من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 

الانتفاضة وتأثيراتها في الأمن القومي "الإسرائيلي"

 

الانتفاضة وتأثيراتها في الأمن القومي "الإسرائيلي"

   

-  في المفهوم العام

- المقومات السياسية والعسكرية للأمن القومي "الإسرائيلي"

-  الانتفاضة في مواجهة مقومات الأمن القومي "الإسرائيلي"

- خلاصة واستنتاجات

 

                                                                                                             

  إحسان مرتضى(*)

1-         في المفهوم العام:

 

تعتبر مسألة الأمن القومي في مفهومها العام، حسب رأي "يسرائيل طال"، المفكر الإستراتيجي وأبو مشروع دبابات ميركافا في "إسرائيل"، "مسألة جديدة نسبيًا، وترتبط بالثورة الصناعية والحرب الشاملة وتطور الدولة القومية(1).  ويضيف: إنه يمكن تعريف اصطلاح أمن قومي بأنه "ضمان الوجود القومي وحماية المصالح الحيوية".  والأمن كموضوع مصيري، يتصدر الواقع الاجتماعي والسياسي في العالم، وذلك نتيجة للحروب الشاملة وتطور وسائل الدمار الجماعي.  فلم تعد الحرب تهدد بالخطر مصالح أو حرية أو حتى الوجود القومي وحده فقط، بل إنها تهدد الوجود الطبيعي ذاته للشعوب.  ولم تعد الحرب "رياضة" تدور حسب قواعد وقوانين، بل باتت تخفي في طياتها خطرًا على وجود الجنس البشري نفسه.  ومن ثم، فإن مسألة الأمن القومي تمس حقيقة الوجود الطبيعي والروحي والمادي لأي مجتمع من المجتمعات البشرية وبشكل خاص المجتمعات ذوات القدرات المحدودة ديموغرافيًا واقتصاديًا وعسكريًا.

والأهداف القومية للشعوب حسب رأي اللواء (في الاحتياط) "يسرائيل طال"، تتغير بمرور الوقت، وفقًا للمشاكل المصيرية والمصالح المصيرية، ولكنها تتغير أيضًا، بفعل الموروثات والمعايير الوطنية.  وتختلط هنا دوافع منطقية وبواعث غير منطقية، لتشكل بعض الأماني والرغبات الوطنية.  وتؤثر القيم الدينية والاجتماعية والسياسية، وقضايا الحرية والعدالة والكرامة، على سلوك الشعوب والدول، بدرجة لا تقل أهمية عن احتياجاتهم المادية، وتدفعهم أحيانًا، للقيام بعمل يتعارض مع المصلحة الوطنية الحقيقية.

ويستنتج "طال" من ذلك أن الأماني غير الوطنية ليست وحدها التي تهدد أمن أي شعب، بل وأيضًا الأهداف التي يضعها الشعب نفسه –وأحكامه- نصب أعينهم.  بمعنى أنه كلما كان الطموح الوطني أكبر، وكان تحقيقه مرتبطًا بأبعاد شعوب أخرى، تقلصت احتمالات التعايش معهم، وتفاقمت مشكلة الأمن.  وعلى ذلك فإن الطموح الوطني المبالغ فيه يهدد بالخطر صاحب الطموح نفسه.

وإذا طبقنا هذه المقولات على الصراع "الإسرائيلي" الفلسطيني بالذات يتبيّن لنا أن الأماني الوطنية ووحدة الهدف، لكلا الفريقين المتنازعين، والحماس الجماعي العام، هي التي تشكل نمط السلوك الوطني.  والشعوب عادة، تنمي لديها الإحساس بوحدة المصير ووحدة الهدف والإرادة الوطنية الصلبة، في الوقت الذي تحتم عليها الضرورة التاريخية والمصيرية ذلك.  فالجندي "الإسرائيلي" والمجاهد الفلسطيني كلاهما مطالبان بإبداء الاستعداد للتضحية والمزيد من التضحية حتى تتفوق حوافز هذه التضحية لدى أحدهما أكثر من الآخر، وهنا يكمن سر الكسب السياسي في حرب إرادات قاسية ومريرة ونازفة بالدم، حرب طاحنة من أجل البقاء الطبيعي والقومي على حد سواء ترتكز على النفس الطويل والقدرة على امتصاص الخسائر والألم.

إن البحث في مصطلح الأمن القومي "الإسرائيلي" على امتداد سنوات وجود "إسرائيل" كان وما يزال يتطلب -أولاً وقبل كل شيء- تعريفًا لهذا المصطلح، إذ أنه على الرغم من التحدث عنه كثيرًا، فإنه لم يعط تعريفًا معتمدًا لا في "إسرائيل" نفسها ولا في دول أكثر رشدًا منها كالولايات المتحدة.  علاوة على ذلك فإن تعريف الأمن القومي، لم يظهر بعد في الأدبيات المهنية والموسوعات والمفاهيم، حتى لو وجدناه فيها فإنه يكون غير متكامل.  ومثال ذلك أن جوهان أ. كولينز يعرف "الأمن القومي" في كتابه الضخم عن "الميزان العسكري" بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي سابقًا خلال السنوات 1960 – 1980، الذي صدر في الولايات المتحدة عام 1980 بأنه:  "دفاع عن شعب ضد جميع أنواع الأعمال العدوانية من الخارج".  ويسرد كولينز سلسلة طويلة من الأعمال العدوانية المتعددة الأنواع، لكنه لا يجعل التعريف أكثر وضوحًا.  وكغيره من التعريفات القريبة منه (التي تتحدث عن الأمن القومي بأنه حماية سلامة أراضي الدولة وسيادتها واستقلالها وكرامتها وازدهارها) فإنه يعرف هدف "الأمن القومي" أكثر من تعريفه حقيقة جوهره.  وبهذا المنهج يكون علينا مثلاً أن نعرف "الحديد الصلب في الدبابة" لا بمثابة "معدن" وإنما "وسيلة وقاية للطاقم".

أما التعريف الذي يقترحه العقيد أ. ايلون في مجلة سكيراه حودتسين شباط/ فبراير – آذار/ مارس 1983، فهو أن الأمن القومي يتلخص في كونه "محصّلة الاتصالات المتبادلة لدولة مع بيئتها القريبة والبعيدة، والتي (المحصلة) تعكس قوتها واستعدادها ووسيلتها وقدرتها التنفيذية على الدفاع عن مصالحها الحيوية وتحقيق غاياتها وأهدافها القومية".  وتجسيدًا لذلك إذا كانت "إسرائيل" كدولة قائمة ضمن حدود سياسية معترف بها، تريد تأمين سلامتها وسيادتها واستقلالها وكرامتها وازدهار شعبها داخل حدودها القائمة، ومواصلة تحقيق أهداف الصهيونية بوتيرة لا تقل عن تلك التي مارستها حتى الآن، فسيكون عليها المحافظة على قدرتها وتطويرها واختيار الوسائل التي تلائم الظروف والتثبت بتنفيذها.  ومعلوم على هذا الصعيد أن "إسرائيل" لا تملك حتى الآن دستورًا ولا حدودًا دولية نهائية تعتبر تعبيرًا وتجسيدًا لأهدافها القومية النهائية بل هي تملك مشروعًا توسعيًا مطاطًا لا حدود له سوى حدود القوة العسكرية والدبلوماسية والسياسية التي تتمتع بها في لحظة من لحظات تاريخ وجودها.  ومن هنا يصبح من الصعب أكثر فأكثر إعطاء تحديد واضح ونهائي لمفهوم الأمن القومي "الإسرائيلي"، لأن هذا المفهوم دائم التغير وفقًا لمعايير القوة بكل أشكالها الجغرافية والاقتصادية والعسكرية والسياسية وما إلى ذلك، مع التركيز بشكل خاص وباستمرار على عوامل لا يمكن التساهل فيها وهي عامل المساحة (العمق الاستراتيجي، وطبيعة الحدود التي يمكن الدفاع عنها...) والسكان (الطاقة البشرية العاملة والمقاتلة والمستوطنة) والمساعدات (الدعم الأجنبي الخارجي).

والجدير بالذكر في هذه المقدمة العامة أن الغاية القومية لدى "الإسرائيليين"، في هذه اللحظة التاريخية من الصراع "الإسرائيلي" الفلسطيني المستمر منذ أكثر من قرن من الزمن، إنما هي محصلة تقويم للوضع، حيث أن الأهداف القومية البعيدة المدى تشكل العنوان الرئيسي.  وكلها جميعًا مرتبطة بمفاهيم حساسة مثل:  "الإجماع الوطني" و "التلاحم الاجتماعي" و "الدافع المادي" و "المعنويات".  وهذا يقودنا إلى تلخيص معادلة الأمن القومي "الإسرائيلي" بمكوناتها الثلاث:  القوة القومية والجاهزية القومية – والوسيلة بأهدافها ووسائلها وأفكارها – والغاية ضمن ظروفها الزمنية المتحكمة.

على خلفية ما تقدم يستخلص العقيد ايلون أنه لا توجد دولة في العالم مثل "إسرائيل" صمدت في مجموعة من الحروب التي شنتها أو التي شنت عليها منذ العام 1948، من دون أن يسيء ذلك إساءة فعلية، ليس فقط إلى قدرتها على المحافظة على رزمة مصالحها المفضلة وإنما أيضًا إلى قدرتها على تحقيق أهدافها ومراميها القومية بوتيرة لا مثيل لها.  وبالتالي فإن "معادلة الأمن القومي" الإسرائيلية هي من المعادلات الناجحة في العالم.  ومع ذلك فإن هذه المعادلة لا يمكنها أن تحافظ على قوتها وتوازنها وحرية عملها بقوتها الذاتية.  بل على العكس، إنها بحاجة إلى رعاية مستمرة لجميع مكوناتها:  قيادة تعرف كيف تقود الشعب وتوحده –موارد لا تشح بل تنمو باطراد، وسائل فعالة ومعتمدة، جاهزية كاملة، وسيلة حكيمة- تنفيذ متكامل وغاية متكاملة ومتكيفة، سواء مع المتغيرات المستمرة في محور الاتجاه التاريخي أو مع ضغط البيئات الداخلية والإقليمية والدولية(2).

 الى الأعلى

 

2-         المقومات السياسية والعسكرية للأمن القومي "الإسرائيلي":

 

إن نقطة الانطلاق لجميع تلاوين المفهوم "الإسرائيلي" للأمن القومي هي الفرضية القائلة: إن "إسرائيل" هي أمة تعيش في محنة كيانية.  هذا التوافق في الرأي وبغض النظر عن الاختلاف في المواقف الإيديولوجية والسياسية، يعكس مكانة "إسرائيل" كفريق في نزاع متواصل.  ولهذا النزاع مستويان ينطويان على تحديين تتصدى لهما مفاهيم "إسرائيل" للأمن القومي منذ العام 1948.  فعلى مستوى النزاع مع دول المنطقة، وفي ظل انعدام السلام بين "إسرائيل" وجاراتها العربيات، على حد قول دان هوروفيتش(3)، تتصدى "إسرائيل" لتحدي البقاء العسكري في بيئة إستراتيجية معادية، وأما على الصعيد القومي –الإيديولوجي- للنزاع، بين القومية اليهودية والقومية الفلسطينية، على مصير الأرض الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، تسعى "إسرائيل" إلى ترسيخ الاعتراف الدولي بشرعية وجودها واحتلالها وشرعنة احتلالها.  ويستمد الإجماع القومي في "إسرائيل" مقوماته في هذا السياق من الفرضية القائلة إن "إسرائيل" هي في حالة دفاع على الصعيد السياسي –الاستراتيجي-، حتى عندما تمارس نهجًا هجوميًا على الصعيد العملاني.  ومن هنا فالنظرة "الإسرائيلية" إلى الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية والعربية.  إنما هدفها، حسب هذا الزعم، إحباط التهديد الأمني، وذلك من أجل تحقيق "حقوق تاريخية" مزعومة.  ورأى قسم آخر من "الإسرائيليين" في هذه الأراضي على أنها "ورقة للمساومة" من أجل بلوغ السلام.

 إن احتلال "إسرائيل" للضفة الغربية خلال حرب عام 1967 قد أعتقها من أكثر التهديدات خطورة على أمنها القومي.  ونتيجة لذلك فإن الإجماع الذي ساد بين أسرة الأمن "الإسرائيلية"، بعد هذه الحرب، ارتكز على رفض تسوية سياسية تحتم العودة إلى الوضع الراهن السابق السياسي والعسكري الشيء الذي كان قائمًا على امتداد حدود "إسرائيل" الشرقية.  واختلفت الآراء "الإسرائيلية" إزاء الوضع السياسي والقانوني للمنطقة التي ستبقى في المستقبل تحت السيطرة "الإسرائيلية" وإزاء حجم هذه المنطقة، الأمر الذي شكل مساسًا خطيرًا بمنظومة الحقوق السياسية والمدنية المشروعة للشعب الفلسطيني والتي من أهمها:

 

 1-         الحق التاريخي للشعب الفلسطيني في وطنه.  وهو حق مقدس لا يفتقر إلى دليل أو برهان، ففلسطين أرض الآباء والأجداد التي ازدهرت فيها حضارة شعب فلسطين العربي وثقافته وتبلورت فيها وولدت عاداته وتقاليده والتي شكلت بمجموعها الشخصية الوطنية المتميزة للشعب الفلسطيني وتطبيقًا لقواعد القانون الدولي كما استقر عليها القضاء العالمي فإن الحق التاريخي في فلسطين هو للعرب وهو وعد من الحلفاء، إبّان الحرب العالمية الأولى بأن يؤكدوا للعرب اعترافهم بحقوق السيادة العربية من خلال مراسلات "حسين مكماهون" وتصريحات الحلفاء.

 

2-         حق تعزيز المصير الذي هو حق سياسي لجميع الشعوب قبل أن يصبح مبدأ أساسيًا من مبادئ القانون الدولي.  وهو أيضًا شعار ذو قوة أخلاقية ومعنوية كبرى.  وقد أصبح منذ عام 1945 مبدأ أساسيًا من مبادئ القانون الدولي وأساس العلاقات الودية بين الأمم وينتمي إلى مجموعة مبادئ القانون الدولي والتي تحدد واجبات وحقوق أعضاء المجتمع الدولي(4).

 

3-         حق السيادة:  وهو لا ينفصل عن حق تقرير المصير وكل منهما مكمل للآخر فلا يمكن لشعب إنجاز حقّه في تقرير المصير ما لم يتمكن من بسط سيادته الوطنية على أرض وطنه عبر إقامة أجهزة دولته الخاصة التشريعية والتنفيذية.  حيث تتكامل السيادة الوطنية والشعبية مع سيادة الدولة للشعب المستقل.  كذلك لا يمكن إقامة السيادة الوطنية ما لم يعترف للشعب بحقه في تقرير مصيره بما فيه حقه في الاستقلال الوطني في إطار دولة وطنية خاصة به على أرض وطنه من دون أي تدخل خارجي.

 إن مبدأ السيادة في القانون الدولي مبدأ أساسي وحق لكل الشعوب فجميع أعضاء المجتمع الدولي وشعب فلسطين كذات قانونية دولية منه متساوية السيادة طبقًا للقانون الدولي المعاصر.

 ومن أهم مكونات الحقوق غير القابلة للتصرف، للشعب الفلسطيني حق العودة إلى وطنه وفي التعويض عن الخسائر والأضرار التي لحقت به من جراء ممارسة سياسة العدوان والإبادة الجماعية ضده.  وتستند هذه الحقوق إلى النصوص العامة للقانون الدولي وقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن الدولي والاتفاقيات الدولية.

 وإذا كانت هذه هي بعض أبرز الحقوق الشرعية والوطنية الفلسطينية التي أكدتها إرادة المجتمع الدولي، فإن المعتدين الصهاينة وحاميتهم رأس الإمبريالية العالمية الولايات المتحدة الأميركية، قد وضعوا أنفسهم، على النقيض من إرادة هذا المجتمع، وجهًا لوجه ضد حقوق الشعب الفلسطيني، وعملوا على القضاء عليه سياسيًا وجسديًا وتاريخيًا ما حمل هذا الشعب على الدفاع عن وجوده وكرامته وحقوقه القانونية والإنسانية في سلسلة لا تنتهي من الثورات والانتفاضات التي كان آخرها انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من أيلول/ سبتمبر عام 2000.

 

 الى الأعلى

 

3-         الانتفاضة في مواجهة مقومات الأمن القومي "الإسرائيلي":

  ‌أ-        أزمة الاستيطان والهجرة:

لقد فرضت انتفاضة الأقصى، المندلعة منذ نهاية شهر أيلول/ سبتمبر عام 2000، والتي جاءت استكمالاً وتجديدًا لانتفاضة عام 1987، تأثيراتها الحادة على الواقع الأمني والسياسي "الإسرائيلي" من مختلف النواحي، مثلما فرضت أيضًا تأثيراتها على كافة الأصعدة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والعسكرية، إلا أن أهم إنجازات هذه الانتفاضة على الإطلاق هي تضييق الخناق على الاستيطان باعتباره الركيزة الأساسية للمشروع الصهيوني والأساسي العملي الذي يقوم عليه البرنامج الإيديولوجي الصهيوني الهادف إلى ترسيخ الاحتلال الصهيوني وتوسيعه، وبالتالي توسيع رقعة الاستناد التي يقوم عليها بنيان الأمن القومي "الإسرائيلي" بأكمله.

لقد بات من الواضح أن انتفاضة الأقصى أدخلت المشروع الاستيطاني الصهيوني برمته في مأزق كبير تتضح معالمه يومًا بعد يوم، بحيث يمكن القول: إن الانتفاضة أنهت عصر الازدهار الذي وفره مناخ أوسلو لنمو هذا المشروع وتوسعه وبات أي مستوطن "إسرائيلي" يبحث عن توفير الأمن الشخصي لنفسه وعياله تاركًا وراءه الإيديولوجيا الصهيونية.  ومقولة الاستيطان في كل مكان مما يسمى زورًا وتزييفًا "أرض إسرائيل".  وعندما بحث المستوطنون عن مخرج لهم من مأزقهم العسكري الأمني، سارعوا إلى انتخاب شارون ليحل محل باراك، وذلك لأن شارون صاحب فكر صهيوني توسعي عنفي وهو القائل:  "إن المستوطنات لها أهمية تاريخية وإستراتيجية لأنها تحمي مسقط رأس الشعب اليهودي، كما توفر لنا عمقًا إستراتيجيًا لحماية وجودنا"!(5)

لقد طورت المقاومة الفلسطينية بجميع أشكالها وتجلياتها الفكرية والعملانية.  وسائلها الجهادية التي يمكن بواسطتها إجبار المستوطنين على التفكير مليًا بالرحيل عن أرض ليست أرضهم ولن تكون كذلك.  فمن الحجر إلى السكين إلى القنبلة والرشاش إلى الصاروخ وقذائف الهاون إلى العمليات الاستشهادية التي أحدثت حالة من الارتجاج والهوس الأمني في المجتمع "الإسرائيلي" الرسمي والشعبي.  وعلى الرغم من تعزيز الجيش "الإسرائيلي" لقواته تحت شعار "دعوا الجيش ينتصر" من الطلقات المطاطية وقنابل الغاز إلى استخدام طائرات أباتشي واف 16 وقنابل من زنة ألف كلغ، وعلى الرغم من مشاركة المستوطنين بالسلاح، ومن استئجار شركات للحراسة وتحصين وسائل النقل، فإن كل هذه الإجراءات الأمنية المتشددة وسواها لم تفلح حتى في تقليل نسبة القتلى بين المستوطنين أو التغلب على مشكلة الأمن الجاري في كل مكان من أرض فلسطين المحتلة.  وتحولت المواجهات إلى مواجهات قاسية وعنيفة من أجل تنازع البقاء والوجود على الأرض الفلسطينية المحتلة بأكملها من البحر إلى النهر. مما أدى إلى ما يمكن تسميته الهجرة الداخلية وخاصة من مستوطنات غور الأردن.  ففي مستوطنة "غاتيت" رحلت 22 عائلة من بين 46 عائلة تسكن هذه المستوطنة.  كذلك مستوطنة "غلغتا" تركتها ست أسر من بين 36 أسرة، ومستوطنة "ديكيف" غادرتها 8 أسر من أصل 12 أسرة.  ووصل عدد المستوطنات الخالية تمامًا من المستوطنين إلى 38 مستوطنة، وأصبح يطلق على تلك المستوطنات اسم مستوطنات الأشباح (Dummy Sittelment ) نظرًا لخلوها من السكان.  وكانت مستوطنة "سارنور" القريبة من جنين – والتي كانت في الماضي محطة انتقالية مركزية للمستوطنين في الضفة الغربية، أول مستوطنة يجري الاعتراف "الإسرائيلي" بالرحيل الكامل للمستوطنين عنها بسبب أحداث الانتفاضة.  وذلك وفقًا لما ذكرته صحيفة يديعوت أحرونوت في 16/8/2001 ثم أخليت بعد ذلك جزئيًا مستوطنة "كرمي شور" في الخليل ومستوطنة "برافاه" بالقرب من نابلس.(6)

وأدت عمليات الهجرة المتلاحقة من المستوطنات إلى انخفاض عمليات بيع الوحدات السكنية الجديدة.  وسجلت الصحف "الإسرائيلية"(7)نخفاضًا بنسبة 50% في بيع الشقق السكنية في الضفة الغربية وقطاع غزة مقارنة بالنصف الأول من عام 2000.  وامتد هذا الانخفاض ليطال كبرى المستوطنات المحصنة مثل مستوطنات "معاليه أدوميم وبسجات زئيف" ومستوطنة "هار حوما" أو جبل أبو غنيم.  كما توقفت عمليات البناء تمامًا في أغلب المستوطنات بسبب خوف عمال البناء والمقاولين اليهود من التوجه إلى المستوطنات القريبة من الضفة وغزة خوفًا على حياتهم من هجمات استشهادية فلسطينية، وتعرضهم لإطلاق نار.

وازدادت أزمة المستوطنات هذه وتفاقمًا مع تزايد خوف أعضاء الجماعات اليهودية في العالم من الهجرة إلى "إسرائيل" نتيجة لما ترتب على الانتفاضة من إحساس بأن "إسرائيل" أصبحت مكانًا غير آمن للهجرة.  وذكرت الصحافة "الإسرائيلية"(8) إن حوالي ربع قتلى الانتفاضة من "الإسرائيليين" حتى شهر مارس/ آذار 2002 هم من المهاجرين الجدد.  ومن هنا توقعت معاريف أنه لن يهاجر إلى "إسرائيل" خلال العقد القادم سوى 300 ألف مهاجر من دول الكومنولت الروسي مقابل 900 ألف مهاجر خلال العشر سنوات الماضية.  فقد بلغ عدد المهاجرين إلى "إسرائيل" عام 2000 (60130) مهاجرًا بعد أن كان (67766) عام 1999.  أي أن نسبة الانخفاض وصلت إلى 11.2% وزادت إلى 50% عام 2001 حيث لم يتجاوز عدد المهاجرين 30 ألفًا.

إن الحقائق والنتائج الاستيطانية المشار إليها آنفًا وما أحرزنه فيما بعد من إجراءات ميدانية إكراهية، مثل إقامة جدار الفصل، الذي لم يكن آرييل شارون يرغب في إقامته بادئ الأمر في الضفة الغربية والقدس، إنما تشكل في الواقع مساسًا مباشرًا بنظرية الأمن القومي "الإسرائيلي"، ذلك أن المشروع الصهيوني في أساسه مشروع استيطاني مبني على نقل كتل بشرية يهودية من مختلف أنحاء العالم لتحل محل الفلسطينيين وتغيّبهم (ومن هنا نظرية العربي الغائب) وتلغي تاريخهم وتستولي على أرضهم.  وهو ما لن يتحقق إلا من خلال العنف والقوة العسكرية وخلق الحقائق الاقتصادية والجيوسياسية الاستيطانية.  وهذا هو الإطار الحقيقي الذي تدور داخله نظرية الأمن القومي "الإسرائيلي".  وما عقلية الحصار سوى نتاج لهذا الوضع البنيوي، أي أن نظرية الأمن "الإسرائيلي" والهاجس الأمني تفترض أن الصراع مع الفلسطينيين والعرب هو بمثابة حالة دائمة ومستمرة (9).

هذا الإدراك يعبر عن نفسه في كثير من المفاهيم التي تشكل ركائز نظرية الأمن القومي في "إسرائيل"، التي تدور جميعها حول فكرة إلغاء الزمان والارتباط بالمكان.  فهناك فكرة الأمن السرمدي، أي أن أمن "إسرائيل" مهدد دائمًا، وأن حالة الحرب مع العرب هي حالة شبه أزلية، وأن البقاء هو الهدف الأساسي للاستراتيجية العسكرية "الإسرائيلية".

وقد استخدمت القيادات "الإسرائيلية" مصطلحات خاصة تعبر عن حالة الصراع المستمر من بينها مصطلح "حرب اللا خيار" ومصطلح "الحرب الراقدة" ومصطلح "الحرب المنخفضة الحدة" لتوصيف حالات الصراع الدامي من أجل اكتساب التاريخ والجغرافيا على الأرض الفلسطينية أولاً والعربية ثانيًا.  ومثل هذه المصطلحات المرتبطة بشكل مباشر بموضوعة الأمن كما هو ملاحظ ما كانت لتوجد لولا الضرب المتواصل للاستيطان ومصالحه من قبل المقاومة الفلسطينية في انتفاضة الأقصى وسواها.  مما أحدث توجهًا شعبيًا، على أقل تقدير، في المرحلة الراهنة عنوانه الأبرز والأوضح هو التخلص من الاستيطان، الذي هو قلب الصهيونية وأساس مبادئ الأمن "الإسرائيلية"، وما ينجم عنه من أزمات تمس الوجود الشخصي لجميع المستوطنين، وهذا ما يجعل من استمرار المقاومة والانتفاضة المكافئ الإيجابي الوحيد للمشروع الصهيوني السرطاني، وهذا ما يفسر أيضًا المحاولات الخبيثة والمعقدة إسرائيليًا ودوليًا الهادفة إلى اختراق تلك المقاومة وتبديد قدرات تلك الانتفاضة والالتفات من حولها باسم وقف أعمال العنف تارة، والعودة إلى المفاوضات العبثية تارة أخرى، وما سببه ذلك من ادعاءات سخيفة تحاول تجاهل مكاسب المقاومة الميدانية في الحجر والبشر.

في هذا المجال يكفي التذكير بالواقع الجديد الذي فرضته انتفاضة الأقصى على صعيد تراجع تأييد "الإسرائيليين" للاستيطان في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 حيث نجد أن أصواتًا سياسية وشعبية مهمة بدأت تدعو صراحة إلى الانسحاب من المستوطنات وإخلائها.  وقد أظهرت دراسة "إسرائيلية" أجريت في 5 كانون الأول/ ديسمبر عام 2000 أن 63% من الجمهور اليهودي بات يؤيد إخلاء مستوطنات الأراضي المحتلة إخلاء كليًا أو جزئيًا.  وفي استطلاع للرأي العام "الإسرائيلي" إجراه معهد "غالوب" بالتعاون مع صحيفة معاريف يرى 56% من "الإسرائيليين" أنه يجب على "إسرائيل" تجميد الاستيطان.  ويرى 44% منهم أن المستوطنات لا تساهم في أمن الدولة "الإسرائيلية"، في حين يؤيد 51% منهم الإخلاء والرحيل من طرف واحد لجزء من المستوطنات(10)

وتدعيمًا لهذا التوجه رأى العديد من العسكريين "الإسرائيليين" أن التوجه نحو ما يسمى التسويات السلمية مثل أوسلو وسواها، ما هو سوى مجرد مرحلة انتقالية لالتقاط الأنفاس من أجل معاودة الصراع من جديد على الأرض نفسها والقضايا الحيوية والأمنية نفسها.  الأمر الذي يحتم على المحتلين الصهاينة محاصرة العنصر البشري الفلسطيني وقمعه بضراوة تمامًا كما حصل ويحصل في مسار الانتفاضات المختلفة، وذلك لتحطيم الإرادة القتالية والجهادية لدى الفلسطينيين وإقناعهم بأن الاستمرار في تبني الصراع العسكري كوسيلة لاستعادة الحقوق غير مجد.

وإذا كان الزمان تكرارًا رتيبًا لا يأتي بالسلام أو بالتحولات الجذرية، فلا يبقى إذن سوى المكان، الثابت الذي لا يعرف الزمان.  وبالفعل نجد أن الأرض تشكل حجر الزاوية ليس في الإيديولوجيا الصهيونية وحسب بل وأيضًا في نظرية الأمن القومي "الإسرائيلية".  فالأرض الخالية من العرب، أي من الزمان والتاريخ العربي، هي المجال الحيوي الذي يمكن توطين شراذم اليهود فيه وتحويله إلى عنصر استيطاني يقوم على خدمة المصالح الغربية في إطار الدولة الوظيفية.  ومن دون الأرض سيظل اليهود شعبًا مشردًا مطاردًا بلا سيادة سياسية أو اقتصادية.  والأرض التي يستولي عليها الصهاينة لابد، حسب رأيهم، من أن تُعقّم من زمانها التاريخي العربي، كي تصبح أرضًا بلا هوية وبلا شعب، بهدف تهويدها واستيطانها.

على هذا الأساس نجد أن نظرية الأمن القومي "الإسرائيلية" تؤكد على البعد المكاني (الجغرافي – التاريخي – اللازمني) بشكل مبالغ فيه وتهمل البعد التاريخي (الزماني – الإنساني).  وهي إن قبلته، فتقبله مرغمة مع محاولتها الالتفاف حوله مثلما تلتف الطرق الالتفافية  "الإسرائيلية" حول القرى العربية في فلسطين.  ولذا فنظرية الأمن "الإسرائيلية" تدور داخل فكرة الحدود الجغرافية الآمنة (ذات الطابع الجيتوي) التي يمكن الدفاع عنها والتي تستند إلى معطيات جغرافية مثل الحدود الطبيعية (نهر الأردن – هضبة الجولان – قناة السويس).  وقد اقترح المفكر الصهيوني حاييم أرونسون ما سماه "الحائط النووي" أي أن تقبع "إسرائيل" داخل حزام مسلح تحميه الأسلحة النووية.  وهي فكرة بسيطة مجنونة، تتجاهل العنصر البشري العربي والفلسطيني الملتحم بالجسد الصهيوني نفسه.  ولا تختلف فكرة المستوطنات/ القلاع المحصنة كثيرًا عن الحائط النووي، وهي سلسلة من المستوطنات التي تحيط بحدود "إسرائيل" في الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان والنقب، وهي مستوطنات أمنية مختلفة عن تلك التي أقيمت لأسباب دينية أو اقتصادية.  وهي تحافظ على العمق الاستراتيجي للمراكز البشرية الاقتصادية.  وتحول دون تعرّض "إسرائيل" للهجمات العربية، كما أنها تحقق النصر في حالة الهجوم بأقل قدر ممكن من الخسائر في الجانب "الإسرائيلي"، وتوفر الفرصة للقوات "الإسرائيلية" للقيام بأعمالها الانتقامية والتوسعية على حد سواء.

إن المستوطنات "الإسرائيلية" إذن، في معادلة الأمن القومي "الإسرائيلي"، هي بمثابة حالات هجومية عسكرية في تغليفة مدنية، ذلك أنه لا يوجد مكان لعقيدة دفاعية في الفكر العسكري والسياسي "الإسرائيلي"، نظرًا لأن أي فشل في العقيدة الدفاعية سيؤدي حتمًا إلى اختراق "إسرائيل" نفسها.  ولقد تعمق هذا الإحساس أكثر فأكثر بعد أن أيقنت القيادات "الإسرائيلية" المختلفة بضعف القاعدة السكانية "الإسرائيلية" مقابل القوة البشرية العربية وهذا ما أكدته حروب الإرادات في فوز المقاومة الإسلامية في لبنان وفي صلابة وجبروت المقاومة الإسلامية والوطنية في فلسطين ضمن إطار انتفاضة الأقصى بنوع خاص.

إن نقطة الخلل الأساسية، على ضوء ما تقدم، في الفكر الصهيوني الأمني، تكمن في أن الحركة الصهيونية حددت فكرة الأمن بشكل جغرافي صرف وأسقطت العنصر التاريخي، وتصورت أنه عن طريق الاستيلاء على قطعة ما من الأرض أو على جزء من أجزاء العالم العربي، وعن طريق التحالف والتواطؤ مع الولايات المتحدة الأميركية مع امتلاك القوة العسكرية، فإنها سوف تحل مشكلة الأمن وتصل إلى ما تسميه الحدود الآمنة.  إلا أن "الانتصارات الإسرائيلية" منذ العام 1967 وحتى اليوم، التي كانت ترمي لتحقيق الأمن، إنما كانت تؤدي إلى نتائج عكسية باستمرار.  ومنذ العام 1967 وحتى الآن يشتغل "الإسرائيليون" من أجل حسم هذه التناقضات والمفارقات من دون أية جدوى، وهذا ما أثبتته انتصارات العرب عام 1973 و 1982 و1987 وعام 2000 وحتى اليوم، سواء من خلال حركة الجيوش العربية أو من خلال حركة الشعوب العربية بمقاومتها وانتفاضاتها التي أثبتت عجز "إسرائيل" عن تحقيق أمنها القومي بواسطة الأدوات العسكرية، والشاهد الواضح على كل ذلك هو ما يحصل باستمرار من تبادل الاتهامات في  التسبب في الفشل ما بين القيادتين العسكرية والسياسية في "إسرائيل".  والشاهد أيضًا هو انقسام الرأي ما بين ما يسمى صهيونية الأراضي (الليكود) والصهيونية الديموغرافية (العمالية)، حتى لو جاء هذا الانقسام من ضمن المطلقات الصهيونية، وهي الإجماع على أن أرض فلسطين، أو "أرض إسرائيل" بالتعبير الصهيوني، هي ملك خالص للشعب اليهودي وحده.  والحقيقة التي غابت عن ذهن القيادات الصهيونية باستمرار هي أن أمن "إسرائيل" يمثل مشكلة كيانية في الأساس لأن هذه "الدولة" هي كيان مزروع بلا جذور، يتم تمويله ودعمه من الخارج من قبل يهود الغرب والدول الإمبريالية صاحبة المصلحة.  وكي تدافع "إسرائيل" عن أمنها، أي عن وجودها وكيانها، تضطر إلى اللجوء إلى ذروة العسكرة حيث لا يمكن التمييز مطلقًا ما بين الشعب والجيش، وحيث تسعى هذه العسكرة المبالغ فيها حتى الجنون، إلى عزل "إسرائيل" عن حركة التاريخ من منطقة الشرق العربي والتحرك فقط في إطار ما يسمى التاريخ اليهودي المتناقض والمتعارض مع حركة التاريخ العربي بصورة كلية.  وهذا يعني ضرورة فرض الوجود الصهيوني والشروط الصهيونية بكل الوسائل المتاحة لردع العرب وإضعافهم كهدف أساسي ومبدأي في مفهوم الأمن القومي "الإسرائيلي".

من هنا يتبيّن لنا أن الانتفاضة وجهت أقوى ضربة لنظرية الأمن "الإسرائيلي" من حيث أنها هددت "الإسرائيليين" من الداخل، ولم يعد التهديد خارجيًا فقط الأمر الذي أدى إلى إسقاط الدور الوظيفي للجيش "الإسرائيلي"، ولو بصورة جزئية ومؤقتة.  وهي غيرت مفهوم الأمن لدى "الإسرائيليين" من كونه تهديدًا خارجيًا إلى كونه هاجسًا أمنيًا داخليًا لا يمكن السيطرة عليه مهما بلغت قوة "إسرائيل" العسكرية من بأس وشدة.  وعلى هذا الأساس يمكن قراءة الوحشية التي استخدمتها قوات الأمن "الإسرائيلية" لقمع مظاهرة مدنية سلمية قام بها فلسطينيو 1948 لنصرة إخوانهم في الضفة والقطاع، مما أدى إلى استشهاد 13 مدنيًا أعزلاً، وعلى هذا الأساس يمكننا أن نستوعب ما يقوله "الإسرائيليون" عن عرب 1948 بأنهم "سرطان" في جسد الدولة اليهودية، وأنه لا بد في النهاية من الفصل بين الصهاينة والفلسطينيين.  وذلك في سياق ضمان الأمن القومي حسبما حدده رئيس الموساد السابق الجنرال داني ياتوم بأنه:  خطوة تأخير تفجر القنبلة القادمة وهي (أي خطوة الفصل بين المجتمعين) ستؤمن الأمن للجميع وتوفر الحماية لكل "الإسرائيليين" لأن المساحة المدافع عنها ستقل"(11).

وقد رأى ايهود باراك "أن الفصل خطوة ضرورية وحيوية لبقاء دولة "إسرائيل" باعتبارها دولة لليهود، وذلك بسبب الكثافة السكانية الفلسطينية التي قد تحول الدولة إلى علمانية تضر بمستقبلها ومبررات وجودها"(12).  وأوضح باراك أن "فكرة دولة لكل مواطنيها هي تآمر على "إسرائيل" واستغلال لفكرة الديمقراطية لهز دولة "إسرائيل" والصهيونية"(13).

‌ب-           العجز السياسي وجمود التسوية:

تسود رؤية "إسرائيل" الأمنية الخاصة بالتعايش مع المحيطين الفلسطيني والعربي على أية رؤى أخرى.  ولذلك فالترتيبات والمقترحات الأمنية التي تطرحها في أية مفاوضات أو اتفاقات مع أي طرف عربي، تعتمد استراتيجية تهدف إلى مواصلة أوسع قدر من السيطرة العسكرية على محيطها، وهذا ما تعكسه بدقة المقولة "الإسرائيلية" "السلام الإسرائيلي – العربي سيكون سلامًا مسلحًا"، أي سلاما قائما على قوة "إسرائيل" العسكرية وتفوقها في شتى المجالات، وهذه النظرة إلى الأمور هي نظرة أحادية الجانب وتقوم على فرض ترتيبات غير متكافئة في شؤون الأرض والمياه والسكان والحدود والعلاقات الاقتصادية.  وفي هذا المجال يمكن ملاحظة الأمور التالية:

 

1.    احتلال الترتيبات الأمنية والعسكرية حيزًا مهمًا من اتفاق أوسلو واتفاقات القاهرة اللاحقة مع منظمة التحرير الفلسطينية، والإصرار على تضمين الاتفاقات مع الدول العربية بنودًا تفرض على الجانب العربي مناطق منزوعة السلاح واسعة نسبيًا، وإدخال تعديلات على الحدود لمصلحة توسع الكيان الصهيوني، وإعادة النظر في بنية الجيوش العربية وخفض إجمالها وتقليص قدراتها الهجومية.

 

2.    اعتبار مرحلة الحكم الذاتي الفلسطيني المنصوص عليها في اتفاق أوسلو إلى مرحلة اختبارية لمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، يكون معيارها أمن المستوطنات "الإسرائيلية" والجيش "الإسرائيلي" داخل مناطق الحكم الذاتي والمناطق المحتلة.

 

3.    النظر إلى التجمعات السكانية الفلسطينية في كل من الدول العربية و"إسرائيل" من منظور أمني وعلى أساس مبدأ التوطين ورفض عودة اللاجئين.

 

4.    استخدام العلاقة المتميزة التي تربط "إسرائيل" بالولايات المتحدة كدعامة من دعائم الأمن "الإسرائيلي"، أي قوة ردع مساندة في مواجهة الفلسطينيين والعرب.

في مقابل هذه الرؤية المجحفة، تبين أن الشعب الفلسطيني، على الرغم من الاختلال الشديد في ميزان القوى ما بينه وبين "الإسرائيليين"، وعلى الرغم من ضيق نطاق الخيارات المتاحة، فإن خيار المقاومة والانتفاضة ما يزال مطروحًا وممكنًا.  ولقد تحولت الانتفاضة أيضًا إلى حدث داخلي "إسرائيلي" يومي بعد شمولها فلسطينيي عام 1948.  وربما كان هذا من أسرار الصدمة التي أصابت المجتمع "الإسرائيلي"، والتي انعكست في النزعة الانعزالية التعصبية وفي سقوط باراك ومشروعه لإقامة دولة عصرية علمانية على طريقته الخاصة.  وقد تمكنت الانتفاضة أيضًا أن تحدث صدمة عنيفة أخرى على مستوى إحساس "الإسرائيليين" بالأمن الجماعي والفردي عندما اخترقت الوجدان العربي والإسلامي من باكستان إلى المغرب، فخرج ملايين العرب والمسلمين ليحتجوا ويظهروا استنكارهم لجرائم "إسرائيل" وغطرستها العسكرية المجنونة.  وانكشف بفعل ذلك عجز العديد من الأنظمة وخزيها أمام شعوبها، مما أدى إلى أن يعيد القادة "الإسرائيليون" الكثير من حساباتهم، مما جعلهم عاجزين عن القضاء نهائيًا على السلطة الفلسطينية ورئيسها، وجعلهم يتنبهون إلى أن المسافة بين ما يجري داخل فلسطين وخارجها ليست بعيدة وأن ذلك كله مرتبط ليس بأمن "إسرائيل" وحدها بل بأمن المنطقة بأكملها أيضًا، وهكذا أصبح الحديث عن قيام دولة فلسطينية جنبًا لجنب مع دولة "إسرائيل"، أمرًا عاديًا متكررًا على لسان المسؤولين في "إسرائيل" وأميركا ومختلف أنحاء العالم، الأمر الذي يعتبر قادة اليمين "الإسرائيلي" بأنه تهديد وجودي لأمنهم القومي، مما أعاد إلى الذاكرة الأيام الصعبة والحرجة التي سبقت الإعلان عن قيام الكيان العبري، لا سيما وقع المصادمات مع "عرب إسرائيل" التي أحيت أجواء مجازر ومذابح عام 1948، وجعلت من شبه المستحيل التعايش المشترك بين العرب واليهود في دولة واحدة، كما وأنها أثبتت للإسرائيليين بأنهم سيكونون بحاجة ماسة، عاجلاً أو آجلاً، إلى قيادة سياسية من نوع جديد، بعيدة عن الهوس العسكري، يكون بمقدورها إقناع الرأي العام "الإسرائيلي" بضرورة دفع مستحقات السلام مع الشعب الفلسطيني من دون غموض أو مراوغة.  وهذا ما تنافست عليه قيادات من اليسار والوسط وفي مقدمتها اللواء في الاحتياط من حزب العمل عميرام متسناع(14).

لقد تمكنت الانتفاضة من فرض جدول أعمالها الخاص فيما يتعلق بجميع القضايا الكبرى المتعلقة بالقدس والمستوطنات وعودة اللاجئين والدولة الفلسطينية وحدودها، مما أوقع "الإسرائيليين" والأميركيين وبعض العرب في مأزق فاضح، لم يجد "الإسرائيليون" منه مخرجًا سوى تحميل رئيس السلطة الوطنية ياسر عرفات مسؤولية كل ما يجري، وهذا بحد ذاته مؤشر عجز سياسي وعسكري على حد سواء، خاصة إذا تمت قراءته على ضوء الفرق الشاسع ما بين القوانين "الإسرائيلية" والفلسطينية وتجاهل التاريخ الطويل من سعي الرئيس عرفات للحلول الوسط والذي يعود بصورة رسمية إلى العام 1988 وما تلاه من جهود توفيقية في أوسلو وكامب ديفيد(15).

لقد استخلص الجنرال موشيه يعلون بشأن الصراع مع الانتفاضة بأن الفلسطينيين على الرغم مما يبدو لديهم من ضعف "بوسعهم أن يشكلوا تحديًا على مستوى التهديد الوجودي لإسرائيل".  وهنا لا يتوجب قياس قوتهم فقط بعدد البنادق الموجودة لديهم أو في حقيقة أننا نتفوق عليهم عسكريًا بعشرات المرات.  يتوجب أن نفهم ما يعتبرونه –هم- عمقهم الاستراتيجي وهو العالم العربي يجب أن نحكم على قوتهم الاحتياطية الكامنة النابعة من أنهم يمسكون بالثقاب الذي قد يشعل المنطقة، ويجب أن نحكم على قوتهم في مجال الشرعية الدولية التي ما تزال تعتبرنا محتلين وتعتبرهم واقعين تحت الاحتلال.  كل هذه الأمور تتمخض عن ضرورات غير قليلة بالنسبة لنا"(16).

هذا الإقرار من جانب يعلون يؤكد على حقيقة أن الانتفاضة هي فعل نضالي تمكن من هز كيان "إسرائيل" وسائر أنحاء المنطقة، وأثر على مفاهيم الأمن والاستقرار التي حاولت "إسرائيل" والإدارة الأميركية تثبيتها وفرضها على قناعات المواطنين العرب والمسلمين بشأن حتمية وجود الكيان وتوفير الأمن الكامل له من خلال أنشطة سياسية محمومة هدفها الاحتواء والسيطرة وهدر وتبديد الدماء الفلسطينية الطاهرة، مثلما حصل في تقرير لجنة ميتشل الذي وضع في شهر إبريل/ نيسان 2001 مساويًا بين الضحية والجلاد.  وقد تبين من وراء ذلك أن "إسرائيل" تواجه مشكلة أمنية صعبة، ولكنها لا تبحث عن طريق عملي وواقعي لحلها، بل تستغل  هذه الأزمة للزج بآلتها العسكرية المدمرة لتحقيق أغراض توسعية عبر فرض أمر واقع يلغي موجبات اتفاق أوسلو ويفرض ترتيبات ميدانية وسياسية جديدة.  وقد تبين، على الرغم من كل الضجيج "الإسرائيلي" حول ضرورات الأمن والاستقرار أن السياسة "الإسرائيلية" تدور عمليًا في إطار الرؤية السائدة حول مستقبل الكيان المشكوك فيه، بما يرافقها من أسئلة وجودية وهوس ديموغرافي وتخوف متجدد من المخاطر التي تحدق بالكيان كدولة يهودية أحادية الهوية في المديين المتوسط والبعيد.  ومن هذا المنطلق اقتحم خطاب "الترانسفير" الساحة السياسية الرئيسية في "إسرائيل" راكبًا موجة الهوس الديموغرافي والشوفينية الحاقدة، وأضحى الاتجاه "الشرعي" الأبرز والأكثر صلاحية في السياسة "الإسرائيلية".  الأمر الذي أثبت استحالة إدعاء "إسرائيل" أنها في الوقت نفسه دولة ديموقراطية ويهودية.  فالديموقراطية "الإسرائيلية" المزعومة بنيت على أساس "الترانسفير" وعلى أساس تحويل "إسرائيل"، ليس إلى مجرد دولة يهودية فقط، بل دولة لجميع اليهود في العالم على حساب العرب الفلسطينيين من السكان الأصليين.  وتبين أن منع تحول "إسرائيل" إلى دولة ثنائية القومية هو بالذات المحرك الأساسي لسياسة الأمن القومي "الإسرائيلي".  فالهاجس الديموغرافي تحول إلى هوس أمني حقيقي، فردي وجماعي، مما أوصل إلى حكومة الوحدة الوطنية برئاسة شارون، وإلى سياسة الفصل الديموغرافي بواسطة الجدار الأمني الذي يتم تشييده على قدم وساق في الضفة الغربية والقدس.

لقد ظن "الإسرائيليون"، من يمين ويسار، أن بإمكانهم فرض إملاءاتهم الجيوسياسية والجيوستراتيجية على قيادة فلسطينية ضعيفة ومستهلكة ومستنزفة أمامهم وقوية بوجه شعبها، إلا أن الانتفاضة واستمرارها في العطاء بالرغم من كل خطط التدمير في "السور الواقي" و "الطريق الحازم" وسواهما، شكلت البديل القوي عن السلطة الوطنية الضعيفة، مما أعاد خلط الأوراق من جديد على صعيد موازين القوى السياسية والعسكرية بين الفريقين المتنازعين.  وهذا ما عطل البعد السياسي لما يسمى "الحرب ضد الإرهاب"، وأظهر في المقابل البعد العنصري واللاأخلاقي في هذه الحملة الظالمة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وأكد أنّ "إسرائيل" في ظل حكومة الوحدة هي دولة أكثر يهودية ولكنها أقل ديموقراطية، خاصة بعد أن باتت المحافظة على الطابع اليهودي للدولة تبرر أية خطوة عنصرية وإجرامية.

 

 ‌ج-       الانتفاضة تضرب الأمنين الاقتصادي والاجتماعي:

إن لكل دولة سواء كانت صغيرة أو متوسطة أو كبيرة، استراتيجية عليا، تحدد أهدافها القومية في الداخل والخارج وتحافظ على مصالحها الحيوية، وتحمي أمنها القومي.  وهذه الاستراتيجية تشمل العقيدة السياسية التي يقوم عليها نظامها السياسي، والوضع الجيوستراتيجي للإقليم الذي توجد عليه، بالإضافة إلى الموارد الطبيعية وعدد السكان، ودرجة الازدهار الاقتصادي والتقدم العلمي والتكنولوجي ثم القوة العسكرية(17).  وما من شك في أن استراتيجية "إسرائيل" العليا، تتأثر بشكل قوي ومباشر بالكيفية التي نشأت بها "إسرائيل" كدولة على جزء كبير من إقليم فلسطين، والوضع الجيوستراتيجي لهذا الإقليم في قلب الوطن العربي، وفي وسط منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، وما نجم عن ذلك من صراع ما يزال مستمرًا، بينها وبين الشعب الفلسطيني والدول العربية، وهذا كله لأن "إسرائيل" لا تقيم أي وزن للشرعية الدولية في حساباتها لأمنها القومي، والسلام الذي تتحدث عنه بالتالي لا يأخذ بعين الاعتبار سوى مفهومها الخاص للأمن القائم على التوسع والقوة والهجرة اليهودية.  ومما قاله بن غوريون في هذا المجال:  "إن الطريقة الوحيدة لإقناع العرب بصنع السلام هي رؤية "إسرائيل" قوية"(18).  ويؤكد رئيس الحكومة "الإسرائيلية" الأسبق اسحق شامير مفهومه الخاص للسلام والأمن بقوله:  "إنني لا أؤمن بالحلول الوسط فيما يتعلق بالأراضي، فإن بلدنا صغير جدًا وهذه الأرض تتصل بحياتنا كلها بأمننا بمياهنا باقتصادنا... إن السلام والأمن متلازمان.  كما أن الأمن والأرض والوطن هي كيان واحد"(19).

أما آرييل شارون عندما انتخب رئيسًا للوزراء في شباط/ فبراير من عام 2000 وبأغلبية غير مسبوقة من ذي قبل، فإنه انتخب على أساس برنامج ووعود بتحقيق الأمن والسلام.  ومنذ صعوده إلى السلطة ابتعد الأمن وابتعد السلام.  وقد كتب أمنون دنكر رئيس تحرير صحيفة معاريف (20)مقالاً بعنوان "لقد فشلت سيدي الرئيس" يقول فيه مخاطبًا شارون:  "الانطباع هو أنه ليس واضحًا إلى أين أنت تسير وليس واضحًا لك ماذا يجب أن تفعل، وليس واضحًا لك إلى أي درجة تفقد من هيبتك ومن صلاحيتك عندما تتصرف كمن يكتنف الغموض والعجز طريقه" ثم يضيف:  "نحن نعيش في وضع من الانشقاقات، التصدعات، والمخاوف وفي جو من الريبة والجنون.  ليس كاف أن تقف أمام الكاميرات وتصرح بأن المجتمع "الإسرائيلي" لا ينهار ولن ينهار.  في هذه الأثناء ثمة الكثير من الأشياء تنهار هنا:  الأعصاب الفردية، حياة من أصيب وأفراد عائلته، الكثير من الأعمال تدمرت، والكثير جدًا من الأشخاص باتوا عاطلين عن العمل ويفتقدون إلى الأمل الاقتصادي" ويختم الكاتب بقوله:  "لقد فشلت سيدي رئيس الحكومة، في مهمتك بمنح قيادة اجتماعية واقتصادية.  فشلت أيضًا في المجال السياسي والعسكري.  لم تف بوعودك وحتى أنك لم تسوق المعايير المنخفضة أصلاً للقيادة "الإسرائيلية" إلى أن صعدت إلى منصب رئاسة الحكومة".

لقد كان صعود شارون إلى سدة السلطة بمثابة خيار الرأي العام "الإسرائيلي" لكسر إرادة المقاومة والانتفاضة وفرض التسوية السياسية الصهيونية على الشعب الفلسطيني.  وقد وضع شارون أكثر من خطة لإنجاز ما وعد به.  فتوسع في استخدام آلة الحرب "الإسرائيلية" المتخمة بأحدث منتجات التكنولوجيا الأميركية في عمليتي "السور الواقي" و "الطريق الحازم"، مما كشف "إسرائيل" أمام الرأي العام الدولي كدولة تمارس أبشع أعمال التطهير العرقي وتستوجب الخضوع لمحاكمة دولية، في مقابل شعب أعزل إلا من إيمانه بحقه في أرضه السليبة، الأمر الذي جعل رئيس أركان الجيش "الإسرائيلي" (السابق)الجنرال شاؤول موفاز يعترف بأن "إسرائيل" تواجه أطول صراع وأصعب اللحظات في حياتها وتاريخها.  وقال: إن الصراع مع الفلسطينيين أمر غير سهل على الإطلاق مشيرًا إلى أن "الحروب التي خاضتها "إسرائيل" من قبل كانت بعيدة عن "إسرائيل" أما هذه الحرب فتقع في قلب "إسرائيل"(21).

كذلك كرر رئيس الأركان الحالي الجنرال موشيه يعلون القول: إن المعركة الحالية مع الانتفاضة "هي أهم معركة نخوضها منذ حرب الاستقلال عام 1948 وهي أهم من حربي 1967 و 1973 وعلينا الانتصار في هذه المعركة لأن البديل سيكون حربًا أخرى في المستقبل غير البعيد"(22).  وأشار يعلون إلى أن المجتمع "الإسرائيلي" أكثر من "جلد الذات" خاصة في وسائل الإعلام، وأن هذه الظاهرة تلحق ضررًا بالغًا "بإسرائيل"(23).

ولتوضيح المزيد من تداعيات الانتفاضة على مختلف عناصر الأمن القومي "الإسرائيلي" وهي تطال شتى المجالات العسكرية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية والنفسية والمعنوية والاجتماعية، سنتوقف عند بعض المحطات الملفتة والأساسية التي تكشف عن هشاشة هذا الأمن وهذا الكيان، خاصة بعدما دخل المجتمع "الإسرائيلي" والجيش "الإسرائيلي" في منزلق العولمة والأمركة وراحا يبتعدان أكثر عن روح الريادة الصهيونية التأسيسية.

 

أولاً- المجال النفسي والمعنوي:

لمعرفة هواجس الجمهور "الإسرائيلي" النفسية والمعنوية من مسار الانتفاضة، نورد ما نشرته صحيفة معاريف 8/6/2001 من استطلاع للرأي(24) سألت فيه عن أربع قضايا منفصلة وضعت لتغدو بمثابة "معيار الخوف" القومي.  وهذه المعطيات تظهر أن حوالي نصف الجمهور وقع بما يمكن تسميته بالخوف العميق فيما ادعى نحو الثلث أنه لا يشعر بالخوف والباقي يتردد بين الأمرين.

ويظهر الاستطلاع أيضًا أنه ليس هناك فارق كبير في مدى الخوف لدى الجماعات السكانية المختلفة وأن الخوف القائم يتوزع على جميع الشرائح الفقيرة والغنية والمثقفة وغير المثقفة، الاشكنازية والشرقية.

 

وعلى ما يبدو أنه توجد صلة مباشرة بين هذا الخوف وبين حقيقة أن نحو خمس الجمهور "الإسرائيلي" يفكر على الصعيد العائلي بالهجرة من "إسرائيل" وأن حوالي الثلث يتحدث عن الهجرة في إطارها الاجتماعي الأوسع.  وهناك 17% يعترفون أنهم يفكرون بالهجرة، علمًا أن استطلاعًا آخر أجري سابقًا قبل عام يبين أن 8% فقط كانوا يعترفون بأنهم وأفراد عائلاتهم يفكرون بالهجرة.  أما تفاصيل الاستطلاع فهي كالتالي:

س:  هل تخاف في هذه الأيام على أمنك الشخصي وأمن عائلتك؟

ج-  أكثر من السابق 63% - أقل من السابق 3% - الدرجة نفسها 33%.

 

س:  هل احترت أخيرًا إن كان عليك أن لا تذهب إلى المجمعات التجارية والأسواق؟

ج-  نعم 58% - لا 40%.                                                                                                                     

 

س:  هل امتنعت في الآونة الأخيرة عن زيارة المجمعات التجارية أو الأماكن العامة؟

ج-  نعم 44% - لا 3%.          

س:  هل أنت خائف في هذه الأيام على مستقبل "إسرائيل"؟

ج-  نعم 67% - لا 30%.  

 

من ناحية أخرى أكدت الصحف "الإسرائيلية" أن "الإسرائيليين" باتوا يتهافتون بأعداد كبيرة على تعاطي المهدئات والأدوية المضادة للاكتئاب وازداد ترددهم أيضًا على عيادات الأطباء النفسانيين عما كان عليه الأمر قبل الانتفاضة(25).  والإذاعات "الإسرائيلية" تستقبل على مدار الساعة ناجين وشهودًا أو أقرباء أو مستمعين خائفين وتوصلهم مباشرة بطبيب نفساني على الهواء.  ويؤكد المتحدثون باسم شركات الأدوية والصيدليات بأن مبيعاتهم من الأدوية المهدئة زادت إلى حد أنه لم يعد بالإمكان أحيانًا تلبية جميع الطلبيات.

وأفادت صحيفة هآرتس 6/9/2001 أن قضية الهجرة والمغادرة من "إسرائيل" تحولت في سياق الانتفاضة إلى قضية الجدال الحار والدائم في بيوت كثيرة، وبشكل خاص في أوساط الشباب خريجي الجيش والجامعات ممن هم في بداية طريقهم المهني والشخصي وأبرزت الصحيفة حالة السباق خلف الجوازات وتأشيرات العمل من سفارات العديد من الدول الأوروبية، وتحويل الأموال الخاصة من البنوك "الإسرائيلية" إلى البنوك الأجنبية. 

ومن خلال ما تقدم يمكننا تسجيل النقاط والمعطيات التالية التي هي لصالح المجتمع الفلسطيني وانتفاضته على الرغم من كل الخسائر والتضحيات والمعاناة التي تكبدها هذا المجتمع:

 

1-       تمكنت الانتفاضة من نقل الحرب إلى الساحة الداخلية "الإسرائيلية" بعد أن كانت الاستراتيجية العسكرية "الإسرائيلية" تقضي بنقل الحرب إلى أرض العدو وتوجيه الضربات الخاطفة إليه.

 

2-       لقد أثرت الانتفاضة على مجمل الواقع الاقتصادي والمعيشي الاجتماعي وهذا ما سنفصله لاحقًا.

 

3-       وضعت الانتفاضة "إسرائيل" في زوايا حرجة أخلاقية على مستوى الرأي العام العالمي الذي شاهد بالبث الحي أعمال القتل والتعذيب والمحاصرة وهدم المنازل بحق الفلسطينيين من دون تمييز بين طفل وشيخ أو امرأة بعد أن كانت "إسرائيل" تخدع العالم بتصوير نفسها أنها "البلد الديموقراطي" الوحيد في الشرق الأوسط.

 

4-       أوجدت الانتفاضة حالات عديدة من التوتر الدبلوماسي والسياسي مع العديد من قادة العالم وخاصة فرنسا وألمانيا وبلجيكا والدول الاسكندنافية.

 

5-       أدت الانتفاضة إلى إحداث هزة عنيفة في مخططات الاستيطان والتوسع. 

 

6-       تسببت الانتفاضة بتشويش برامج التدريب في الجيش "الإسرائيلي"، وتسببت أيضًا بانهيارات أخلاقية ومعنوية في صفوف هذا الجيش تمثلت في رفض الخدمة والانتحار وفي الشعور باليأس من إيجاد حلول عسكرية للمواجهات اليومية الدامية.  وقد عبر رئيس الأركان الأسبق الجنرال أمنون شاحاك عن ذلك بالقول:  "ابتعدنا كثيرًا عن تلك الأيام التي كان فيها الجيش شعارًا للفخر والاعتزاز ومصدرًا للاحترام"(26) وأضاف:  "تحدث اليوم حالة من الاغتراب بين الجيش والمجتمع "الإسرائيلي"، إذ تدنت حوافز الخدمة في الجيش إلى مستوى الحضيض، وخاصة في الوحدات المقاتلة والحربية".

وكتبت صحيفة عال همشمار 27/3/2001 بقلم يوآن كسبي:  "في الأشهر الأخيرة بدا أن شيئًا ما قد تحطم في مناعة الجيش "الإسرائيلي" الداخلية، ومن يوم ليوم تزداد الشهادات على أن النقص الشديد في التدريبات لدى الجيش الدائم والاحتياط يبث إشارات في نشاط ميداني ناقص ومشوه".

 أما المعلق العسكري زئيف شيف فكتب في هآرتس 13/4/2001 يقول:  "جيش كامل تحول إلى قوة دورية لفترات طويلة، ويستحيل ألا يؤثر ذلك سلبًا في المستويين المهني والعسكري".  أما المؤرخ فان كريفيلد فاعتبر أن الجيش "الإسرائيلي" يزداد ضعفًا منذ عام 1982 وذلك "كنتيجة واضحة للمهمات التي كلف بها، وهي معروفة بأنها مهمات مستحيلة مسبقًا" وكان يقارن بين اجتياح لبنان ومواجهة الانتفاضة.  واعتبر عالم الاجتماع غيورا الموغ أن "تطور وسائل الإعلام الإلكترونية أدى إلى إلحاق أذى بليغ بالصورة الأسطورية للجيش "الإسرائيلي"، لأنها تردم فجوات المعلومات الضرورية لنشوء الأسطورة العسكرية"(27).

 

7-       تسببت الانتفاضة في إحداث عملية إعادة ترتيب من جديد للقوى السياسية والحزبية المؤثرة في الخارطة "الإسرائيلية" الداخلية، مما جعل القوى اليمينية والدينية تستشرس أكثر فأكثر وتعمل على بسط سيطرتها ونفوذها واستراتيجيتها على كامل الكيان، مما ينذر بفترة صراعات حزبية طاحنة في المستقبل القريب، وهذا ما بدأت تباشيره تظهر منذ الآن حتى داخل صفوف كل معسكر من المعسكرات الموجودة على حدة، كما أن هذا الواقع ينذر بتوريط "إسرائيل" والشعب "الإسرائيلي" في حروب مستقبلية لم يكن يتوقعها أو ينتظرها من قبل خارج نطاق الإجماع القومي.

 

ثانيًا- المجال الاقتصادي:

يعتبر الاقتصاد بالنسبة لأي بلد من البلدان، وخاصة "إسرائيل"، مجالاً من أهم المجالات الحيوية اللازمة للحفاظ على أمنها القومي، لاسيما إذا كان الأمر متعلقًا بدولة ذات إنفاق كبير جدًا، ومجتمع متطلب جدًا لأرقى الخدمات المطلوبة في هذا العصر على صعيد الصحة والتعليم والمواصلات والاتصالات والأمن بشتى مضامينه الداخلية أو الاستراتيجية.

ومنذ اندلاع انتفاضة الأقصى الأخيرة حصل تراجع ملحوظ في العديد من القطاعات المنتجة وكان أكثرها تضررًا قطاع السياحة.  ففي حين كانت التوقعات تقول: إن قطاع السياحة سيكون من أكثر القطاعات ازدهارًا في عام 2000، اتسمت هذه الفترة بهبوط حاد في السياحة الخارجية إلى "إسرائيل".  وقد تفاقمت أزمة السياحة بشكل خاص إثر تسليم آرييل شارون رئاسة حكومة الوحدة الوطنية.  وبرز التأثير السلبي الكبير بشكل خاص في القدس ومنطقة الشمال.  كما وشهدت أيضًا قطاعات البناء والزراعة تراجعًا هامًا خاصة إذا عرفنا أنها كانت تعتمد بشكل أساسي على الأيدي العاملة الفلسطينية الحسنة الخبرة على هذا الصعيد، مما أدى إلى تراجع في الناتج القومي.  وحسب استطلاع أجرته وزارة العمل والرفاه الاجتماعي "الإسرائيلية" في أوساط العاملين "الإسرائيليين"، تبين أن تأثير الانتفاضة الفلسطينية أدى إلى زيادة نسبة 50% على عدد المفصولين من عملهم في الربع الأخير من عام 2000 مقارنة مع الربع الثالث من السنة نفسها وبلغ عددهم 64 ألف عاملا.  وكان نحو ربع المفصولين من العمال حسب إدعاء أرباب العمل نتيجة للهبوط الحاد الحاصل في الإنتاج والمبيعات نتيجة لأحداث الانتفاضة وإفرازاتها.

ويقول هذا الاستطلاع: إن الهبوط في عدد العاملين كان في قطاع السياحة والخدمات السياحية، ومن جهة أخرى أدى النقص في العمال الفلسطينيين إلى زيادة استيعاب العمال "الإسرائيليين" في قطاع البناء 3% وحسب إدعاء معدي الاستطلاع فإن استيعاب العمال في الربع الأخير من سنة 2000 كان سيرتفع إلى 76.5 ألف عامل لو لم تحدث الانتفاضة(28).

وقد جاءت توقعات وزارة المال "الإسرائيلية" للعام 2001 على النحو التالي وهي توقعات سلبية على أكثر من صعيد:

لقد خيمت الكآبة والأجواء السوداوية أيضًا على "مؤتمر قيساريا" الاقتصادي الذي عقد بتاريخ 3 و 4/7/2002.  وبالرغم من كثرة المواضيع التي أدرجت على جدول أعمال المؤتمر، إلا أن موضوع تأثير

 

 

 

تلخيص لعام 2000

التوقعات لعام 2001

نسبة التنمية في الناتج القومي الإجمالي

6%

2-3%

نسبة زيادة الاستهلاك الفردي

8.5%

4%

نسبة زيادة تصدير سلع وخدمات

3.3%

5.4%

الزيادة في نسبة البطالة

8.8%

9%-9.5%

الناتج القومي العام للفرد

17.6 ألف دولارا

17.5 ألف دولارا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الانتفاضة والمواجهة مع الفلسطينيين على الاقتصاد "الإسرائيلي" طغى على المؤتمر وحوّله إلى منصة التكهنات القائمة والتخديرات والتقييمات القلقة من الأوضاع التي آل وسيؤول إليها الاقتصاد "الإسرائيلي" بنتيجة عدم الاستقرار الأمني وغياب الأفق السياسي، بحيث أصبح من الواضح للجميع في "إسرائيل" أن هناك حاجة اقتصادية ملحة لتغيير الحالة الأمنية والسياسية السائدة منذ اندلاع الانتفاضة.  ولكن المأزق الاقتصادي في تركيبة الأمن القومي "الإسرائيلي"، إنما ينبع في الأساس من المأزق السياسي الذي صنعه ويصنعه شارون كل يوم، بحيث أنه بات من المستحيل على حكومة شارون تجاهل حقيقة ما يجري وهو أنه لا يمكن للمعالجات الإدارية وعصر النفقات في الموازنة ومكافحة التضخم لوحدها أن تحل المشكلة المعقدة القائمة والتي يتداخل فيها الاقتصادي بالسياسي بالأمني بالاجتماعي، الأمر الذي ينذر بانفلات الوضع وتدهوره في اتجاهات لن يكون من السهل السيطرة عليها من دون العلاج السياسي.  ومعلوم أنه منذ اندلاع الانتفاضة تم إخضاع الاقتصاد كي يستجيب لمتطلبات السياسة والأمن.  وتصرفت الحكومة والقطاع الاقتصادي بمجمله كأن حالة انعدام الاستقرار الأمني وغياب الأفق السياسي والمواجهة المستمرة مع الشعب الفلسطيني هي معطيات ثابتة وطويلة الأمد ولا يمكن تغييرها وكان على الاقتصاد بالتالي أن يتكيف مع الأوضاع المتغيرة، ولكن في المرحلة الأخيرة بدأت ترتفع أصوات لخبراء اقتصاديين في الاتجاه المعاكس تدعو إلى تغيير السياسة لإنقاذ الاقتصاد.  الأمر الذي كشف التخبط الداخلي في حكومة شارون خاصة وأن العديد من الكتاب والمعلقين حذروا من أن استمرار هذا التدهور قد يؤدي إلى كوارث حقيقية تصيب لب الاقتصاد، وقد تصل إلى هز الاستقرار المالي مما قد يطيح ببنوك ومؤسسات اقتصادية أساسية.

لقد حاولت "إسرائيل" خلال عام 2001 تفسير التراجع الشامل في اقتصادها بالركود الاقتصادي العالمي وأزمة قطاع التكنولوجيا العالية.  ولكن التغييرات الإيجابية التي طرأت على الاقتصاد العالمي مع نهايات عام 2001 وخلال عام 2002 جعلت هذا التفسير غير مقنع بتاتًا.  وبالتالي بقي تأثير الانتفاضة هو التفسير المعقول والمقبول والوحيد للحالة الاقتصادية المتردية في "إسرائيل".  وبالرغم من تحسن الاقتصاد العالمي، تدهور الاقتصاد "الإسرائيلي" خلال النصف الأول من العام 2002 بما يزيد عن التدهور الذي حصل في العام المنصرم، خاصة إذا عرفنا أن هذه الأزمة هي أزمة شاملة تصيب كل القطاعات والأنشطة والعمليات الاقتصادية والمالية والاستثمارية.

وللدلالة على المعنى العام الذي يتجه نحوه الاقتصاد "الإسرائيلي" تحت وطأة الانتفاضة نورد النقاط التالية:

 

1.       في ظل الانتفاضة، ترسخ الإدراك في المجتمع السياسي والنخب الاقتصادية "الإسرائيلية" بأن الاستقرار الأمني هو شرط مسبق لا مناص عنه لنمو ما يسمى "اقتصاد السوق" أو "الاقتصاد الحر".  ولا يشذ عن هذه القاعدة سوى بنيامين نتنياهو الذي ادعى أن الانتعاش الاقتصادي ممكن حتى في ظل ظروف أمنية صعبة، وضرب مثلاً حول النمو الحاصل في الهند برغم الأوضاع الأمنية هناك.  متجاهلاً أن الهند هي شبه قارة مترامية الأطراف وأن الأحداث في الأطراف لها تأثير ضئيل على حياة الناس في المراكز المدنية الكبرى في الهند.  ولكن نتنياهو نفسه لم يستطيع تجاهل طبيعة الأزمة وقال: إن المستثمرين يهربون بسرعة من مواقع الأزمات ويعودون إليها ببطء شديد(29).

 

2.       الأضرار الاقتصادية التي ألحقتها الانتفاضة بإسرائيل، بصرف النظر عما تكبده المجتمع الفلسطيني من خسائر فادحة أيضًا ولها انعكاساتها السلبية ليس على الفلسطينيين وحدهم وإنما على "الإسرائيليين" أيضًا، طالت حركة الإنتاج مما يضر بالاقتصاد على المدى البعيد لجهة فقدان الثقة مثلما أنها طالت أيضًا السلوك الاستهلاكي لجميع الناس وهو سلوك سجل وتيرة انخفاض ملحوظ، حتى أنه في بعض الأسابيع تكاد المجمعات التجارية والشوارع تخلو من الناس.

 

3.       تفيد التقديرات الاقتصادية في "إسرائيل" بأن التأثير المتراكم للانتفاضة قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاج بنسبة 6-8% حتى نهاية عام 2002 أي نحو 10 مليار دولار.  وفي العام 2001 لوحده تشير التقديرات إلى انخفاض بنسبة 3.5-5% أي نحو 6 مليارات دولار.  مما يدل على أن انخفاض الإنتاج عام 2002 سيكون أكبر من مثيله في العام الذي يليه (2003) وذلك برغم التحسن الذي طرأ على الاقتصاد العالمي.  ويعتبر المحللون الاقتصاديون في "إسرائيل" خفض الإنتاج على ِأنه أهم مقياس للثمن والكلفة الاقتصادية التي تتكبدها "إسرائيل" بسبب استمرار الانتفاضة والمواجهة مع الفلسطينيين(30).

 

4.       تفشي البطالة وارتفاع معدلاتها بوتيرة عالية، حيث تدل المعطيات الرسمية على أن معدلها هو 6.10%.  وتشير التكهنات إلى أنها ستصل إلى 17% في العام المقبل (2002)(31).

 

على ضوء ما تقدم دق وزير المال السابق من حزب العمل بايغا شوحاط ناقوس الخطر الاقتصادي عندما وصف الوضع بأنه كابوس حل "بإسرائيل" وطالب الحكومة بأن "تصحو من نومها قبل أن تصل البطالة إلى نسبة 17% ويصبح هناك 350 ألف عاطل عن العمل وقبل أن يهبط الدخل القومي للفرد من 18 ألف دولار إلى 13 ألف دولار.

وحذر أفيشاي فرمان، رئيس جامعة بئر السبع، من أن "إسرائيل" هي في طريقها لتصبح "دولة نصف متخلفة" كما وأن وزير المالية الحالي سلفات شالوم لم يخف تشاؤمه الشديد من الأوضاع وأكد أن النمو في "إسرائيل" سيكون بنسبة 1% فقط.  ورد عليه حاكم بنك "إسرائيل" بتشاؤم أكبر وقدر أن النمو سيصل إلى صفر في المئة.  وكانت الطفرة الاقتصادية التي حققتها "إسرائيل" بعد اتفاق أوسلو قد دفعت بالاقتصاد ليقترب من المستوى الأوروبي بفضل الاستثمارات الأجنبية التي وصلت عام 2000 إلى 11 مليار دولار ولكنها ما لبثت أن هبطت عام 2001 إلى 4.7 مليار دولار، وتواصل الهبوط غلى 1.3 مليار دولار في النصف الأول من العام 2002.  وفي السياق ذاته لابد من التذكير بأن حكومة شارون عمدت إلى تقليص موازنتها بقيمة 2 مليار دولار لعام 2001 وبمبلغ مماثل أيضًا في العام المقبل.  ودعا وزير المال سلفات شالوم الأجهزة الأمنية إلى خفض إنفاقها بحيث لا تكون موازناتها استجابة مباشرة لمواجهة التحديات التي تفرضها الانتفاضة.  وكانت ميزانية الأمن قد زادت بحوالي 1.5 مليار دولار لمواجهة تبعات الانتفاضة وذلك على حساب ميزانيات الصحة والرفاه الاجتماعي التي تتحمل تبعاتها الطبقات والشرائح الاجتماعية الفقيرة بشكل أساسي.

وفي الختام فإن أكثر ما يخشاه المحللون وصناع القرار الاقتصادي في "إسرائيل" هو أن يؤدي اقتصاد الحرب إلى ما يسمى العقد المفقود من النمو الاقتصادي على ما حدث في السنوات العشر التي تلت حرب شهر رمضان من عام 1973.  وعلى ضوء ما تقدم أكد مؤتمر هرتسليا أن الاقتصاد "الإسرائيلي" يستحيل عليه الخروج من أزمته إذا لم يحدث التغيير الأمني – السياسي المطلوب والذي يصب بالنهاية في مصلحة إقامة دولة فلسطينية وفي مصلحة الأصوات المطالبة بتفكيك المستوطنات والانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران عام 1967،  الأمر الذي يرى فيه شارون وأمثاله من الشوفينيين المتعصبين بمثابة خطر داهم على أمن الكيان القومي وعلى وجود هذا الكيان بالذات، فحرب الانتفاضة هي حرب وجود أكثر منها حرب حدود وهي تحمل في طياتها إسقاط مقولة المتدينين والقوميين المتعصبين "أرض بلا شعب لشعب بلا أرضِِِِِ"، ومن هنا يمكن قراءة المخاطر الداهمة، ليس على أمن الفلسطينيين و "الإسرائيليين" وحسب بل أيضًا على أمن المنطقة بأكملها ومصالح الدول المتعددة فيها.  والجدار الفاصل الذي ينفذه شارون منذ مدة لن يكون أكثر من حبة أسبرين يراد منها معالجة مرض عضال وهو الاحتلال.

 

 الى الأعلى

            

خلاصة واستنتاجات:

لقد أتت انتفاضة الأقصى منذ ما قبل أكثر من عامين كحالة نضالية تراكمية لتضاف إلى نضالات وعطاءات سابقة من الشعب الفلسطيني المضحي والمدافع حتى الرمق الأخير عن مقدساته وحقوقه منذ أكثر من قرن من الزمن في وجه موجات العدوان العاتية التي كانت وما تزال تصفعه بعنف في أمنه الوجودي وفي مبرر وجوده الوطني:  الأرض المحتلة.  وعلى الرغم من كل الضحايا والتضحيات التي قدمها هذا الشعب بكل صبر واعتزاز وراحة ضمير، فإنه في المقابل أحدث للعدو الصهيوني خسائر في الأرواح والماديات ما لم يكن يتوقعه أحد.  لقد أصابت كيان العدو المحتل في أمنه القومي والوجودي وأحدثت زلزالاً مدمرًا على شتى الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية والمعنوية والجغرافية.  بحيث بات المستوطن "الإسرائيلي" يفقد إحساسه بالاستقرار والأمن الداخلي خاصة بعد أن اخترقت الانتفاضة الخط الأخضر لتطال "الإسرائيليين" في "عقر دارهم"، الأمر الذي وصفه الصحافي "الإسرائيلي" غاي بشان بأنه حرب في كل شيء.  "وهي حرب أسوأ وأصعب من كل الحروب التي خضناها حتى الآن وذلك لسببين:  لكونها حربًا طويلة ومستمرة ولقربها اليومي من بيوتنا" على حد قوله.  ويضيف: إن هذه الحرب لن تنتهي، ذلك أنه واضح للجميع –لليمين واليسار- من دون تغيير كبير في الوضع القائم.  وبالتالي تحولت الانتفاضة، بحيث لم تعد مجرد عابر وينتهي، بل تحولت إلى الحدث الوحيد في دولة "إسرائيل" وبقية الأحداث كلها هي من مشتقاتها.  فمن أنكر أو تنكر لوجود الشعب الفلسطيني في يوم من الأيام ومن حاول اختزال قضيته في "مشكلة اللاجئين"، أرغم على الاعتراف بهذا الشعب وحقه في إقامة دولته المستقلة، مما أحدث مأزقًا سياسيًا داخليًا وعلى مستوى العلاقات الخارجية أيضًا.  لقد طالت الانتفاضة كل البقرات المقدسة للصهيونية:  الاستيطان، الهجرة، الأمن، الجيش، الاقتصاد، والعلاقات الخاصة، والعلاقات الاجتماعية.  والأهم من كل ذلك أنه بات مؤكدًا لكل "إسرائيلي" استحالة القضاء على هذه الروح النضالية لدى الشعب الفلسطيني، وبالتالي استحالة تحقيق ما يسمى الحسم العسكري الاستراتيجي، بحيث بات العسكريون والسياسيون يتقاذفون المسؤولية عن هذا الفشل كمن يتقاذف كرة نار.  وباتت الصحافة "الإسرائيلية" تقول: إن الذين يتحدثون عن مصطلح "القضاء" على الانتفاضة لا يعيشون على أرض الواقع، بل يحلقون في الخيال والوهم.  ومما كتبه المعلق العسكري زئيف شيف في هذا المجال:  إن سياسة العقاب "الإسرائيلية" ضد الفلسطينيين في المناطق المحتلة تطغى عليها سمات العصبية.  وهي سياسة متأثرة من الهستريا المسيطرة على الجمهور بسبب الانتفاضة.  سياسة مرتبكة للغاية ذات مد وجزر متطرفين وتعاني أيضًا، من نقص غريب في التنسيق داخل الجهاز الحكومي والأمني نفسه.  والأخطر من كل هذا أن هذه السياسة لا تقوم على منطق يجعل الفلسطينيين يفهمون ما تريده السلطة "الإسرائيلية" من إجراءاتها المتطرفة ضدهم.  وهكذا فقد الجيش والشعب بوصلته، ولم يبق هناك من سياسة سوى ممارسة أقصى أنواع العنف والبطش وفقدان الصفة الإنسانية.  وبذلك خسر الجيش الكثير من جاذبيته في نظر الكثير من "الإسرائيليين" في الداخل والرأي العام في الخارج وباتت ظواهر الفرار من الخدمة وهبوط المعنويات والتمرد على الأوامر بمثابة أمور عادية.  مثلما بات تعاطي الحبوب المهدئة للأعصاب أمرًا عاديًا لدى أغلب الناس في المجتمع.  الاقتصاد وصل إلى حالة يرثى لها والهجرة تباطأت وتزايدت الحوافز للنزوح والهجرة المضادة.  الكثير من الاستثمارات توقفت والعديد من المؤسسات الاقتصادية أخلت وأقفلت أبوابها و"الرساميل" هربت وارتفعت نسبة البطالة وتعطلت السياحة، وعمت حالة من الهستيريا الجماعية على مجمل الناس، خاصة إذا أضيف إلى كل هذا انغلاق الأفق السياسي واستحالة الحسم العسكري.

لقد كسبت "إسرائيل" شيئًا من الجغرافيا المتنازع عليها، إلا أنها خسرت في الأمن والسلام، وهما القيمتان الأهم في الحفاظ على الأمن القومي لكيان يعيش فوق كف عفريت.  فلا اقتصاد ولا استقرار ولا نمو أو ازدهار من دون هاتين القيمتين.  وكل ما سوى ذلك من مصطلحات عسكرية كالحدود الآمنة والتي يمكن الدفاع عنها والحدود الرادعة وجدران الفصل وعمليات الأسوار الواقية لن توفر للكيان الآن ولا في المستقبل ما ينشده من متطلبات أساسية في أ منه القومي إلا إذا كان هذا الكيان يريد فعلاً الذهاب إلى تجربة صربيا وكوسوفو والمصير الذي آل إليه ميلوسوفيتش.

وفي كلمة موجزة يمكننا القول: إنه منذ عشرات السنين والقادة "الإسرائيليون" يبنون فكرة أمنهم القومي بشكل أساسي على القوة العسكرية والاستيطان والعمق الجغرافي، لكن مراجعة تاريخية لأوضاع "إسرائيل" الأمنية، تثبت أن سائر مرتكزات أمنها القومي قد باتت في غاية السوء من جراء استمرار الانتفاضة والمقاومة التي هي في المحصلة بمثابة مضادات حيوية لجرثومة الاحتلال وروح العدوان.  فالجيش "الإسرائيلي" يعاني من تراجع نوعي وكمي بعد إحجام الكثير من الشباب اليهودي عن الانضمام إلى صفوفه، كما يعاني من أزمة أخلاقية مدمرة وفساد مستمر حتى حصل على وصف "مركز الدعارة الوطني" والاقتصاد "الإسرائيلي" في  حالة تراجع وضعف إلى حد الانهيار خاصة في أعقاب استمرار البطالة وتراجع الصناعات الأمنية والتكنولوجية التي تسعى للتحول إلى صناعات مدنية، كما وأن مكانة "إسرائيل" السياسية الدولية واجهت حالة من الانكشاف والافتضاح خاصة على صعيد إدعاء الديمقراطية، الأمر الذي أدى إلى تقييد أيدي "إسرائيل" ومنعها من حرية الحركة العسكرية والأيديولوجية.    


*  باحث في الشؤون "الإسرائيلية"

(1) اللواء يسرائيل طال – مجلة معراخوت – كانون الثاني/ يناير – شباط/ فبراير 1989، أمن قومي وأمن جماعي.

 

(2) الثابت والمتغير في الاستراتيجية "الإسرائيلية" – وكالة المنار للصحافة والنشر المحدودة – ص32.  وأنظر أيضًا ملف أمن "إسرائيل" في الثمانينات – مؤسسة الدراسات الفلسطينية – خواطر في نظرية الأمن القومي – اللواء في الاحتياط يهو شفاط هركابي، ص59.

 

(3) دان هوروفيتش – الثابت والمتغير في النظرية الأمنية "الإسرائيلية" – إصدار مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب 1985.

 

(4) العميد محمد يوسف العملة – الأمن القومي العربي ونظرية تطبيقه في مواجهة الأمن "الإسرائيلي" – ص109.

 

(5) عاطف سعداوي – مختارات "إسرائيلية" – العدد 91 – السنة الثامنة يوليو/ تموز 2002- ص115.

 

(6) المصدر السابق ص116.

 

(7) هآرتس 9/8/2001.

 

(8) معاريف 29/3/2002.

 

(9) أنظر موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – عبد الوهاب المسيري – المجلد السابع الجزء الرابع – ص262 وما بعدها

 

(10) مختارات "إسرائيلية" العدد 91 مصدر سابق.

 

(11) مؤتمر هرتسليا الثاني في ظل استمرار الانتفاضة – إعداد خالد بدير – مجلة فتح – العدد 502 – 5/1/2002.

 

(12) المصدر نفسه.

 

(13) المصدر السابق.

 

(14) أنظر في هذا المجال – السياسة الدولية – العدد 143 – يناير/ كانون الثاني 2001 – صعوبات وإمكانيات التسوية بعد الانتفاضة -  د. جمال عبد الجواد.

 

(15) لمزيد من الفائدة أنظر –قراءات استراتسجية- السنة السابعة – العدد الخامس أيار/ مايو 2002 ص3.

 

(16) ملحق صحيفة معاريف 27/2/2001 مقابلة مع موشيه يعلون أجراها عوديد غرانوت واتيسيك سيفن.

 

(17) شؤون عربية العدد 92 – كانون الثاني/ ديسمبر 1997 ص100.

 

(18) إبراهيم العابد – مدخل إلى الاستراتيجية "الإسرائيلية" – بيروت – مركز الأبحاث – 1971 ص14.

 

(19) شؤون عربية مصدر سابق ص104.

 

(20) معاريف 26/2/2002.

 

(21) المستقبل 28/5/2001.

 

(22) الحياة 30/8/2002.

 

(23) السفير 2/9/2002 موشيه يعلون يعيد الصراع إلى أسسه الأولى – حلمي موسى.

 

(24) الكفاح العربي 18/7/2001.

 

(25) السفير 16/6/2001.

 

(26) التلفزيون "الإسرائيلي" – مقابلة مع الجنرال جاك بتاريخ 1/1/1997.

 

(27) الإسلام وفلسطين – العدد 69 حيران/ يونيو 2000 ص24.

 

(28) اللواء 16/7/2001 الاقتصاد "الإسرائيلي" بين الانتفاضة والركود – عاصي الأطرش.

 

(29) جريدة القدس – 25/7/2002 – الدكتور جمال زحالقة – في ظل لانتفاضة قراءة في الحالة "الإسرائيلية".

 

(30) المصدر السابق – وانظر أيضًا هارتس 24/5/2001 نحاميا شرسلر – ثمن الانتفاضة.

 

(31) أنظر مجلة دراسات شرق أوسطية – العدد 17 خريف 2001 – السنة السادسة ص177 وما بعدها.

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة