|
"الصهيونية المسيحية":
أيديولوجية المشروع الامبراطوري الأمريكي
والهيمة اليهودية.
( الحلقة الأولى)
عبدالله الحسن
منذ وصول جورج بوش الابن إلى سدة الرئاسة الأمريكية،والقاموس
السياسي الأمريكي يطفح بصورة غير مسبوقة بمفردات وتعابير
مستوحاة من قاموس ( الصهيونية- المسيحية) تشي بأهمية العامل
الثقافي الديني في تحديد السياسة الأمريكية وتوجيه بوصلتها كما
تؤكد تحوّل " الصهيونية- المسيحية" إلى اللبوس الأيديولوجي
للمشروع الامبراطوري الأمريكي في مرحلته الحالية، المرحلة
السادسة، ولا غرو في ذلك فأي مشروع امبراطوري عليه أن يعرض
نفسه في كل مرحلة بما يتوافق معها، وهذا حال المشروع
الامبراطوري الأمريكي، حيث طرح نفسه على زمانه خلال مراحل لكل
واحد منها لبوسها(1):
1-
في مرحلة أولى كان الأسلوب هو " الغواية" ( نموذج الحياة
الأمريكية) وحرية كل فرد في السعي وراء الفرصة(السعادة).
2-
وفي مرحلة ثانية كان الأسلوب هو الاستعداد لمشاركة العالم
مقاديره ( كما حدث في الحرب العالمية الأولى حيث جاءت الجيوش
الأمريكية من وراء البحار طرفاً في معركة الامبراطوريات
العجوزة أو الطامعة".
3-
وفي المرحلة الثالثة كان الطرح الأمريكي استجابة لنداء "
المبدأ" ( كما حدث في حالة النقاط الأربعة عشر التي أعلنها
الرئيس ويلسون بعد الحرب العالمية الأولى، حقاً لكل شعوب الأرض
في تقرير مصيرها.
4-
وفي المرحلة الرابعة كان الأسلوب هو تحمل العبء الأكبر من
ضريبة الحرية ( في الحرب العالمية الثانية ضد الفاشية
والنازية).
5-
وفي المرحلة الخامسة كان الأسلوب بلوغ قيادة العالم في
المواجهة ضد الشيوعية،وكان لأمريكا فيها وسيلتان، المساعدات
الإقتصادية من ناحية، وأعمال المخابرات الخفية من ناحية أخرى.
6-
وأخيراً المرحلة السادسة ولم يعد فيها للمشروع الأمريكي أن
يتخفى، أو يداري لأن تفوق القوة وتفردها أديا إلى اعتبار
السلاح أداة للمشروع تسبق غيرها من الأدوات وتتقدمها من دون
تردد.
لذا فليس هناك ما هو أنسب وأكثر توافقاً وانسجاماً مع هذه
المرحلة من عقيدة ( يهوه) التوراتية.
إله الحرب، والجند،والقتل والانتقام بشهوة غير محدودة، هذا ما
يجري على يد أتباعه في الولايات المتحدة الأمريكية والكيان
الصهيوني،ويبدو حضور أيديولوجية ( يهوة) واضحاً في جملة
تصريحات أقطاب الإدارة الأمريكية،وحسبنا أن نتوقف عند أبرزها
لتأكيد ذلك ونسترشد هنا بما جاء في عملية " نيوزويك" الأمريكية
تحت عنوان " بوش والحرب" للكاتب كارين يوريش بتحليبله مضمون
عدد من خطب الرئيس بوش،وتوقفه أمام ما ورد من جمل، تكشف
الخلفية العقائدية- الحقيقية أو المزيفة لجورج بوش الابن(2).
فقد قال بوش في خطاب القسم:21/1/2001 ( بوسع ملاك أن يركب
الزوبعة وأن يوجه هذه العاصفة).
وهذه الجملة مقتبسة من سفر أيوب وحزقيال.
وفي خطابه أمام الكونغرس:20/9/2001 جاء يفه:" لطالما كانت
الحرية والخوف والعدالة والوحشية،في حرب ونعلم أن الرب ليس على
الحياد فيها".
وفي حفل تخريج دفعة عسكرية في : 1/6/2002 في أكاديمية ويست
بيونت العسكرية قال بوش:" نحن في صراع بين الخير والشر، وستسمي
أمريكا الشر باسمه". وقد استنتج كاتب المقال كارين يوريش من
ذلك إلى أن تلميحات بوش عن الخير والشر التي تزداد باستمرار هي
نوع من التأثر بما ورد في الكتب المقدسة.
وفي خطابه عن حال الاتحاد 29/1/2003 قال بوش:" الحرية التي
نناضل من أجلها ليست هدية أمريكا إلى العالم، بل هي هدية الرب
إلى البشرية".
وهي مأخوذة من إنجيل يوحنا،وفي تعليقه على انفجار المكوك
كولومبيا في: 1/2/2003 قال: لم يعد طاقم المركبة كولومبيا إلى
الأرض بسلام، ولكن بوسعنا أن نحمد الله على انهم رحلوا جميعاً
بسلام إلى بيوتهم".وهي عبارة تستخدم في الجنازات المسيحية.
وترصد مجلة " نيوزويك" كذلك مداومة بوش على قراءة عظات إنجيلية
قصيرة فجر كل يوم، والعظات الإنجيلية مكتوبة بقلم مبشر مسيحي
عسكري هو أوزو الدشيمبرز الذي صاحب الجنود
الأستراليين،والنيوزلنديين الذين احتلوا فلسطين عام 1917،
وكذلك قول بوش:" إن الإرهابيين يكرهون حقيقة أن عبد الرب
العظيم، بالطريقة التي نراها مناسبة"، وأن الولايات المتحدة
مدعوة إلى إيصال هوية الحرية التي منحها الرب لكل إنسان على
وجه المعمورة".
وقوله أيضاً " إنه خلف كل حياة ، كل تاريخ، يكمن هدف حددته يد
إله عادل وأمين، وإن صح ذلك فلا مجال لأن تفشل أمريكا" ويرى
أنه" لم يكن ليصبح رئيساً لأمريكا لولا الرب". ثم هناك تعابير
" الحرب الصليبية" و " محور الشر"
…الخ.
وكدليل على سيادة " الصهيونية المسيحية" تحضر المفردات الدينية
في تعابير الكونغرس الأمريكي، ونشير في هذا الصدد إلى قانون
محاسبة سوريا، المطروح أمام الكونغرس،ونتوقف عند كلمة "محاسبة"
فبالإضافة إلى أن فيها الكثير من الصلف والغرور، فإنها تلصق
عادة بالآلهة، أو حتى بالقضاء الأعلى لا بالبشر خصوصاً من هم
نادرو"الحكمة والفطنة"(3).
إضافة إلى الرئيس، والكونغرس، هناك البنتاغون وهنا نتوقف عند
التصريحات الأكثر عرياً ووضوحاً من غيرها من تصريحات أقطاب
البنتاغون،وهي تصريحات الليفتينانت جنرال وليام يويكن نائب
وكيل وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الاستخبارات، حيث أوضح أمام
حشد في كنيسة " الراعي الصالح" في ساندي /أوريغون12/12/2002
:"فيما نسأل أنفسنا لماذا يكرهوننا كثيراً ؟ الجواب: أننا أمة
مسيحية، لأن أساسنا وجذورنا هي المسيحية اليهودية، هل قلت
المسيحية اليهودية؟ نعم .. إنها المسيحية اليهودية هذا يعني أن
لدينا التزاماً أمام إسرائيل، هذا يعني أن التزامنا غير قابل
للانتهاك، إقرأوا كتب التاريخ ستجدون ما قاله موسى هذه الأمة
عن إسرائيل وعن اليهود، ستجدون أن جون أرادو كتب عنها، مطلقاً
عليها اسم العبرانية، وعندما طلب من توماس جيفرسون،وابراهام
لنكولن كل على حدة تحديد رمز أمتنا أجابا: أنه الرمز الذي يؤكد
إرثنا اليهودي، لقد أدركوا أهمية علاقتنا باليهود وبإسرائيل،
ونحن لن نتخلى عن إسرائيل ولن نترك هذا الإلتزام لأن أصولنا
هناك، ديننا أتى من اليهودية،ولهذا هؤلاء المتطرفون سيكرهوننا
إلى الأبد".
وسبق هذا الحديث كلام قاله في الكنيسة المعمدانية الأولى في
بروكن أرو/أوكلاند في:30/6/2002 جاء فيه " يوماً ما سأنزع بزتي
العسكرية هذه، لكنني سأواصل انغماسي في الحرب، وما أفعله هنا
اليوم هو حثكم لتكونوا مقاتلين في مملكة الله"(4).
·
حقائق أمريكية
قد يبدي البعض ارتبابه من تعميم هذه التصريحات والآراء،
ومحاولة إضفاء صفة الأيديولوجية عليها، لتكون أيديولوجية
المشروع الامبراطوري الأمريكي في مرحلته السادسة، لكن هذا
الارتياب يتغافل عن حقيقة امريكا الوصف الذي قدمه أليكس نورمان
بيرنيوم، الاستاذ بجامعة جورج تاون(5):
" لا يزال صالحاً حتى اليوم الوصف الذي قدمه أليكس توكنيل
للولايات المتحدة، تلك الأمة الممزقة بين المحلية والحركية بين
المادية والتدين، وبين الخصخصة، والقومية المتغطرسة" ويضيف إلى
ذلك" إن حكومة بوش منبثقة من نخبة تتميز بصلافة مناسبة لعصر ما
بعد الأخلاق،ومعتادة منذ زمن طويل على شراء الرأي العام
والمسؤولين السياسيين في الولايات المتحدة كما في الخارج، كما
يحظى النظام الحالي بدعم البروتستانت الأصوليين، هؤلاء
المتعصبين المقتنعين أن الولايات المتحدة تلعب دوراً مركزياً
في الصراع التوراتي بين الخير والشر، وهو اقتناع يقوم على
الاعتقاد بأن على هذا البد قيادة العالم". أما القس فريتس
فيقول:" لم يحدث في التاريخ أن كانت أمريكا مسيحية
سياسية،وبشكل علني مثل ما هي اليوم" ويعزز ذلك إحصاء أجرته
مؤسستي سي.إن.إن وتايم جاء فيه أن 59% من الأمريكيين يعتقدون
أن الأحداث الموصوفة في سفر الرؤيا سوف تتحقق، فيما يعتقد 25%
أن التوراة تنبأت باعتداء 11/9/2001(6)،ولاشك أن
هذه النسبة ذات دلالات كبيرة وهامة، ويعود ذلك إلى كون
الصهيونية- المسيحية أو الأصولية الانجيلية تضم ما يقارب ربع
الراشدين من الشعب الأمريكي على حد تقدير وليام مارتن أستاذ
العلوم الاجتماعية، في جامعة رايز، بينما يرى داميان طومسون
مؤلف كتاب " نهاية الوقت" العقيدة والخوف في ظل الألفية" أن
نسبة نمو المسيحية الإنجيلية في أمريكا تزيد على أي اتجاه ديني
آخر في العالم.
أما العالم الأمريكي البريفسور جون جرين من جامعة أكرون، فيقدر
أن (62) مليون أمريكي يعكسون إيماناً بتلك الأصولية الإنجيلية
التي تريد دفع العالم إلى الحرب في معركة فاصلة يموت فيها (3)
مليارات من البشر، يموت فيها (8) ملايين يهودي(7)،والاعتقاد
والإيمان بـ" المسيحية- الصهيونية" كان موجوداً لدى رؤساء
أمريكا السابقين مثل جيمي كارتر، ورونالد ريغان، وبيل كلينتون،
وخطورة هذا الاعتقاد الإيمان ينبع من جوهر النظرة الأمريكية
للسياسة الخارجية،وللعلاقات الدولية التي تقوم عليها المصلحة
القومية العليا بالأساس والتي تتكون من ثلاثية ( الثروة،
والدين،والقوة) أي أن تحالف الساسة،ورجال المال، ورجال الدين
في أمريكا قد رسم الخلفية الفكرية الحاسمة للمصلحة القومية
العليا للولايات المتحدة، وبالتالي فإن تنفيذ هذه الرؤية يتم
من خلال ثلاث محاور أساسية هي(8):
-
المحور الثقافي- الحضاري- الديني.
-
المحور الجغرافي- السياسي بالسيطرة على الثروات والموارد.
-
استخدام القوة بأنواعها المختلفة، النووية، الكيماوية،
والبيولوجية.
وهكذا فالصهيونية- المسيحية بقدر ما هي ليست جديدة من حيث
الوجود والقوة والفعل، فإنها جديدة بكونها قد أصبحت قلب مؤسسة
الحكم، وأثرت في المفاهيم والأساليب، كما انتقلت بدورها
الوظيفي من أيديولوجية للصهيونية غير اليهودية، التي لعبت
دوراً مركزياً ومحورياً في ولادة الحركة الصهيونية، كفكرة
ومشروع،وكيان استيطاني،إجلائي، انتقلت من هذا إلى أيديولوجية
للمشروع الإمبراطوري الأمريكي بصيغته الكونية، لا يبدو أن
وظيفة الصهيونية - المسيحية تقتصر على السير في تحقيق المرحلة
السادسة من المشروع الإمبراطوري فحسب، بل تذهب إلى ما هو أبعد
من ذلك فرض قيمها ومفاهيمها في إطار تحنيط الفكر الإنساني،وخلق
الإنسان، ذوالبعد الواحد، ومن تعبير الفيلسوف هوبرت ماركوز،وفي
هذاالسياق كانت مذكرة وزير الدفاع الأمريكي رونالد رامسفيلد،
ركز فيها على:" أهمية النضال لكسب العقول والقلوب، لأن هزيمة
الإرهاب ليست فقط بالقوة العسكرية،ولكن أيضاً في حرب الأفكار".
وأشار في تلك المذكرة ثلاث مرات إلى ( خطر المدارس الدينية في
العالم الإسلامي) لأنها حسب قوله : تجند المتشددين الشبان".وفي
مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز طرح رامسفيلد فكرة إقامة وكالة
معلومات في القرن الواحد والعشرين في الحكومة للمساعدة في شن
معركة العقول".
وقال:" الأغلبية الساحقة من الناس من كل الديانات لا يؤمنون
بالإرهاب، إنهم لا يؤمنون بالجري هنا وهناك لقتل رجال ونساء
وأطفال أبرياء،ونحن في حاجة إلى أناس يقفون ويقولون هذا للعالم
وليس لنا فقط"(9).
وإذا ما قرأنا هذه التعابير من منظور مقولة بوش :" من ليس معنا
فهو ضدنا". نكون أمام دعوة أمريكية للشعوب،وخاصة الأمة
العربية والإسلامية للاستسلام لأيديولوجية الإمبراطورية (
الصهيونية- المسيحية).
·
الهيمنة اليهودية:
إلى ما تقدم في ظل قول الكاتبة غريس هالسيل أن ط الكنيسة باتت
مخترقة بحالة يهودية، تكاد تقوض الاعتقاد المسيحي،وتحل عبادة
إسرائيل محل العمل بتعاليم السيد المسيح". وقول الرئيس الفرنسي
الأسبق شارل ديغول بعد حرب الأيام الستة أن " اليهود شعب نخبوي
واثق من نفسه وميال إلى الهيمنة(10)"، في ظل هذا
تكون تصريحات رئيس الوزراء الماليزي ( مهاتير محمد خلال قمة
منظمة المؤتمر الإسلامي في بلاده ضد السيطرة الصهيونية،مفهومة
وتكتسب مصداقية كبيرة، حيث قال(11):ومن مجموع 12
مليون يهودي، قتلت أوروبا ستة ملايين، لكنهم يحكمون العالم
اليوم بالوكالة ( في إشارة إلى أمريكا يشكل رئيسي)، فقد أفلحوا
في أن يقنعوا الآخرين بالقتال والموت نيابة عنهم".
ولا ينفرد مهاتير محمد دون غيره بالطبع في انتهاك التابوهات "
المحرمات" اليهودية في عدم الحديث عن ( الهيمنة اليهودية)،
فهاك آخرين يتصدرهم المفكر اليهودي الفرنسي جاك أتالي، مستشار
الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران،والرئيس الأسبق للبنك
الأوروبي للتنمية والتعمير في كتابه " اليهود والعالم،والفلوس"
الصادر عام 2002 حيث يكشف فيه حقائق وتفاصيل لا يكاد يعرفها
أحد مثل " اليهود الآباء الحقيقيون للفكر الرأسمالي،وهم الذين
وضعوا القيم التي تحكم مذهب الرأسمالية الغربية..".
ويقرأ جاك أتالي ذلك من منظور ثقافي ديني وفق منهج فيرنر
سومبارت فيؤكد في كتابه أن فكرة تقديم قروض بالفوائد ( هي فكرة
يهودية صرفة) وهي تأتي تمشياً مع تعليمات التلمود التي تحض
اليهود على إقراض الغير المال مقابل فائدة، لكي يساعدهم على
الثراء،وهي الفكرة التي تمجها الديانات المسيحية والإسلامية،
ويشير إلى أن اليهود يؤمنون دائماً بأن الفلوس من وجهة نظرهم
هي أداة للعمل وليست غاية في حد ذاتها، وهو ما ينسجم مع
إمكانية توظيفها سياسياً لتحقيق مآرب أخرى".
ويشدد على دور اليهود في إكساب أمريكا القوة والنفوذ فيقول:"
وهكذا بفضل اليهود لم تعد بريطانيا هي القوة العظمى عسكرياً
حالياً، ولكن أيضاً ظهرت أمريكا أكثر قوة ونفوذاً". وهكذا تضيف
الصهيونية- المسيحية إلى القوة والنفوذ المالي اليهودي السطوة
والهيمنة الأيديولوجية، لذا فإن توصيف ديغول لهم " بالنخبة
الميالة للهيمنة" يقودنا إلى القول بأنهم يشكلون نواة نخبة
المشروع الإمبراطوري الأمريكي،وفي هذا الصدد نشير إلىما قاله
الرئيس الروسي في القرن التاسع ثيودور ستوفيسكي من " أن اليهود
اليوم وبنو آسهم يسيطرون في كل مكان في أوروبا".
وحذر من أن اليهود " يريدون تهميش المسيحيين وتحطيم الحضارة
وسوف تكون النتيجة هي الفوضى لأن اليهودي في هذه الحالة سوف
يحكم العالم".
ومن المعروف أن العهد القديم ينص على أن بإمكان اليهود استعباد
الشعوب الأخرى إلىالأبد، ولكن محرم عليهم استعباد أبناء
جلدتهم، فقد جاء في سفر اللاوين الآية 25:الإصحاح 44-46:" وأما
عبيدك وإماؤك الذين يكونون لك فمن الشعوب الذين حولكم، منهم
تقتنون عبيداً وإماءً وأيضاً من أبناء المستوطنين النازلين
عندكم، تقتنون ومن عشائرهم الذين عندكم الذين يلدونهم في أرضكم
فيكونون ملكاً لكم، وتستملكونهم لأبنائكم من بعدكم ميراث ملك،
تستعبدونهم إلى الدهر، وأما إخوانكم بنو إسرائيل فلا يتسلط
إنسان على أخيه بعنف"(13).
وحول أثر القوة المالية اليهودية في السيطرة على الذهنية
الأمريكية يقول عضو الكونغرس ديفيد ديول(13):" لم
تسفر قوةاليهود الإعلانية عن احتكار اليهود للصحف الأمريكية
وتضامنها فحسبـ بل أثرت أيضاً على المطبوعات التي يمتلكها غير
اليهود، فكل المطبوعات الكبرى تعتمد على ريع الإعلانات
اليهودية لذلك لا بد أن تتناغم معالمها وتقاريرها وافتتاحياتها
بعناية مع المواقف والمصالح اليهودية، وأخيراً فإن الصحافة
الحرة ليست حرة، وإنها تدار بالمال، ومن هنا يصبح المثل
القائل: من يدفع للزمار يسمع النغم الذي يريد".
وحول النفوذ اليهودي في السياسة الأمريكية يقول الكاتب
الصهيوني في صحيفة معاريف الصهيونية عام 1994 بار يوسف:" لم
يعد في الولاياتالمتحدة حكومة من غير اليهود"غوييم /جنتابلز"
بل إدارة يكون اليهود فيها شركاء كاملين في صناعة القرارات على
جميع المستويات،ربما كان لزاماً إعادة فحص جوانب الشريعة
اليهودية المتعلقة بمصطلح " حكومة الغوييم" ما دام هذا المصطلح
قد عفا عليه الدهر في الولايات المتحدة"(14).
وفي هذا السياق يقول الكاتب البريطاني ديفيد هيوست في كتابه
(البندقية وغصن الزيتون) أن الإدارة الأمريكية بفرعيها
التنفيذي والتشريعي تخضع لعملية تصهين متصاعدة"(15).
ويذكر في كتابه العبارة التالية كدليل على ذلك فيقول :" يسخر
المعلقون الإسرائيليون من شدة موالاة بوش لإسرائيل فيقولون: إن
بإمكان بوش بكل سهولة أن يحل محل شارون كمتحدث رئيسي في مؤتمر
حزب الليكود".
وهذه الأوصاف لم تقتصر فقد على سيد البيت الأبيض، بل تطال
أيضاً الهيئة التشريعية الأمريكية، فينقل عن العضو الأسبق في
الكونغرس بول مندلي قوله:" يتصرف الكونغرس وكأنه قسم فرعي من
البرلمان الإسرائيلي"(16).
وقد تم الإختراق اليهودي لقلب مؤسسة الحكم الأمريكية في إدارة
ريغان، ثم على نحو أكثر تأثيراً مع إدارة كلينتون.
وكان ذلك بطريقة بالغة التأثير جعلت صحيفة معاريف تنشر مقالة
مطولة عام 1994 تحت عنوان ( اليهود الذين يديرون حكومة كلنتون)
إذ أن (7) من أصل (11) موظفاً كبيراً في مجلس الأمن القومي
الأمريكي كانوا يهوداً.
ورأس اثنين من اليهود هما مارتن انديك،ودينيس روس فريق الإدارة
الأمريكية الباحث عن " السلام" في الشرق الأوسط،وقد بلغ الأمر
حد أن مراسل صحيفة معاريف أفينو عام بار-يوسف في إحدى المرات
عندما هاتف وزارة الخارجية الأمريكية ظن للحظة أنه اتصل خطأ
بوزارة الخارجية الإسرائيلية، إذ رد الشخص الآخر من خط الهاتف
بلغة عبرية لا تشوبها شائبة،,في عهد بوش الابن بلغ أصدقاء
إسرائيل ذروة مجدهم استناداً إلى قوتهم العددية ونفوذهم داخل
الإدارة الأمريكية،وقد فعلوا ذلك باعتبارهم ما يسمى "
المحافظين الجدد" وهؤلاء المفعمون بالنزعة اليهودية قد ظهروا
على شكل جماعة منفصلة مميزة قبل نحو (30) سنة تحت رداء ما يسمى
" لجنة الخطر الحالي" وكانت نظرتهم إلى العالم مشربة بفكرة (
الخير مقابل الشر)، وبالنسبة إليهم فإن المصالح الأمريكية و (
الإسرائيلية) واحدة متطابقة(17).
وهذا ما يدعوه فؤاد المغربي بـ"أسرلة" السياسة الخارجية
الأمريكية(18)،وهذا ما ينطق به الكاتب اليهودي
الأمريكي جوناثان جولدنبرغ في كتابه "قوة اليهود في أمريكا" إذ
يقول:" أنه لا يمكن الفصل بين القوة الخاصة بإسرائيل والولايات
المتحدة، كما أنه لا يمكن أيضاً الفصل بسهولة بين قوةاليهود
وقوة أمريكا"(19).
ونحسب أن الصهيوينة المسيحية هي واسطة العقد في هذه العلاقة،
لذا فهي تشكل الأيديولوجية الواحدة للمشروع الامبراطوري
الأمريكي والهيمنة اليهودية، لكن ثمة سؤال يقفز إلى الذهن
مفاده، مادام اليهود يملكون قوة النفوذ الهائلة تلك،ويسيطرون
على جيب أمريكا وعقلها،ويمتلكون هذا النفوذ الهائل على
المستوى العالمي، لماذا يحتاجون إلى الشركاء؟؟.
أحسب أن الجواب على ذلك يمكن مقاربته من خلال العودة إلى ما
جاء في كتاب جوناثان جولدنبرغ:" إن قوة ونفوذ يهود أمريكا لم
يأت مصادفة، إذ يدرك اليهود بخبرتهم الطويلة أنهم وحدهم لا
يملكون أي قوة،ولذا أتقن اليهود طوال القرن العشرين وسائل
التحالف وآلياته مع8 الأقوى، وانتقلوا بسلاسة من أحضان
بريطانيا إلى فرنسا،وأخيراً إلىالولاياتالمتحدة الأمريكية، ولا
شك أن هذا الانتقال وثيق الصلة بالطبيعة الكوسموبوليتية
للشخصية اليهودية، حيث البلد الذي يقطن فيه اليهودي هو موقع
استثمار وليس وطن، نسوق ذلك بصرف النظر عن تسائل جولد نبرغ من
صنع نفوذ اليهود في أمريكا؟.
والذي يعيده إلىالتحالف الأمريكي- الإسرائيلي الذي وفق قوله:"
ساهم في خلق القوة السياسية لليهود الأمريكان، بل إن التحالف
الأمريكي - الإسرائيلي هو الذي أجبر أكثر المؤسسات الأمريكية
ليبرالية على تحالف غير مألوف مع اليهود، مما حوّل اليهود إلى
قوة كبيرة على المسرح الدولي،والعبارة الأخيرة " اليهود قوة
كبيرة على المسرح الدولي" تستتبعها عبارة مسكوت عنها في كتاب
غولنبرغ وهي أن " للقوة دائماً نزوع للهيمنة" فالقوة الإقليمية
لها نزوع للهيمنة الإقليمية، والقوة الدولية لديهانزوع للهيمنة
الكونية، وهذا هو حال القوة اليهودية المتماهية مع المشروع
الإمبراطوري الأمريكي،وتتوسل ( الصهيونية- المسيحية)
أيديولوجية لذلك.
وليس أمراً بلا مغزى أن يتزامن بدء المرحلة السادسة من المشروع
الإمبراطوري الأمريكي بحسب توصيف الاستاذ محمد حسنين هيكل مع
صعود وهيمنة ( الصهيونية - المسيحية) على مراكز القرار
الأمريكي.
حيث المغزى يتبع في القراءة الخاصة بـ(الصهيونية- المسيحية)
للكتاب المقدس ( بعهديه القديم والجديد) ومفاها أن العالم لا
بد وأن يمر في سبعة أطوار،وهو الآن يمر في الطور السادس الذي
يهد للظهور الثاني للمسيح ويوطئ له، وطبقاً للنبوءات لا بد أن
يحدث في هذا الطور حوادث كبرى،وكوارث لم ير مثلها من
قبل،وسينتهي بمعركة " هرمجدون" الحاسمة التي ينتصر فيها السيد
المسيح على عدوه ،ويبدأ حكمه العادل للعالم لألف سنة ولذلك سمي
هؤلاء " الألفيين"(20).
في ضوء ذلك يكون احتلال العراق وفق رؤية الصهيونية- المسيحية
في صلب حوادث الطور السادس، إذ تعتبر احتلاله هو تمهيد لظهور
المسيح مرة أخرى، وهي تعتمد في ذلك علىوجه الخصوص على نبوءات
وردت في سفر " رؤيا يوحنا" في ( العهد الجديد)،وعلى رغم أن
أكثر هذه النبوءات غامضة ورمزية، إلا أن النصوص التي تتعلق
بالعراق واضحة،وفيها يرمز إلى العراق باسم "بابل" الذي كثيراً
ما يستعمل في الكتاب المقدس إشارة إلى العراق.
ووردت في 14/8 ما نصه:" فتبعه ملاك آخر ثان يقول سقطت بابل
العظيمة التي خمرت سورة بغائها سقت جميع الأمم".
وفي 16/8 :" حدثت بروق وأصوات ورعود وحدث زلزال شديد لم يحدث
مثله بهذه الشدة منذ ان وجد الإنسان على الأرض،وصارت المدينة
العظيمة ثلاثة أقسام وانهارت مدن الأمم وذكر الله بابل العظيمة
ليناولها سورة غضبه".
وتستوقفنا هنا عبارة " وصارت المدينةالعظيمة ثلاثة أقسام"
ونتساءل هل انطلق عوديد يبنون مستشار بيغن لشؤون الأمن
القومي،وواضع استراتيجية (إسرائيل) في الثمانينات في اقتراحه
تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات من هذه الخلفية العقائدية،
الأكاديمي العراقي هادي جعفر يقول بذلك لكن من غير أن يجزم :"
ربما تكون الدعوة إلى تقسيم العراق في نظر المسيحيين
الصهيونيين تحقيقاً للعبارة السابقة،ويقول تيم لاحي وهو مسيحي
صهيوني مشهور برواياته التي تتحدث عن هذه النبوءات أن " بابل
هي أم الأديان الكاذبة،وأورشليم هي أم العقيدة الحقة".
كما يرى المسيحيون الصهيونيون أن ما حدث من معارك قرب الفرات
أثناء الهجوم الأمريكي يؤكد ما ورد في سفريوحنا، حيث جاء في
9/14 منه : فقال للملاك السادس الذي يحمل البوق: أطلق الملائكة
الأربعة المقيدين على النهر الكبير نهر الفرات، فأطلق الملائكة
المتأهبون للساعة واليوم والشهر والسنة كي يقتلوا ثلث الناس".
ومع أن العراق احتل أكثر من مرة سابقاً، إلا أن هؤلاء يعتقدون
بأن الاحتلال الأمريكي يرتبط بالظهور الثاني للمسيح،,قد أرسلت
" الصهيونية- المسيحية" جيشاً من المبشرين إلى العراق لإقناع
العراقيين بأن احتلال بلدهم " تدبير إلهي يجب أن يقبلوا به،
وقال فرانكلين غراهام عن هذه المهمة التبشيرية: نحن هناك في
العراق لنعبر لهم عن حبنا،وأنا كمسيحي أقوم بذلك باسم المسيح"(21).
الهوامش:
1-
صحيفة السفير:2/10/2003القرار السياسي المريكي في زمن قادم!
حمد حسنين هيكل.
2-
عن الانترنت: الأصولية قلب الحزب الجمهوري، وحرب بوش الصليبية.
د. محمد مورو.
3-
السفير:24/10/200 .. هي الحرب، أسعد أبو خليل.
4-
صحيفة المستقبل:20/10/2003 الجنرالالأمريكي المعادي للإسلام.
5-
السياسة الدولية، تموز 2003 العدد 153 دور الدين في السياسة
الخارجيةالأمريكية، العراق نموذجاً عصام عبد الشافي.
6-
المصدر السابق.
7-
مصدر سابق د. محمد مورو.
8-
السياسة الدولية، مصدر سابق.
9-
صحيفة الدستور:25/10/2003 مذكرة سرية لرامسفيلد.
10-
المستقبل:21/10/2003، بوش: تصريحات مهاتير محمد عن اليهود تزرع
الفتنة !.
11-
صحيفة الشرق الأوسط:25/10/2003 ، قبل الوداع.
12-
صحيفة الخليج، حلقات:11-13 :15/2/2002 ( اليهود والعالم
والفلوس) جاك أتالي، عرض سعيد اللاوندي.
13-
الصحوة النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية، ديفيد
ديوك ترجمة د. إبراهيم يحيى الشهابي، دار الفكر،ط1، تشرين
الثاني 2002 ص،172 .
14-
المصدر السابق:ص:202 .
15-
صحيفة الخليج:13/3/2003 " البندقيةوغصن الزيتون"،ديفيد هيوست،
ترجمة عمر عدس، وأحمد بشير،ح2.
16-
المصدر السابق:15/3/2002،ح4.
17-
المصدر السابق:16/3/2003،ح5.
18-
مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 53 شتاء 2003: السياسة
الأمريكية الجديدة تجاه القضية الفلسطينية: نظرة تحليلية، فؤاد
مغربي.
19-
مجلة الهلال المصرية يناير 1998: خفايا النفوذ اليهودي في
أمريكا، مصطفى نبيل.
20-
صحيفة الحياة:24/10/2003، احتلال العراق في " الإيمان المسيحي-
الصهيوين" لـ المحافظين الجدد" جعفر هادي حسن.
21-
المصدر السابق.
|