|
قضية فلسطين و"خارطة المستقبل"
الخداع المستحيل في صناعة نكبة سياسية أخرى
نبيل شبيب
في الماضي القريب كان من أنظمة الحكم في بلادنا من يسوّق
الهزائم العسكرية في قضية فلسطين، فيحوّلها عبر إعلام مدرّب
على التزييف إلى انتصارات وهمية، لمجرّد عدم سقوط الأنظمة التي
كان من نتائج مناهجها وسياساتها ما وقع من هزائم، وما أهدر من
طاقات وثروات، وما اغتصب من أراضٍ وانتُهك من حقوق، وما كان من
ضحايا وخسائر جسيمة، إلى جانب ما مارسته تلك الأنظمة ونشرته،
من فساد وإفساد ومن قمع وتنكيل واضطهاد، لم يعد أحد ينكر وقوعه
في هذه الأثناء.
تسويق "خارطة الطريق"
الآن أيضا يوجد من يعمل من موقع صناعة القرار السياسي، بغض
النظر عن أسلوب الوصول إلى السلطة، لتسويق مزيد من الخطوات
الاستسلامية، ممّا يُطرح تباعا تحت عنوان "خطة سلام أمريكية
جديدة"، كما لو كانت خطوة نحو التحرير، في صالح قضية فلسطين،
وفي صالح أهلها في الأرض المحتلة وفي الشتات، وفي صالح العرب
والمسلمين في كلّ مكان!.. ولكن..
1- في الماضي القريب كان يجري تسويق الهزائم تزييفا، عبر
شعارات مضلّلة ورايات منحرفة، وفي حروب لم يسبقها ما يكفي من
الإعداد والتعبئة ولا وجدت ما ينبغي من إدارة سياسية حكيمة
وقيادة عسكرية قويمة.. وكان "التزييف" ممكنا نسبيا!..
2- واليوم صار "التزييف" عسيرا، واضمحلّ بصورة ملحوظة فيما
يجري إعلانه من مخططات وإجراءات، وهذا في مقدّمة ما يميّز خطة
"خارطة الطريق"، والتي جاء تبنيّها رسميا كما لو باتت "هدفا
قوميا عزيزا"..
"خارطة الطريق" تقول في حصيلتها علنا وفق نصّها ووفق ما رافقها
من مواقف ومن "إخراج سياسي":
1- إنّ الهدف الأول هو القضاء على الانتفاضة وخنق المقاومة
الباسلة التي صنعتها وتقودها، وتحطيم بنيتها التحتية داخليا،
وتجفيف منابع دعمها "المحدودة" من وراء الحدود وألوان الحصار..
2- وإن الحصيلة ستنطوي –إذا نُفذت الخطة حتى النهاية- على
تثبيت الوجود الإسرائيلي وتأمينه على أكثر من 80 في المائة من
أرض فلسطين، ودمجه في "كيان شرق أوسطي" مصطنع، يراد أن يصبح هو
البديل عن الانتماء إلى وطن عربي أو وطن إسلامي كبير..
3- ثمّ.. ربّما ينشأ "كيان
فلسطيني" ما، على بعض الأرض، لبعض الشعب، يحمل اسم "دولة" دون
مقوّمات دولة، ويفتقر إلى السيادة الناجزة، ويُحرم من السلاح
خارج نطاق "تسليح الشرطة"، بل وتُرسّخ أهم أشكال سلبه أسباب
البقاء، بدءاً بشربة الماء وانتهاءً بروح مقاومة الاحتلال
المشروعة بمختلف الأعراف. ومن يزعم أنّ "القضايا الأهم" ستكون
موضوع مفاوضات في الختام، فلا ينبغي الحديث "الآن" عن مثل هذه
التنبؤات، عليه أن يقارن بين "القدر الضئيل" الذي يمكن أن
تُسفر المفاوضات عنه اليوم رغم وجود مقاومة مسلّحة تعزّز موقع
الطرف الفلسطيني فيها، و"القدر" الذي يمكن أن تُسفر عنه فيما
لو جرت بعد "وأد" المقاومة!..
4- هذا علاوة على أنّ "الكيان الفلسطيني"
المفترض قيامه سيكون آنذاك بوابة إضافية إلى جانب ما يراد فتحه
من بوابات، لمزيد من التغلغل الإسرائيلي في المنطقة تحت عنوان
"تطبيع"، وتحويل ألوان المقاطعة الشعبية وفعالياتها والدعوات
إلى مقاومة مسلّحة وربّما مجرّد الإنكار الكلامي أو الكتابي
لوجود حقّ ما لليهود بفلسطين، إلى "جرائم" تستوجب الملاحقة
والعقاب، وهو ما تشير إليه منذ الآن موجات الملاحقة الجارية في
بعض البلدان للناشطين في ميدان "مناهضة التطبيع".
إنّ تصفية قضية فلسطين المصيرية، والمحورية تاريخيا وعربيا
وإسلاميا، وبكلّ أبعادها البالغة التأثير في الحاضر والمستقبل،
بما يشمل: وأد حق أصحابها التاريخي الشرعي، وترسيخ دعائم
الهيمنة الأجنبية الأمريكية-الصهيونية في كامل المنطقة.. هذه
التصفية بهذا المضمون أصبحت وفق التبنّي الرسمي لمشروع "خارطة
الطريق" هدفا رسميا، أي أصبحت –على نقيض ما كان في الماضي
القريب- لا تتوارى بتزييف مقاصدها عبر شعارات مضلّلة، هذا مع
عدم إسقاط العناوين الزائفة المرفوعة منذ فترة، مثل "السلام
العادل!"..
كيف يجري إذن تسويق هذه النكبة السياسية الأخطر بمحتواها
ونتائجها في تاريخ القضية، وكيف تُنسب إلى "شرعية دولية"
موؤودة في مسلخ واقع شرعة القوّة، أو إلى "واقعية سياسية"
مزعومة، بينما لا تأخذ "الواقعية السياسية المعاصرة" مثل تلك
الأشكال "الاستسلامية" إلا في منطقتنا العربية والإسلامية!..
خداع مكشوف وإرهاب مرفوض
إنّ أقصى درجات الخداع الذي يمارسه العاملون على تسويق التصفية
باسم "خارطة الطريق"، هي تلك المواقف الاستعراضية التي أرادت
منذ البداية نشر "وهم كبير" يقوم على شقّين متوازيين متكاملين:
1-
الشقّ الأول يقول إنّ الإسرائيليين يرفضون "خارطة الطريق"
ويعملون على تقويضها.. وهذا ما يراد به تصوير تنفيذها –إذا
نُفّذت- وكأنّه نصر
فلسطيني أو عربي يجري –بفضل أمريكا- على حساب الإسرائيليين
ورغما عنهم.. وهم –إذا صحّ رفضهم لها- فلأنّهم كانوا ولا
يزالون يعملون على تحصيل المزيد باستمرار، وباتوا في كلّ مرحلة
من مراحل منحدر النكبات السياسية والعسكرية يحصلون على أكثر
ممّا يتوقّعون في مرحلة سابقة!..
2-
والشق الثاني هو الذي يتمثّل في أنّ الطرف الفلسطيني
"الرسمي" والعربي "الرسمي" يعلن التشبّث بخطة "خارطة الطريق"
كما لو أنّ فيها تحرير فلسطين وشعبها، واستقرار المنطقة وأمنها
وازدهار أوضاع بلدانها وشعوبها، أو كما لو أنّه لا يزال يوجد
فارق يستحقّ الذكر بين الراعي الأمريكي بزعامته المعروفة،
والعدوّ الإسرائيلي بواقعه القديم الجديد!..
ثمّ يبلغ الخداع مداه من خلال موقفين إضافيين:
1-
محاولة تصوير استمرار المقاومة البطولية بفلسطين،
وكأنّها نشأت اليوم بهدف "القضاء على خارطة الطريق".. مع إغفال
قيامها من الأصل بهدف التحرير، باعتباره الهدف الشرعي الأصيل،
الثابت من قبل طرح سائر المشاريع الأمريكية المتتالية من "كامب
ديفيد" في عهد كلينتون إلى "خارطة الطريق" من عهد بوش، ولا بدّ
من بقائه واستمراره بوجود "خارطة الطريق" أو غيابها، وبعد
تنفيذها أو عدم تنفيذها..
2-
وكذلك تصوير استمرار البطش الإجرامي الإسرائيلي في
فلسطين
وتصعيده، وكأنّ هدفه هو تقويض "خارطة الطريق" هذه، كما لو أنّ
هذا البطش لم يبدأ إلاّ الآن، ولم يستهدف –على الدوام- مزيدا
من التهويد للأرض، والفتك بشعبها.
ويأتي التأكيد الرسمي المتكرّر لهذين الجانبين، بعد كلّ عملية
استشهادية فلسطينية من جهة، أو عملية اغتيال أو حملة اقتحام
إسرائيلية من جهة أخرى.. وهو تأكيد خطير، يتكامل في حصيلته مع
ما أرادت الصياغة الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة للمرحلة
الراهنة تثبيته على المستوى الدولي، وهو أنّ "حماس" –باعتبارها
كبرى فصائل المقاومة- هي العقبة الكبرى الباقية في طريق
"السلام".. ومن هنا الحملة الجارية على محورين:
-
إمّا الإقناع بالإكراه بالتخلّي عن المقاومة ونهجها.. لا
القبول بهدنة مؤقتة فحسب..
-
أو التعرّض لمزيد من الإرهاب الإسرائيلي.. والحصار الدولي.. بل
–وللأسف- العربي الرسمي أيضا!..
بهذه الصور المتكاملة للخداع رغم ما تقوله "خارطة الطريق"
بصريح العبارة، يجري تسويقها وكأنّها "إنجاز ضخم"، ويتفق مع
ذلك إعطاؤها "هالة احتفالية ضخمة" على أعلى المستويات الرسمية
عبر قمّتي شرم الشيخ والعقبة!..
حرب أهلية؟..
في هذا الإطار يمكن أيضا إدراج تركيز الحديث عن المخاوف من
"حرب أهلية فلسطينية".. والقول إنّ الطرف الأمريكي-الإسرائيلي
يعمل على إثارة تلك الحرب كوسيلة لتمرير "خطة الطريق" وفق
تصوّره ورغباته!..
ولئن وضعنا "خارطة الطريق" جانبا، فلا يخفى على أحد:
1-
أنّ "الحرب الأهلية الفلسطينية"
أو بتعبير أصحّ: الصدام المسلّح بين السلطة وفصائل المقاومة
الفلسطينية، هي هدف أمريكي-إسرائيلي قائم بحدّ ذاته، فالمطلوب
قديما وحديثا إضعاف "وجود" شعب
فلسطين،
بمختلف فئاته، وتدمير مختلف صور التعبير عنه، والتخلّص من جميع
فصائله المسلّحة وغير المسلّحة، فهذا ما يقضي على كل قاعدة
يمكن أن تنبت فيه "جذور المقاومة" مرّة بعد مرة، وبالتالي ما
يفتح الأبواب أمام استقرار الاغتصاب والتهويد وتوسّعه..
2-
وأنّ هذا الصدام بالذات هو ما قامت المقاومة الإسلامية منذ
ولادتها على العمل لتجنّبه، كأحد الأعمدة الرئيسية لمنهج
عملها، ورغم الثمن الذي دفعته لذلك لا سيما في السنوات الماضية
التي اكتسبت وصف "سنوات أوسلو السبع العجاف"!..
إنّ النظرة المنتشرة إلى المخاوف من "حرب أهلية" لا تستقيم
بذلك عند ربطها بمشروع "خارطة الطريق" بالذات، إنّما تتطلّب في
الوقت نفسه تقدير ما أصبح عليه وجود المقاومة الإسلامية في
الساحة الفلسطينية، وعربيا ودوليا. وربّما يدفع الإخلاص للقضية
إلى بعض ما يُكتب ويقال في هذا المجال، أمّا من يسوّقون لمشروع
"خارطة الطريق" فالأرجح أنّهم أصبحوا يدركون في هذه الأثناء،
أنّ الصدام داخل الإطار الفلسطيني-–إذا وقع دون تدخّل إسرائيلي
مباشر فيه- قد يضعف الطرف الفلسطيني عموما، ولكن لن يسفر عن
"وضع سياسي أمني" يوفّر الشروط المطلوبة أمريكيا وإسرائيليا
لتمرير مشروع من قبيل "خارطة الطريق"، بعد أن رسخت جذور
المقاومة وانتشرت شعبيا، إلى درجة تحول دون تحقيق هدف القضاء
عليها واستقرار الأمور بأيدي من يضمن "الأمن الإسرائيلي" بلا
قيد ولا شرط، مع تصوير هذه النتيجة وكأنّها حصيلة "حدث داخلي
فلسطيني"، أي بما يسمح لاحقا بالقول إنّ "الطرف الفلسطيني"
قد وافق رسميا على هذا الاتفاق أو ذاك!..
ربّما تراجع –أو قد يتراجع- الأمريكيون والإسرائيليون لهذا
السبب عن تطلّعهم إلى أن تكون السلطة الفلسطينية التي فقدت
أسباب قوّتها الأمنية وكثيرا من مرتكزاتها القديمة الشعبية، هي
الجهة التي تتولّى مهمّة "القضاء النهائي على المقاومة"، ولكن
لا يسقط الهدف بحدّ ذاته، فيبقى المطلوب من السلطة "تعبيد
الطريق" لتقوم الآلة العسكرية الإسرائيلية-الأمريكية بالمهمة
"الدموية"، مع تغطية سياسية:
- فلسطينيا على النحو الذي بدأت به قمّة العقبة..
- وعربيا على النحو الذي بدأت به قمّة شرم الشيخ..
- ودوليا عن طريق إعلان ما يشبه "الحرب على حماس" في قالبها
السياسي وليس بجناحها العسكري فقط، كما ظهر في القمة الأوروبية
الأخيرة..
وفي سائر تلك المستويات تركّز الحديث على التعهّد بالقضاء على
كافّة أشكال "الإرهاب" وتجفيف منابعة ومصادر دعمه المالية.
إنّ زوال حماس وشقيقاتها من منظمات المقاومة الفلسطينية أو
"تقليم أظافرها الاستشهادية" بات –مع المخاطرة بارتكاب مجازر
دموية جديدة- هدفا أساسيا يراد تمريره مع تحييد العالم العربي
والإسلامي أو مع موافقته الضمنية رسميا، ومع تقييد الشعوب
العربية والإسلامية بمختلف الوسائل "الإرهابية" للقمع
والتنكيل.. بل هو الشرط الذي إن لم يتحقق وفق المنظور
الأمريكي-الإسرائيلي، فلا سبيل إلى جولة مفاوضات "استسلامية"
جديدة، تحقّق التصفية باسم "سلام عادل شامل ودائم"، وإن اقترنت
"عدالته" بالتضحية بالحقّ المشروع على مذبح حقائق التاريخ
والجغرافيا ومذبح الاعتبارات الدينية والقومية والإنسانية
والشرعية الدولية.
تصفية مستحيلة
لم يتبدّل طريق الخداع لتصفية قضية
فلسطين
المصيرية، ولكن تبدّلت أساليبه ووسائله، فلم تعد صناعة النكبات
العسكرية أو السياسية تجري تحت عناوين التحرير والمواجهة
والصمود والتصدي، بل أصبحت تجري تحت عناوين "شرعية دولية" وإن
كان الجميع يعلمون أن شرعة الغاب الأمريكية تتحكّم فيها، وتحت
عناوين "سياسة واقعية" وإن كان الجميع يعلمون أنّها باتت من
قبيل التسليم بواقع جائر حالي اليوم، ثم التسليم بواقع أشدّ
جوراً غدا ما دام القعود عن محاولة تغيير الواقع الجائر لا
يؤدّي تلقائيا إلا إلى زيادته انحرافا وجورا.
لم يتبدّل أصل "الخداع" لكنّ الأرضية التي تتحرّك عليها أحداث
2003م في المرحلة الراهنة من مراحل تصفية قضية فلسطين، تختلف
اختلافا جذريا وجوهريا عن الأرضية التي اعتمدت عليها المراحل
الماضية الحافلة بالنكبات العسكرية والسياسية.
إنّ تزييف الهزائم لتبدو في شكل انتصارات وهمية قام من البداية
على عملية غسيل دماغ جماعية كبرى للشعوب، ساهمت فيها في الماضي
شعارات التيارات المشرّقة والمغرّبة، التي اعتنقت العلمانية
بصيغة إلحاد يحارب الإسلام، وتبنّت القومية والاشتراكية مع
ترسيخ الاستبداد والاضطهاد ومع العجز عن التقدّم في ظلّ
استشراء الفساد.. وبقيت رغم ذلك موجة قويّة تروّج لعناوين
التقدّم والوحدة والحرية، فتغرّر لفترة طويلة نسبيا بقطاعات
جماهيرية كبيرة، تهلّل لانتصارات وهمية وتجد نفسها أمام نتائج
النكبات، وتصفق لشعارات مضلّلة ولرافعيها ولا تعي حقيقة ما
يجري من وراء "قضبان سجن إعلامي كبير" يحيط بها من كلّ اتجاه..
-
وإذا بشعار "إزالة آثار العدوان" عام 1967م يرسّخ واقعيا أقدام
عدوان 1948م..
-
وإذا بالمكاسب الأولية في حرب 1973م تدوسها أقدام الانحراف
التاريخي في "كامب ديفيد" الأولى..
-
وإذا بشعار من قبيل "الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني"
يتحوّل على أرض الواقع إلى ترسيخ التخلّي عن المسؤولية من جانب
الحكومات العربية في "القضية العربية المشتركة الكبرى"..
-
وإذا بشعارات "السلام العادل" و"الشرعية الدولية" وما يماثلها
تحوّل قضيّة الحق والباطل، وقضية التحرير من الاغتصاب، إلى
مجرّد "مشكلة
فلسطينية-إسرائيلية".. ومسائل "حدود وتمثيل واعتراف وتطبيع"
ومشاريع "شرق أوسطية" على المستوى العربي..
قد كان لهذه الألوان وأمثالها من الخداع والتضليل في الماضي
أرضية تمرّرها، بغض النظر عن نوعية الأنظمة القائمة، وراثةً أو
عن طريق قوّة الدبابات والمخابرات.. ولكنّ هذه الأرضية فقدت
اليوم مفعولها، بعد انتشار وعي شعبي كبير وصحوة إسلامية واسعة
النطاق، في جيل جديد، لا يكاد يستطيع أعداء هذه الأمّة
ومستغلّو قدراتها وثرواتها أن يفسّروا كيف نشأ على هذا القدر
من الوعي، في محاضن "علمانيتهم الأصولية" وانحرافاتهم الدينية،
عبر محاربة الدين علنا أو تزييفه واستغلاله مع تحييد دوره في
صياغة المجتمع وصناعة القرار.
إنّ ما يبدو عصيّا على استيعاب بعض الجهات، هو أنّ ما تغيّر
بين مرحلة نكبات مضت، ونكبات تجري صناعتها اليوم، هو سقوط
تيّارات الأمس جماهيريا وسياسيا، ولا ينفي ذلك مجرّدُ بقاء
تسلّط سياسي باسمها فيما يبدو أشبه بهياكل موروثة تحفظها وسائل
"أمنية" محضة.
وإذا كان ما سبق من نكبات على طريق تصفية قضية فلسطين، قد جرى
في غفلة عن الشعوب، فقد تقع "نكبة جديدة" بأسلوب القوّة
المفضوحة والإرهاب الوحشي، ولكن يستحيل "تمريرها" وبقاء من
يشارك في صنعها، وهو يحمل عنوان "التحدّث باسم الشعوب والتعبير
عن إرادتها".. وهذا أهم ما تعنيه "يقظة الوعي الشعبي" في
المرحلة الراهنة، وهي "بداية" لمستقبل قادم تصنعه الشعوب التي
استيقظت رغم مزاعم تقول باستمرار غفلتها، إمّا بسبب "استعجال
النتائج" دون تقدير المخاطر، أو لتبرير القعود عن المشاركة في
التعبير عن إرادة الشعوب وتحقيق أهدافها، أو هي مزاعم من قبيل
إيهام النفس إصرارا على متابعة طريق الخداع لتمرير أخطر
النكبات السياسية في اتجاه تصفية القضية المحورية المصيرية.
معالم المستقبل
لقد أصبح من المستحيل رسم المزيد من خطوط المستقبل لفلسطين
وقضيّتها العربية والإسلامية، وللمنطقة بمجموعها، عبر خطط
مكشوفة كخطّة "خارطة الطريق" أو سواها من المسمّيات السابقة
واللاحقة، فعملية "غسيل الدماغ" الجماعية باتت مجرّد صفحة
سوداء من التاريخ.. لا رجعة إليها. إنّما يرسم معالم المستقبل
القادرون على صناعته:
-
الذين يصنعون من قلب المأساة الدامية بطولات الجهاد والاستشهاد
محليا..
-
ويساهمون عبر الصمود والمقاومة في نشر روح التحرّر على مستوى
الأمّة..
ولا يكفي ذلك.. فالتقديرات الواقعية الموضوعية تؤكّد أنّ هذا
يمثّل عنصرا أساسيا لا غنى عنه، ولكن لا غنى أيضا عن عناصر
أخرى تكمله لتحقيق مهام كبيرة ينطوي عليها هدف القيام برسم
"خارطة المستقبل" وفق الإرادة الشعبية لا الإملاءات الخارجية
والتبعيات المحلية، بل رغم ما ينشأ عن هذا وذاك من عقبات
وعراقيل وما يُستخدم من وسائل إرهاب للشعوب.. وللحكومات على
السواء.
معالم "خارطة المستقبل" وفق الإرادة الشعبية هي المطروحة على
رأس تحديات المرحلة الراهنة، ومطروحة في الدرجة الأولى على
المخلصين من مفكّرين وأدباء ومثقفين، ومن علماء ودعاة وحركيين،
من المسلمين الملتزمين بالدعوة والعمل لدين الله كما أنزل، ومن
أصحاب التوجّهات الأخرى الذين أدركوا أنّ العطاء الحضاري
للإسلام هو البوتقة الوحيدة التي أثبتت تاريخيا والمؤهلة حاليا
لاستيعاب الجميع، من مسلمين وغير مسلمين في أرض الإسلام ومن
أصحاب الفكر والفكر الآخر كما يوصف تعدّد التيارات والاتجاهات
حديثا.. مع توفير أسباب التحرّر والكرامة والعزّة والوحدة
والتقدّم وضمان الحقوق والحريّات بأفضل صورة.
هؤلاء هم المطالَبون قبل سواهم –دون التهوين من مسؤولية أحد-
أن يضعوا أنفسهم في خندق واحد من المقاومة.. مع ما يبذله أهل
الرباط بفلسطين، بعيدا عن الانشغال بهذه الجزئية أو تلك، من
تفاصيل ما يُطرح من شعارات مضلّلة وخطط قاتلة وخرائط "تآمرية"
علنا.
بعد نكبة عام 1967م العسكرية في ساحة القتال ونكبة 1978م
السياسية في "كامب ديفيد"، كان لا بدّ من مئات الكتب وما لا
يُحصى من مقالات وندوات ومؤتمرات لمواجهة حملات التضليل
والتزييف، ولتوعية الشعوب بما يجري وبعواقبه ومخاطره
المستقبلية.. أمّا اليوم فالحاجة الماسّة الأكبر هي إلى بيان
"سبل العمل والمواجهة والمقاومة" فالشعوب لم تعد ضحية تضليل،
بل هي ضحية "أغلال وقيود" تمنع التحرّك "التلقائي".. قضلا عن
أنّ أي تحرّك شعبي يحتاج إلى التوجيه والقيادة، حرصا على ضمان
سلامة مسيرته وتجنّب وقوعه في مخاطر " أعمال عشوائية".
ولا مبالغة في القول إنّ الجماهير تبدو وكأنّها سبقت تلك
"النخب" المذكورة من علماء ودعاة وحركيين ومفكرين وأدباء
ومثقفين، في أداء ما عليها من صمود ومقاومة وما وصلت إليه من
الوعي والاستيعاب، بينما لا يزال قطاع كبير من تلك "النخب"
يتساءل عن الطريق التي يجب سلوكها.
إنّنا لا نفتقر في قضية
فلسطين
وأخواتها إلى "مزيد" من العمل لبيان الحق من الباطل، قدر ما
نفتقر إلى بيان سبل العمل الأجدى لإحقاق الحق وإزهاق الباطل،
على مختلف المستويات، أفرادا وجماعات ومنظمات وتيارات وشعوبا..
في الميادين القطرية والإقليمية والجماعية الشاملة..
ولئن بلغت الهجمة الأمريكية-الصهيونية الراهنة، عبر بوابتي
فلسطين والعراق وبوابات أخرى، أقصى درجات الهمجية والشراسة
العلنية، فلأنّ القوى المعادية باتت تدرك أنّ المنطقة تعيش
"جماهيريا" مرحلة حاسمة توشك أن تنقلها من أسلوب الدفاع بيانا
للحق إلى أسلوب الهجوم لدحر الباطل.. وفي هذه المرحلة بالذات
يجب أن تظهر على أرض الواقع ومن خلال الممارسات المنهجية
المتواصلة، قيادات مخلصة واعية، قادرة على التحرّك والتوجيه
وحمل المسؤولية، رغم العقبات الكبرى، الداخلية والخارجية، مع
الحرص على أن تبقى المسيرة في معركةٍ مفروضة فرضا على المنطقة،
مسيرةً ملتزمة بتحقيق الأهداف الذاتية، حريصة على عدم تحويلها
من "معركة" تجاه أخطار خارجية كبرى إلى مواجهات جانبية ومعارك
استنزافية جزئية.
|