|
دراسة في دحض المزاعم
اليهودية في فلسطين
بقلم:
د.
عبد الله بهيج
يبدو أن
التاريخ يُكتَب بعصا المنتصر، ولا يكتب بصوت الحقيقة، ويبدو أن
هذه المقولة صحيحة، إذا ما تصفحنا كتاب (مكان تحت الشمس)
لـ"بنيامين نتنياهو" حيث تغيب الحقائق التاريخية فاسحة في
المجال لسيل من الافتراء والتلفيق، على مدار 438 صفحة، لإثبات
أسطورة "إسرائيل" المعجزة، للشعب المختار والمعجزة. والقول :
إن الآخرين ومن ضمنهم العرب زوائد بشرية على الحاضر والتاريخ
لا لزوم لهم. ويحاول "نتن ياهو" تقزيم التاريخ في حقبة لا
تتعدى خمسة وسبعين عاما، هي مدة قيام دولتي "إسرائيل" ويهوذا،
في الألف الأول قبل الميلاد، معتبرا ما قبلها حيث الكنعانيون
والآراميون، ثم الرومان إضافة إلى ما بعدها وصولا إلى ما يزيد
على أربعة عشر قرنا من تواجد العرب المسلمين والمسيحيين فيها،
أمرا لا يعني له شيئا.
ويحشد
نتنياهو شهادات عديدة من الغرب الأوروبي والصهيوني، كي يثبت
حقا مزعوما لليهود في فلسطين وفق
منطق أسطوري، والفكرة الأساسية التي يستند إليها هي خواء
فلسطين
من
البشر قبل قدوم اليهود إليها، زاعما أن العديد من الرحالة
والقناصل والمؤرخين الغربيين كانوا يقولون " إن من يشتاق إلى
حياة العزلة الموحشة فليذهب إلى منطقة الجليل وطبريا الحزينة،
اما أريحا الملعونة فهي خربة مهدمة تماما كما تركها يوشع بن
نون قبل 3000 عام . متجاهلا شهادة روجيه غارودي الذي قدر كثافة
الفلسطينيين عام 1875 بكثافة الفرنسيين وشهادة ماكس نوردو
المستشرق الذي بعث بحاخامين في أعقاب المؤتمر الصهيوني كي
يستطلعوا فلسطين فكتبوا إليه ( إن العروس جميلة جدا ومستوفية
الشروط لكنها للأسف متزوجة). وكان هذا واضح بأن فلسطين أرض
فيها شعب وفيها بشر.
شهدت فلسطين
قديما حضارات عديدة كحضارة الكنعانيين والآشوريين والإغريق
والرومان، وخلفاء هذه الحضارات اليوم هم العرب واليونانيون
والطليان، ولم يسمع أحد أن اليونانيين والإيطاليين يطالبون بحق
تاريخي في بلادنا.
إن علاقة
العرب بفلسطين أقدم وأعرق من علاقة أي من الأمم التي مرت
واستوطنت فيها، فقد قدم إليها الكنعانيون من جزيرة العرب قبل
القرن الخمسين للميلاد ، وأنبياء الله الذين أرسلوا في بني
"إسرائيل" كان دينهم التوحيد، والوقائع التاريخية تؤكد أنه ليس
لليهود ساميين وغير ساميين أي حق في فلسطين، كما أن الوقائع
تؤكد أن يهود اليوم لا علاقة لهم بنبي الله يعقوب(إسرائيل).
والحقيقة أن
اختيار اليهود لفلسطين جاء بسبب موقعها كملتقى القارات وكونها
نقطة الارتكاز الحقيقية لكل قوى العالم، على حد كلام الدكتور
ناحوم غولدمان، رئيس المؤتمر اليهودي الذي أعلنه في مونتريال
بكندا عام 1947.
... عاش
اليهود في فلسطين وافدين غير مستقرين، ولم يشكلوا سلطة شاملة
لمدة طويلة حسب مزاعمهم. والتنقيبات الأثرية تؤكد أسبقية وجود
الكنعانيين العرب فيها، كما تثبته أسماء المدن( أريحا،
مجدّو،عكوّ، وبيت شان) وهي كنعانية. وعن أريحا يقول شيشرو : ((
إنها أقدم مدن التاريخ)). وهي ملعونة عند اليهود، فكانت أول
مكان ينسحبون منه، وظهرت أول تسمية لهذه البلاد بأرض كنعان، في
تل العمارنة باسم (كيناهي وكيناهنا)، وسميت في التوراة (كنعان)
إلا أن اليهود أسموها بعد عام 1948 :"إريتز إسرائيل" (أرض
إسرائيل). وكانت كنعان قديما تشمل سهول فلستيا وفينيقية
الممتدة جنوبا حتى وادي العريش ونهر مصر.
يرى
"عبد الوهاب زيتون" أن إسم فلسطين اشتق من إسم إحدى القبائل
القادمة من بحر إيجه، وكانت تدعى بلستيا، وهذه القبائل اندمجت
وتكنعنت بسرعة، ويضيف أن "هيرودوتس" هو أول من أطلق الإسم على
هذه الأرض، وأسفار العهد القديم تذكر الفلسطينيين في معرض
الحديث عن دورهم التاريخي في الصراع المرير مع العبرانيين
الوافدين من مصر، وظل إسم
Palastia
هو المعترف به في الآداب المسيحية منذ عهد الرومان، وحتى
تضمنته نصوص وعد "بلفور" 1917 واتفاقية لوزان 1923، وصك
الانتداب البريطاني
.
ويؤكد
البروفيسور "فريزر" الرأي القائل إن الفلسطينيين موجودون منذ
خمس آلاف سنة، وكذلك فعل فيليب حتي، كما أيدت الموسوعة
البريطانية في المجلد السابع عشر الرأي القائل: إن وجود
الفلسطينيين سابق لوجود اليهود.
ويرى المؤرخ
"بريستيد" أن اليهود القدامى كانوا يطلقون كلمة فلستيني
(بالتاء) على سكان البلاد ويريدون بها معنى السكّير والعربيد،
لحقدهم على السكان بسبب مقاومتهم لإستيطانهم فيها.
وتوصلت
الباحثة أسماء عبد الهادي فاعور في كتابها (المزاعم اليهودية)
إلى أن العرب الذين كانوا يتواجدون في فلسطين كنعانيين ينتسبون
"إلى سام بن نوح"، ومنهم تفرع اليبوسيون الذين أقاموا مملكتهم
فيها واتخذوا القدس عاصمة أسموها أوروسالم (مدينة السلام)
وسميت أيضا "بيبوس"، وهكذا ذكرت في التوراة، وهذا ما يؤكده
فيليب حتي في كتابه تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين، الجزء الأول،
كذلك فعلت الباحثة "أولبرايت" والسير " ريتشارد كامبل" الذي
أكد أنه ليس هناك ما يدعو إلى الشك أن اليهود كانوا عابري سبيل
في تاريخ فلسطين الحافل.
... لقد
استهوت بلادنا البشر وجذبتهم إليها منذ فجر التاريخ، حيث كان
الناس ينزلون قرب الأنهار والغوطات ، ويتوزعون في أماكن الخصب،
مقيمين لهم قرى صغيرة . وتفيد المصادر التاريخية أن مدينة
القدس عرفت أول جماعة موحدة تؤمن بإله واحد أحد في التاريخ،
وهؤلاء هم اليبوسيون الكنعانيون، وكان زعيمهم "ملكي صادق" وهو
اسم كنعاني، بمعنى (ملك البر) أو (سيد العدل)، واتخذ كهفا له
يعبد الله فيها، تنادى إليه ملوك الأرض وكان عددهم اثني عشر
ملكا، فلما سمعوه آمنوا بمعتقده التوحيدي وساعدوه في إعمار بيت
المقدس فكانت له الأسبقية على "سيدنا إبراهيم" (ع). فإذا كان
"أول بيت وضع للناس للذي ببكة" فإن أول مكان في الأرض سجد فيه
إنسان إلى الله هو تلك المغارة التي أسماها الله "المسجد
الأقصى" وفيها صلى الرسول بالأنبياء ليلة الإسراء ةالمعراج ،
ومن على سطحها عرج إلى السماء، ومنها رفع الله "عيسى عليه
السلام".
... قدم
"إبراهيم"(ع) إلى فلسطين من العراق، بعد أن نجاه الله من حكم
القتل حرقا بسبب دعوته أباه آزر وقومه للإيمان بإله واحد، إلا
أن الجدب والقحط أصاب البلاد فغادرها وزوجته سارة إلى مصر وبعد
فترة من الزمان عاد ومعه "هاجر"، التي أهداه إياها ملك مصر،
فقد كانت جارية عنده. ولأن سارة لم تكن قد أنجبت بعد، طلبت منه
الزواج من هاجر، فولدت له إسماعيل (ع)، الذي هاجر وأمه إلى مكة
بأمر من الله وتعلم العربية من قبيلة جرهم التي جاءت لتعيش في
تلك البقعة، وبعد ثلاثة عشر عاما بشِّر إبراهيم "بإسحاق"
و"يعقوب".
ولم يكن ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا بل حنيفا مسلما وما كان من
المشركين.وكذلك يعقوب، واليهودية جاءت بعد ذلك بزمان، ولست هنا
بصدد التوسع في قصص الأنبياء وهجراتهم، بل سأكتفي بذكر المحطات
الرئيسية. فيعقوب عاش ردحا من الزمن في حرّان شمالي سوريا
وتزوج هناك من ابنة خاله، وعاد إلى فلسطين ومعه عشرة أولاد من
ثلاث نساء، ثم تزوج من راحيل التي ولدت له يوسف وبنيامين
وتوفيت ودفنت في بيت لحم. وقصة يوسف معروفة ، من إلقائه في
الجب إلى حياته في مصر وهجرة إخوته إليه. وكانت ديانته التوحيد
الخالص لله كأبويه إبراهيم ويعقوب. وفي عصر إبراهيم
كانت اللغة هي الآرامية والسامية وبعض المصادر تقول العربية.
لكن الأكيد أنها لم تكن العبرية. وكان هذا قرابة القرن التاسع
عشر قبل الميلاد وكان عصر "موسى" في القرن الثالث عشر قبل
الميلاد، ولغته في البداية المصرية ثم الكنعانية والديانة
التوحيد أيضا. ثم انحرف الناس إلى الوثنية، أما عصر اليهود
فيعود إلى القرن السادس ق.م ولغته الآرامية والعبرية، والديانة
كانت وحدانية يهوه الخاص باليهود، وقد أكد ذلك أحمد سوسة في
كتابه ( مفصل العرب واليهود في التاريخ) الصفحة 96.
... لقد دخل
بنو يعقوب مصر مع أبيهم وعددهم دون المائة في عهد الهكسوس،
وخرجوا منها مع موسى وهم أكثر من ألف وستماية رجل في عهد رمسيس
الثاني، أي بفارق خمسة قرون ويزيد، وسرعان ما كفروا بموسى
مطالبين بإله خاص بهم.
كانت بلاد
الشام آنذاك مسرحا لانتقال قبائل وثنية من العراق والجزيرة
العربية، وعرفت تلك الفترة رسلا كثر بعثهم الله لهداية الناس،
فكان أيوب في حوران، واليسع في أنطاكية، والياس في بعلبك،
وكانت القدس آنذاك بأيدي الجبارين، ولما طلب موسى من بني
إسرائيل قتالهم رفضوا وتخاذلوا فعاشوا في التيه أربعين سنة
عقابا لهم. وخرج موسى بمن تبقى معه من المؤمنين حقا وعلى رأسهم
يوشع بن نون وطالب بن يوفنا، لكن موسى (ع) توفي بعد المسير
بقليل، فخلفه فتاه إبن نون، الذي فتح القدس ودخل بلاد الشام،
وأقام فيها التوراة الصحيحة، ومات في بلدة المنية شمال لبنان
وله مقام فيها. بعدها تفرقوا مجددا ، ولقتلهم الأنبياء بغير
حق، سلط الله عليهم ملوكا طغاة ، كما مكن منهم أهل غزة وعسقلان،
الذين سلبوا منهم التابوت وسبوا منهم الكثير وانقطعت عنهم
النبوة أربعماية عام.
...
بعد موت يوشع بن نون، بدأ عهد القضاة الذي استمر مائة عام تم
فيه وضع الأساس للحياة اليهودية والفكر اليهودي، القاضي
بالتحول من الرعي إلى الزراعة وحياة الاستقرار والاستيطان في
قرى ساذجة وكان الكنعانيون أساتذة لهم في هذا المجال فعلموهم
الصناعة أيضا. بعد عهد القضاة جاء عهد الملوك، فقد طلبوا من
صموئيل وقد تقدم به العمر أن يعين لهم ملكا بعد أن عم الفساد
وسادت الرشوى، فاختار لهم بأمر من الله شاؤول(طالوت) لكنهم
أنكروا وتقاعسوا، ونكثوا العهد، وتولى قيادة الجيش داوود وكان
فتى صغيرا بعد أن قتل جالوت القائد القوي، وكان ذلك في القرن
السادس قبل الميلاد، ليخلفه ابنه سليمان من بعده، الذي دبت
الفوضى بوفاته، وبدِّلت الشرائع وسفكت الدماء، يقول المؤرخ
والباحث البريطاني
wells في كتابه
The outline of History الصفحة
279 : " لا يستطيع أحد القول إن أرض الميعاد وقعت يوما في أيدي
العبرانيين، وإذا وُطّد ملك سليمان بعد داوود، فقد قسم سليمان
البلاد إلى اثنتي عشر قسما بعد الأسباط، وضعفت أواخر أيامه،
عندما ثار عليه إبنه (يربعام) بدعم من الشيوخ والحاخامات، ولقد
استفاد الفرعون شيشنق من ذلك، فقسم الدولة إلى قسمين شمالي
وجنوبي. في الشمال "إسرائيل" عاصمتها نابلس يحكمها (يربعام)
والجنوب يهوذا يحكمها الفرعون، ويتحدث سفر الملوك الأول
والثاني وسفر الأيام بإفاضة عن المعارك بين هاتين الدولتين،
حيث سالت دماء كثيرة، وقد ساهمت في ذلك سوريا وبابل من الشمال
ومصر من الجنوب حتى سقوط الدولتين.
بعد أن اطّلع
نبوخذ نصّر، الطباخ عند الملك الإسرائيلي على ظلم وجور بني
إسرائيل، حرّض عليهم الملك الكلداني سنحاريب، الذي أرسله على
رأس جيش كبير، فجاس خلال الديار قاتلا الثلث من الناس وسابيا
الثلث وتاركا العجّز والأطفال، بعد أن هدم بيت المقدس والقلاع
والحصون، وكان من أسراه دانيال والعزير. إستمر وجود الكلدان
حتى 550 ق.م، عندما استولى الفرس على الوضع ودام وجودهم حتى
عام 64 ق.م، حين استيلاء الرومان على بلادنا التي بقيت بأيديهم
حتى تسلمها أمير المؤمنين عمر(رض) من البطريرك صفرونيوس، مصدرا
عهدته العمرية التي ضمنت الأمان للنصارى وحرمت على اليهود دخول
بيت المقدس.
... يجمع
المؤرخون أن أول محاولة لخلق دولة يهودية كانت محاولة كورش،
لحماية حدود الامبراطورية من الهجمات المصرية، فأصدر قراره
الشهير عام 539 ق.م، وزعم فيه أنه رأى الإله (يهوه) الذي طلب
منه إطلاق السبي والسماح لهم بالعودة لبناء الهيكل، والدولة.
ويؤكد المؤرخ العراقي اليهودي، يوسف رزق الله أن دوافع كورش،
كانت سياسية وقد تبلورت في هذه المرحلة فكرة(الحنين إلى صهيون)
و(العودة إلى صهيون) وبرزت دعوة التعصب العرقي، وأسطورة شعب
الله المختار، وشجّع ذلك ونمّاه رجال الدين المتحالفون مع
الأثرياء.
وتثبت شواهد
كثيرة تاريخية ودينية، أن اليهود رحلوا إلى الشاطئ الشمالي
للبحر الأسود، وترانسكافانيا وطوران في القرن الميلادي الأول،
بعد اندحار ثورات كانوا يقومون بها أهما ثورة (باركوخبا) ضد
الرومان عام 132 ق.م، حيث استقرت جماعته في جورجيا، وقد أكدت
الحفريات ذلك، كما أن آثارهم موجودة في ضفاف الراين، ولقد حظّر
الإمبراطور (هارديان) بعد أن هزم باركوخبا، قرية بتِّير، حظر
على اليهود دخول القدس واستمر ذلك مائتي عام. وكعادتهم حاولوا
قتل المسيح عليه السلام والوشاية به، فرفعه الله وانتقم منهم
بأن سلط عليهم فسباسيان وابنه تيتوس.
ويثبت ظفر
الإسلام خان في كتابه(تاريخ فلسطين القديم) أن الإمبراطوار
فسباسيان وابنه تيتوس، غزيا الجليل على إثر تمرد يهودي ضد روما
سنة 70م. وتؤكد المصادر التاريخية أن حكما عربيا شهدته القدس،
زمن الملكة زنوبيا، وكانت دولة الأنباط العربية قد قامت قبل
ذلك بثلاثة قرون من خليج العقبة حتى سوريا، وقضى أحد ملوكها
(الحارث الثالث) سنة 87 ق.م على سلطة اليهود في القدس وأرغمهم
على دفع الجزية، وكانت عاصمة الأنباط(البتراء) وقد سميت دولة
الأنباط في العهد الروماني (المقاطعة العربية).
... لم يتمكن
اليهود من العودة بكثافة إلى بيت المقدس وأكنافه، ففي سنة 311
م إعتنق قسطنطين المسيحية، فأعاد أحكام هارديان القاضية بمنع
يهود عن القدس. وفي سنة 395م انقسمت الإمبراطورية الروسية
وكانت فلسطين حصة البيزنطيين الذين دعّموا دولة العرب
الغساسنة. وفي سنة 611 م. أغار خسرو الثاني الفارسي على
(فوكاس) الروماني مغتصب الإمبراطورية من (موديس) فنصره اليهود
للانتقام من روما المسيحية. إلا أن هرقل الروماني إستردها سنة
628 م. وما هي إلا سنوات حتى وصلها الفتح العربي الإسلامي،
وشرّفها عمر بن الخطاب قائلا لأهلها( يا أهل إيلياء لكم ما لنا
وعليكم ما علينا) مشترطا عدم دخول اليهود إليها.
لم يستسلم
اليهود لهذا الواقع، ولأنهم أجبن من أن يواجهوا بدءوا الدس
والتخطيط في الخفاء للنيل من الدولة العربية الإسلامية،
مستغلين كل سانحة للتآمر والفتنة وليس هنا مجال لذكر المكائد
التي حاكوها. وسأكتفي بعرض بعض الدعوات الناتجة عن التناغم بين
مصالح الغرب الإستعماري ومصالح اليهود.
ففي عام 1621
نشر سير هنري فينش الإنكليزي كتابه بعنوان (دعوة اليهود) توقع
فيه إقتراب فرض اليهود لسلطانهم على فلسطين، فشهد النصف الأول
للقرن السابع عشر ولادة الدعوة الصهيونية بين المسيحيين
والأوروبيين وسميت وقتها(صهيونية الأغيار). وكانت مصالح
بريطانية وراء الدعوة للإستفادة من أموال اليهود، الذين
امتلكوا السفن والأساطيل التجارية والخبرة المصرفية، في صراعها
مع إسبانيا والبرتغال.
ومع انتصار
الثورة الفرنسية واستفحال العداء بين سيدة البحار وفرنسة
الثورة، بدأت حمى التنافس لتحقيق نبوءة التوراة المزعومة
القائلة بعودة المسيح المخلص من بين اليهود. فلقد اعتبر الضابط
الإنكليزي (بروزرز) سنة 1795 أن الإنكليز من سلسلة أسباط
اليهود. وأصدر نابليون بعد ذلك بأربعة سنوات، نداءه لليهود
للإلتحاق بقواته واعدا بإقامة وطن لهم في فلسطين، بالرغم من
محاربته لهم ولتطلعاتهم في فرنسا.
ومع فشل حملته، خمد التنافس، لينطلق من جديد مع بروز "محمد
علي" كقوة إقليمية رئيسية، فكان لا بد للبريطانيين من البدء
بالتفكير بإنشاء حاجز بشري يفصل شمال الأمة عن جنوبها، خاصة
بعدما أرسل محمد علي إبنه "إبراهيم" إلى سوريا. وبعد هزيمة
مشروع محمد علي سنة 1840 عبّر اللورد (بالمرستون) عن الرغبة
البريطانية، برسالة إلى الأستانة طالبا من سفيره فيها العمل
لدى السلطان لتشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين.
وفي
عام 1842م، وجّه القنصل البريطاني في سوريا(الكولونيل تشارلز
تشرشل) نداءا ليهود أوروبا للهجرة إلى فلسطين وتأسست من أجل
ذلك (الجمعية البريطانية الأجنبية) لهجرة اليهود إلى فلسطين
واستمرت الدعوات بعد ذلك، فكانت دعوى
(Milford)
وكتاب (Goller) ورسالة
اللورد شافنسبري، وكتاب القدس والشعب العبراني لـ(بينيتو
موسيليني) للإسراع في تنفيذ استعمار فلسطين، من قبل اليهود،
وخاتمة هذه المشاريع كان مشروع السير "لورانس" اوليفانت، ولن
أطيل في هذا المجال في الحديث عن الحقبة التي سبقت مؤتمر(بال)
أواخر القرن التاسع عشر، فأحداثها ودعواتها كثيرة ولا مجال
لذكرها في هذه الدراسة وقد استطاع اليهودي ساباتاي تأسيس طائفة
من اليهود أسماهم (الدونمة) وهدفها الاستمرار على اليهودية تحت
(جبّة وعمّة) . ولقد لعب أفراد هذه الطائفة دورا بارزا في خدمة
مزاعم اليهود في هدم الخلافة الإسلامية، ومنهم "أحمد أمين
بالمان"، و"مصطفى أتاتورك"، و"خالدة أديب" عشيقة "جمال باشا"
والتي تدفن اليوم بالقرب من جامع آياصوفيا.
... إذا كان
بعض المؤرخين يعيد أصل اليهود إلى إبراهيم (ع) . فإن آخرين
يرون أن اليهود خليط متنوع غير مرغوب فيه أينما حل، بسبب سوء
السلوك والشر المستوطن في القلوب. فلقد كانوا يغيرون على
جيرانهم، ويعملون سلبا ونهبا، فعاشوا في معازل وكانتونات، ولئن
كان تاريخ اليهود كساميين مشوه، فمن الثابت أن دينهم مغلق
والتلمود سري لا يطلع عليه غير اليهودي. إن التضارب والتناقض
والتعارض الذي تظهره كتب اليهود وعقيدتهم التي ما أنزل الله
بها من سلطان، تؤكدبطلان الحجج المزعومة بالحق التاريخي،
فالعهد القديم والتلمود يحملان الكثير من المزاعم والأباطيل
والافتراءات والأسفار تتناقض فيما بينها، وتشكل الثقافة
الصهيونية القائمة على الاختلاق والتلفيق والتزوير. فمن اصطناع
هوية قومية إلى تلفيق لغة عبرية إلى تزوير تاريخ المنطقة
والسطو على معالمها الأثرية، مسلسل من الكذب يتواصل لتشويه
الإرث الثقافي والنتاج الحضاري للأمتين العربية والإسلامية.
ولقد شملت السرقات الفنون والأزياء والجغرافيا والتاريخ، في
محاولة يائسة لربط ما ورد في التوراة المحرفة بالأرض والإنسان.
وهذا التزييف استثار حتى العلماء الأجانب الذين يتمتعون
بالموضوعية أمثال البروفيسور طومسون أستاذ علم الآثار في جامعة
ماركوين ميلوكي في الولايات المتحدة. وقد أوضح في كتابه (تاريخ
الإسرائيليين القديم) أن مجموع تاريخ اليهود يستند إلى قصص
العهد القديم وهي من صنع الخيال. ولقد برهنت التنقيبات الأثرية
حسب رأيه، أن تاريخ فلسطين أعقد وأكبر من الدراسات التوراتية
التي كثر فيها التناقض، ولقد دفع ثمن موقفه هذا مركزه الجامعي.
.. وهكذا،
إذا كان الأسلوب الذرائعي القائم على المزاعم بتشجيع من الغرب
الاستعماري قد مكن لليهود إقامة كيان مصطنع، إلا أن هذا
الأسلوب لم ينجح في توفير القبول بهذا الكيان، رغم كل محاولات
التطبيع المحمومة، ذلك أن شعوبنا العربية، المسلمة والمسيحية
تدرك أن هذا الكيان غدة سرطانية، لا يمكن التعايش معها، ولا بد
من الإستئصال وإلا هلك الجسد كله ماديا ومعنويا.
إن أسلوب
المزاعم يتطلب مقاومة مدروسة، ومنهجية علمية ورؤيا موحدة وجهدا
مكثفا وحشدا للقدرات والطاقات في مختلف الميادين، والأمة التي
تجود بالشهداء دوما لن تبخل بذلك، فعلى مر الزمان كان فيها
المجاهدون الأشداء الذين لا يعرفون اليأس ويعرفون كيف ولماذا
يقاتلون. وأخيرا أخلص للقول إن الحياة العربية ظلت مستمرة في
فلسطين رغم تعاقب الفرس واليونان والرومان وحتى الاستعمار
الحديث. والإنسان العربي لم يركن يوما عن التصدي لمشكلاته، فقد
تفاعل مع الغزاوت دون أن يفقد مقومات وجوده وخصائص شخصيته
وحياته الكريمة بعز وإباء. وما كانت فلسطين يوما أرضا بلا شعب
لتعطى لشعب بلا أرض، يزرع الشر أينما حل.
|