|
طبيعة الأسس والعلاقات الأمريكية الصهيونية
محمد رشاد الشريف
من الواضح اليوم أن العلاقات القائمة بين الولايات المتحدة
والكيان الصهيوني تختلف عن كل أنماط العلاقات الأمريكية مع
الدول الأخرى في العالم.
ففي الوقت الذي يجري فيه إملاء المواقف السياسية الأمريكية على
هذه الدول وفق مقولة "من ليس معنا فهو ضدنا" دون النظر إلى
مصالح هذه الدول واعتباراتها، نجد أن الولايات المتحدة تكيف
آراءها ومواقفها وفق الرغبات "الإسرائيلية"، كما حصل مؤخرا في
مشروع "خارطة الطريق" الذي طرحه الرئيس الأمريكي بوش، والذي
استجابت فيه الإدارة الأمريكية لمعظم الملاحظات والتعديلات
التي طلبها شارون قبل أن يعلن موافقته على هذه "الخارطة".
وهذا النمط الفريد من العلاقات الذي يتماهي فيه الطرفان
الأمريكي والصهيوني والذي كان السمة الرئيسية للعلاقات
الأمريكية الصهيونية منذ إنشاء الكيان الصهيوني قبل خمسة
وخمسين عاماً، والتي تقوم على أساس "الالتزام بأمن ومصالح
إسرائيل" وضمان تفوقها النوعي على الدول العربية مجتمعة،
وتأمين الغطاء السياسي لكل ممارستها العدوانية والتوسعية على
حساب الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية...هذا النمط
من العلاقات ظل يطرح السؤال حول الأسس والطبيعة الخامسة التي
تقوم عليها، وهو ما يحمل أهمية كبيرة في رسم إستراتيجيات
التعامل مع الصراع العـربي الصهيوني، الذي تشكل هذه العلاقات
بعداًً رئيسياً من أبعاده.
ويمكن القول
إن
هذه العـلاقات الخاصة بين الولايات المتحدة والصهيونية والكيان
الصهيوني تجد أساسها في مستويات عدة من التكوين الفكري السياسي
والبنية الاجتماعية وطبيعة النظامين السياسيين وآليات عملها في
البلدين، التطلعات الاستراتيجية وطبيعة دور كل منهما على
المسرحين الإقليمي والدولي.
وقبل الحديث عن المستويات الاجتماعية والفكرية السياسية التي
تقوم فيها هذه العلاقات لابد من القول أن الولايات المتحدة لا
تنظر في الأساس إلى الصراع العربي الصهيوني كنضال تحرر وطني
يقوم به الشعب الفلسطيني، ضد الاحتلال والاغتصاب والصهيوني
للأرض الفلسطينية والعربية، ولا كعملية دفاع عن الذات القومية
من قبل الأمة العربية، في مواجهة حركة عدوانية استيطانية
توسعية،
تنطلق من الكيان الاستيطاني الصهيوني، الذي قام على حساب شعوب
هذه الأمة وبالضد من مصالحها، في الوحدة والتحرر والتقدم. بل
إنها تتبنى المقولة التوراتية الزائفة التي تزعم بأن قيام
إسرائيل هو "عودة الشعب اليهودي إلى أرض الميعاد"، وتضع حق
"إسرائيل"
في الوجود والأمن في مقدمة أولوياتها الاستراتيجية في المنطقة،
وترى أن الصراع العربي الصهيوني ناجم عن محاولة الدول العربية
القضاء على دولة إسرائيل التي تمثل في نظرها "البلد الديمقراطي
الوحيد على النمط الغربي" في هذه المنطقة وهي تصف نضال الشعب
الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني، ومن أجل عودة اللاجئين
الفلسطينيين إلى أرضهم "بالإرهاب"(1) الذي تعتبر الحرب ضده
عنوان سياستها في هذه المرحلة.
ليس هذا وحسب بل إن الــولايات المتحدة تنظر إلى الكيان
الصهيوني "كذخر إستراتيجي" وركيزة أساسية من ركائز سـيطرتها
الاستراتيجية ليس على صعيد المنطقة العربية وحسب، بـل وعلى
الصعيد العالمي أيضاً. وهذه الرؤية الأمريكية للكيان الصهيوني
وللصراع العربي الصهيوني مبثوثة في ثنايا الخطاب السياسي
الأمريكي، وتجلت في المواقف الأمريكية على مدى تاريخ هذا
الصراع، سواء من قضية اللاجئين أو القدس، أو الاحتلال الصهيوني
للأرض العربية، أو قضايا التسلح والأمن، وفي المساعدات والدعم
العسكري والسياسي والاقتصادي غير العادي الذي قدمته للصهيونية
والكيان الصهيوني منذ بدايات وجودهما.
أسس العلاقات الأمريكية الصهيونية:
إذا كان هذه الرؤية الأمريكية للصراع العربي الصهيوني، وحاجة
الكيان الصهيوني للارتباط بالقوة العظمى الأولى في العالم،
تشكل الأرضية التي تقوم عليها العلاقات الخاصة التي توصف
"بالعضوية " أو "البنيوية الاستراتيجية" فإنه يمكن تحري الأسس
التي تقوم عليها هذه العلاقات في البنى الفكرية والسياسيــة
والاقتصادية الاجتماعية للنظامين في الولايات المتحدة والكيان
الصهيوني على الـوجه الآتي:
أولاً: طبيعة البنية الاقتصادية الاجتماعية للنظامين الأمريكي
والصهيوني:
فالنظام الأمريكي الذي تطور من نظام استعماري استيطاني خاض
صراعا طويلا ضد السكان الأصليين الهنود الحمر للقضاء عليهم
والاستيلاء على الأرض، ومن أجل احتواء الخليط المتنوع من مختلف
الاعراق من المهاجرين المستوطنين، وإخضاعهم لسيطرة النخبة
الأولى من المهاجرين الانجلوسكون،
والتوسع نحو الغرب والجنوب إلى الحدود الحالية للولايات
المتحدة، قد أصبح منذ أوائل القرن العشرين الماضي نظاماً
رأسمالياً إمبريالياً يتطلع إلى مد سيطرته الاقتصادية
والسياسية إلى كل أنحاء العالم بعد أن بسط سيطرته على بلدان
أمريكا اللاتينية التي اعتبرها حديقته الخلفية، وكانت مشاركته
في الحربين العالمتين الأولى والثانية أوضح تعبير عن هذا
التطلـع، وحيث أصبح بعد الحرب العالمية الثانية قائداً للنظام
الرأسمالي العالمي، ثم ليصبح القطب الأوحد بعد انتهاء الحرب
الباردة أوائل عقد التسعينات الماضي. بمعنى أن النظام في
الولايات المتحدة قد امتلك منذ أكثر من قرن من الزمان وبما
يتوازي مع بروز المنظمة الصهيونية العالمية وسعيها لتنفيذ
المشروع الصهيوني، استراتيجية عالمية للسيطرة الاستعمارية.
أما النظام الصهيوني الذي قام في فلسطين عام 1948 فإنه قد جاء
نتاج مشروع استعماري استيطاني تقف وراءه
الحركة الصهيونية، التي سعت منذ بدايات وجودها إلى تأمين دعم
ورعاية دولة عظمى لهذا المشروع أو ما يسمى بتأمين "الدولة الأم
الراعية"، وقد قامت الحركة الصهيونية التي تعتبر الذزرائعية
الانتهازية أبرز سماتها السلوكية, بعرض هذا المشروع على عدد من
الدول الاستعمارية، حيث طالب موس هس أحد الدعاة المبكرين
للصهيونية بالحصول على الحماية الفرنسية فيما فاوض تيودور
هرتزل القيصر الألماني، والسلطان عبد الحميد الثاني ثم عرض
المشروع على بريطانيا(2) التي أيدته ودعمته وعمل حاييم وايزمن
على ربط هذا المشروع بالانتداب البريطاني على فلسطين ولكن مع
بروز الدور القيادي للولايات المتحدة خلال الحرب العالمية
الثانية تحول مركز نشاط الحركة الصهيونية إليها منذ مؤتمر
بلتيمور عام 1942، علماً بأنها كانت تبدي تأييدها ودعمها
للمشروع الصهيوني والصهيونية منذ كانت الصهيونية فكرة في العقل
الاستعماري.
وقد برز تبني الولايات المتحدة للكيان الصهيوني بشكل جلي وسافر
بعد عدوان حزيران 1967، حيث زاد اعتماد هذا الكيان بشكل كبير
على الدعم الأمريكي وأصبحت السياسة الخارجية الصهيونية شأنها
في ذلك شأن قادة الكيان نفسه مهمته بأن تبرهن للولايات المتحدة
بأنها مكسب استراتيجي لها في المنطقة(3).
ومنذ ذلك الحين أصبحت الولايات المتحدة الداعم الرئيسي للكيان
الصهيوني عسكرياً واقتصادياً حيث قفز هذا الدعم عشرات المرات
خلال ثلاث سنوات بعد الحرب " ففي حين لم تتجاوز المساعدات
العسكرية الأمريكية مبلغ 25 مليون دولار عام 1968، فقد بلغت
545 مليون دولار عام 1971، وقدم الرئيس نيكسون مساعدات مالية
وعسكرية لهذا الكيان فاقت كل ما تلقاه من مساعدات أمريكية طيلة
الأعوام التي سبقت رئاسته بتسعة عشر عاما(4).
وبعد عقد اتفاقيات كامب ديفيد ارتفعت هذه المساعدات المالية
والعسكرية لتزيد عن ثلاثة مليارات من الدولارات، وتصاعد
التنسيق والتحالف بين الطرفين الأمريكي والصهيوني إلى التوقيع
على اتفاق التفاهم الاستراتيجي في 30/11/1983 والذي شمل إقامة
لجنة عسكرية للتنسيق بين الطرفين وإقامة منطقة للتجارة الحرة
(التي وقع الاتفاق بشأنها في 7/3/1985) وزيادة المساعدات
العسكرية الأمريكية لـ"إسرائيل"(5).
وفي 6/5/1986 جرى توقيع مذكرة تفاهم تتعلق بمشاركة الكيان
الصهيوني في برنامج حرب النجوم والتي تمنحه مكانة مساوية مع
الشركات الأمريكية في مشروعات البحث والتطوير ضمن إطار الدفاع
الفضائي(6) وفي 14/12/1987 جرى توقيع مذكرة التفاهم
الاستراتيجي الثانية بين الطرفين والتي ترفع التحالف بينهما
إلى مستوى جديد.
وهذا المستوى من التحالف المتصاعد بين الطرفين الأمريكي
والصهيوني، إنما يعكس توافقاً استراتيجياً بين مصلحة الدولة
الرأسمالية الإمبريالية الأعظم في دعم وتعزيز قوة هذا الكيان
ودوره كأحد محاور سيطرتها الاستراتيجية في العالم ومصلحة هذا
الكيان الاستعماري الاستيطاني في تأمين مساندة وتغطية الدولة
الأعظم في العالم لوجوده العدواني، في ضوء علاقته الصراعية
حكماً مع الشعب الفلسطيني والمحيط العربي والإسلامي.
ثانياً: البنية الفكرية السياسية للطرفين الأمريكي والصهيوني:
وفي هذا المستوى نلحظ نوعاً من التعاطف السياسي، والإحساس
بالارتباط السيكولوجي بين الطرفين الأمريكي والصهيوني. والذي
يجد أساسه في مجموعة من العوامل: كالشعور العام المشترك
بالانتماء للغرب، والحضارة الغربية أو ما يختزنه هذا الشعور من
روح استعلائية عدائية تجاه العرب والمسلمين، والشرق عموما،
والذي يعود أساساً إلى الصراع الذي كان يدور في العصور الغابرة
بين الغرب الأوربي، والشرق العربي الإسلامي من أجل السيطرة
السياسية والعسكرية على طرق التجارة، واحتكار العرب والمسلمين
سابقاً، لدور الوسيط الإجباري لعلاقة الغرب بالعالم على حد قول
د.سمير أمين.
و يعزز هذا الشعور الترويج الواسع في الولايات المتحدة والغرب
عموماً لفكرة أن "إسرائيل"
هي البلد الديمقراطي الوحيد،الذي يملك نظاماً انتخابياً حراً،
وتعددية سياسية واسعة، وتداولاً للسلطة، وأنها تمثل الامتداد
الحضاري "للغرب المتقدم في الشرق المتخلف" وفي هذا العدد يقول
روزنتال:
"حتى خصوم "إسرائيل"
يعرفون أنها تحكم نفسها وفق معايير، وقواعد ديمقراطية لا مثيل
لها في الشرق الأوسط، وبدون هذه المقاييس التي تفرض نفسها، ما
كانت "إسرائيل"
لتستحق هذا الدعم والتعاطف الذي تحصل عليه أية دولة أخرى في
العالم"(7).
يضاف إلى ذلك السيكولوجية الاجتماعية الفكرية المتولدة من
المنشأ الاستيطاني المشترك التي تنعكس سياسيا في المنهج
البراغماتي الذرائعي المتسم بضعف النظرة الأخلاقية التاريخية،
واختلاف مفهوم العدالة، فالقطاع الأوسع من الشعب الأمريكي
يتفهم النظرة العربية والشرقية عموما إلى عملية اغتصاب فلسـطين
واستيطانها باعتبارها جريمة تاريخية، لأن المجتـمع الأمريكي
نفسه نشأ بطريقة مشابهة، وما ينظر إليه الأمريكيون هو الواقع
القائم اليوم، وكيفية تحريكه بما يتفق ومصالحهم بعيداً عن
النظرة الحقوقية التاريخية التي تنظر بها الشعوب العربية
والإسلامية إلى هذه القضية. إلى جانب أن النواة الأساسية
للمجتمع الأمريكي (الانجلو سكون بروتوستانت) تمتلك عناصر
ثقافية تشبه الصهيونية إلى حد بعيد، وتسوغ مقولات التفرد
ورسالة الرجل الأبيض(8).
وفي هذا المجال لابد من الإشارة إلى ما يحمله الأمريكيون خاصة
والغرب عامة من تعاطف مع اليهود "كضحايا للكارثة" وهو نوع من
الشعور بالذنب تجاه اليهود، الذين تصورهم الصهيونية بأنهم أكبر
ضحايا النازية، وبسبب الاضطهاد الذي تعرضوا له في فترات مختلفة
من العصر الحديث إبان تصاعد موجات "اللاسامية" في أوروبا(9).
وهذا التعاطف ليس مقصوراً على الانجلوسكون بل ولدى الأوساط
الليبرالية التي تشكل القطاع الأوسع في المجتمع الأمريكي.
ثالثا: الانتشار الواسع للصهيونية غير اليهودية:
يعتبر الانتشار الواسع للصهيونية غير اليهودية في الأوساط
الأنجلوسكونية البروتوستانتية (فئة الواسب) أحد أبرز عوامل
التأييد الفكري السياسي في المجتمع الأمريكي للكيان الصهيوني
والصهيونية حيث أن الحركة المسيحية الأصولية المعاصرة في
الولايات المتحدة هي أحد الأعمدة الأساسية المتبنية للمشروع
الصهيوني والداعمة له
"هذه الأصولية المؤمنة بالعصمة الحرفية للكتاب المقدس سواء في
العهد القديم أو العهد الجديد، والمقتنعة بأنه يتضمن توجيهات
لمجمل الحياة بما في ذلك الشؤون السياسية، وبخاصة النبوءات
التي تشير إلى أحداث مستقبلية تقود إلى استعادة "إسرائيل"
والعودة الثانية للمسيح".
وهي تركز على موضوع محوري هو
"إسرائيل وشعبها المختار من قبل الله كعنصر مقدس والدفاع عنه،
وطلب إغاثة الرب له، بالإضافة إلى ملكية هذا الشعب الأبدية
للأرض الموعودة المقدسة وهي فلسطين"(10).
وفئة الواسب (الانجلوسكسون البروتوستانت البيض) التي تنتشر في
أوساطها هذه الصهيونية غير اليهودية، والمتحمسة للمشروع
الصهيوني بشكل يفوق حماسة الصهاينة أنفسهم، هي الفئة الأثنية
الأقوى في الولايات المتحدة، والتي ينتمي إليها معظم الرؤساء
الأمريكيين، وتسيطر على المفاصل الأساسية للاقتصاد الأمريكي،
من خلال سيطرتها على الصناعات الاستراتيجية والفعاليات
الاقتصادية والاحتكارات الكبرى في الولايات المتحدة وهي تبرز
في نشاط الكنائس الإصلاحية البروتوستانتية التي يزيد أتباعها
عن أربعين مليوناً وحسب تول د.هيرنان ايليت، سفير الولايات
المتحدة السابق في مصر، فإن تأييد "إسرائيل"
الأكبر هو وسط الطائفية البروتوستانتية والكنائس الإصلاحية في
الولايات المتحدة(11).
رابعاً: آليات النظام السياسي الأمريكي ودور اللوبي الصهيوني
فيه:
من المعروف على نطاق واسع أن للوبي الصهيوني في الولايات
المتحدة التي يقيم فيها حوالي 5.5 مليون يهودي يشكلون 40% من
يهود العالم، دوراً هاماً في تقرير السياسات الأمريكية تجاه
الصراع العربي الصهيوني، وتجاه "منطقة الشرق الأوسط" بشكل عام.
وهذا اللوبي يشكل أحد أبرز مجموعات الضغط الرئيسية المؤثرة في
النظام السياسي من قبل الحزبين الرئيسين الجمهوري والديمقراطي،
والذي نما وتطور بعد الاستقلال عن بريطانيا في خضم الصراع
لتوطيد سلطة المستوطنين البيض وإقامة الدولة ذات الطابع
الإمبريالي كما سبق وأشرنا.
وهذا النظام لا يقوم على تنافس السلطتين التشريعية والتنفيذية
وحسب بل وعلى توازن هاتين السلطتين: الكونغرس والبيت الأبيض،
وعلى دور مؤثر "لمجموعات الضغط" التي تشكل جزءاً من ديناميات
النظام السياسي في هذا البلد والتي تعمل من داخل النظام وليس
من خارجه من خلال نشاطات سياسية وإعلامية وتقديمات مالية
للحملات الانتخابية وبما يترك تأثيره على السلطة السياسية
بجانبيها التشريعي (الكونغرس) والتنفيذي (الإدارة والبيت
الأبيض) وكذلك عن طريق المناقشات والتحليلات السياسية
والتشريعية وصياغة مشروعات القوانين(12).
واللوبي الصهيوني الذي يعتبر من أكثر مجموعات الضغط فعالية
ويتكون من مجموعة المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة
وخاصة اللجنة الأمريكية الإسرائيلية "إيباك" التي تتمتع بنفوذ
كبير داخل الكونغرس والإدارات الأمريكية يمارس تأثيره الواسع
من خلال المشاركة في الحملات الانتخابية للكونغرس والرئاسة
الأمريكية، ومساهمته الكبيرة في تمويل هذه الحملات الانتخابية
ومن خلال نفوذه في وسائل الإعلام الأمريكية وتأثيرها في الرأي
العام ولعبها بشكل متناغم، على مسألة التنافس بين الكونغرس
والإدارة الأمريكية، وبين الجمهوريين والديمقراطيين ومعرفته
بالآليات التي تحكم هذه العلاقة واستخدامها لصالح الكيان
الصهيوني والصهيونية.
ويمكن القول
إن
دور اللوبي الصهيوني في تحديد سياسة الولايات المتحدة تجاه
القضية الفلسطينية ومنطقة الشرق الأوسط قد تعزز كثيراً مع صعود
تيار "المحافظين الجدد" الوثيق الصلة بهذا اللوبي والذي نجح في
السيطرة على السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس جورج
بوش الابن والذي تجلى في نجاح مساعيهم في شن الحرب على العراق
واحتلاله، وتحويله إلى "محمية أمريكية" ومحاولتهم استثمار
نتائج هذه الحرب لفرض سلام أمريكي صهيوني في الشرق الأوسط
والسيطرة على إمدادات النفط وشن حملات تهديد ضد سورية وإيران
والمطالبة بتغييرات في النظامين المصري والسعودي(13).
وهؤلاء المحافظون الجدد الذين يشكل اليهود في الإدارة
الأمريكية الحالية أبرز رموزهم يعملون في الأساس بطريقة اللوبي
الصهيوني نفسها، لفرض رؤيتهم في السياسة الأمريكية والترويج
لها عبر تقديم الدراسات السياسية والتحليلات من خلال عدد كبير
من مراكز البحث والفكر والمؤسسات المحولة جيداً مثل: معهد
أمريكان انتربرايز والمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي ومنتدى
الشرق الأوسط ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط ومعهد أبحاث
ميديا الشرق الأوسط الذي يرأسه يفئال كرمون المستشار السابق
لرئيس الوزراء الصهيوني "لشؤون الإرهاب" وقد أثارت السياسات
الأمريكية التي يصوغها المحافظون الجدد والتي تعمل لصالح
الكيان الصهيوني حفيظة بعض السياسيين الأمريكيين المتزنين مثل
مرشح الرئاسة السابقة بات بوكنان الذي كتب مقالاً في 4/3/2003
تحدث فيه عن وجود عصابة من المحافظين الجدد تريد تدمير علاقات
الولايات المتحدة مع العالم العربي وتدين بولاء عاطفي كبير
لبلد آخر(14)
"ويقصد إسرائيل" ومثل النائب في الكونغرس جيمس موران الذي قال
أن اليهود يقفون وراء الولايات المتحدة على العراق الأمر الذي
أدى إلى إثارة عاصفة ضده من اللوبي الصهيوني والمحافظين الجدد
مما اضطره للاعتذار.
خامساً: التقاء المصالح الأمريكية والصهيونية:
يعتبر التقاء المصالح الأمريكية والصهيونية العامل الرئيسي
والأساس في العلاقة البنيوية الاستراتيجية من النمط الخاص التي
تقوم بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والتي تجد جذرها
في طبيعة البنية السياسية الاجتماعية التاريخية لهذا الكيان
والمختلفة عن باقي البنى السياسية لشعوب المنطقة العربية
الإسلامية ذلك أن بنية الكيان الصهيوني هي بنية استعمارية
استيطانية قامت بالضد من مصالح شعوب المنطقة العربي الإسلامية
وعلى حساب أرضها، وبخلفية دور وظيفي في خدمة الاستراتيجيات
الاستعمارية الكبرى وبدعم من هذه القوى الاستعمارية وبالتالي
فهي مرتبطة حكماً بالمراكز الاستعمارية ومصالحها
واستراتيجياتها.
والولايات المتحدة التي أصبحت الدولة الإمبريالية الأكبر
والقطب الأعظم في العالم
-كما
سبق وأشرنا-
والتي تسعى منذ ما يزيد عن القرن من الزمان لتوطيد سيطرتها
الاستراتيجية على العالم وترى في منطقتنا العربي "مصدر مذهل
للقدرة الاستراتيجية وواحدة من أعظم الجوائز المادية في تاريخ
العالم"(15) سواء من حيث الثروات النفطية الموجودة فيها والتي
تشكل السيطرة عليها مفتاحاً للامساك بقرار العالم أم من حيث
أهمية موقعها الاستراتيجي بين قارات العالم والقوى الكبرى
المتصارعة فيه وهي تعمل بكل الوسائل من اجل تثبيت ركائز
سيطرتها عليها.
وغني عن القول
إن
الولايات المتحدة تجد في الكيان الصهيوني بما يتوفر عليه من
إمكانات وقدرات عسكرية وبنية مختلفة ومتناقضة في نسيجها
الاجتماعي مع شعوب المنطقة العربية ركيزة أساسية من ركائز
سيطرتها العسكرية والسياسية على المستويين الإقليمي والدولي.
وهي لا تخشى هنا من حصول انقلاب عسكري أو ثورة أو تحول اجتماعي
يجعل هذا الكيان يقف ضد الولايات المتحدة على عكس البلدان
الأخرى في المنطقة ذات النسيج العربي الإسلامي الذي له تطلعاته
القومية التحررية ومصالحه السياسية والاقتصادية المتناقضة مع
الهيمنة الأمريكية والاستعمارية الغربية، والتي تحمل في مكنون
وجودها إمكانية الثورة والانقلاب على المصالح الاستعمارية
الأمريكية كما حصل في العراق بعد ثورة 14 تموز 1958 وفي مصر
بعد ثورة 23 يوليو
1952 وفي إيران 1979 التي أطاحت الثورة الإسلامية فيها بالشاه
في ذلك البلد الذي كان له مكانة هامة في الاستراتيجية
الأمريكية على حدود الاتحاد السوفيتي السابق.
ومن ناحية أخرى فإن الكيان الصهيوني الذي قام على حساب الشعوب
العربية والإسلامية وبالضد من مصالحها والذي تربطه علاقة
صراعية وعدائية معها، بحاجة وجودية إلى الارتباط بالدولة
الإمبريالية الأعظم لتؤمن له الدعم والحماية والرعاية السياسية
والعسكرية، كما هو حاصل بالفعل، وهو على استعداد لتقديم الثمن
ووضع نفسه في خدمة استراتيجية الدولة الأعظم والمساعدة على
تامين سيطرتها السياسية والعسكرية والاقتصادية على المنطقة
وهذا الدور الذي يقوم به الكيان الصهيوني في إطار استراتيجية
الإخضاع والسيطرة هو ما يعرف بدور "إسرائيل"
الوظيفي.
وإذا كانت حرب عام 1967 الذي تولى فيها هذا الكيان توجيه ضربة
قوية إلى حركة التحرر الوطني والقومي العربي، واحتلال ما تبقى
من الأرض الفلسطينية إضافة إلى سيناء والجولان، قد مثل النجاح
الصهيوني الأبرز في أداء هذا الدور الوظيفي فإنه لا بد من
القول
إن
مضمون هذا الدور لا يتعلق بشن الحرب فقط بل أن مجرد احتفاظ
الكيان الصهيوني بقوة عسكرية ضخمة ومتفوقة وامتلاكه أسلحة
الدمار الشامل وولاءه الذي لا يتزعزع للمركز الإمبريالي
المتجسد في الولايات المتحدة يقع في صميم هذا الدور حيث تشكل
القوة العسكرية الصهيونية احتياطياً رئيسياً للقوة العسكرية
الأمريكية في المنطقة يرهب شعوبها ويساهم في تنفيذ مخططات
الإخضاع والهيمنة الأمريكية حتى بدون شن الحرب أو المشاركة
المباشرة فيها.
والصهاينة يتحدثون دون موارية عن هذا الدور الوظيفي، فقد كتب
شمشون ايرلخ:
"الواقع
إننا
من الناحية العملية أشبه بالشرطي بالنسبة للولايات المتحدة
ويتمثل دورنا في العمل كعنصر ردع نشيط عند الحاجة ضد من يعرض
حقول النفط للخطر، وأضاف: لماذا يجب أن نحتفظ بجيش كبير وقوي
وشبيه بجيوش دول أكبر بمرات من إسرائيل، علماً بأنه يمكننا
ضمان أمننا بسلاح غير تقليدي ترى ألا يقوم هذا الجيش بخدمة
الولايات المتحدة قبل كل شيء.. وفي الواقع فإنه لا بديل عنا في
الوقت الراهن للولايات المتحدة(16)".
والصهاينة يدركون أهمية دورهم الوظيفي في حياتهم ووجودهم
وأهميته بالنسبة للولايات المتحدة ففي الثمانينات وقبل سقوط
الاتحاد السوفييتي قال موشي أرنس وزير الحرب الصهيوني في حينه
" أعتقد أنه لن يكون أمامنا ما نفعله هنا إذا قام الاتحاد
السوفييتي
–لا
سمح الله-
بهزم الولايات المتحدة"(17) أما أرئيل شارون فقد قال "إن
المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل ليست منة
فنحن نقوم بدور يوازي في أهميته دور القوات الأمريكية في
أوروبا بينما لا نحصل إلا على جزء يسير مما تكلفه تلك القوات".
وعلى صعيد الولايات المتحدة هناك قناعة مشابهة بأهمية الكيان
الصهيوني الاستراتيجية بالنسبة لأمريكا فعلى حد قول والتر
مونديل نائب الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كاتر: فإن "إسرائيل"
حاملة طائرات أمريكية لا تغرق(18). أما الرئيس الأسبق رونالد
ريفان فقد قال:
إن
لـ"إسرائيل"
أهمية استراتيجية كبيرة للولايات المتحدة وان للقوات
"الإسرائيلية"
الممتازة دوراً رادعاً في الشرق الأوسط وأهمية في توازن القوى
بين الشرق والغرب، وسوف تسعى الإدارة الجمهورية إلى التأكيد
على الالتزام بسيادة وأمن "إسرائيل"
باعتباره أمراً يخدم الاستراتيجية الأمريكية(19). أما اليوم
فالرئيس جورج بوش يعلن في قمة شرم الشيخ يوم 4/6/2003 أن
الولايات المتحدة كانت ملتزمة بأمن "إسرائيل"
وتقدمها دائماً لكننا اليوم ملتزمون بذلك أكثر من أي وقت مضى.
ويمكن القول بأن مسألة التقاء المصالح بين الولايات المتحدة
والكيان الصهيوني والتي تتلخص في حاجة الولايات المتحدة للدور
الوظيفي لهذا الكيان كأداة حرب وعدوان وركيزة سيطرة في هذه
المنطقة الهامة من العالم وحاجة الكيان الصهيوني لقبض الثمن
مساعدات مالية واقتصادية وعسكرية وتغطية سياسية هي الأساس الذي
يعمل عليه اللوبي الصهيوني.
وأصدقاء "إسرائيل"
في الولايات المتحدة من أجل تكريس القناعة بأن ما هو جيد
لـ"إسرائيل"
جيد للولايات المتحدة وأن وجود "إسرائيل"
قوية هو مصلحة أمريكية في الشرق الأوسط وحسب قول وزير الخارجية
الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر: فان ما هو جيد للولايات المتحدة
في الشرق الأوسط جيد لـ"إسرائيل"
ومصالح الولايات المتحدة و"إسرائيل"
متناسبة مع بعضها لأن وجود "إسرائيل"
قوية هو لصالح المصالح الأمريكية(20) وهذا الفهم لالتقاء
المصالح الأمريكية والصهيونية لم يكن راسخاً في وعي الأمريكيين
فقط بل وفي وعي "الإسرائيليين"
أيضاً الذين يقولون: يجب الاعتراف أنه بوجود "إسرائيل"
قوية فقط تستطيع الولايات المتحدة أن تأمل في استمرار وجود
أنظمة محافظة ومعتدلة ومتعاطفة مع العرب في دول النفط
العربية(21).
ويعمل اللوبي الصهيوني والمنظمات الصهيونية في الولايات
المتحدة عبر الارتكاز على هذه القناعة من أجل كسب الدعم
والتأييد المستمر واستصدار القرارات لصالح الكيان الصهيوني
يقول د.نصير المارودي أستاذ العلوم السياسية في الولايات
المتحدة:
"إن قادة اللجنة الأمريكية "الإسرائيلية"
ايباك يؤكدون أن نجاحها يعود إلى التجانس بين أهداف أمريكا
وأهداف "إسرائيل"، ويركزون على أهمية "إسرائيل"
الاستراتيجية بالنسبة للمصالح الأمريكية، وعلى خدماتها التي
تستحق قبض الثمن عليها" ويضيف:
"إن اللجنة المذكورة تذكر الكونغرس والبيت الأبيض دائماً بأن
"إسرائيل"
هي حجر الزاوية للمصالح الحيوية في الشرق الأوسط وأن اللوبي
الصهيوني لا يعرض نفسه أو طروحاته: لكنه يشارك في تقييم الوضع
الدولي وهو يتبنى في الأساس كياناً عسكرياً مهيئاً للعمل الجاد
في الإطار الأمريكي.
متغيرات العلاقات الأمريكية الصهيونية:
إذا كانت العناصر التي سبقت الإشارة إليها تشكل الأرضية الصلبة
التي تقف عليها علاقات الأمريكية الصهيونية، فإن ذلك لا يعني
أن هذه العلاقات ذات طبيعة ميكانيكية. بمعنى أن هذه العلاقات
التي يشكل التحالف والتنسيق الاستراتيجي،
والدعم الشامل في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية
والعسكرية، أو التزام الولايات المتحدة الثابت بأمن "إسرائيل"
وازدهارها وجوهرها الرئيسي، يمكن أن تحدث فيها بعض المتغيرات،
وحتى التعارضات التكتيكية، أو بمعنى أدق عدم تطابق المواقف في
بعض الأحيان، والتي يتجلى فيها بروز مصلحة أحد الطرفين على
حساب مصلحة الطرف الآخر، على الرغم من أن المحصلة النهائية
تكون في مصلحة الطرفين من الناحية الاستراتيجية.
وقد برزت الاختلافات التكتيكية وعدم تطابق المواقف في مرات
عديدة، سواء فيما يتعلق بمواقف سياسية من قضايا محددة، أو
بصفقات أسلحة للمنطقة، أو الخارج وبالنسبة لصفقات الأسلحة فقد
حدثت في مرات عديدة اعتراضات صهيونية على صفقات أسلحة للسعودية
أو بلدان عربية أخرى. كما عارضت الولايات المتحدة صفقة بيع
رادار فالكون من قبل الصهاينة إلى الصين مما أدى إلى إلغاء
الصفقة التي تبلغ المليار دولار.
كما برز في مرات عديدة عدم تطابق بين المواقف الصهيونية
والأمريكية من قضية القدس والاستيطان، وحتى قضية اللاجئين
الفلسطينيين في السنوات الأولى من عمر الكيان حين طالب الرئيس
ترومان بعودة 200-300
ألف لاجئ فلسطيني إلى فلسطين المحتلة،لكن الموقف الأمريكي كان
يتحرك ليقترب باستمرار من الموقف الصهيوني، من هذه القضايا
الأساسية بالنسبة للقضية الفلسطينية ويمكن القول
إن
من أبرز الأمثلة التي ظهر فيها اختلاف بين موقف الطرفين
الأمريكي والصهيوني، موقف الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت
إيزنهاور من العدوان الثلاثي وحرب السويس عام 1956، والذي أرغم
الكيان الصهيوني على الانسحاب من شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة
عام 1957. وقيل حينها أن بن غوريون بكى وقال: لا يمكننا أن نقف
في مواجهة مع الولايات المتحدة". وقد جاء هذا الموقف الأمريكي
في إطار استراتيجية الولايات المتحدة التي قامت في ذلك الحين
على ملء الفراغ الذي خلفه صعب وانسحاب النفوذ الفرنسي
والبريطاني من منطقة الشرق الأوسط".
كما برز هذا الخلاف في الضغوط التي مارسها جورج بوش الأب على
رئيس الحكومة الصهيوني إسحاق شامير عما 1991 بعد حرب الخليج
الثانية من أجل إطلاق مؤتمر مدريد، وما سمي بعملية السلام،
واستخدام مسألة ضمانات القروض لاستيعاب الهجرة الجديدة في هذا
الضغط، الأمر الذي ساهم في سقوط شامير في انتخابات عام 1992،
بسبب عدم تجاوبه مع المساعي الأمريكية بشكل كاف، هذه المساعي
التي كانت تهدف إلى إعادة ترتيب أوضاع المنطقة في إطار
الاستراتيجية الأمريكية لصياغة نظام دولي جديد بقيادتها بعد
انتهاء الحرب الباردة.
واليوم يجري الحديث عن تباين مكتوم في الموقف من خارطة الطريق
"التي لا ترغب بها حكومة شارون من الناحية الفعلية: حيث تقوم
استرتيجيتها الحقيقية على: محاربة الإرهاب الفلسطيني إلى أن
يتم سحقه كليا ويتوقف التحريض الأرعن عليه كليا حسب قول شارون
في المراسم التأبينية لإحياء ذكرى القتلى "الإسرائيليين"
الذين سقطوا في معارك إسرائيل"(23).
"وفي هذا الصدد يلاحظ تكيف أمريكي عبر قبول غالبية التحفظات
الصهيونية على "الخارطة"، وموقف مناور من شارون يعلن موافقته
على المشروع لفظا" ويحاول إفشاله عمليا عبر الاستمرار في
عمليات القتل والاجتياح، واللجوء إلى إجراءات تظاهرية فارغة من
المضمون كإزالة بعض الكارفانات في المستوطنات العشوائية التي
أقيمت مؤخرا، والزعم بأنه يقوم بإزالة مستوطنات.
و إذا تجاوزنا مسألة عدم تطابق المواقف الأمريكية والصهيونية
أحيانا، فإنه يمكن القول
إن
رؤية الدور الصهيوني في خدمة الاستراتيجية الأمريكية العامة في
المنطقة والعالم، قد طرأ عليها بعض التحول في ظروف انتهاء
الحرب الباردة وبعد حرب الخليج الثانية، وانطلاق ما سمي بعملية
السلام في المنطقة بحيث لم يعد هذا الدور مقصورا على أداة
الحرب والعدوان أو العصا الغليظة في وجه حركة التحرر القومي
العربية، بل إن هناك سعيا أمريكيا صهيونيا إلى جعل الكيان
الصهيوني نوع من الإمبريالية الفرعية، أو الوكيل المحلي
للإمبريالية الأمريكية في المنطقة العربية سياسيا واقتصاديا
وأمنيا.. وهو أمراً لا يقلل من الأهمية الاستراتيجية لهذا
الكيان في الاعتبارات الأمريكية بل يزيد من هذه الأهمية.
وقد برز ذلك بشكل واضح في إطار مشروع
"الشرق
الأوسط الجديد" الذي طرح بشكل مدوٍ في عقد التسعينات بعد توقيع
اتفاقي أوسلو ووادي عربة، وعقدت له مؤتمرات إقليمية أربعة تقرر
فيها إنشاء مؤسسات اقتصادية مثل: بنك التعاون الاقتصادي
للتنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في القاهرة، وكان
الكيان الصهيوني مدعوماً من الولايات المتحدة ومنتدى دافوس
الاقتصادي العالمي وغيره من المؤسسات الساعية لدفع العولمة
الرأسمالية قدماً من العالم يطمع أن تحيل دور المركز الاقتصادي
والأمني في إطار منظومة اقتصادية أمنية سياسية إقليمية لها
هيئات رقابة مركزية ونظام لجمع المعلومات حسب شمعون بيريس(24).
وإذا كان هذا المشروع قد توقف اندفاعه بعد مؤتمر الدوحة في
أواخر عام 1997 مع تعثر عملية السلام في عهد بنيامين نتنياهو
وغاب الحديث عنه نهائياً منذ انتفاضة الأقصى البطولية التي
تفجرت في 28/9/2000 فذلك لا يعني أن القوى الأمريكية الصهيونية
التي تقف وراءه قد طوت رايته نهائياً بل أنها تطمح للعودة إليه
بعد احتلال العراق وتنفيذ مشروع خارطة الطريق حيث كانت
المطالبة باستئناف عملية التطبيع واعتراف العرب بالكيان
الصهيوني البند الأول على الأجندة الأمريكية التي طرحها الرئيس
بوش على الزعماء العرب الذين حضروا قمة شرم الشيخ يوم 4/6/2003.
الخلاصة:
بالإجمال يمكن القول
إن
العلاقات الأمريكية الصهيونية علاقات بنيوية استراتيجية من نمط
خاص، تجد أساسها في طبيعة النظامين السياسيين في الولايات
والكيان الصهيوني وطبيعة البنية الاجتماعية السياسية لكلا
البلدين، والتقاء المصالح الاستراتيجية للطرفين والتي تتمثل
اساساً في تقاطع استراتيجية الهيمنة الاستعمارية الأمريكية على
صعيد المنطقة العربية والعالم، مع الدور الوظيفي للكيان
الصهيوني في خدمة هذه الاستراتيجية.
ومن هنا، ينبع الالتزام الأمريكي الثابت بأمن الكيان الصهيوني
وتطوره وازدهاره لكن ذلك لا يعني بالضرورة تطابقا مطلقا في
مواقف الطرفين من مختلف القضايا السياسية، بل أن تباينا قد
يحدث في المجالات التكتيكية يجري احتوائه باستمرار لصالح ثوابت
هذه العلاقة التي تبقى المصالح
الاستراتيجية الأمريكية على النطاقين الإقليمي والدولي العنصر
الأقوى في تحديد محصلتها واتجاهاتها.
ويمكن القول
إن
ميدان الفعل الأساسي لتغيير هذا النمط من العلاقة أو التأثير
فيها بما يخدم المصالح العربية يتصل بإرادة العرب أنفسهم ووحدة
موقفهم وبنائهم لقدرتههم الذاتية ودفاعهم عن هذه المصالح
واستعدادهم لدعم المقاومة الفلسطينية والعربية ضد الاحتلال
والاستيطان والاغتصاب الصهيوني حتى يحترم العالم هذه المصالح
والحقوق.
مصادر البحث:
1- محمد رشاد الشريف
-
الصراع العربي الصهيوني في المنظور الأمريكي – معلومات دولية
عدد 67
-
شتاء 2001 ص 76
2- د. فائز الصايغ- الدبلوماسية الصهيونـية – دراسات فلسـطينية
– مركز الأبـحاث – بيروت 1967
3- حمد موعد – السياسة الخارجية للكيان الصهيوني – الأرض – أب
1988 ص 12
4-
Page 407-
Near east report،7
June 1972
5- دافا 4/12/1983
6- هآرتس 7/5/1986
7- أ- روزنتـال – معيـار مزدوج معـاد لإسـرائيل – هيرالـد
تربيون23/1/1991 نقلا عن نيويـورك تايمز
8- د.كامل عمـران – نظريـات التحديث والتنميـة – الوحـدة – عدد
85 – تشـرين الأول 1991-ص23
9- برهـان الدجـاني – حديث المفاوضات والمؤتمـر الـدولي –
المستقبـل الـعربي – أيلـول 1991 – ص 7
10 - د.يوسف أبو الحسن – البعد الديني في السياسة الأمريكية
تجاه الصراع العربي الصهيوني – مركز دراسات الوحدة العربية
بيروت 1990 ص 11,10
11- السفير 9/11/1984
12- لي أوبرين – المنظمات الصهيونية الأمريكيـة ونشـطاها في
دعم إسـرائيل – نيغوسـيا 1984 ص 13
13- جهاد الخازن _ صعود المحافظين الجدد الحياة 28/5/2003 ص24
14- المصدر السابق – الحياة 25/5/2003 ص24
15- د. عصام نعمان – مراجعة كتاب نعوم تشومسكي: إعاقة
الديمقراطية – المستقبل العربي – عدد تشرين الثاني 1991 ص 140
16- هارتس 13/3/1983
17- يديعوت احرونوت 29/9/1981
18- الأرض – عدد 21/5/1984 – تطور التحالف الامريكي الصهيوني ص
16
19- دافار – 14/7/1980
20- يديعوت احرونوت 28/5/1982
21- يديعوت احرونوت 10/6/1973
22- د.نصير عاروري – تطورات السياسة الأمريكية تجاه القضية
الفلسطينية – المستقبل العربي عدد 10/1981 ص 4
23- مأمون الحسيني – شارون وخارطة الطريق – الحياة 26/5/2003
ص10
24- شمعون بيريز: الشرق الأوسط الجديد – ترجمة محمد حلمي عبد
الحافظ – دار الأهلية – عمان1994 ص 30
|