المشروع الصهيوني وأوهام التسوية
والتعايش معه
غطاس أبو عيطة
جاء توقيع
اتفاقات كامب ديفيد عام 1978، إيذاناً بدخول النظام الاستيطاني
الصهيوني المرحلة الثانية من تقدمه، وهي مرحلة السيطرة على
آليات النظام العربي الإقليمي، وذلك لضمان ترسخه في قاعدة
انطلاقه الأولى على أرض فلسطين عبر إلغاء الحقوق الوطنية
الفلسطينية، ولخلق مجالٍ حيويٍّ لتوسّعه ونموِّه الاقتصادي في
المشرق العربي (وفي أرجاء الوطن العربي والمنطقة بشكل عام) بما
يضمن استقرارَه فيه كمركز حاكم، وكما حقق هذا النظام إنجازه
الأول باغتصاب فلسطين وتشريد شعبها بدعم من القوى الاستعمارية
الكولونيالية وعلى رأسها الاستعمار البريطاني، فهو يمضي نحو
تحقيق إنجازه الثاني، باندماج عضوي مع مشروع السيطرة
الإمبريالي الذي تقوده أميركا على هذه المنطقة ذات الأهمية
الاستراتيجية.(1)
إن هذه
الرؤية للسياق الذي يتم فيه إقامة ما يسمى بالتسوية وبالسلام
للصراع العـربي الصهيوني، من شأنها أن تكشف أهداف هذه التسوية
وهذا السلام، باعتبارهما تقدماً للمشروع الإمبريالي الصهيوني
من جهة، وتراجعاً واندحاراً للمشروع النقيض من جهة ثانية وهو
المشروع القومي العربي التحرري والنهضوي، الذي انطلق مع انطلاق
المشروع الآخر منذ نهاية القرن التاسع عشر.
وهذه الرؤية
من شأنها أن تعرِّي الثقافة التي تنطلق من أوهام التعايش مع
العدو الصهيوني، ومن أضاليل تحول كيانه الاستعماري الاستيطاني
إلى دولة طبيعية تندرج في نسيج المنطقة بمعزل عن أطماعه
التوسعية وبانفصالٍ عن مشاريع السيطرة الإمبريالية، وسذاجة
التعويل على قوى سلام داخل هذا الكيان الذي لا يستطيع أن
ينفكَّ عن ظروف نشأته وعن آليات تطوره المرتبطة بوظيفته كقاعدة
إخضاع استعمارية لشعوب المنطقة.
لقد أفرزت
مسيرة الإخضاع الأمريكية، بما هي أيضاً مسيرة احتلالٍ للعقل
العربي، سيلاً من الطروحات المهزومة على الساحة العربية، حيث
وجد من يروِّج خلال الأعوام الماضية، لفكرة "الحل الوسط
التاريخي للصراع" التي تلتقي مع مبادرة "الانسحاب الكامل
مقابل التطبيع الكامل"، ولفكرة "أن يندمج الشعب الفلسطيني من
سكان الضفة والقطاع في الكيان الصهيوني" ليتسنى له تغيير طبيعة
هذا الكيان عبر النضال الديمقراطي، ولفكرة "الدولة الثنائية
القومية" التي يُفضَّل أن تشمل حدودها فلسطين والأردن لضمان
غلبةٍ ديمغرافية للعنصر العربي، وبلغت الملهاة ذروتها حين رأى
مثقف فلسطيني، "أن حزب العمل الصهيوني واليهود من أصل أوروبي
بوجه عام، هم أملُ مجتمعاتنا في تجاوز تأخرها وفي إنجاز مشروع
الحداثة والمعاصرة"، وفي موازاة ذلك رأى مثقف عربي آخر "أن
تعميم السلام الأمريكي في المنطقة، من شأنه أن يفتح الباب
واسعاً لقيام حوارٍ عقلاني مع قوى السلام الصهيونية، بما يقود
إلى تعميم الديمقراطية المعطلة في المجتمعات العربية"(؟؟).(2)
وخطورة مثل
هذه الطروحات، تتأتى من كونها تعيق انتصار ثقافة ثورية في
العقل العربي، يتم على أساسها بناء برامج، واعتماد أساليب نضال
تكون قادرة على مواجهة التحدي التاريخي الذي تجابهه الأمة
ممثلاً في مشروع الإخضاع الإمبريالي الصهيوني.
وإن
استيعاب حقيقة السلام الذي يجري فرضه على الشعب الفلسطيني وعلى
الشعوب العربية الأخرى في هذه المرحلة من مراحل الصراع مع
العدو الإمبريالي الصهيوني، يفرض علينا أن نعود مجدداً إلى
نشأة الصهيونية باعتبارها حركة استعمارية غربية، وإلى الوقوف
عند حقيقة الإيديولوجية الصهيونية المتراكبة مع الإيديولوجية
الاستعمارية العنصرية الغربية والمنطلقة من مركزية الثقافة
الأوروبية، وتفوّق الرجل الأبيض، واعتبار مناطق العالم غير
الأوروبية مناطق فراغ حضاري، بل اعتبار "الشرق الأوسط" على أنه
موطن السامية المرادفة في العقل الغربي لليهودية بالاستناد إلى
الأساطير التوراتية، وأن نعود كذلك، إلى تاريخ الأطماع
الأمريكية في المنطقة كامتداد للأطماع الاستعمارية الأوروبية،
لنتوقف من ثم عند مقاومة النظام العربي للغزو الاستعماري
الغربي التي دخلت مرحلة جديدة من مراحل تطورها مع دخول المشروع
النقيض مرحلة السعي لإهالة التراب على الهوية العربية ودفن
المشروع القومي العربي وصولاً إلى تحقيق صهينة المنطقة من خلال
تمزيقها إلى كيانات إثنية وطائفية وقبلية تدور في فلك القاعدة
الصهيونية المتحولة إلى إمبريالية فرعية.
أولاً: المشروع
الصهيوني:
لقد وضعت
مئات وآلاف الكتب والدراسات التي تتناول الترابط العضوي بين
المشروع والكيان الصهيوني وبين مشاريع السيطرة الاستعمارية
الغربية على المنطقة العربية. غير أن هذه المسألة بحاجة دائماً
للمراجعة من أجل تعميق فهمها في ضوء التطورات والتحولات
المستجدة في المنطقة والعالم، ذلك أن شكل الصراع الذي تشهده
منطقتنا في هذه المرحلة وخاصة منذ العقد الأخير من القرن
العشرين، يدلل على عمق النظرة التي طرحها أحد رواد الفكر
القومي العربي منذ مطلع القرن ذاته، من أن الصراع الذي ابتدأ
بين حركتين نشأتا في لحظة واحدة من التاريخ، وهما الحركة
الاستعمارية الصهيونية، والحركة القومية العربية، سوف يتقرر
على مصيره (هذا الصراع) ليس مستقبل المنطقة وحدها بل مستقبل
العالم أيضا،ً إذ يبدو واضحاً الآن، أن الصراع الذي يدور على
المنطقة، يقوم في محور الصراع الذي تخوضه شعوب العالم في
مواجهة مشروع الهيمنة النيوليبرالي الأمريكي.(3)
وفي إعادة
تناول هذه المسألة في سياقها التاريخي (الترابط العضوي بين
المشروع الاستعماري الغربي والمشروع الاستيطاني الصهيوني)
يمكننا الوقوف عند النقاط المفصلية التالية:-
-كثيراً ما
جرت مقاربة الصهيونية في الفكر العربي كنبت شيطاني قام خارج
الظروف التاريخية التي عاشتها أوروبا في العصر الاستعماري،
بحيث جرى التهويل من فرادة الصهيونية وتضخيم قدراتها الذاتية
بمعزل عن قدرات قوى الاستعمار الغربي، وإبراز سعيها للهيمنة
على مقدرات البشرية جميعها، كما جرى التركيز على المحدد الديني
للصهيونية المرتبط باليهودية ليتم إخراج الكيان الاستيطاني
الصهيوني الذي تم زرعه في قلب الوطن العربي من إطار الكيانات
الاستعمارية الاستيطانية التي قامت في أرجاء مختلفة من العالم
إبان الحقبة الاستعمارية الأوروبية.(4)
وواقع
الحال، أن كل الحركات الاستعمارية الاستيطانية التي شكلتها
حركة الهجرة الأوروبية إلى بلدان العالم الجديد والقديم -بما
فيها الهجرة اليهودية إلى فلسطين- تميزها سمات عامة ترتبط
بأهداف السيطرة الغربية، لكن لكل واحدة من هذه الحركات سمات
خاصة تتميز بها، ترتبط بحجم الهجرة، وبمرحلتها التاريخية،
وبمدى تفوقها الديمغرافي والحضاري على سكان البلاد الأصليين
ومحيطهم الإقليمي، والأساليب التي عمدت إليها لإلغاء أو إخضاع
هؤلاء السكان ومحيطهم ومدى نجاحها في ذلك، ثم مدى أهمية
الإقليم المستعمَر بالنسبة للدولة المستعمرة الأم أو بالنسبة
لمجموع القوى الاستعمارية، ومدى استعداد سكان البلاد الأصليين
على المقاومة، والظروف الدولية المحيطة بصراعهم مع الغزو
الاستعماري الاستيطاني….الخ.
(5)
-والصهيونية
كفكرة ومشروع، لم تنبت بداية في التربة والعقل اليهودي بل في
تربة وعقل الاستعمار الغربي. فمع ظهور حركة الاكتشافات
الجغرافية وقيام التحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى في
أوروبا، وفي مخاض ولادة الرأسمالية وتحول عدد من الدول
الأوروبية إلى قوى استعمارية كبرى، وبروز ظاهرة الاستعمار
الاستيطاني كآلية من آليات ترسيخ السيطرة الاستعمارية في
القارات غير الأوروبية، برزت فكرة استيطان فلسطين ودعوة اليهود
للهجرة إليها وبناء "وطن يهودي" فيها.
وطرحت الفكرة
بداية مـن قبل الأوساط البروتستنتية عقب حركة الإصلاح الديني
التي ارتبطت بصعود البرجوازية ومشروعها الاقتصادي الاجتماعي
السياسي في أوروبا، وانتقلت مع حملة نابليون على مصر إلى دعوة
رسمية يطلقها قادة غربيون، وتعمق الاهتمام بالفكرة إثر إجهاض
مشروع محمد علي في المشرق العربي وفي مواجهة الحركة القومية
العربية الناشئة في موازاةٍ مع الحركة الطورانية التركية، حتى
جاء وعد بلفور عام 1917 على خلفية اتفاقية سايكس -بيكو.(6)
-ووجدت
الصهيونية مناخاً ملائماً لانتشارها في أوساط البرجوازية
اليهودية الغربية مع هيمنة النـزعات القومية الشوفينية في
أوروبا بوصول الرأسمالية إلى سفحها الهابط في القرن التاسع عشر
المتمثل في التراجع عن القيم الليبرالية خدمة للحركة
الاستعمارية، حيث شكلت الاضطهادات التي تعرض لها اليهود في
المناخ الجديد جواً ملائماً للتخلي عن فكرة الاندماج التي سادت
أوساطهم في المرحلة السابقة، ولتبني فكرة "الجيتو" والانعزال
التي عـبرت عنها الحركة الصهيونية.
-وبعد ولادة
المنظمة الصهيونية في مؤتمر بازل عام 1897 بزعامة تيودور
هرتزل، أخذ قادتها يروجون مشروعهم لدى حكومات الدول
الاستعمارية ثم ربطوه مع بريطانيا زعيمة تلك الدول آنذاك،
وأنشئت إثر ذلك المؤسسات الصهيونية التي تنظِّم الهجرة
والاستيطان في فلسطين بدعم من بريطانيا، وكما استغلت الصهيونية
الاضطهادات اليهودية في بلدان أوروبا الشرقية إبان التحولات
الاقتصادية الاجتماعية العاصفة في أواخر القرن التاسع عشر
فحولت أقساماً من الهجرة اليهودية المتجهة إلى العالم الجديد
نحو فلسطين، استغلت كذلك اضطهادات اليهود على يد النازية
والفاشية الصاعدة مستفيدة من التسهيلات المقدمة لها من
الاستعمار البريطاني.(7)
-وفي أحضان
سلطة الانتداب البريطاني تحولت المؤسسات الصهيونية في فلسطين
إلى دولة داخل الدولة، فغدت الوكالة اليهودية بمثابة قيادة
سياسية، ومجلس اليشوف (التجمع الاستيطاني اليهودي) المنتخب
بمثابة مجلس للوزراء وللنواب، وشكلت العصابات الصهيونية
(الأرغون وشترن) وقوات الهجاناه جيش الكيان الاستيطاني،
وتضافرت عوامل دولية لقيام هذا الكيان (الدولة) تمثلت في
التوافق الغريب على تأييدها في المعسكرين الرأسمالي
والاشتراكي، ففي حين رأت فيه القوى الاستعمارية قاعدة لتعزيز
سيطرتها على المنطقة، نظر إليها الاتحاد السوفيتي والبلدان
الاشتراكية الأخرى كدولة حيادية وذات توجه اشتراكي ومركز اشعاع
تقدمي في محيط متأخر وخاضع للسيطرة الاستعمارية (8)
-ومع انتصار
المشروع الصهيوني في حرب عام 1948 على الدول العربية وعلى
مقاومة شعب فلسطين، سادت على النطاق الدولي الرواية الصهيونية
المتعلقة بقيام "إسرائيل"، التي قدمت نفسها كمدافع عن يهود
العالم، وكقوة معادية للنازية والفاشية، وكدولة محتضنة لقيم
الحضارة الغربية، واكتسبت تعاطفاً دولياً من خلال تضخيمها لعدد
الضحايا اليهود على يد النازية وخاصة عبر أسطورة المحرقة،
وتسربت هذه الأضاليل إلى وعي نخب وأوساط عربية متأثرة بفكرة
مركزية الثقافة الأوروبية الغربية ومخترقة من قبل التغلغل
الثقافي الاستعماري الغربي الذي شهدته المنطقة على امتداد قرون
من الزمن (9).
-وقد قامت
الإيديولوجيا الصهيونية على خليط من الفكر العلماني الرأسمالي
والفكر العمالي الاشتراكي، وعلى تركيب الفكر القومي الأوروبي
على الفكر الديني التوراتي، وانصهر ذلك كله في بوتقة الفكر
الاستعماري الاستيطاني. ففي حين تطلعت الأحزاب العمالية نحو
بناء مجتمع اشتراكي في الكيان المستعمِر، تمسكت الأحزاب
البرجوازية بقوانين السوق والمبادرة الفردية، وانطوت الأحزاب
الدينية على الفكر الأسطوري التوراتي، لكن هذه الأحزاب جميعها
اتفقت على إنجاح المشروع الاستعماري الاستيطاني وعلى ربط هذا
المشروع بمشاريع السيطرة الاستعمارية الغربية مخضعة كل
تعارضاتها الداخلية للتناقض الرئيسي الذي يحكم علاقة النظم
الاستيطانية بسكان البلاد الأصليين وبالمحيط الإقليمي.
-وفي حين
اتجه التيار العلماني والعمالي المسمى باليسار في المرحلة
الثانية من تحقق المشروع الصهيوني نحو إقامة نظام إقليمي شرق
أوسطي مرتبط بالنظام الدولي الجديد الذي تقوده الإمبريالية
الأمريكية، عارض التيار اليميني والديني فكرة الاندماج في
المنطقة عبر نظام إقليمي تابع، متوهماً بأن الوقت قد حان
لانفصال نظامه الاستيطاني عن القوى الاستعمارية الأم شأن النظم
الاستيطانية التي حققت تحولها إلى دول طبيعية، لكن مثل هذا
الوهم تدحضه خصوصية النظام الاستيطاني الصهيوني، ويمنع تحققه
استمرار مقاومة الشعب الفلسطيني من جهة، وممانعة الشعوب
العربية من جهة ثانية التي يصعب تحويلها إلى شعب من الهنود
الحمر، وقد طرح اليمين الصهيوني في مواجهة فكرة الاندماج عبر
آليات السيطرة الاستعمارية، فكرة إخضاع المحيط الإقليمي عن
طريق القوة العسكرية، وفكرة الانفصال عن القوى الإمبريالية مع
استمرار تلقي الدعم من أمريكا.(10)
ثانياً السلام
الأمريكي -الصهيوني:
إن
"السلام" المطروح على الأمة العربية في هذه المرحلة هو سلام
أمريكي من جهة، قائم على أرضية مخطط الاستحواذ الأمريكي على
المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية والنفطية، وهو سلام صهيوني
متراكب معه من جهة ثانية، منسجم مع طبيعة النظم الاستعمارية
الاستيطانية بشكل عام ومع الوظيفة الخاصة للقاعدة الاستيطانية
الصهيونية التي تميزها عن سائر النظم الاستيطانية.
أ-السلام
الأمريكي:
إن المتتبع
لمسار الصراع في المنطقة منذ عام 1967، يلاحظ كيف عطلت
الولايات المتحدة الأمريكية مشاريع التسوية التي طرحت للصراع
العربي -الصهيوني إلى حين إحكام قبضتها على المنطقة والاستحواذ
عليها بمعزلٍ عن الأطراف الدولية الأخرى، حيث وفَّرت "حرب
الخليج الثانية" للولايات المتحدة، فرصة لتنظيم العالم لم تحظ
بمثلها منذ الحرب العالمية الثانية وذلك انطلاقاً من سيطرتها
على هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجيَّة.(11)
فمنذ أصبحت
الولايات المتحدة قوة عظمى منذ أربعينات القرن العشرين، اعتبرت
قيادتها السياسية (في عهد آيزنهور) بأن هذه المنطقة (الشرق
الأوسط) "هي أكبر الجوائز المادية في العالم"، ومنذ ذلك
التاريخ التزمت هذه القيادة بتصور استراتيجي بشأن المنطقة
يقوم على مبدأين هما، مبدأ حماية "الواجهة العربية" من شعوبها،
ومبدأ الاعتماد على درك محلي غير عربي لحفظ النظام فيها.
وإثر حرب عام
1948، وصفت هيئة رؤساء الأركان للقوات الأمريكية "إسرائيل"
بأنها تشكل بعد تركيا "قوة عسكرية إقليمية تؤمن للولايات
المتحدة الوسائل المطلوبة للحصول على ميزة استراتيجية في الشرق
الأوسط".
وبعد حرب عام
1967، توصل المجلس القومي الأمريكي إلى قناعة مفادها، بأن
"اللازمة المنطقية لمعارضتنا للقومية العربية المتنامية، هي
دعم "إسرائيل" بوصفها القوة الوحيدة المضمونة للغرب في الشرق
الأوسط"، ومنذ ذلك التاريخ وَجدت أطروحة "الذخر الاستراتيجي"
في وصف "إسرائيل" موقعها الطبيعي في مبدأ الرئيس الأمريكي
نكسون، الذي رأى بتأثير حرب فيتنام، أنه ما عاد بوسع الولايات
المتحدة أن تلعب دور الشرطي في العالم، حيث أكد ملفين ليرد
وزير الدفاع الأمريكي في حينه، أن "مركز القيادة للعالم سيبقى
في واشنطن، أما الآخرون فعليهم أن يلاحقوا مصالحهم الإقليمية
ضمن الإطار الذي تسيرِّه أمريكا".(12)
ووفق صياغة
كيسنجر لهذا المبدأ فيما يتعلق بهذه المنطقة، جاء الموقف
الأمريكي من حقوق الشعب الفلسطيني التي يجب أن تشطب لكي تبقى
"إسرائيل" الذخر الاستراتيجي القوي في المنطقة، وقد رأى كيسنجر
أنه بات من الضروري التخلص من القضية الفلسطينية بأية طريقة
لكي يغدو ممكناً إظهار العلاقات الضمنية القائمة بين "إسرائيل"
"والواجهة العربية" إلى العلن، بل توسيع هذه العلاقات ضمن نظام
إقليمي غير عربي. وجاءت مبادرة جيمس بيكر لتسوية القضية
الفلسطينية بعد حرب الخليج الثانية، متوافقة مع محددات التسوية
الصهيونية المطروحة منذ عام 1967، والتي يجمع عليها المعسكر
الصهيوني، وتقوم على مبدأ الإلغاء المعنوي للوجود الفلسطيني
على أرض فلسطين، مع تمزيق وتهميش الوجود المادي لهذا الشعب.
ومع تعثر
مسيرة التسوية الإخضاعية الإلغائية في المنطلقة من مؤتمر مدريد
في ضوء نتائج "حرب الخليج الثانية"، بسبب المقاومة والممانعة
العربية التي لم تتوقف برغم الاختراقات التي جرت في العديد من
الجبهات الرسمية، أطلقت الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة بوش
الإبن حملتها على المنطقة والعالم تحت لافتة "مكافحة الإرهاب"،
والتي تستهدف إزاحة العقبات من وجه مخطط السيطرة الأمريكي على
العالم انطلاقاً من سيطرتها على المنطقة العربية، وفي سياق هذه
الحملة، جاءت حربها الهمجية على أفغانستان، وجاء الاجتياح
الصهيوني الدموي التدميري لمدن ومخيمات وقـرى الضفة بهدف سحق
الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية وضرب مفاعيلها في المحيط
العربي، وكذلك التهيئة الماضية قدماً لغزو العراق إلى جانب
تكثيف الضغوط على النظم العربية التابعة، وتصعيد التهديدات ضد
قوى ومواقع المقاومة والصمود العربية والإسلامية. (13)
ب-السلام
الصهيوني:
في كتابه
الصادر عام 1981 عن النظم الاستعمارية الاستيطانية، يبين
الدكتور مجدي حماد أسس التسوية الصهيونية المطروحة على المحيط
العربي في المرحلة الثانية من تقدم المشروع الاستعماري
الصهيوني، وهي رؤية جاءت مطابقة لما جرى بعد عشرة أعوام، مما
يدل على وضوح منطلقها العلمي.
وقد جاء في
الكتاب:-
((إن السلام
الذي يراد فرضه على المحيط العربي إنما يتم على أساس الشروط
"الإسرائيلية" التالية:-
أولاً- أن
تجري مفاوضات التسوية بشكل ثنائي مع الدول العربية المحيطة،
وأن تنتهي باتفاقات ثنائية تتضمن بنوداً تحصِّن العلاقة
الجديدة غير المتكافئة المفروضة على الدول العربية.
ثانياً-أن
توجد الضمانات الكافية لانتهاء وضع "إسرائيل" الهامشي خارج
النظام الإقليمي. فـ"إسرائيل" لن تتعامل مع نظام في المنطقة لا
تكون عضواً مركزياً ومهيمناً فيه ومتحكماً بتفاعلاته.
ثالثاً-أن
تتم المفاوضات وتُعقد الاتفاقات الثنائية في ظل الإقرار
بالتفوق "الإسرائيلي"، وأن تُفرض هذه الاتفاقات في ظل الاحتلال
العسكري بحيث تأتي بنودها انعكاساً للواقع القائم.
رابعاً- أن
يجري تعديل الفكر العربي وتكييف العقل الجماعي للشعوب العربية
عن طريق الانفتاح الثنائي على التفسير الصهيوني للتاريخ
العربي، وعلى التصورات العربية بشأن الصهيونية كعقيدة وكحركة
سياسية وبشأن "إسرائيل" .))
وترجمة ذلك
على الصعيد الفلسطيني كما أبرزها اتفاق أوسلو ومتفرعاته، جاءت
متوافقة مع المشروع الصهيوني الرامي إلى تهويد كل الأرض
الفلسطينية، مع حصر من يتبقى من سكان الضفة والقطاع ضمن
"محميات" معزولة عن بعضها، تتولى إخضاعهم سلطات محلية قمعية
خاضعة للإشراف الأمريكي الصهيوني.
ثالثا- نمط جديد
من المقاومة العربية:
على الرغم من
ضراوة الهجمة الإمبريالية (الأمريكية والصهيونية) على المنطقة،
وخضوع غالبية النظام الرسمي العربي لاستهدافات تلك الهجمة،
وواقع الأزمة التي تعيشها قوى وأحزاب حركة التحرر العربية،
والمزاج الهروبي الذي تمر به النخب الثقافية بانشغالها بقضايا
جزئية واستبطان بعض أوساطها للثقافة الصهيونية، ورغم
الإنهيارات الدولية وانفلات نزعة الهيمنة الأمريكية على مقدرات
العالم، فقد أظهر الجسم العربي قدرة غير محدودة على المواجهة،
تجسدت بانطلاق نمط جديد من المقاومة وسط الجماهير اللبنانية،
وإبداع جماهير فلسطين لنمط الانتفاضة الشعبية المحتضنة لشكل من
المقاومة المتجاوزة بصلابتها كافة الأشكال السابقة.
وما لا يمكن
إغفاله، هو أن هذا الشكل من المقاومة والمواجهة العربية لم يأت
من فـراغ وإنما جاء تطويراً لمحطات الصمود والمواجهة في مراحل
الصراع السابقة.
((فرغم أن
النظام العربي قد دخل المرحلة الأولى من الصراع وهو غير مستعد
لها، غير أن استمرار الصراع في تلك المرحلة، شحذ معنويات هذا
النظام، وشكل حافزاً لنموه وتطوره السياسي والفكري رغم مظاهر
الهزيمة البادية على السطح)) (14) وهاهو هذا النظام يدخل مرحلة
الصراع الحاسمة، وهو ليس أكثر استعداداً، لكن استمرار الصراع
بدأ بإفراز نموذج متقدم من الصمود والمقاومة، مما يسعى التحالف
الإمبريالي الصهيوني لمحاصرته وسحقه عن طريق أشكال غير مسبوقة
من البطش والعدوان.
وإن كل
تناولٍ لأهمية ظاهرة المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله،
وتوأمها الذي جسدته الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية، يظل
قاصراً عن استشراف الآفاق التي تفتحها هذه الظاهرة على مستقبل
الصراع العربي -الإمبريالي الصهيوني.
وإنه لم يكن
من قبيل الأحلام أن تعوِّل القوى الحيَّة في الأمة على هذه
الظاهرة، وأن يرى مثقف رصين مثل الطيب تيزيني، بأن انتفاضة
الشعب الفلسطيني سوف تعيد إنتاج القوى الحاملة للمشروع النهضوي
للأمة بعد أن جرى سحق وإضعاف القوى والأطر السابقة أمام تقدم
المشروع النقيض.(15)
ولعل القوى
المنضوية على النطاق الدولي تحت لواء مناهضة العولمة، كانت
أسبق من المثقف العربي في إدراك موقع الانتفاضة الفلسطينية من
الصراع الذي يدور على مستوى العالم في مجابهة العولمة
الأمريكية المتوحشة، حين سارعت هذه القوى إلى احتضان النضال
البطولي لشعب فلسطين كطليعة للنضال التحرري العربي في مؤتمر
دربان لمكافحة العنصرية، ثم في مؤتمرها التأسيسي المنعقد في
بورت الليجري في البرازيل، وإلى إطلاق تظاهرات التأييد
للانتفاضة الفلسطينية في عواصم العالم التي رفعت شعارات
الإدانة لأمريكا وللصهيونية ولكيانها الاستعماري العنصري،
ووقوف نشطاء تلك الحركة إلى جانب جماهير الضفة في مواجهة حملة
القتل والتدمير الصهيونية المدعومة أمريكياً.
وما يمكن
الركون إليه برغم شراسة وشمولية الهجمة الأمريكية الصهيونية
على شعوب المنطقة، أن ما عجز الحلف المعادي عن تحقيقه عبر
اجتياح لبنان عام 1982، وعبر "حرب عاصفة الصحراء"، من كسر
إرادة الجماهير العربية، لن يتحقق عبر اجتياح مدن وقرى ومخيمات
الضفة المحتلة على يد آلة الحرب الصهيونية الذي يجيء في سياق
الحملة الأمريكية العالمية على "الإرهاب"، ذلك أنه مع تصاعد
تلك الهجمة، تجذرت إرادة التضحية لدى هذه الجماهير، وانتشر وهج
كفاحها البطولي في أوساط الجماهير العربية مما فاقم من مأزق
النظم والشرائح الطبقية العربية التابعة.
ولكن ما يجب
التنبيه له، هو أن الخطر الأكبر على ظاهرة الصمود والمقاومة في
المجتمعات العربية، التي تزداد تجذراً مع ازدياد شراسة الهجمة
الإمبريالية المعادية هو ليس القدرات العسكرية للتحالف
الأمريكي الصهيوني التي انكشفت حدودها في فتينام وعلى الأرض
اللبنانية وفي مواجهة انتفاضة ومقاومة شعب فلسطين، بقدر ما هو
الدور القمعي والتخريبي للنظم والقوى والأوساط العربية التي
ربطت نفسها بالمشروع الاستعماري، والتي يسعى العدو الغازي لآن
يوظفها كدرك محلي لضبط وإخضاع الجماهير العربية وحركتها
التحررية الثورية، الأمر الذي يفرض على قوى المواجهة
والمقاومة، مواصلة فضح وتعرية دور هذه الأطراف من أجل عزلها
وشل قدرتها على لعب الدور المنوط بها دون التورط في صراعات
داخلية مدمِّرة يراهن الأعداء على نشوبها.
الخلاصة:
في موازاة
الصراع الضاري والمصيري الذي تخوضه الأمة العربية من أجل
انتصار مشروعها القومي التحرري وهزيمة مشروع الإخضاع
والاستعباد الأمريكي الصهيوني، يخوض العقل العربي مواجهة لا
تقل ضراوة، تدور بين ثقافة الصمود والمقاومة واستمرار الصراع،
وثقافة الخضوع والاستسلام والتكيف مع إملاءات المشروع المعادي،
وقد بات واضحاً أن ما تملكه هذه الأمة من الطاقات وما تختزنه
من موروثٍ حضاري يجعلها غير قابلة للخروج من التاريخ كما يتنبأ
المستلبون لثقافة الغزو الإمبريالي المعادي.
غير أن الثقة
بمقومات الانتصار لمشروعنا القومي التحرري، ولهزيمة المشروع
الاستعماري النقيض، لا يمكن أن تدفعنا إلى الركون لفكرة أن
مسار الصراع في الفترات القادمة لن يأخذ غير وجهة واحدة وهي
وجهة تقدم المشروع العربي واندحار وتراجع المشروع النقيض، إذ
نظراً لجذرية هذا الصراع وشموليته، وخطورة النتائج المترتبة
عليه إقليمياً وعلى النطاق الدولي، فإنه لابد وأن يمر بمنعطفات
من التقدم والتراجع ومن الانتصارات والهزائم الجزئية والهدنات،
لكن الضمانة الأساسية لانتصار الأمة تبدأ من انتصار ثقافة
الصمود والمقاومة، ومن محاصرة وعزل وإنهاء ثقافة الرضوخ
والاستسلام التي يجري ترويجها باسم الواقعية والموضوعية.
المراجع:
(1) انظر
كتاب د.مجدي حماد ((النظام السياسي الاستيطاني -دراسة مقارنة))
الصادر عن دار الوحدة بيروت عام 1981، والذي يتضمن عرضاً
علمياً لطبيعة وتطور النظم الاستعمارية الاستيطانية، التي تمر
بمرحلة بناء القاعدة الاستيطانية في البلد المستعمر، ثم مرحلة
تعزيز وجود هذه القاعدة من خلال فرض السيطرة على المحيط
الإقليمي، وذلك خلال تتبعه لمسارات المشاريع الاستيطانية في
القارات القديمة التي لم يكن ممكناً إلغاء الوجود المادي
لسكانها كما جرى في أمريكا وكندا وأستراليا.
(2) ينأى
كاتب الدراسة عن ذكر أصحاب مثل هذه الطروحات، لأنهم لا يمثلون
أنفسهم وحسب، بل يمثلون ثقافةً وتوجهاً فكرياً انتعش في مناخ
الإحباط، علماً بأنهما وجدا منذ عقود طويلة نتيجة تأثيرات
الغزو الثقافي الاستعماري الغربي، وعلى خلفية الاستلاب للرواية
الاستعمارية الصهيونية بشأن حقيقة المشروع الصهيوني.
(3) الإشارة
هنا إلى كتاب نجيب عازوري الصادر عام 1905، والذي يحتوي على
رؤية علمية نبوئية بشأن طبيعة ومستقبل الصراع بين الحركة
القومية العربية الناشئة وبين الحركة الصهيونية وليدة الثقافة
والحركة الاستعمارية الغربية.
(4) استند
هذا السرد لتاريخ الحركة الصهيونية على مادة الكراس الصادر عن
الحزب الشيوعي الفلسطيني -الثوري في كانون الثاني عام 1998
بمناسبة مرور مئة عام على مؤتمر بازل للحركة الصهيونية، ومرور
خمسين عاماً على النكبة.
(5) المصدر
السابق
(6) المصدر
السابق بتصرف من كاتب الدراسة
(7) المصدر
السابق
(8) المصدر
السابق
(9) انظر
كتاب د.مسعود ضاهر "مجابهة الغزو الثقافي الإمبريالي الصهيوني"
الصادر عن "المجلس القومي للثقافة العربية" عام 1989، والذي
ينطلق فيه من رؤية واضحة وحاسمة من أن الغزو الإمبريالي للشرق
الأوسط انطلق منذ البداية على قاعدة صهينة المنطقة من خلال
تمزيقها إلى كيانات تابعة للمركز اليهودي الصهيوني.
(10) انظر
المقاربة التي نشرها كاتب هذه الدراسة (غطاس أبو عيطة) في مجلة
شئون الأوسط في أيلول عام 1996 بشأن "نقاط التقاطع والتفارق
بين نهجي بيريز ونتنياهو في التعاطي مع المحيط الإقليمي وتجاه
مستقبل الكيان" إذ يرى الكاتب، أنه في حين يعتمد بيريز أسلوب
الخداع متبيناً تراث الفكر الاستعماري الغربي في مخاطبة العقل
العربي، يعمد نتنياهو إلى مخاطبة العقل اليهودي المغلق دون
التوجه بالخطاب للعقل العربي، معتبراً أن ما يخضع العرب
للمشروع الصهيوني هو منطق القوة وحده دون تغليفه بأية ادعاءات
إنسانية وتنموية كما فعل بيريز.
(11) انظر
محاضرة نعوم تشومسكي التي يتناول فيها حقيقة اتفاق أوسلو،
والتي أعاد نشرها في كتاب "قوى وآفاق" الصادر بالعربية عن دار
الحصاد بدمشق عام 1998، وفيها يتعقب المحاضر تاريخ الأطماع
الأمريكية في الشرق الأوسط، وتعمُّق اعتماد أمريكا في تحقيق
تلك الأطماع على الكيان الصهيوني، بما قاد إلى ترسيخ الترابط
العضوي بين المشروعين الاستعماري الغربي والصهيوني كمشروع واحد
في الأساس.
(12) محاضرة
تشومسكي-المصدر السابق
(13) أنظر
"ورقة العمل" التي وضعها الفريق الأمريكي في إدارة الرئيس بوش
الإبن كما وردت في مقالة محمد حسنين هيكل المنشورة في السفير
اللبنانية بتاريخ 29 آب عام 2001، والتي يحمِّل فيها هذا
الفريق إدارة الرئيس كلنتون الديمقراطية، مسؤولية تعثر وتراجع
المشروع الأمريكي لإخضاع العالم المنطلق من نتيجة حرب الخليج
الثانية، ومن انهيار الاتحاد السوفيتي بفضل سياسة الحزب
الجمهوري الهجومية في عهد ريغان وبوش الأب. ويرد في هذه
الورقة:
((أن مسيرة
السلام في الشرق الأوسط قد تعطلت أمام عراقيل واجهتها أهمها
ذلك الانفجار الشعبي الفلسطيني الذي تحوَّل إلى حرب عصابات،
وأدى إلى ضياع فكرة المفاوضات ومنطق الحل الوسط، وترتب على ذلك
موجة من المشاعر المعادية لأمريكا اجتاحت العالم العربي، وكان
أن السلام الأمريكي الذي شاع الظن بأنه تمكن من تثبيت قواعده،
راح يتعرض لضغوط من الرأي العام العربي بما أثر على سلوك نظم
صديقة للولايات المتحدة اضطرت لأن تحتفظ لنفسها بمسافة أمان
تحميها من المشاعر المعادية لأمريكا"
وغني عن
التوضيح أن حدث 11أيلول عام 2001 قد أتى بقدرة قادر لكي يضع
استراتيجية الهجوم الأمريكية على المنطقة والعالم موضع التنفيذ
العملي.
(14) كتاب
د.مسعود ضاهر (مصدر سابق) في مقدمة الكتاب.
(15) الإشارة
هنا إلى محاضرة الدكتور طيب تيزيني في مركز الشهيد ماجد أبو
شرار في مخيم اليرموك بدمشق، بمناسبة الأسبوع الثقافي الذي
أقيم في كانون الثاني عام 2001 في ذكرى انطلاقة الثورة
الفلسطينية.
|