن يكون الحرية التي يجب أن يتمتع بها الجميع دون استثناء»(23).

وهكذا دخلت الحركة سلسلة من المراجعات الفكرية انصبت خاصة على مراجعة فكر سيد قطب... بما حمله هذا الفكر من تركيز على المسألة العقدية، وعلى الخلقية، وإهمال يكاد يكون كاملاً لمسألة الثروة، ومسألة الديمقراطية والحريات العامة «لقد ركز فكر سيد قطب أهم قيمه الاجتماعية على قيم العزلة والجاهلية والتميز والمفاصلة، فكان من الطبيعي أن يصنع حركة لا تقدر على تطوير المجتمع، بل تقدر على مصادمته والعزلة عنه، لكنها بعيدة عن أن تكون عنصر تطوير فيه، وتحدث التفاعل بين الإسلام كعقيدة وبين هموم الناس في العيش وفي الصحة والسكن، وفي التعليم، وتتفاعل مع قضية الحرية»(24).

وتمضي الحركة في هذا الصدد فتقول: «إن أول ما يتعين تأكيده في هذه الصدد ـ أي التغيير السلمي ـ هو أن حركتنا حركة إسلامية سياسية ذات طموحات تغييرية تنموية شاملة، تسعى إلى تأصيلها بما يتلاءم وقيم الأمة الحضارية، وتجتهد في تحقيقها استناداً إلى الشرعية الجماهيرية، فهي بهذا المعنى ليست حركة دينية تجزئ نظرتها للإسلام وتحتكر الحديث باسمه...» (25).

هذا ويعتبر الأستاذ راشد الغنوشي أن حركة الأستاذ حسن البنا قد ارتكبت خطأ سياسياً شنيعاً ولا يزال متواصلاً وهو أن الحركة الإسلامية تقدم نفسها وصياً على المجتمع وليس طرفاً سياسياً أو فكرياً يستمد مشروعيته من قوة الحجة وإقناع الجماهير ببرامجه(26)...

ويدعو الغنوشي الإسلاميين للاهتمام بالمجتمع أكثر من الدولة، وبالتربية والإعلام والاقتصاد أكثر من السياسة والقانون. ولا يكتفي بذلك بل يحذر الإسلاميين من تطبيق المعايير المزدوجة في التعامل مع خصومهم كالقبول بالديمقراطية في مرحلة المعارضة، ورفضها أو تضييقها في مرحلة التمكين، ويؤكد: «أن الديمقراطية تتحرك في عالم النسبي والممكن فعلى الإسلاميين أن يفهموا ذلك... وأن يعملوا في كل بيئة يتحركون فيها على تجنب منطق الإقصاء والاحتكار، وان يعملوا على تأصيل مبادئ التعدد وتنمية الإجماع، وتطمين المخالفين على اعتبار أن الوطن ليس ملكاً لحزب وإنما هو للجميع، وأنه لا ديمقراطية حقيقية مع الإقصاء، فالديمقراطية ليست مجرد أسلوب في فض النزاعات بشكل سلمي، وإنما هي أيضاً منهاج تربوي لاستيعاب الآخر المخالف وترويضه على الحوار حتى الانتهاء به إلى دمجه في الإجماع أو تهميشه»(27).

وطرح الشيخ الغنوشي يستند بشكل أساسي على التوفيق بين الشورى والديمقراطية وقيم التسامح والمحبة والتنافس الحر والشريف، ولهذا يقول: «الديمقراطية كالشورى ليست مجرد أسلوب في الحكم للتعبير عن إرادة الأغلبية أو الإجماع، وإنما أيضاً منهاج في التربية وعلاج التطرف بالحوار، والدفع إلى التعبير بالحبر لا بالدم، واللجوء إلى صناديق الاقتراع بدل صناديق الذخيرة».

وكان المفكر الإسلامي جودت سعيد قد أشار إلى هذا الطرح، ففي كتابه: «مذهب ابن آدم الأول أو مشكلة العنف في العمل الإسلامي»، قد رفض سعيد استخدام العنف بشكل مطلق، وقد صرح بذلك منذ ستينيات القرن الماضي(28).

وعلى هذا استطاعت الحركة الإسلامية أن تطور موقفها تجاه موضوعة الديمقراطية ورفض العنف والقبول بالتعددية وتداول السلطة بين الجماعات والأحزاب السياسية وذلك عبر الانتخابات. ففي ميثاق الجبهة الإسلامية في سورية ينطلقون إلى ذلك عبر:

أ ـ الشورى والتمثيل النيابي وضمان الحريات السياسية في إطار دستور وقوانين نافذة قائمة على الإسلام نصاً وروحاً.

ب ـ حرية تشكيل الأحزاب والتكتلات السياسية وممارسة النشاط السياسي ضمن حدود الدستور الذي تضعه هيئة تأسيسية منتخبة(29).

وعلى الخط نفسه، تسير الحركة الإسلامية اليمنية يساعدها في ذلك واقع الاعتدال والانفتاح أكثر من غيرها من الحركات الإسلامية. وقد جاء في البرنامج السياسي للتجمع اليمني للإصلاح: «تمثل التعددية السياسية والحزبية الأساس المكين لتداول السلطة وانتقالها سلمياً بين الجماعات والقوى السياسية المنظمة، والوسيلة الأكثر فعالية والأعمق أثراً في إنضاج الوعي السياسي وتقويته وتعزيز مناعته، منعاً للاستبداد وصوناً لحقوق الأفراد وحرماتهم وحرياتهم». وتقيد الحركة الإسلامية اليمنية ذلك «بالتزام الأحزاب والتنظيمات السياسية للإسلام عقيدة وشريعة»(30).

وفي الأردن استطاع الإخوان المسلمون التماشي مع "اللعبة الواقعية" «فيخلط الإسلاميون هناك بين مفهوم الشورى والديمقراطية، عبر طرح مفهوم الشورقراطية التي هي خليط ما بين الديمقراطية الغربية، والشورى الإسلامية، ولا يجد الإسلاميون هناك من حرج في استخدام هذا المصطلح، ويدعون أيضاً إلى ترسيخ مسيرة الشورى والديمقراطية»(31)...

وتبرز هذه الأفكار أكثر عبر طرح مفاهيم محددة، منها:

أن التعددية السياسية سمة أساسية لممارسة الديمقراطية، والتعددية الحزبية مظهر من مظاهر الديمقراطية الحديثة.

التعددية السياسية تعني حرية المجتمع (أفراداً ومجتمعات) في حق الممارسة السياسية ضمن القوانين المرعية بلا تمييز بسبب الدين، أو الجنس، أو العرق، أو اللغة...

في الديمقراطية السلمية ينبغي ألا تثور الإشكالية بين التعددية، ووحدة الأمة، فالتعددية السياسية هي التي تفضي إلى أحزاب تعتبر مؤسسات وطنية تتنافس في خدمة المصالح العليا للوطن.. (32).

ولا تقتصر نظرة بعض الأحزاب والقوى الإسلامية إلى قبول ورفض هذه الديمقراطية، وإنما يتعداها إلى قضية التحريم والمحاربة. فحزب التحرير يعتبر أن غايته الأساسية إقامة الخلافة. وأما مواقفه والتي يعلنها عبر بياناته، ومنشوراته، فتكاد تكون هي ذاتها جامدة وعصية على التطور. أما لجهة موقفه من الديمقراطية خصوصاً، فهو ـ أي الحزب ـ يعتبر أن الديمقراطية قامت على مرتكزين اثنين هما:

السيادة للشعب.

الشعب مصدر السلطات وهو يملك أن يشرع أي دستور، أو أي نظام، أو أن يلغي أي دستور حسب ما يرى من مصلحة...

أما «الإسلام فالسيادة فيه للشرع، وليست للأمة، فالله وحده الشارع، ولا تملك الأمة بمجموعها أن تشرع ولو حكماً واحداً». ويخلص كتيب أصدره الحزب لزعيمه عبد القديم زلوم، أن الديمقراطية «نظام كفر يحرم أخذها أو تطبيقها أو الدعوة إليها»(33)..

واعتبرالبعض أنه لا يجوز حتى استخدام كلمة الديمقراطية وما على شاكلتها من كلام كالاشتراكية والحرية وغيرها، ويقولون أن:

الديمقراطية نظام كفـر          فلا ديمقراطية في الإسلام

والحرية نمط عيش كفر         فلا حرية  في  الإسـلام(34)

 

وأخيراً، وبناء على ما تقدم، فإن الحركة الإسلامية موضوعة أمام اختبارين اثنين إما أن تندمج بمحيطها الواسع وتكون جزء منه له ما لها، وعليه ما عليها ـ ويبدو أن البعض في الجماعة الإسلامية في مصر قد فهم المغزى من هذا ـ، وإما أن تغرق... وربما تُغرق الأوطان...

وتبقى الأخطاء الشائعة لدى الحركات الإسلامية واضحة وبحاجة إلى القفز عنها، واللجوء إلى تطوير وتفعيل اندماجها في محيطها الواسع دون خوف منه، أو فرض عنفٍ عليه. فهل يتحقق ذلك قريباً، أم أن حالة الصراع والإقصاء وإدعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، وتحويل الصراع السياسي إلى عنف أعمى و"جهاد مقدس" وعدم القبول بالرأي الآخر والحجر عليه ستبقى سائدة!!!

19-8-2003

Haithem31@hotmail.com

مصادر وهوامش:

مذكرات الدعوة والداعية، بقلم حسن البنا، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة 1979، ص 66.

فريد عبد الخالق (الإخوان المسلمون في ميزان الحق)، القاهرة 1987، ص 29.

المصدر السابق نفسه، ص 39.

انظر مثلاً الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية، أوراق في النقد الذاتي، د. عبد الله فهد النفيسي تحريراً وتقديماً، القاهرة، مكتبة مدبولي 1989.

المصدر السابق.

من حسن البنا إلى حزب الوسط، د. سعود المولى، العلا للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2000، ص 67.

الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية، مصدر سبق ذكره.

الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية، مصدر سبق ذكره.

الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية، مصدر سبق ذكره.

انظر: لماذا أعدموني، سيد قطب، الناشر الشركة السعودية للأبحاث والتسويق.

مجلة الأمة، العدد (10) كانون أول 1992.

مجلة الأمة، العدد (10) كانون أول 1992.

سلسلة تصحيح المفاهيم، مكتبة التراث الإسلامي المصرية، 2002، مؤلفو هذه الكتب هم: أسامة إبراهيم حافظ، عاصم عبد الماجد محمد، كرم محمد زهدي، ناجح إبراهيم عبد الله، فؤاد محمود الدواليبي، محمد عصام الدين دربالة.

بتصرف عن مجلة النور اللندنية، العدد 133، حزيران (يونيو) 2002، استعراض علي أبو الخير، ص 52.

مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 23، صيف 1995، ص 101.

فقه العنف المسلح في الإسلام، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، طبعة أولى 2001، الناشر المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، بيروت.

مجلة قراءات سياسية، العدد 3، صيف 1994، الحركة الإسلامية والتغيير: أزمة موضوعية أم ذاتية، غازي التوبة، ص 143.

مجلة الأمة، العدد 16، حزيران (يونيو) 1993.

موقع تونس نيوز، أضواء على الحركة الإسلامية في تونس، يحيى أبو زكريا، (12/5/2002).

البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي، تونس 06/06/1981.

المصدر السابق نفسه.

المصدر السابق نفسه.

انظر، راشد الغنوشي، دروس مستفادة من تجربة الحركة الإسلامية.

مجلة المستقبل العربي، ع 188، 10/1994، نقلاً عن مجلة الإنسان، سنة أولى ع 1، (نيسان / أبريل 1995).

مجلة الطريق، العدد 3، أيار (مايو) 1994.

مجلة المجتمع الكويتية، لقاء مع الأستاذ راشد الغنوشي، صيف 1981.

مجلة الأمة، عدد 16، حزيران (يونيو) 1993.

مذهب ابن آدم الأول أو مشكلة العنف في العمل الإسلامي، جودت سعيد، ط1، 1966، [د.ن].

ميثاق الجبهة الإسلامية في سوريا، منشورات الأمانة العامة 1981، نقلاً عن موقع مجلة الفقه السياسي.

البرنامج السياسي للتجمع اليمني للإصلاح، ط1، 1995، الآفاق للطباعة والنشر، صنعاء ص 85، نقلاً عن موقع مجلة الفقه السياسي.

مجلة قراءات سياسية، عدد 2، 1994، الإسلاميون والمسيرة الديمقراطية في الأردن، ص 118.

المصدر السابق نفسه.

كتيب أصدره حزب التحرير لزعيمه عبد القديم زلوم، آب 1995، ط 2، (د. ن).

الديمقراطية والحرية، حافظ صالح، دار الفتح، 1985، ص 98.

 

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة