من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 

 

العلاقات الأمريكية الصهيونية وأثرها على مستقبل القضية الفلسطينية

 

نهاد الشيخ خليل*

إن التطلع للأمام يتطلب قراءة متجددة للواقع ورصد المتغيرات والأحداث الجارية بدقة وعناية. وفي هذا السياق تجري في العالم العربي بين الفترة والأخرى، وعلى أعتاب كل منعطف تاريخي حاد، إعادة النظر في العلاقات الأمريكية الصهيونية، يُروّج خلالها أن "إسرائيل" فقدت أهميتها الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وأن الولايات المتحدة ستكتشف إن عاجلاً أم آجلاً أن كلفة المشروع الصهيوني أصبحت أكبر من فائدته، وحينها ستلجأ للضغط عليه وإجباره على التعامل مع العرب بطريقة مختلفة.

حدث هذا النوع من التقييم بعد حرب أكتوبر عام 1973، وحدث عشية الحرب الأمريكية على العراق سنة 1991، وتجدد هذا الجدل عشية الألفية الثالثة. ولا زالت جهات عربية عديدة تواصل ترويج مثل هذه الأفكار والادعاءات. وتبني استناداً إليها استراتيجيتها في التمسك بالتوصل إلى تسوية سياسية وسلام شامل مع الكيان الصهيوني. لكن الوقائع أثبتت أن الأهمية الاستراتيجية لـ"إسرائيل" قد تزايدت، وأن الدعم المقدم إليها من الولايات المتحدة يتضاعف. وفي محاولة إثراء النقاش حول هذا الموضوع ستحاول هذه الورقة اختبار مدى صحة الادعاء بأن الكيان الصهيوني يفقد أهميته الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة. كما ستحاول استشراف مستقبل القضية الفلسطينية في ظل العلاقات الأمريكية الصهيونية. وفي هذا الإطار سيجري استعراض جذور العلاقات الأمريكية الصهيونية قبل تأسيس الكيان الصهيوني، يلي ذلك تتبع مسار التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني منذ تأسيسه وحتى اللحظة الراهنة. وأخيراً ستسعى هذه الدراسة لاستشراف مستقبل القضية الفلسطينية في ظل العلاقات الأمريكية الصهيونية.

 

 

جذور العلاقات الأمريكية الصهيونية

تعود جذور الفكرة الصهيونية في أمريكا الشمالية إلى بدايات العصر الحديث عندما توافد إلى هذه القارة الواعدة بإمكانياتها الاقتصادية عدد كبير من طائفة البيوريتان Puritan البريطانيين، مع موجات المستوطنين الأوروبيين في العالم الجديد بعد اكتشافه، وطائفة البيوريتان هي طائفة مسيحية بروتستانتية تؤمن بما ورد في التوراة بشأن اليهود، وتعتبر أنهم شعب الله المختار وأنهم سيعودون إلى أرض الميعاد تحقيقاً لوعد الرب لهم، وحمل البيوريتان معهم اللغة العبرية، ودخلت اللغة العبرية ومعها الدراسات اليهودية إلى جامعة هارفارد التي أنشئت سنة 1636

وكان البيوريتان قد تعرضوا لاضطهاد شديد من قبل السلطات الحاكمة في عهد ملكة بريطانيا ماري فقرروا الهروب إلى الدول الأوروبية، وفي عهد إليزابيث عاد بعضهم إلى بريطانيا بينما هاجر آخرون إلى العالم الجديد، وكان المهاجرون إلى الدول الأوروبية وإلى العالم الجديد يرون أن هجرتهم وخروجهم من بلدهم يشبه خروج بني إسرائيل من مصر على إثر اضطهاد فرعون لهم، وكانوا يرون في كل مدينة ينزلون فيها أنها القدس الجديدة، وعلى سبيل المثال فقد أطلقوا هذه التسمية على العاصمة الهولندية أمستردام، وعندما انتقلوا إلى أمريكا أطلقوا اسم أمستردام الجديدة (New Amesterdam) على المدينة المعروفة حالياً باسم نيويورك. وعندما قام المستوطنون الأوروبيون بإبادة الهنود الحمر، أصحاب البلد الأصليين، كانوا يتمثلون ما ورد عن قيام يوشع بن نون بتدمير كل ما واجهه من بشر وشجر وحجر لدى دخوله الأرض المقدسة من جهة أريحا.

وقد تنامت الفكرة الصهيونية في الأوساط المسيحية الأمريكية خلال القرن التاسع عشر، لدرجة أن أحد قادة البروتستانت واسمه ووردر غريسون اشتهر بتعاطفه مع الأفكار الصهيونية المتعلقة باليهود كشعب وبوطنهم الموعود في فلسطين، ثم تحوّل لليهودية وهاجر إلى فلسطين، وعمل قنصلاً للولايات المتحدة في القدس سنة 1852. وساهم مع عدد من المسيحيين واليهود الأمريكان في دعم المستوطنات في فلسطين.

لم تنتشر مضامين الفكرة الصهيونية بين اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية قبل وصول المهاجرين اليهود من شرق أوروبا إلى ألولايات المتحدة الأمريكية في ثمانينيات القرن التاسع عشر. وكان هؤلاء المهاجرون قد حملوا معهم أفكارهم ومعتقداتهم وتنظيماتهم الاجتماعية والفكرية ومن بينها جمعية "أحباء صهيون" التي فتحت لنفسها فروعا في نيويروك وشيكاغو وفيلاديلفيا. وتكوّنت سنة 1890 "جمعية العودة إلى صهيون" على يد آدم روزنبرج لشراء الأرض في فلسطين والإعداد لعودة اليهود إليها.

وشهد العقد الأخير من القرن التاسع عشر تطوراً هاماً على صعيد تكتل الجمعيات اليهودية الصهيونية في الولايات المتحدة حيث تم تأسيس "اتحاد صهاينة نيويورك" في 13 نوفمبر 1897، ثم تأسس " اتحاد الصهاينة الأمريكيين" في 4 يولية 1898، وتولّى رئاسة الاتحاد ريتشارد جوايتهل.

وشهدت فترة الحرب العالمية الأولى تطوراً نوعياً في نشاط ومكانة الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة نتيجة إعلان الرئيس الأمريكي ويلسون وعد بلفور إضافة إلى تولي لويس برانديز رئاسة الحركة الصهيونية في أمريكا. وأدى هذا التحول إلى زيادة أعضاء الاتحاد، حيث بلغ عدد أعضائه بعد الحرب العالمية الأولى 150 ألفاً، وتحسن وضعه المالي ومضاعفة قدرته على الضغط السياسي.

وبعد الحرب عقد الصهاينة اليهود الأمريكان مؤتمراً في فيلادلفيا في 15 ديسمبر 1918م، وتبنى هذا المؤتمر قراراً يطالب عصبة الأمم بتولية بريطانيا العظمى مهام الانتداب على فلسطين. وأصدر قراراً آخر يقضي بضرورة تطوّع عدة آلاف من الشباب الأمريكي اليهودي للسفر إلى فلسطين، لكن لم يذهب إلى فلسطين من أمريكا سوى خمسين فرداً.

وبسبب العلاقات القوية التي نسجها الصهاينة اليهود في أمريكا مع الإدارات المتعاقبة، خاصة في عهد الرئيس الأمريكي ولسون الذي كانت تربطه علاقات صداقة قوية مع لويس برانديس، فقد تمكنوا من العمل بحرية وأصبحوا هم المساهم الأول في تطوير الخطط الاستيطانية في فلسطين. وقد بلغت التبرعات التي قدمتها المنظمة الصهيونية الأمريكية في الفترة بين 1929 و1939 مبلغ 100 مليون دولار أمريكي، كما ساعدوا في هذه الفترة على تهجير أعداد كبيرة من اليهود إلى فلسطين بصورة غير شرعية. ويعتبر هذا الأمر دليلاً على تنامي قوة الصهاينة الأمريكان في الحركة الصهيونية العالمية. وفي عام 1939 رفضت الولايات المتحدة الأمريكية الكتاب الأبيض الذي حدد هجرة اليهود إلى فلسطين وقامت بالضغط على بريطانيا من أجل فتح أبواب فلسطين أمام الهجرة اليهودية، وفي نفس الوقت أوقفت الهجرة إلى الولايات المتحدة.

وفي هذه الأثناء وتحديداً سنة 1941 تشكلت في الولايات المتحدة أول مجموعة ضغط صهيوني ضمت 700 عضو بينهم ستة أعضاء في مجلس الشيوخ. وقد كان في رأس أهداف هذه المجموعة التعجيل في خلق قناعة لدى الساسة الأمريكيين بالأهمية الاستراتيجية لإقامة دولة يهودية بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

واتخذ الصهاينة اليهود الأمريكان من الولايات المتحدة الأمريكية منبراً إعلامياً وسياسياً هاماً عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية، وقاموا بتشكيل "لجنة الطوارئ الصهيونية الأمريكية". وأصدرت هذه اللجنة بياناً نوّهت فيه بأن الاحتجاج على الكتاب الأبيض يجب ألا يقتصر على الاجتماعات والمؤتمرات بل يجب أن يكون هناك موقف إيجابي لبرنامج عملي تجاه فلسطين في فترة ما بعد الحرب. ونتيجة لهذا التوجه عقد الصهاينة مؤتمراً بين 9-11/5/1942 في فندق بلتيمور في نيويورك. واتخذ الصهاينة عدة قرارات في هذا المؤتمر عُرفت باسم برنامج بلتيمور. ودعا هذا البرنامج إلى ضرورة فتح فلسطين أمام الهجرة اليهودية والاستيطان اليهودي تحت رعاية الوكالة اليهودية، ووجوب تحويلها إلى كومنولث يهودي على أساس وجود أغلبية يهودية، ويجب دمج هذا الكومنولث في بنية العالم الديمقراطي الجديد.

لقد شكل مؤتمر بلتيمور نقطة تحول حاسمة في تاريخ الحركة الصهيونية، وذلك لأن ميزان القوى الدولي أصبح يميل وبشكل واضح للولايات المتحدة الأمريكية، ولهذا قوي الاتجاه في أوساط قيادة الحركة الصهيونية بضرورة ربط مصير الحركة الصهيونية بالولايات المتحدة وليس بالمملكة المتحدة. وفي هذا السياق قام بن جوريون بمعارضة محاولات وايزمان الرامية إلى الرضوخ للسياسة البريطانية، ونجح في كسب تأييد المؤتمر، وهو ما أدى إلى استقالة وايزمان، وأصبح بن غوريون رئيس المجلس التنفيذي للوكالة اليهودية، وهكذا فقد بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الحركة الصهيونية شهدت تعاوناً كبيراً بين المستوطنين الصهاينة في فلسطين وبين النشطاء اليهود الصهاينة المتواجدين في الولايات المتحدة.

التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني منذ تأسيسه وحتى اللحظة الراهنة

يمكن تصنيف علاقات التعاون الاستراتيجي الأمريكية الصهيونية إلى أربع مراحل:

1- المرحلة الأولى هي فترة الخمسينيات في عهد إدارتي إيزنهاور وكينيدي، حيث نظرت الإدارة إلى الكيان الصهيوني باعتباره مكسباً استراتيجياً في غاية الأهمية لاستقرار أمن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط على المدى البعيد. حتى نهاية هذه المرحلة كانت العلاقة تقوم على أساس تحقيق نوع من الضمانات للوجود "الإسرائيلي" في أراضي المنطقة، وذلك حسب التصريح الثلاثي الذي أصدرته الولايات المتحدة بالاشتراك مع كل من فرنسا وبريطانيا سنة 1951.

وشهدت هذه الفترة تطويراً في الرؤية الأمريكية للعلاقة مع "إسرائيل" فساد ما عُرف بمفهوم التوازن في أوضاع المنطقة السياسية والعسكرية لمنع العرب من التفوق الجبهوي على الكيان الصهيوني. وبمجيئ سنة 1967 تقدمت واشنطن لترث عن فرنسا دور الرديف العسكري والأمني لهذا الكيان. وسرّعت هذه الحرب من انجاز المتغيرات الأمريكية وأسست للفرضية الأمريكية الاستراتيجية بأن الكيان مؤهل ليشكل العمق الجيواستراتيجي لأمن المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

2- وامتدت المرحلة الثانية من سنة 1970-1979 حيث تم عقد سلسلة اتفاقيات تعاون لنقل التكنولوجيا العسكرية الأمريكية إلى الكيان الصهيوني عبر صفقات متتالية. وشهدت هذه المرحلة التوقيع على "الاتفاق الأعلى لتبادل المعلومات من أجل تطوير الدفاع" أواخر سنة 1970. وتضمن هذا الاتفاق كماً كبيراً من مذكرات تبادل البيانات الخاصة بتطوير خطة عسكرية وقائية للدفاع عن الكيان الصهيوني.

وتعتبر هذه الاتفاقية أكبر صفقة لتحويل التكنولوجيا الأمريكية إلى بلد حليف، وقد تمت برعاية وزير الخارجية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر. وشكلت هذه الاتفاقية البداية الفعلية لتجسيد الاعتبار الأمريكي للكيان الصهيوني كمكسب استراتيجي. وكانت بداية نقطة التحول الأهم في صياغة الولايات المتحدة لتقديراتها الاستراتيجية في المنطقة.

وفي هذه المرحلة كثر طرح مشروعات الحل السياسي من قبل "الإسرائيليين" مثل مشروع ألون ومشروع ديان. وتتفق هذه المشروعات على ترتيبات تكتيكية "إسرائيلية" في الأراضي المحتلة سنة 1967 محورها الأساسي يقوم على مقولة تحقيق أسباب التحكم والأمن الاستراتيجي الصهيوني في المنطقة. ومن المعروف أن كيسنجر في تلك الفترة توعد المنطقة العربية "بحمامات دم" إذا لم تستجب لإرادة الحل السياسي، وتزامن ذلك الموقف مع تبني واشنطن لـ"مشروع يارنغ" المقدم في شباط 1971 والذي طالب مصر بالتعهد بالدخول في اتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني مقابل قيام الأخير بسحب قواته من أراض تابعة لمصر.

وتعزيزاً للاتفاقية السابقة تم التوقيع على مذكرة تفاهم سنة 1971 لتنظيم انتاج المعدات الحربية الأمريكية للكيان الصهيوني. وخلال هذه المرحلة تلقى الكيان الصهيوني أكثر من مائتي رزمة معلوماتية فنية تضمنت كل رزمة المعلومات اللازمة لانتاج أو صيانة المعدات الحربية المتنوعة.

3- امتدت المرحلة الثالثة من 1980 1987، وبدأت تتطور باتجاه التعاون الاستراتيجي. وقد تميزت هذه الفترة بتشكيل وتوطيد شبكة واسعة من اللجان المركزية لتنظيم انتقال التكنولوجيا والتبادل التجاري العسكري والخبرات الفنية بين الجانبين. كما جرى تشكيل فرق عمل تشرف على إدارة البرامج المشتركة وتتولى تنظيم وتعميق العلاقات الثنائية بين وزارتي الحرب. والأهم من ذلك إنشاء هيئة للتخطيط الاستراتيجي لمختلف الحاجات العسكرية التكنولوجية والاستراتيجية.

تبنى اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة منذ بداية الثمانينيات برنامج عمل يدعو إلى نقل العلاقة مع واشنطن إلى التحالف الاستراتيجي. وقد التقى هذا الطرح مع متطلبات التطلع الأمريكي بعيد المدى في المنطقةٍٍ. وتم التوقيع على اتفاق التحالف الاستراتيجي الأول سنة 1981. ويركز معظمه على النواحي العسكرية، وكان من أهم بنوده تشكيل لجنة عسكرية مشتركة لمعالجة مختلف القضايا العسكرية والاستراتيجية، ووضع الخطط لمواجهة القوى المعادية في الشرق الأوسط. كما تم الاتفاق على التبادل والتعاون في مجالات الاستخبارات، وكان من أبرز النقاط في هذا الاتفاق توفير التسهيلات الميدانية والإنشائية لاستخدام القوات الأمريكية في أراضي الكيان الصهيوني. وأعقب هذا الاتفاق مذكرة تفاهم وُقعت في نفس العام تتعهد الولايات المتحدة بموجبها شراء معدات من الصناعات الحربية "الإسرائيلية" بقيمة 200 مليون دولار سنوياً.

وقد شهدت هذه المرحلة من التعاون بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني حدوث الكثير من المتغيرات والأحداث السياسية على مستوى العالم الأمر الذي كان له أثر كبير على تطور العلاقات بين الطرفين المذكورين. وتتمثل هذه الأحداث في:

* سقوط شاه إيران وما أحدثه من شرخ جيوبوليتيكي في حسابات وبنية التوجه الاستراتيجي الأمريكي.

* وفشلت كامب ديفيد في تحقيق اختراقات ملموسة في الجسم العربي بالرغم مما أحدثه هذا الاتفاق من تصدع وتباينات حادة ظهرت ملامحها في مواقف النظام السياسي العربي الرسمي.

* فشل عملية الغزو الصهيوني الأولى للبنان عام 1978 في تحقيق مآربها السياسية والعسكرية.

* المخاوف الأمريكية الصهيونية الأمريكية المتعاظمة من احتمال تمكن بعض الدول العربية من تحقيق توازن استراتيجي على صعيد القوة التسلحية.

* جاء نهج التحالف الاستراتيجي قبل حرب "سلامة الجليل" وقد عوّلت الولايات المتحدة و"إسرائيل" على أن يؤدي إخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان، والتلويح بالخيار العسكري في وجه سوريا إلى توقيع اتفاقية سلام مع سوريا ولبنان.

* تدخلت أمريكا عبر المارينز، لكن جثث قتلى المارينز على يد المقاومة اللبنانية أدت للتراجع الأمريكي ميدانياً.

* وفي أعقاب التطورات على الساحة اللبنانية قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالتوقيع على مذكرة جديدة للتعاون الاستراتيجي، ونتيجة لهذه المذكرة ارتفع حجم شراء أمريكا من المنتجات "الإسرائيلية" إلى 300 مليون دولار سنوياً.

وفي ظل تلك الأحداث تطور التعاون الاستراتيجي بين الطرفين فتعهدت واشنطن سنة 1985 بضم الكيان الصهيوني إلى برنامج مبادرة الدفاع الاستراتيجي الملقبة بـ"حرب النجوم"، وتم ذلك بالفعل سنة 1987. وتعهدت الولايات المتحدة بموجب هذا القرار بتقديم التمويل لبرنامج تطوير صواريخ حيتس "الإسرائيلية" (السهم) المضادة للصواريخ البالستية. لقد سبق هذا الاتفاق مذكرة تفاهم وُقعت في أواخر سنة 1987 ونصت على زيادة التعاون في نقل الأسلحة التقليدية وفي مجال البحث والتطوير والدعم اللوجيستي.

يمكن اعتبار هذه المرحلة مرحلة التكامل، فالتحالف لم يعد يعتمد على الدعم ونقل الخبرات التكنولوجية والعسكرية وتطويرها لدى الكيان الصهيوني بل تجاوزته إلى العمل على توطيد شبكة من اللجان والبرامج.

وفي هذه المرحلة تكثفت الجهود لتوفير الظروف الملائمة لتسوية سياسية بين العرب والصهاينة شاملة بالاستفادة من عدة متغيرات هامة مثل حصار بيروت وإبعاد القيادة الفلسطينية عن لبنان سنة 1982. واستعداد قيادة م ت ف للدخول في تسوية على أساس الأرض مقابل السلام. وجرى تمرير ذلك في اجتماع المجلس الوطني في عمان سنة 1984، وجاء منسجماً مع القرار الرسمي العربي الذي تضمنته وثائق القمة العربية في العاصمة المغربية فاس 1981. وشهد العام 1982 بدايات اتصالات أمريكية فلسطينية حاولت تحديد الأسس لعملية السلام.

وفي أغسطس 1985 أبلغت واشنطن مسؤولين في م ت ف أن عليهم التعجيل في الاستجابة للجهود الأمريكية للتسوية، فيما كانت من جهة أخرى توقع على اتفاق الدفاع الاستراتيجي في ظل تزايد التهويل من خطر الصواريخ البالستية العربية. وبدأت تحركات أمريكية عبر ريتشارد ميرفي المبعوث للشرق الأوسط لعقد مؤتمر دولي للسلام، وأجرى هذا المبعوث اتصالات مع شخصيات فلسطينية ترضى عنها قيادة م ت ف لتشكيل وفد مشترك أردني فلسطيني يلتقي بغرض بدء حوار لتمهيد الطريق أمام مؤتمر دولي للتوصل للسلام في الشرق الأوسط.

وفي هذه المرحلة تم إعلان القاهرة سنة 1985 الذي أكد فيه عرفات التخلي عن الكفاح المسلح ووصفه بالإرهاب. وفتح هذا الإعلان الطريق أمام الحوار بين قيادة م ت ف والإدارة الأمريكية سنة 1988.

4- وتمتد المرحلة الرابعة منذ عام 1988 وحتى الآن، وهي مرحلة الشراكة الاستراتيجية والتكامل في مختلف ميادين التخطيط العسكري والأمني والسياسي والاستراتيجي، وأصبح التنسيق فيها بين الطرفين من الأمور الثابتة. وشهدت هذه المرحلة توقيع العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" مثل:

* في 21/4/1988 وقعت أمريكا اتفاقية مع "إسرائيل" أرست أسس الشراكة الاستراتيجية الأكثر عمقاً في مواضيع التقنية العسكرية والتجسس.

* وفي يونيو 1988 تم التوقيع على اتفاق الصناعة وتطوير برنامج الصواريخ البالستية والوقائية بين الطرفين بكلفة 160 مليون دولار. ونصت هذه الاتفاقية على أن تقوم أمريكا بتزويد "إسرائيل" بتكنولوجيا صناعة الأسلحة. وسمح هذا الاتفاق بحصول "إسرائيل" على المزيد من الأبحاث الأمريكية في المجالات العسكرية.

وقد شهدت هذه المرحلة من العلاقات الأمريكية "الإسرائيلية" سلسلة من الأحداث السياسية المصاحبة وذات التأثير المتبادل مع العلاقات بين الطرفين، ويمكن إجمال هذه الأحداث في:

-                        استمرار إعلان واشنطن عن القلق المتزايد حيال برنامج صواريخ بالستية تهدد أمن "إسرائيل".

-                        تبني سياسة الاحتواء المزدوج لكل من إيران والعراق.

-                        سعي أمريكا للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة في منطقة الشرق الأوسط.

-                        العمل على ترويض أية عوامل للقوة أفرزتها الانتفاضة الفلسطينية، وإدخال هذا المتغير في استثمارات ورهانات التسوية السياسية.

-            بدأ الأمن "الإسرائيلي" أكثر إلحاحاً مع تصاعد عوامل الانتفاضة وترسخ مكانتها في أي حلول سياسية مقبلة، وانطلاقاً من فهم هذه الحقيقة رفعت الولايات المتحدة منذ سنة 1989 وتيرة نشاطها الدبلوماسي لاختبار مبادرات وحلول سياسية مختلفة، ربما كان أهمها نقاط وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر في نوفمبر 1989 والتي تدعو لحوار فلسطيني "إسرائيلي" للتفاوض على خطة شامير. والتي تعرض انتخابات لمجلس محلي تحت الاحتلال. على أن يقود هذا المجلس حكم ذاتي لمدة خمس سنوات، تنسحب القوات "الإسرائيلية" بعدها من بعض المناطق المأهولة بالسكان في الضفة والقطاع.

·             وصل حجم التعاون والتنسيق إلى مستوى غير مسبوق في عهد كلينتون، بعد حرب الخليج، والتهويلات بشأن الخطر العربي الذي كشفت عن جانب منه الصواريخ العراقية على تل أبيب خلال تلك الحرب. وتعهد كلينتون في 15/3/1995 بالقيام بإجراءات نوعية لتعميق التداخل الاستراتيجي بين البنى العسكرية لدى الجانبين والحفاظ على التفوق النوعي "الإسرائيلي" على العرب.

·                         وفي 15/4/1995 تم التوقيع على اتفاق الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين.

·                         وفي 15/4/1996 تم التوقيع على اتفاق للدفاع ضد الصواريخ بعيدة المدى.

 

ورغم كل المعاهدات الاستراتيجية فإن أمن "إسرائيل" بقي مزعزعاً حيث هشمته حجارة الانتفاضة وصدعته أجساد الاستشهاديين وفتحت فيه أبواب الذعر الاستراتيجي. لذلك ترسخت القناعة لدى واشنطن بأن عملية التسوية الشاملة التي تضع وجود "إسرائيل" في العمق العربي الإسلامي هي أهم معاهدة شراكة استراتيجية يمكن أن تقدمها للكيان الصهيوني كي تضمن بقاءه واستمراره وهذا ما تؤكده الوقائع.

وبتاريخ 25/10/1997 تم التوقيع على مذكرة اتفاق أمريكي "إسرائيلي" جديد لترسيخ أسس التعاون الاستراتيجي وتدعيم الشراكة الاستراتيجية العسكرية بين الجانبين، واعتبرت المصادر "الإسرائيلية" هذا الاتفاق هو الأهم في تاريخ التحالف الأمريكي الصهيوني منذ عام 1967، حيث أقر هذا الاتفاق برامج عسكرية وسياسية وأمنية لتنفيذ مذكرة تعاون سابق وُقعت في أبريل سنة 1995 والتي نصت على تدعيم وتطوير المقدرة الاستراتيجية "الإسرائيلية" لمواجهة تهديد الصواريخ البالستية، خاصة السورية والإيرانية بعيدة المدى، وأسلحة التدمير الشامل التي يمكن أن تحصل عليها أو حصلت عليها بعض الدول العربية والإسلامية. إلى جانب ملاحق أمنية وعسكرية تركز في مجملها على ماتسميه مكافحة الإرهاب وخطر الأصولية الإسلامية.

ونخلص مما سبق إلى أن التعاون الاستراتيجي الأمريكي الصهيوني يتركز في مراحله الأخيرة على ثلاث نقاط مركزية هي:

1-       مواجهة تهديد الصواريخ البالستية

2-       مكافحة أسلحة الدمار الشامل.

3-       مكافحة الإرهاب والأصولية الإسلامية.

مستقبل القضية الفلسطينية

قبل الحديث عن تأثير العلاقات الأمريكية الصهيونية على القضية الفلسطينية لا بد من التأكيد على أن هذه العلاقات الأمريكية الصهيونية ما كان لها أن تنمو وتتزايد إلى الحد الذي بلغته لولا أن الغرب بزعامة أمريكا يرى في الكيان الصهيوني بتكوينه العقائدي والفلسفي امتداداً طبيعياً له، ورأس حربة في قلب العالم الإسلامي على كل المستويات. فدولة "إسرائيل" في نظر الولايات المتحدة هي رسول الحضارة الغربية في الشرق الإسلامي، وقاعدة الاستعمار الغربي والإمبريالية في قلب الوطن الإسلامي الطافح بالخيرات، والموقع الاستراتيجي الذي يشطر العالم شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، وقاعدة النظام العالمي الجديد في مواجهة الخطر الإسلامي الصاعد. ضمن هذه الرؤية فإن "الدولة اليهودية" مشروعاً استراتيجاً يلتمس به الغرب إلى جانب الحفاظ على ميراثه الاستعماري غفران ذنبه وضمان استمرار مصالحه.

مستقبل القضية الفلسطينية على المدى القريب

 وبناءً على ما تقدم يمكن القول أن المدى القريب والمتوسط سيشهد استمراراً لعلاقات التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. وأن "إسرائيل" ستستفيد من هذا التحالف في فرض أجندتها على الفلسطينيين وتصعد من عدوانها على الشعب الفلسطيني، متخذة من سلوك حليفها الاستراتيجي في العراق القدوة والنموذج لما تفعله في فلسطين.

يحاول الكثير من الباحثين فحص إمكانية إقناع الأمريكان أو "الإسرائيليين" بضرورة تغيير سلوكهم بشأن القضية الفلسطينية ويراهن هؤلاء الباحثون على توليد هذه القناعات من خلال التفاوض وبعيداً عن الصراع، ويمكن حصر هذه المراهنات في ثلاثة محاور هي:

1. مراهنة على الدول العربية في أن تضغط على الإدارة الأمريكية، وأثبتت التجربة أن الدول العربية لا تضغط ولا تستطيع أن تضغط على الولايات المتحدة بسبب وضعها المفكك ومواقفها المتمايزة.

2. مراهنة على الإدارة الأمريكية بأن هناك احتمالا لتغيير سياستها بشكل أكثر وضوحا من القضية الفلسطينية؛ وثبت أيضا أنه لا يمكن المراهنة على السياسة الأمريكية من الصراع العربي-"الإسرائيلي".

3. ومراهنة على أن الحكومة "الإسرائيلية" قد تتجاوب مع أية ضغوطات أمريكية لاحقة أو غيرها لتقديم تنازلات للفلسطينيين، وهذا أمر صعب إن لم يكن مستحيلاً، لأن لغة الضغط ملغية من قاموس العلاقات الأمريكية الصهيونية.

إن المتابع لمجمل السلوك "الإسرائيلي" منذ أحداث سبتمبر 2001 يُلاحظ أن شارون اعتلى صهوة الجواد الأمريكي، وبدأ منذ تلك اللحظة في محاولته لإكساب نفسه صفة مكافح الإرهاب، مثله مثل الولايات المتحدة، كما سعى لإقناع أوروبا وغيرها من دول العالم على إلصاق صفة الإرهاب ليس فقط بالأجنحة العسكرية لحركات المقاومة بل بأذرعها السياسية وما يرتبط بها من قريب أو من بعيد من مؤسسات خيرية. وقد نجحت هذه السياسة مؤخراً في جعل الاتحاد الأوروبي يضع حركتي حماس والجهاد الإسلامي (الأجنحة السياسية) في قائمة الإرهاب. وفي نفس اليوم الذي اتُخذ فيه هذا القرار، وفي محاولة من "إسرائيل" لتثبيته وترسيخه والاستفادة منه، قام جيش الاحتلال "الإسرائيلي" بالمحاولة الفاشلة لاغتيال الشيخ أحمد ياسين في مدينة غزة.

يحاول شارون استثمار التوجه الأمريكي الجديد في التعامل مع الدول العربية والإسلامية، وفي هذا السياق يسعى لتطبيق رؤيته للحل السياسي مع الفلسطينيين والتي تتلخص في حكم ذاتي موسع بالنسبة لقطاع غزة، أما بخصوص الضفة الغربية فليس أكثر من تقاسم وظيفي. وقد بدأ شارون منذ مارس 2002 في تطبيق هذا الحل على الأرض ولكن بالتدريج ودون إعلان رسمي، ويمكن إثبات صحة هذا الرأي من خلال سوق المعطيات التالية:

-            سيطر جيش الاحتلال "الإسرائيلي" في مارس 2002 على معظم المدن ومراكز السكان في الضفة الغربية، بعد مقاومة متفاوتة في شدتها من منطقة إلى أخرى، وعاث فساداً وقتل من قتل ودّمر ما وصلت إليه آلته العسكرية. بعد كل هذا، وبعد أن تمكن من السيطرة غادر وانسحب ووقف بدباباته على أبواب المدن والمخيمات، وأخذ يكرر عمليات الاقتحام في الصباح والمساء لكل مدينة أو مخيم يقرر الوصول إليه.

-            حرص جيش الاحتلال خلال اقتحامه للضفة الغربية على عدم إنهاء وجود السلطة الفلسطينية فيها، بالذات في جانبها الإداري، رغم قيامه أحياناً بتدمير مبنى هنا أو هناك، لكن بشكل عام بقيت مؤسسات السلطة وإداراتها قائمة في كل المدن الفلسطينية.

-            ومنذ تلك الفترة عملت سلطات الاحتلال على إفشال كل محاولة من قبل السلطة لاحتواء المقاومة وفق ما تسمح به ظروف السلطة وقدراتها، مشترطة أن تقوم السلطة بمحاربة حركات المقاومة صراحة وعلانية دون أية مواربة، ودون أن تقدم "إسرائيل" أية تسهيلات للسلطة. وكلما قام أي مسؤول أمني فلسطيني بالتعهد لـ"الإسرائيليين" أو للأمريكان بالقيام بهذه المهمة شريطة توفير الظروف المناسبة، وتركه يعمل وفق ما تسمح به الظروف الفلسطينية فإنهم يقومون بفضحه وبالتالي إفشال محاولته. ومن الواضح أن "إسرائيل" لا تقبل أي مسؤول فلسطيني إلا إذا قبل هو أن يلعب دور جيش لحد في وضح النهار.

-            ما تقدم يدل على أن الاحتلال أبقى للسلطة في الضفة الإدارة المدنية وسلبها، عملياً، الدور الأمني. وهذا هو مفهوم التقاسم الوظيفي. تجدر الإشارة إلى أن "إسرائيل" ورغم اجتياحها لكل الضفة الغربية وقيامها بالدور الأمني هناك، فإنها لم تُفلح في تحقيق الأمن لنفسها، والفدائيون الفلسطينيون يتسللون إلى المدن "الإسرائيلية" من قلب الحصار وينفذون عملياتهم بنجاح. ولهذا فإن تولي "إسرائيل" المهمة الأمنية في الضفة الغربية ضمن مفهوم التقاسم الوظيفي هو جزء من تصور سياسي وليس حلا للمشكلة الأمنية القائمة.

-            أما بالنسبة لقطاع غزة، فقد امتنعت "إسرائيل" من اقتحامه في العام الماضي بعد أن استكملت استعداداتها لهذا الأمر. البعض يقول أن الضغوط المصرية والأوروبية هي التي حالت دون إقدام "إسرائيل" على هذه الخطوة، وهذا صحيح إلى حد ما، لكن هذه الضغوط قائمة طيلة الوقت وبشأن كل القضايا، فلماذا لم تُفلح إلا هنا؟!

-            لا شك أن امتناع "إسرائيل" عن اجتياح قطاع غزة يعود إلى التصور "الإسرائيلي" الشاروني للحل السياسي، تماماً مثلما أن الاجتياح "الإسرائيلي" للضفة الغربية يخدم نفس الهدف. فـ"إسرائيل" تريد لقطاع غزة أن يكون دولة السلطة الفلسطينية، الدولة الصغيرة ناقصة السيادة، ولهذا أحجمت "إسرائيل" عن اجتياح قطاع غزة.

-            تركز "إسرائيل" على طرد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وتتهمه باستمرار بكل التهم التي توجهها أمريكا لأسامة بن لادن. لماذا؟! يعلم الجميع أن الرئيس عرفات يريد العودة للمفاوضات وللعملية السياسية بكل مكوناتها واستحقاقاتها، وهو يصرح بهذا الكلام ليل نهار. وتعلم "إسرائيل" أن الرئيس عرفات هو الأقدر على تحقيق الأمن لـ"إسرائيل" ووقف المقاومة، وقد فعل هذا في السابق. فلماذا ترفض "إسرائيل" إعطاء أي دور للرئيس عرفات، بل تسعى بجد لتغييبه؟!

-            إن الجواب على السؤال السابق مرتبط بالتصور "الإسرائيلي" الشاروني للحل السياسي الذي يصر على فصل مستقبل الضفة عن القطاع في أي حل قادم. وقد أشرنا سابقاً إلى أن سلوك شارون يدل على أنه يسعى لإحياء مفهومه القديم عن الحكم الذاتي الموسع في قطاع غزة، والتقاسم الوظيفي في الضفة الغربية. وهنا بيت القصيد ففي ظل وجود الرئيس عرفات فإن مؤيدي السلام الفلسطينيين يملكون موقفاً موحداً، أما في حال غيابه فربما يختلف الأمر، على الأقل هذا ما تطمح إليه "إسرائيل".

-            إن ما يجري اليوم من تفاعلات داخلية في الضفة الغربية وقطاع غزة في أعقاب الاستهداف "الإسرائيلي" للرئيس عرفات يثير المخاوف، خاصة هذا الاستعجال في تشكيل الحكومات الفلسطينية وإفشالها قبل أن تبدأ مهامها من خلال وضع العقبات الكثيرة أمامها. إن هذا الأمر يؤدي إلى حرق الرموز القادرة على توحيد حركة فتح، فإذا ما تسنّى لـ"إسرائيل" طرد الرئيس عرفات في ظل عدم وجود بديل آخر، فستصبح الطريق ممهدة أمامهم لفرض التصور سابق الذكر، خاصة في ظل التناحر الداخلي في حركة فتح، والذي يحاول البعض إكسابه طابع غزة مقابل ضفة أو العكس.

يتضح مما تقدم أن مستقبل القضية الفلسطينية على المستوى القريب وربما المتوسط لا يبشر بخير، خاصة في ظل العلاقة الأمريكية الصهيونية، حيث تحظى "إسرائيل" بالدعم الكامل من حليفها الاستراتيجي، كما أنها تحاول تقليد خطواته خطوة خطوة، وهذا ما يدفع المرء للاعتقاد بأن "إسرائيل" تحث الخطى لتفكيك نظام عرفات واستبداله بنظام آخر، كما فعلت أمريكا بصدام حسين!


 

مستقبل القضية الفلسطينية على المستوى البعيد

إن محاولة استقراء المستقبل على المدى البعيد تتطلب التحرر من ضغط اللحظة بكل ما تشير إليه من قوة العدو الظاهرة التي لا قبل للشعب الفلسطيني بها في المدى المنظور، ومن ثم تقييم ما يجري في اللحظة الراهنة على ضوء السياق التاريخي العام لحركة الأمم والشعوب. وفي هذا الإطار يمكن القول أن القوة الأمريكية الطاغية والمتفردة في هذه الأيام ليست مخلّدة ولن تبقى إلى الأبد، فالقرن العشرين وحده شهد انهيار العديد من الإمبراطوريات هي العثمانية والألمانية والإيطالية واليابانية والسوفييتية، وحدث تراجع لقوتين من أكبر القوى الاستعمارية العالمية هي الاستعمار البريطاني والفرنسي. وهذا يعني أن التفوق لا يستمر إلى الأبد.

وفي هذا السياق يمكن رصد مجموعة من المعطيات التي تشير بوضوح إلى أن مسيرة التقدم وبناء القوة العسكرية لدى العدو الصهيوني لن تستمر إلى الأبد، بل إن عوامل الضعف قد بدأت تتسلل إلى نسيج المجتمع "الإسرائيلي"، ويتضح هذا الأمر من خلال سوق المؤشرات التالية:

·             اعتقدت الحركة الصهيونية أن بإمكانها بناء أمة واحدة من يهود العالم في فلسطين. وحاول الكيان الصهيوني منذ تأسيسه تشكيل هذه الأمة عبر ثلاث مؤسسات رئيسية هي: المزرعة الجماعية، والجيش والمؤسسة التعليمية. وساد اعتقاد أن هذه المؤسسات الثلاث قادرة على صهر المهاجرين الجدد أصحاب اللغات والأعراق المختلفة في بوتقة واحدة وإنتاج أمة جديدة. ورغم مضي أكثر من خمسين عاماً على تأسيس دولة "إسرائيل" إلا أن هذه الأمة لا زالت مُفسّخة، بل إن إحدى هذه المؤسسات الثلاث تصدع، والأخريتان خسرتا من بريقهما الكثير.

·             انهارت المزرعة الجماعية سواء لأن حقبة الرواد حاملي المثال الإمبريالي الاستيطاني قد انتهت، أو لأن المثال الاشتراكي قد انهار. إضافة إلى أن الاقتصاد "الإسرائيلي" مجبر باستمرار للتكيف مع الاقتصاد الرأسمالي العالمي. وهذا يجعل الاقتصاد "الإسرائيلي" في أزمة مستمرة لأن طبيعة المشروع الصهيوني تتطلب قيام الدولة بدور رعاية لشرائح واسعة من هذا المجتمع، أما ضرورات تكيف الاقتصاد "الإسرائيلي" مع الاقتصاد العالمي فإنها تتطلب أن يعتمد النظام الاقتصادي "الإسرائيلي" على الخصخصة وبيع مؤسسات القطاع العام، وهذا بالقطع يؤثر على الطبقات الفقيرة في المجتمع "الإسرائيلي". ولهذا نجد أن موسم إقرار الميزانية في "إسرائيل" هو موسم أزمة سياسية حادة باستمرار.

·             كما أن المؤسسة التعليمية "الإسرائيلية" لم تعد قادرة على توحيد المجتمع الصهيوني، فالتعليم الديني ينتج أجيالاً بنمط خاص، والتعليم العام الذي تملكه الدولة ينتج نوعية مختلفة، إضافة إلى أن الروس لهم مجتمعهم الخاص ووسائل إعلامهم المحددة، ويسعون بجد ومثابرة للحفاظ على هويتهم الثقافية، ويخوضون صراعاً مستمراً في مواضيع عديدة مع المتدينين. وباختصار فإن المؤسسة التعليمية في "إسرائيل" غير قادرة على غرس رزمة موحدة من القيم لدى المواطن "الإسرائيلي".

·             والجيش "الإسرائيلي" لم يعد قادراً على الاحتفاظ بصورته الأساسية أو القيام بدوره على أكمل وجه. وقد أصبح الجيش مكاناً للتحرش الجنسي بالمجندات، وانتشار المخدرات بين الجنود، كما أن الانتفاضة الفلسطينية الأولى جعلت الجندي "الإسرائيلي" يعيش حالة من الهزيمة المعنوية التي أدت إلى ظهور حالات رفض الخدمة العسكرية. لكن يبقى الجيش "الإسرائيلي" حتى هذه اللحظة هو المؤسسة الأكثر أهمية في الكيان الصهيوني، ولا زال "الإسرائيليون" ينظرون إليه بقدر من الاحترام.

·             تجدر الإشارة إلى أن "إسرائيل" دولة متقدمة على الصعيد التقني، فهي تُنفق 3% من إنتاجها القومي على البحث العلمي والتطوير. ويعمل في مجال العلم والتكنولوجيا 33% من مجموع الطاقة "الإسرائيلية" العاملة. كما أن "إسرائيل" متيقظة وتسعى لإجهاض كل محاولة عربية إسلامية لامتلاك قدرات دفاعية عالية في مواجهة ترسانة أسلحة الدمار الشامل التي تملكها "إسرائيل". ولهذا فإن "إسرائيل" دائمة التحريض على إيران وسوريا ومصر.

·             لكن "إسرائيل" لا زالت تخشى من تحول ميزان القوة لصالح العرب الذين خاضوا حرب 1973 وهم يعلمون أن "إسرائيل" تملك أسلحة نووية. كما أن "إسرائيل" تعاني من غياب العمق الإستراتيجي، وبسبب صغر مساحتها فإنها ستكون غير بعيدة عن الأذى في حال استخدمت السلاح النووي.

·             وتعاني "إسرائيل" من صغر القاعدة الديمغرافية مقارنة مع العرب. وهذا يجعل العرب أكثر قدرة على خوض حرب طويلة المدى عكس "إسرائيل".

·             كما أن الحلم باستقدام يهود العالم إلى فلسطين قد تلاشى ولم يعد ممكناً. وخلال عقدين سيصبح عدد الفلسطينيين داخل حدود فلسطين 8 ملايين، بينما عدد اليهود سيكون 6 ملايين نسمة. فأي مستقبل ينتظر الأقلية اليهودية في هذا المحيط البشري الرافض لها؟! خاصة وأن الشرق الأوسط الذي تحلم "إسرائيل" أن تكون سيدته سيفوق تعداد سكانه ثلاثة أرباع المليار في العقدين القادمين.

يتضح من المعطيات السابقة أن حركة التاريخ لا تسير في صالح المشروع الصهيوني، لكن المشكلة تكمن في أن الفاعلين والمؤثرين في المشروع الصهيوني يدركون هذه الحقائق، وأكثر من ذلك فهي تثير عندهم القلق، وتدفعهم للعمل للتغلب على عوامل الضعف التي يعاني منها كيانهم. وعلى سبيل المثال فقد برزت دراسات هامة تشير إلى أن العالم لن يستمر في النظام الأحادي القطبية، وأنه ستنشأ أقطاب أخرى بالتدريج، ولهذا نجد أن قادة الحركة الصهيونية اهتموا منذ انتهاء الحرب الباردة بالانفتاح على معظم دول العالم وتوثيق العلاقات بها تحسباً لأي انقلاب في موازين القوى العالمية مستقبلاً، لأن الكيان الصهيوني لا يحمل مقومات بقائه واستمراره في داخله، بل هو يستمد قوته من دولة عظمى ترعاه، وأي تدهور لوضع هذه الدولة على خريطة النظام العالمي لا بد أن ينعكس سلباًَ على وضع الكيان الصهيوني.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن اتفاقيات السلام التي وقعتها "إسرائيل" مع العديد من الأنظمة العربية ساهمت في تسهيل انفتاحها على دول العالم، بمعنى أنها ساهمت -من حيث لا ندري- في تسهيل مهمة الكيان الصهيوني الذي يخطط لتحصين نفسه في مرحلة ما بعد انهيار الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا ليس غريباً على الحركة الصهيونية التي فعلت الشيء ذاته بعد الحرب العالمية الثانية عندما وجدت أن ميزان القوى يميل لصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

الخلاصة

يتضح مما تقدم أن العلاقات الأمريكية الصهيونية في المدى المنظور غير مرشحة للتراجع، وأن "إسرائيل" لا زالت الحليف الشريك الكامل للولايات المتحدة في المنطقة. وأن "إسرائيل" تستغل هذه العلاقات إلى أبعد مدى في ممارسة عدوانها على الشعب الفلسطيني.

كما أن "إسرائيل" في هذه المرحلة تعمل على تقليد الولايات المتحدة الأمريكية في كل خطواتها لمحاربة "الإرهاب" حتى لو احتاج الأمر إسقاط نظام حكم بالقوة العسكرية والتدخل السافر في بناء نظام بديل له كما حدث في العراق. ولهذا تُرجح الدراسة أن يكون الهدف من وراء الحملة ضد الرئيس عرفات هو تفكيك الوحدة الإدارية والسياسية بين الضفة والقطاع، وفتح المجال أمام تطبيق رؤية شارون للحل السياسي والمتمثلة في إقامة حكم ذاتي موسع في قطاع غزة، وتقاسم وظيفي في الضفة الغربية.

لكن على المدى البعيد فإن هنالك العديد من المؤشرات التي تفيد بأن عوامل الضعف بدأت تدب في الكيان الصهيوني، والصهاينة أنفسهم بدأوا يشعرون بها، وليس أدل على ذلك من مقال رئيس الكنيست "الإسرائيلي" أبراهام بورغ الذي نشره في صحيفة يديعوت أحرونوت وفي العديد من الصحف العربية والعالمية في منتصف أيلول الماضي وأشار فيه إلى مظاهر الضعف وبوادر الإنهيار "الإسرائيلي" في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.

لكن الملاحظ أيضاً أن المؤسسات "الإسرائيلية" تدرك هذا الكلام وتجتهد لبذل الجهود التي تطيل أمد بقاء وقوة هذا النظام. فإذا قلنا أن المنظور التاريخي للصراع هو في صالح الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية، فإن الواقع السياسي يؤكد أن الممارسة السياسية للفلسطينيين والعرب والمسلمين لا تحقق لهم التقدم على صعيد الاستعداد لاستثمار وتفعيل عوامل ضعف الكيان الصهيوني.

وتبقى الإمكانية قائمة للسير على طريق تحقيق النصر التاريخي على المشروع الصهيوني فإلى جانب المؤشرات آنفة الذكر، يمكن للشعب الفلسطيني وقواه المختلفة أن يحقق قدراً من التنسيق والتعاون والاتفاق على برنامج وطني مشترك يعتمد المقاومة، وبهذا سيحقق مجموعة من المكاسب الهامة التي تتمثل في الاستفادة من التناقضات داخل المجتمع الصهيوني، وإبقاء الكيان الصهيوني في حالة من الاستنفار والارتباك والاستنزاف الداخلي إلى أن تحين لحظة الصعود السياسي والحضاري للأمة العربية والإسلامية.

 

 

 

 

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة