من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 

 

الانتفاضة كمقاومة في القانون الدولي العام

                                                                                                             د.كمال حمّاد

 

- مقدمة

- حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال الصهيوني

- الانتفاضة كمقاومة في القانون الدولي العام

- الوثائق والاتفاقيات الدولية التي تدعم حق الانتفاضة ومشروعيتها

 

 

  -مقدمة:

لم تكن انتفاضة الأقصى أولى الانتفاضات الفلسطينية ولن تكون الأخيرة، فطالما استمر الاحتلال وتداعياته، فإن مسيرة رفض الاحتلال والتصدي له ومقاومته ستظل متواصلة وإن تخللتها فترات من الهدوء أو الاستعداد للمعركة القادمة.

 

بدأت الانتفاضة كما هو معروف عندما قرر آرييل شارون بتاريخ 28/9/2000 تنفيذ زيارة استفزازية للحرم القدسي الشريف في القدس المحتلة ومرافقته بمئات المسلحين الذين استخدموا السلاح ضد الفلسطينيين الذين حاولوا الاحتجاج على استفزاز شارون هذا.

 

وأيًا كانت المبرّرات فإن خطوة شارون لم تأت من فراغ لأنها جاءت منسجمة مع موقف الحكومة "الإسرائيلية" آنذاك برئاسة إيهود باراك الذي أعلن أن القدس ستظل عاصمة "لإسرائيل" وسيجري توسيعها.  وان المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة ستبقى تحت الإدارة "الإسرائيلية" مما يعني استمرار الاحتلال بأشكال مختلفة أي إبقاء الأراضي الفلسطينية تحت الاحتلال.  وقد أطلقت قوات الأمن "الإسرائيلية" النار على متظاهرين فلسطينيين في ساحة الحرم القدسي مما أدى إلى صدامات بين المواطنين الفلسطينيين وبين عناصر الأمن "الإسرائيلية" وحرس الحدود، وحولت ساحات الحرم القدسي إلى معسكر لجنود الاحتلال.  ودافع الفلسطينيون بما أوتوا من قوة عن حرمة المسجد الأقصى ضد الممارسات الإرهابية الصهاينة واصطدموا مع قوات الاحتلال التي أطلقت النار على الجموع الفلسطينية الغاضبة فسقط الشهداء والجرحى.  وانتقلت المواجهات إلى مناطق الضفة الأخرى، وحتى أنه في عدد من المدن والقرى التي يقطنها فلسطينيو عام 1948 مثل الناصرة وكفر كنا وأم الفحم نظم السكان تظاهرات دعمًا لإخوانهم في الضفة وقطاع غزة(1)

 

وخلال عامين من الانتفاضة والمقاومة تعرض الشعب الفلسطيني لأبشع أنواع الإرهاب والقتل والتدمير الذي أتى على معظم البنى التحتية في الضفة والقطاع بالإضافة إلى ارتفاع معدل الفقر ليصل إلى 65% تقريبًا بسبب الحصار الصهيوني العسكري لمدن وقرى الضفة الغربية وقطاع غزة.  وهذه سياسة احتلالية مقصودة تهدف لكسر روح الصمود لدى الشعب الفلسطيني ومن ثم التخلي عن المقاومة ورفع راية الاستسلام الأمر الذي فشل فيه الاحتلال لغاية الآن(2).

 

وتشكل سياسة الكيان الصهيوني التحدي الأبرز في ظل القيادة الشارونية التي لم ولن تتوانى عن استعمال كل ما أوتيت من قوة ومن وسائل إرهابية وصفت بالأبشع منذ الحرب العالمية الثانية ضد الشعب الفلسطيني، فالقيادة الصهيونية ترى أنها تخوض معركة مصير بالنسبة لمستقبل هذا الكيان وهي تسعى لإخضاع الشعب الفلسطيني وهزيمته وذلك كما ورد على لسان رئيس الأركان "الإسرائيلي" "يعالون"، الذي شدّد على ضرورة هزيمة الفلسطينيين بل جعلهم يعترفون بالهزيمة، الأمر الذي يلقي على الشعب الفلسطيني بظلال الاستعداد والجهوزية لمواجهة أسوأ السيناريوهات المحتملة.

 

وفي هذا الجانب أثبتت الانتفاضة كحركة مقاومة فلسطينية خلال العامين الماضيين قدرة فائقة على استفزاز واستثمار الطاقات الكامنة لدى هذا الشعب في مقارعة الاحتلال والصمود في وجه حملاته العسكرية الإرهابية.

 

فقد أصبح ميزان الخسائر البشرية مع بداية العام الثالث (3) شهداء فلسطينيين مقابل قتيل صهيوني، مقارنة بـ (11) شهيدًا فلسطينيًا مقابل كل قتيل صهيوني خلال العام الأول للانتفاضة الأمر الذي يشير إلى التطور النوعي في أداء المقاومة(3) .

 

كما أن تعزيز صمود الشعب الفلسطيني المحاصر هو بحد ذاته صمود للمقاومة الفلسطينية وتعزيز لبرنامجها المقاوم، والمطلوب الآن في الانتفاضة الثانية زيادة التعاضد الاجتماعي والثقافي والتعليمي والصحي كما حصل في انتفاضة الحجارة الأولى في العام 1987.  كما أنه من الواجب الأخلاقي والديني والقومي زيادة المساعدات العربية والإسلامية للانتفاضة ودعمها بكل الوسائل المتاحة لأنها تشكل خط الدفاع الأول ورأس الحربة في مواجهة المشروع الصهيوني الذي لن يوفّر أحدًا منا.

 

إذًا، الانتفاضة الفلسطينية هي حركة مقاومة مستمرة مشروعة ضد الاحتلال "الإسرائيلي" يكفلها القانون الدولي والمواثيق الدولية.

الى الأعلى

 

 -حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال الصهيوني:

منذ عرف الإنسان اللجوء إلى القوة لفرض إرادته على الغير، ظهرت حروب الغزو والاحتلال والعدوان، وقابلتها حركات المقاومة الشعبية والوطنية.

 

وقد عرفت الأزمنة الحديثة والمعاصرة عددًا هائلاً من تجارب المقاومة الشعبية المسلحة، حيث انتشرت حروب المقاومة انتشارًا واسعًا خلال الحرب العالمية الثانية.  كما أننا لا نستطيع أن ننسى مقاومة الشعب التونسي لاحتلال الجيش النازي، ومقاومة الشعب الفيتنامي للاحتلال الأميركي، ومقاومة الشعب اللبناني للاحتلال "الإسرائيلي" والتي أدت إلى طرد المحتل من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة باستثناء مزارع شبعا وتلال كفر شوبا.

 

من هنا فإن الانتفاضة الفلسطينية المستعدة (المقاومة) والتي ظهرت كردة فعل على الاحتلال "الإسرائيلي" هي أعمال مشروعة وفقًا لميثاق الأمم المتحدة التي نصت مادته الثانية:  "على أن كل عدوان على استقلال الشعوب، وأي انتهاك لحقها وسيادتها هو عدوان على القانون الدولي وانتهاك لحقوق الإنسان وتهديد للسلم والتعاون الدوليين".

 

ونص الفصل السابع من الميثاق على أن منظمة الأمم المتحدة تتدخل فورًا لإزالة العدوان وحماية حق الشعوب في الاستقلال والسيادة، واعترفت اتفاقيات لاهاي (1899 و 1907) بمشروعية وقانونية المقاومة الوطنية ضد العدوان والاحتلال.

 

وقد نصت اتفاقية لاهاي لعام 1907 (المادة الثانية) على أن الشعب القائم في وجه العدو هو مجموعة المواطنين من سكان الأراضي المحتلة المهاجمة من قبل العدو، الذين حملوا السلاح وتقدموا لقتال العدو...  وتعتبر هؤلاء المواطنين بحكم القوات النظامية للقانون الدولي ويتمتعون بصفة المحاربين وبكل حقوقهم عند الأسر أو الجرح.

 

والقرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي تكفل حق الشعوب في مقاومة الاحتلال هي كثيرة نذكر منها:

القرار رقم 1514 تاريخ 1960 الذي ينص على أن كل احتلال لأراضي أي شعب من الشعوب هو إخلال بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وينص على إدانة كل الحكومات التي تتنكر لهذا الحق.

 

القرار رقم 3103 تاريخ 1973 الذي ينص على أن نضال الشعوب في سبيل حقه في تقرير المصير والاستقلال هو نضال شرعي يتفق تمامًا مع مبادئ القانون الدولي، وأن أية محاولة لقمع الكفاح المسلح هي مخالفة لميثاق الأمم المتحدة ولإعلان مبادئ القانون الدولي وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأن المحاربين المناضلين الذين يقعون في الأسر يجب أن يعاملوا كأسرى حرب وفق أحكام اتفاقية جنيف المتعلقة بأسرى الحرب(4).

 

وبما أن الكيان الصهيوني يتنكّر للشعب الفلسطيني في حقه المشروع في إقامة دولته على الأراضي الفلسطينية، يتنكّر أيضًا لحقوقه المشروعة في تقرير مصيره وفي حقه الطبيعي في الحياة والعيش فوق أرضه، لا بل يمارس فعل إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني بهدف القضاء الكامل على هذا الشعب وذلك عن سابق تصور وتصميم، منذ مجازر دير ياسين عام 1948 حتى مجازر مخيم جنين وغزة ورفح عام 2002، وانطلاقًا من مبادئ القانون الدولي العام ومن نص القرار 1514 تاريخ 1960 والذي يعتبر أن كل احتلال لأراضي أي شعب من الشعوب هو إخلال بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وأن نضال الشعوب في سبيل حقه في تقرير المصير والاستقلال هو نضال شرعي يتفق تمامًا مع القانون الدولي" (القرار 3103 تاريخ 1973)، لذلك فإن للشعب الفلسطيني المحتلة أرضه من قبل المحتل "الإسرائيلي" حقًا مشروعًا في مقاومة الاحتلال وفي النضال المسلح من أجل تقرير المصير وإعلان الاستقلال.

 الى الأعلى

 

 -الانتفاضة كمقاومة في القانون الدولي العام:

حفل الواقع الدولي بمتغيرات عديدة في أعقاب توقيع اتفاقيات جنيف لعام 1949، واستقرت بعض المبادئ القانونية الدولية والتي ترجع بجذورها إلى ما قبل هذا التاريخ، وبدت أكثر وضوحًا، بقدر ما أصابها من التطور والتحسين، ويكفي أن نشير على سبيل المثال في هذا الصدد إلى تحريم حرب العدوان، واستقرار مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وقد تزايدت الأصوات الداعية إلى وجوب إضفاء مزيد من الحماية على أفراد المقاومة الوطنية المسلحة ضد سلطات الاحتلال.

 

وقد كانت دورات مؤتمر جنيف الدبلوماسي للعمل على إنماء وتطوير قواعد القانون الدولي الإنساني المطبق على النزاعات المسلحة والتي عقدت في جنيف بين 1974 – 1977، والذي توّج بإقرار بروتوكولين إضافيين لاتفاقيات جنيف وتم التوقيع عليها في 10 حزيران 1977، وكان مناسبةً لطرح تحريم حرب العدوان، وحق الشعوب في تقرير المصير وغيرها من القضايا التي تحمي أفراد المقاومة المسلحة ضد المحتل وتعترف بمشروعية وحق الشعب في مقاومة الاحتلال والاستعمار.

 

وقد تبنى المؤتمر في البروتوكول الأول الرغبة الدولية في وجوب توفير قدر أكبر من حماية القانون الدولي للمقاتلين من أجل الحرية، حيث جاء في المادة الأولى من البروتوكول الأول:  "ينطبق هذا البروتوكول الذي يكمل اتفاقيات جنيف لحماية ضحايا الحرب الموقعة في 12 آب 1949، على الأوضاع التي نصّت عليها المادة الثانية المشتركة فيما بين هذه الاتفاقيات، وتتضمن الأوضاع المشار إليها في المادة الأولى أعلاه، المنازعات المسلحة التي تناضل بواسطتها الشعوب ضد التسلط الاستعماري والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية –(والكيان الصهيوني هو كيان عنصري وقد تبنت الأمم المتحدة سابقًا قرارًا باعتبار الصهيونية حركة عنصرية أجهضت لاحقًا بضغط من الولايات المتحدة)- وذلك في ممارستها لحق الشعوب في تقرير المصير، كما كرّسه ميثاق الأمم المتحدة والإعلان المتعلق بمبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول طبقًا لميثاق الأمم المتحدة.

 

وهو ما يعني ببساطة اعتبار المنازعات المسلحة الناجمة عن نشاط حركات التحرير بمثابة نزاعات مسلحة دولية، يطبّق عليها البروتوكول الأول وقانون النزاعات المسلحة في مجموعة، ومن ناحية أخرى فإن المواد 43 وما بعدها من البروتوكول الأول قد انطوت على نص يؤكد أن أفراد المقاومة النظامية مندرجين في مفهوم القوات المسلحة (المادة 43 الفقرة 1).

 

ثم نصت المادة (44) من البروتوكول الأول على أن:

1.    يُعدّ كل مقاتل ممن وصفتهم المادة (43) أسير حرب إذا ما وقع في قبضة الخصم.

 

2.    يلتزم المقاتلون بقواعد القانون الدولي التي تطبق في المنازعات المسلحة، بيد أن مخالفة هذه الأحكام لا تحرم المقاتل حقه أن يعد مقاتلاً، أو أن يعد أسير حرب إذا ما وقع في قبضة الخصم، وذلك باستثناء ما تنص عليه الفقرتان الثالثة والرابعة من هذه المادة.

 

3.    يلتزم المقاتلون، لحماية المدنيين ضد آثار الأعمال العدائية، أن يميزوا أنفسهم عن السكان المدنيين أثناء اشتباكهم في هجوم أو في عملية عسكرية..

 

أما وهناك من مواقف المنازعات المسلحة ما لا يملك فيها المقاتل المسلح أن يميز نفسه على النحو المرغوب فإنه يبقى عندئذٍ محتفظًا بوصفه كمقاتل شريطة أن يحمل سلاحه علنًا في مثل هذه المواقف:

           أ‌-       أثناء أي اشتباك عسكري.

         ب‌-      طوال ذلك الوقت الذي يبقى خلاله مرئيًا للخصم على مدى البصر أثناء انشغاله لتوزيع القوات في مواقعها استعدادًا للقتال قبيل شن هجوم عليه أن يشارك فيه.

 

وفي ضوء ما تقدم فإن للشعب الفلسطيني حقًا لا مراء فيه في أن يحمل السلاح لمقاومة العدو "الإسرائيلي" الذي يحتل أرضه ويمارس سياسة الأرض المحروقة وسياسة الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني وعمليات الإبادة المنظمة للقرى والبنى الاقتصادية والمعالم الثقافية والحضارية الفلسطينية، وهذا الحق الثابت الذي لا تشوبه شائبة تؤكده اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الأول لعام 1977 ولا شك أن أهم ما يترتب على ذلك الحق الثابت المقرر للشعب الفلسطيني هو حق أفراد الانتفاضة –المقاومة الفلسطينية- ضد الاحتلال "الإسرائيلي" في الحصول على المعاملة المقررة لأسرى الحرب إذا ما وقع بعضهم في أيدي سلطات الاحتلال.

 

إن "إسرائيل" المتهمة بجريمة إبادة الشعب الفلسطيني – صبرا وشاتيلا، دير ياسين، رفح، غزة وجنين وغيرها- وبجرائم الحرب، ترى أن أعضاء المقاومة الفلسطينية والانتفاضة لا ينتمون إلى أي فئة من الفئات التي ذكرت في اتفاقية جنيف الثالثة حول معاملة الأسرى الموقعة في 12 آب 1949، وبالتالي فإن هذه المجموعات لا تعدّ من الأطراف المتحاربة.

 

علمًا أن "إسرائيل" ومنذ عملية "السور الواقي" التي نفذتها ضد الشعب الفلسطيني، تحتجز في سجونها أكثر من سبعة آلاف معتقل فلسطيني، تنكر عليهم الحق في اعتبارهم أسرى حرب، أو السماح للجنة الصليب الأحمر الدولي بزيارتهم، وبالتالي إطلاع أهاليهم على مكان سجنهم وعلى حالتهم الصحية.

 

إن خروج سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" عن أحكام اتفاقية جنيف الثالثة حول معاملة الأسرى، يعد انتهاكًا جسيمًا لأحكام اتفاقيات جنيف لعام 1949 وأحكام البروتوكول الأول لعام 1977، والتي تعتبر المادة 85 منه بأنها انتهاك جسيم وجريمة من جرائم الحرب.

الى الأعلى

 

 -الوثائق والاتفاقيات الدولية التي تدعم حق الانتفاضة ومشروعيتها:

1.    اتفاقيات مؤتمري لاهاي (1899 و 1907):

عرّفت المادة الثانية من لائحة لاهاي للعام 1907، الشعب القائم أو المنتفض في وجه العدو بأنه مجموعة المواطنين من سكان الأراضي المحتلة، الذين يحملون السلاح ويتقدمون لقتال العدو، سواء أكان ذلك بأمر من حكومتهم أم بدافع من وطنيتهم أو واجبهم.  وقررت المادة المذكورة أعلاه أن هؤلاء المواطنين المقاتلين يعتبرون في حكم القوات النظامية وتطبق عليهم صفة المحاربين، لكن بوجوب توافر شرطين فيهم، الأول حمل السلاح علنًا والثاني التقيّد بقوانين الحرب وأعرافها.

 

وجرى العرف حتى نهاية الحرب العالمية الأولى على اعتبار القوات المتطوعة والشعب المنتفض في وجه العدو، حركات مقاومة شعبية منظمة يستحق أفرادها حمل صفة المحاربين، وقد سار الفقه الدولي في هذا الاتجاه(5).

 

ميثاق الأمم المتحدة:

لم يسمح ميثاق الأمم المتحدة بالحرب إلا في حالة الدفاع المشروع عن النفس، وضمن قيود معينة، واعتبرت المادة (51) منه، أن للدول فرادى وجماعات، حقًا طبيعيًا في الدفاع عن نفسها إذا ما تعرضت لعدوان مسلّح.  وعلى الرغم من هذا الإنجاز الكبير، فقد أصرّت الدول الاستعمارية على تفسير حق الدفاع عن النفس بشكل مغالط للواقع، فادعت أنه يقتصر على الدول فقط دون الشعوب ورفضت بالتالي مبدأ حروب التحرير وحروب العصابات وحركات المقاومة الشعبية.

 

ومع أن الحرب العالمية الثانية قد أعطت لنا أنموذجًا مختلفًا لذلك الإصرار من جانب الدول الكبرى وخاصة من جانب الولايات المتحدة.

 

فعندما انهارت الأنظمة الحاكمة أمام الاجتياح النازي نهض الشعب أو القسم منه وحلّ محل الحكومات في ممارسة حق الدفاع عن الأرض والاستقلال.  وكانت المقاومة الشعبية هي الشكل المعتمد والسائد.  وقد اعترفت الدول الكبرى آنذاك بشرعية هذه المقاومة وتعاملت معها كممثل شرعي لشعوبها، وأمدتها بالسلاح والعتاد والمال، وسمحت لها بافتتاح مكاتب رسمية ومراكز تدريب في أراضيها.  وقد حظيت كل أنواع المقاومة في أوروبا بعطف الولايات المتحدة وتشجيعها.  ففي شهر آب 1943، اعترفت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفياتي بالمقاومة الفرنسية.  وفي كانون الثاني 1942، أصدر وزير الخارجية الأميركية تصريحًا أيّد فيه المقاومة الألبانية ضد الاحتلال الإيطالي.

 

والغريب أن الولايات المتحدة التي ساندت أثناء الحرب العالمية الثانية مختلف أنواع المقاومات الوطنية ضد الاحتلال الألماني النازي واعترفت بها وبمشروعيتها.  تنكر هذا الحق على الشعب الفلسطيني وعلى مقاومته وتصف أعمالها "بالإرهابية"، وبالمقابل تعتبر أعمال "إسرائيل" الإجرامية بحق الشعب الفلسطيني دفاعًا عن النفس.

 

ولو راجعنا مجموعة القرارات الدولية الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة لوجدنا أن هناك، منذ العام 1975، نصًا يتكرر كل عام ويتضمن إعادة تأكيد الجمعية "شرعية كفاح الشعوب في سبيل الاستقلال والسلامة الإقليمية والوحدة الوطنية والتحرر من السيطرة الاستعمارية والأجنبية ومن التحكم الأجنبي، بكل ما تملك هذه الشعوب من وسائل بما في ذلك الكفاح المسلح".  وقد حظي هذا النص عام 1975 بموافقة 99 دولة ضد دولة واحدة هي (الكيان الصهيوني) وامتناع (18) دولة عن التصويت منها الولايات المتحدة، وفي العام 1980 بلغ عدد الموافقين 119 وفي وقتنا الحالي يبلغ عدد الموافقين أكثر من 80% من أعضاء الجمعية العامة أي حوالي 155 دولة، علمًا أن معظم الدول عندما تصوّت على هذا النص إنما تصوّت لصالح حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال "الإسرائيلي"(6).

 

الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان:

وأشهرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 والذي يعتبر في ديباجته، أنه من الضروري أن يتولى نظام قانوني حماية حقوق الإنسان، لئلا يضطر المرء في نهاية الأمر، إلى التمرد على القهر والطغيان.  وتطبيقًا لمبادئ حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14/12/1960 القرار رقم 1514 والمتعلق بالإعلان الخاص بمنح الاستقلال للأقطار والشعوب المستعمرة.  وقد جاء فيه:  "إن إخضاع الشعب للاستعباد الأجنبي والسيطرة الأجنبية والاستغلال الأجنبي يشكل إنكارًا لحقوق الإنسان الأساسية، ويناقض ميثاق الأمم المتحدة، ويعرض السلام والتعاون الدوليين للخطر، وإن كل محاولة تستهدف جزئيًا أو كليًا تقويض الوحدة الوطنية والسلامة الإقليمية لقطر ما، تتعارض مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها(7)

 

اتفاقيات جنيف لعام 1949:

لقد أصرت الدول الكبرى ومعظمها دولاً استعمارية عند وضع هذه الاتفاقيات على إيراد عبارة حركات المقاومة المنظمة، بغية تضييق الخناق على الثورات المسلحة ضد سلطات الاحتلال.  ولكن الواقع يثبت  انتفاء وجود مقاومة مسلحة يمكن أن يتوافر فيها شرط التجمّع والتنظيم في ظل الاحتلال إلى جانب الشروط الأربعة المعروفة التالية:

أن تكون لديهم قيادة مسؤولة عن تصرفاتهم وعملياتهم.

أن يكون لديهم رمز معين ومحدد وظاهر.

أن يحملوا السلاح بصورة بارزة.

أن يطبقوا في تصرفاتهم قوانين وقواعد الحرب.

وإن حصل ذلك كان مصير المقاومة الضعف والتفكك.

 

إن حركات المقاومة هي عادة تنظيمات سرية لا تحمل شارة مميزة ولا تظهر بزي عسكري.  ثم أن حمل السلاح علنًا لم يعد أمرًا معقولاً أو عمليًا في الحروب الحديثة، إن رجال المقاومة لا يظهرون بسلاحهم إلاّ في ميدان القتال ولحظته.

 

ولهذا وجد الكثيرون أن الشرطين المتعلقين بالشارة المميزة والظاهرة وكيفية حمل السلاح بصورة بارزة يشكلان قيدين يصعب التقيد بهما، وأن التشديد على الشروط الأربعة كلها يؤدي إلى حرمان الكثير من حركات المقاومة الوطنية في العالم من صفتها هذه، وذلك لتناقض أحكام الاتفاقيات الدولية في الكثير من زواياها مع متطلبات العمل الفدائي التي تستند إلى السرية والمفاجأة، ومع طبيعة الحرب الحديثة التي تعتمد على السرعة وأنواع الأسلحة المتطورة تقنيًا.  وقد تفهمت المحاكم المنشأة بعد الحرب العالمية الثانية هذه الصعوبات فاتخذت موقفًا لينًا تجاه حركات المقاومة، التي لم تلتزم كليًا بشروط أنظمة لاهاي، المطابقة لشروط اتفاقيات جنيف لعام 1949.  وأقرّت المحاكم بوجوب معاملة رجال المقاومة المقبوض عليهم كأسرى حرب حتى لو ثبت في المحاكمة أنهم غير جديرين بصفة المحاربين القانونيين(8).

 

ومع أن معظم الفقهاء لم يجدوا في اتفاقيات جنيف نصًا صريحًا يحول دون لجوء سكان الأراضي المحتلة إلى إعلان الثورة المسلحة أو العصيان المدني على سلطات الاحتلال، ومع أن بعضهم قرّر أن حروب العصابات وحركات المقاومة التي يقوم بها الشعب المحتل للدفاع عن وطنه وحريته هي حروب مشروعة يحميها القانون الدولي، فإن الموقف من حركات المقاومة غير النظامية والثورات التلقائية العارمة ضد المحتلين ما زال غير موحّد(9).

 

والسبب يعود إلى موقف الدول الكبرى من شرعية المقاومة.  فهذا الموقف مازال خاضعًا لمصالحهم وتباين أوضاعهم.  فالدولة (الكبرى) تؤيد فكرة المقاومة وتعتبرها مشروعة عندما تكون هي رازحة تحت الاحتلال، وترفضها عندما تصبح دولة احتلال، أو داعمة لدولة احتلال كما هو الأمر مع الولايات المتحدة الداعمة لـ"دولة إسرائيل" القائمة على أراضي الغير بقوة الاحتلال.

 

                                                  

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة