من نحن ll للإتصال بنا ll إقتراحاتكم ll أرشيف الموقع ll

  اضفنا لمفضلتك

ll أخبر صديقك ll

 جديد الموقع

 

رؤى صهيونية لاستراتيجية جديدة

 

تأليف :لويس رينيه بيريس

المصدر : معهد FREEMAN   للدراسات والبحوث الاستراتيجية، بتاريخ 15-10-2001

تاريخ الإصدار: شباط ‏2002‏‏.

ترجمة وإصدار: مركز باحث للدراسات.

 

- توطئة

- "إسرائيل" و الاستباق الضرب أولا في ظل القانون الدولي   

- خطأ "إسرائيل" الاستراتيجي

- تذكر سن _ تزو "إسرائيل "وفن الحرب

- إنقاذ الدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية و"إسرائيل"

- " توازن استراتيجي " في الشرق الأوسط : مفهوم مشَوَّه

- الشرق الأوسط الجديد – هو،هو

- العلاقات المتبادلة (الترابط) بين القوى, والحرب المقبلة في الشرق الأوسط

 

 توطئة :

إن من أحد أهم أسباب تفوق الكيان الصهيوني على محيطه العربي والإسلامي على الأقل في المدى المنظور، هو تجييش هذا الكيان لكل القدرات التي تؤمن الاستمرارية لتركيبته المصطنعة، وكان من أحد أبرز عوامل التوظيف هو الفكر الاستراتيجي المستقبلي، أو بمعنى آخر  "التخطيط المستقبلي" لدراسة المعطيات المحلية والإقليمية وبناء ما ينطوي عليها من نتائج لتكريس هذا الوجود المفروض من قِبَل قوى استعمارية كبرى .

وفي معرض الحديث عن التخطيط الاستراتيجي الصهيوني و بالتماشي مع سياسة "إعرف عدوك"، ارتأينا إصدار هذا الكراس المكون من عدة دراسات، لمؤلف يعد من كبار المحللين الاستراتيجيين في الكيان الصهيوني ،"لويس رينيه بيريس".

يتعرض المؤلف في بحثه إلى عدة نقاط يرى من واجب الكيان الصهيوني اتباعها ، إذا كان له أن يستمر في التفوق على محيط يتربص بنقاط ضعفه ، وهذه النقاط التي تؤلف كل منها موضوعا أفرد فيه الكاتب آراءه التنظيرية التي تضج بالصهيونية التعبوية الصارخة .

 

هذه النقاط هي :

1-        الضرب أولا في ظل القانون الدولي :

حيث أن من يقرأ هذا العنوان يعتريه التساؤل عند قراءة تعبير (القانون الدولي) وكأن الكاتب حاول أن يستعرض للعالم صواب الكيان الصهيوني الدائم في حروبه المُخاضَة ضد العرب و أن يشرعِن قمعيته المستمرة بغطاء دولي تبيحه المواثيق والقوانين الدولية.

 

2- خطأ الكيان الصهيوني الاستراتيجي :

يحاول الكاتب هنا إظهار الأخطاء المتَّبعَة من قبل الحكومة الصهيونية في مسارها التسووي السلمي حيث يعتبره خطأ يجب تلافيه، وأن قياديي الكيان يعتريهم شيء من الهدوء الباعث على القلق و الذي سيمهد من وجهة نظره لدمار الكيان المستقبلي (حيث لا يرى في اتفاقات السلام إلا مطية يمتطيها العرب لتسهيل تدمير الكيان ) .. وإن كنا نرى العكس .

3-        تذكر سن تزو ("إسرائيل" وفن الحرب):

هذا الموضوع يستمد جوهره من عنوانه (فن الحرب)، حيث يعتبر الكاتب أن من واجب الكيان الصهيوني تعديل خططه السياسية لتأخذ منحى استراتيجيا عسكريا يكون بمثابة صمام الأمان لما يمكن أن يُعتَبَر أخطارا محدِقة.

4-        إنقاذ الدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية و "إسرائيل":

يستشرف الكاتب مستقبل الكيان الصهيوني إذا داوم قياديوه    و محللوه على الاستهتار بالواقع القومي اليهودي في فلسطين بدءا من اتفاق أوسلو وحتى مفاوضات الحل النهائي ، حيث يعتبر أن من واجب الكيان إيلاء قضية الأمن القومي اليهودي القصوى في جدول اهتمامات الحكومة الصهيونية .

 

5- توازن استراتيجي في الشرق الأوسط "مفهوم مشوه":

يعتبر الكاتب أن ما يُؤخذ على الكيان في استمرار تفوقه العسكري لا يمكن أن يُحسَب نقطة إيجابية في مسار مستقبله ، حيث أن هذا التفوق من شأنه أن يستنفر إعدادا عسكريا مضادا من دول العرب المحيطة وبذلك تكون القوة المعطاة "لإسرائيل"  لتجنب الأخطار المحدقة سببا في ولادة خطر أكبر ، وهو إذ يقول ذلك لا يدعو إلى الحد من القدرة العسكرية الإسرائيلية ، بل يدعو إلى مراقبة النشاطات التسليحية والعسكري في العالم العربي.

 

6-  الشرق الأوسط الجديد:هو هو

في هذا الموضوع يضع المؤلف نصب عينيه السياسة التي يعتمدها الساسة الإسرائيليون في تدعيم وتركيز بنية الكيان الصهيوني من ناحية خلق شرق أوسط جديد بمقاييس عسكرية وسياسية اقتصادية مناسبة ، معتبرا بذلك أن هذه الرؤية تعاني من ضبابية وتوهان في معرفة الكنه العربي القائم على كره الكيان الصهيوني ، وإذ يسترسل في الموضوع ، يرى بوجوب تغيير جذري في النمط الفكري والمعيشي العام لدى العرب ، بدلا من أقلمة أنظمتهم على استيعاب التسوية مع الكيان .

 

7- العلاقات المتبادلة (المترابطة) بين القوى و الحرب المقبلة في الشرق الأوسط:

يتحسس الكاتب في هذا الموضوع وما سبقه من مواضيع، الأخطار المحدقة بالكيان الصهيوني بنظرة يوحي فيها أنه يتعدى الحذر الشديد إلى التربص العدائي الذي يطالب بتدعيم التركيبة العسكرية الاستخباراتية للكيان الصهيوني ، كممهد للتفوق على المحيط العربي في بقية النواحي.

 

"إسرائيل" و الاستباق الضرب أولا في ظل القانون الدولي (لويس رينيه بيريس* ).

 

كمفخرة لها، و حرصا على بقائها، كانت "إسرائيل" تختار أن تضرب هي الضربة الأول ، و هذا ما فعلته في مواجهة الهجوم العربي في حزيران / 1967.

و اليوم ، ورياح الحرب تعصف ثانية بمنطقة الشرق الأوسط ، و هي رياح أشد شؤما و وعيدا حتى من تلك التي عصفت بالمنطقة قبل حرب الأيام الستة، قد تعمد "إسرائيل" ثانية إلى التفكير جديا باستراتيجية الاستباق . لكن، كيف يمكن الدفاع عن مثل هذه الاستراتيجية في ظل القانون الدولي ؟

 

في إطار القرينة التي تتفهم "الدفاع الاستباقي عن النفس"، يمكن تتبع الجذور التاريخية الحديثة للحق المعهود في "الاستباق" إلى ما يُعرَف بحادثة كارولين ..[Caroline Incident] . وهنا، أثناء ثورة عام 1837الفاشلة في شمال كندا ، ضد الحكم البريطاني ، ترسّخ المفهوم القائل بأن التهديد "الخطير" بهجوم مسلّح يمكن أن يبرِّر القيام بعمل عسكري دفاعي . و في الرسائل الدبلوماسية المتبادلة بين حكومتي الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى ، رسم وزير الخارجية آنذاك- دانيال ويبستر – إطارا "للدفاع عن النفس" لا يقتضي التعرض لهجوم مسْبَق ، فاعتبر الرد العسكري على تهديد ما مسموحا به، طالما أن الخطر القائم... "وشيك ، وطاغ ، ولا يترك الخيار في ما يتعلق بالوسائل، و لا يمنح الوقت الكافي للتمعن"..

ومما لا شك فيه أن الظروف الاستراتيجية ونتائج المباغتة الاستراتيجية تغيرت بشكل جوهري منذ "حادثة كارولين" . فاليوم ، في عصر السلاح الكيميائي و البيولوجي والنووي ، يمكن القول أن المهلة التي تحظى بها الدولة غير المنيعة (في ظل التهديد العسكري) هي مهلة قصيرة جدا . ومن وجهة نظر "إسرائيل"، التي تواجه الآن أعداء متعددين يتمتعون بالقدرة الصاروخية الباليستية ، هناك ما يدعو إلى اعتقاد أن اللجوء المستقبلي إلى "الدفاع الاستباقي عن النفس"سيكون له أساس داعم وراسخ في القانون الدولي . و هذا هو واقع الحال في كانون الثاني/2001، في ظل التحالفات الجديدة ضد "إسرائيل" : بين العراق وسوريا ، و العراق وروسيا ، وإيران وروسيا .

 

لكن، هناك بعض الباحثين المحققين الذين يقولون أن ما عبّر عنه ظرف كارولين من حق "الدفاع الاستباقي عن النفس" طغت عليه اللغة المحددة التي ينطق بها ميثاق الأمم المتحدة . وفي هذا الصدد، تعبِّر المادة (51) من الميثاق عن صيغة جديدة – أكثر تقييدا – لفكرة الدفاع عن النفس، و هي الصيغة التي تعتمد على شرط تقييدي لا يخوِّل أية دولة اعتماد دفاع من هذا النوع إلا في حال تعرضها لهجوم مسلح مسبق. لكن هذا التأويل الفني الضيق النطاق يغفل عن حقيقة أن القانون الدولي يعجز عن إرغام أية دولة على الانتظار حتى تمتص الضربة الأولى المدمِّرة – أو القاضية ربما- قبل التحرك للدفاع عن نفسها . وقد لوحِظ بوضوح أن مجلس الأمن الدولي و الجمعية العمومية للأمم المتحدة رفضا إدانة الهجمات الاستباقية التي نفذتها "إسرائيل" ضد دول عربية (في عام 1967)، ما يوحي بإقرار ضمني من قِبَل الأمم المتحدة للجوء "إسرائيل"المبرَّر إلى "الدفاع الاستباقي عن النفس".

إن الحق في الدفاع عن النفس ، عن طريق استباق هجوم ما والحيلولة دون وقوعه، هو حق راسخ في القانون الدولي الكلاسيكي . وفي عام 1625، أشار هوغو غروتياس ، في "الكتاب الثاني" عن قانون "الحرب والسلام"، إلى أن الدفاع عن النفس مسموح به ليس بعد التعرض لهجوم فحسب، بل قبل التعرض للهجوم أيضا ، حيث :"يتم استباق الفعل العدواني"... وفي مقطع لاحق من النص، كتب غروتياس : " ليس هناك ما يخالف القانون في أن يُقتَل الذي يتهيأ لارتكاب جريمة قتل "...

و على نحو مماثل ، وفي نص مشهور كتبه في عام 1758، بعنوان "قانون الأمم"، أكد(إميريخ دو فاتل) على أن" الخطة الأكثر أمانا هي التي تقوم على درء الشر " .. و أن الأمة إذا فعلت ذلك ، إنما ، "تستبق مخططات الطرف الآخر".

و على نحو ملائم، ولأننا معنيون هنا بالجانب المتعلق بضربات "إسرائيل" الاستباقية، نستطيع أن نقول أن غروتياس و فاتل، ( اللذين كانا من الآباء المؤسسين للقانون الدولي) يبرزان على مستوى واحد في موازاة المفسِّرين اليهود. و في التوراة، هناك نص يبرِّئ من الذنب الضحية الكامنة (المحتملة) لسطو عنيف محتمل إذا عمدت الضحية – دفاعا عن النفس – إلى ضرب، أو حتى قتل المهاجم، قبل أن يرتكب أية جريمة (سفر الخروج، 1:22) وحسب تعبير الحاخامات"إذا أتى رجل ليقتلك، فعاجله واقتله أولا"(راشي سانهدرين 72أ) . وعلى الرغم من أن هذه الطروحات و الأحكام تتحدث عموما عن العلاقات الشخصية، بين الأفراد، و ليس عن العلاقات الدولية (بين الأمم)، على وجه الخصوص، إلا أنها تغدو قائمة وصالحة للتطبيق في الحيِّز الثاني، إذا عالجناها بطريقة الاستنتاج الحدسي .

و الذي يدعم أيضا حق "إسرائيل" في الاستباق، في ظل القانون الدولي، هو طبيعة الحالة الحرابية المستمرة التي تحكم العلاقة مع الأعداء . و حسب غروتياس ، الذي استشهد "بسفر التثنية" (السفر الخامس من التوراة ) في كتابه "قانون الجائزة والغنيمة"، كان الإسرائيليون في حل من ملزومية إطلاق أية تحذيرات في التعاطي مع الأعداء الموجودين ( ما نطلق عليه اليوم اسم "الحرب الممتدة"- وهي الصفة التي تنطبق تماما على الظرف السائد حاليا بين "إسرائيل"و جميع الدول العربية ، باستثناء مصر والأردن). و يعيد غروتاس إلى الأذهان حقيقة أن بني "إسرائيل" كانوا مأمورين من الله " بالامتناع عن شن أي هجوم مسلح ضد أي شعب ، قبل أن يدعوا هذا الشعب – عن طريق الإبلاغ الرسمي الصريح- إلى إقامة علاقات سلمية معهم"، لكنه يستطرد قائلا أن بني "إسرائيل" ..." اعتقدوا بأن هذا الأمر ليس قابلا للتطبيق مع العديد من القبائل الكنعانية، لأنهم (الإسرائيليين) حورِبوا من قِبل الكنعانيين في ما مضى " .

وهنا توجد نقاط كثيرة بحاجة للتمحيص من قبل الخبراء القانونيين الإسرائيليين في وزارتيْ الدفاع والخارجية .    

 

خطأ "إسرائيل" الاستراتيجي

 

المشكلة الأساسية مع ما نسميها "عملية السلام" في الشرق الأوسط يجب أن تكون واضحة لكل ذي عقل . و على الجانب العربي ، لا تمثل التوقعات المبنية على أوسلو أكثر من مجرّد أسلوب ذي كلفة فعّالة لتدمير "إسرائيل" . أما على الجانب الإسرائيلي فينْظَر إلى هذه التوقعات على أنها طريقة ضرورية لتفادي الحرب ... و حالة اللاتناظر الناتجة هذه، على مستوى التوقعات أو التطلعات ، تزيد في القوة العربية – الإسلامية ، لكنها تساهم في إضعاف "إسرائيل" و تبديد قوتها التعبوية . و لذلك ، ليس مفاجئا أن نتوقع أن تواجه "إسرائيل" – قريبا- هجوما بالغ التنظيم على عدة جبهات، وجدير بالذكر أن التشنجات التي أحدثها الفلسطينيون بكثرة على جانبي الخط الأخضر سترفد – دون شك- الهجمات الكبرى(غير التقليدية ربما) في ظل قيادة سوريا والعراق و إيران وفلسطين.

ومن حيث الجوهر، تكمن مشكلة الافتقار الوجودي الإسرائيلي إلى المناعة في الافتراضات الأساسية للدولة اليهودية فيما يتعلق بالحرب والسلام . ففي الوقت الذي يؤمن فيه أعداء "إسرائيل" الإقليميون (دول وغير دول) بأن أية مكاسب تعزِّز قوة الإسرائيليين تؤدي في المقابل إلى إضعاف قوتهم هم ، أي أنهم يتعايشون مع "إسرائيل" في جو من الصراع البحت ، نلاحظ ان الأخيرة تفترض شيئا مختلفا تماما . و بالنسبة إلى "إسرائيل"، ليست العلاقات مع الدول والسلطات العربية/ الإسلامية "معدومة المحصِّلة" ، كما يعتقد هؤلاء الأعداء ، بل هي علاقة تواكل متبادل غير معدوم القيمة ، يختلط فيها الصراع مع التعاون . و خلافا لأعدائها ، تؤمن "إسرائيل" حاليا بأن أية قوة يكتسبها أعداؤها ليس من الضروري أن تكون خسارة لها . و في واقع الأمر ، ترغب "إسرائيل" عموما حتى عن تعريف أعدائها بأنهم أعداء .

وتعتقد "إسرائيل" أيضا أن أعداءها يرفضون الافتراضات المعدومة المحصلة فيما يتعلق باستراتيجية الصراع . لكن أعداءها لا يصدرون أحكاما مغلوطة حيال التطابق مع الحسابات الإسرائيلية . و هؤلاء الأعداء يدركون أن "إسرائيل" مخطئة في اعتقادها أن الدول والسلطات العربية / الإسلامية ترفض أيضا افتراض المحصلة المعدومة ، لكنهم يتظاهرون بعكس ذلك . ولهذا السبب ، هناك حالة دراماتيكية عقبية من انعدام التكافؤ بين "إسرائيل" و أعدائها الكثر . أي أن استراتيجية "إسرائيل" المتعلقة بالصراع مبنية على حسابات خاطئة وافتراضات مغلوطة ، و على جهل أو تجاهل استثنائي لتلاعبات العدو وغشه . ومن جهة ثانية، تقوم سياسات أعداء "إسرائيل" الاستراتيجية ذات الصلة على حسابات دقيقة ، وافتراضات صحيحة ، و إدراك كامل لخطأ "إسرائيل" الاستراتيجي .

لكن ، ماذا يعني كل هذا ؟ ...

فوق كل شيء ، يقتضي ذلك، من الناحية الإيجابية أن تُحدِث "إسرائيل" تغييرات سريعة و عميقة الأثر على صعيد الطريقة التي تصوغ بها فكريا استمرارية التعاون و الصراع ، والسلام و الحرب. و على "إسرائيل" أيضا أن تخلِّص نفسها من التفكير المفرِط في التفاؤل ، و أن تستعرف أيضا ، وعلى الفور، حسابات المحصِّلة المعدومة لدى الأعداء ، و تبدأ بإدراك حقيقة ان الصراع في الشرق الأوسط يجب أن يُخاض عند نهاية حيِّز الصراع من طيف هذه الاستمرارية . و بعبارة أخرى، يجب أن يُخاض هذا الصراع ، و إن كان بصعوبة ومرارة ، على أساس معطيات المحصِّلة المعدومة .

ليس هناك شرق أوسط جديد . و إذا أراد إيهود باراك أو خلفه أن يواصل عملية السلام ، و لو حتى لمجرّد إرضاء السادة الأميركيين ، يجب عليه أن يجد طريقة أخرى للتعبير شعوره البراغماتي ... و يجدر به أن لا يعبر عن هذا الشعور على جثة "إسرائيل".

ثانيا ، على "إسرائيل" أن تدرك فورا أن دعمها لأوسلو غير متساوق البتة مع "حسابات المحصلة المعدومة" عند الأعداء ( الذين يجب أن يُنظَر إليهم على أنهم أعداء ) من جهة ، ومع حقيقة إدراكها الجديد و الحتمي لواقع الحال ، على أساس افتراضات المحصلة المعدومة ذاتها ، من جهة ثانية . إذ أن الاستمرار في دعم مقومات بقاء أوسلو ، من قبَل "إسرائيل"، يعني في واقع الأمر رفض الأفكار الصحيحة عن "المحصِّلة المعدومة" في الصراع الشرق أوسطي ، و القبول بالفكرة المغلوطة إلى أبعد حد و القائلة بأن الأعداء يرفضون افتراضات "المحصلة المعدومة" أيضا ، في آن معا . ومن خلال هكذا رفض ، تكون "إسرائيل"قد عملت انسجاما مع القانون الدولي ... و هذا ما هو الحال عليه ، لأن هذه الاتفاقات مع منظمة إرهابية تهدد البقاء الوطني ليست قانونية على الإطلاق .وكما تبدو الأمور الآن ، فان افتراضات "إسرائيل" الاستراتيجية المغلوطة ، و تراصف هذه الافتراضات " المغلوطة" جنبا إلى جنب مع افتراضات أعدائها "الصحيحة" ، تساهم في تقويض وجود الدولة الإسرائيلية . ومن سخرية القدر أن هذه الأخطاء و حالات انعدام التناظر الإسرائيلية تؤثِّر بشكل ملحوظ لجهة إيجاد تحالف بين"إسرائيل" و أعدائها ، لكن ليس من النوع الذي يخدم مصالح العرب فقط ، ولا تكون المنفعة فيه متبادلة ، و يقتصر فيه دور "إسرائيل" على تلبية احتياجات الأعداء فحسب .

يجب على "إسرائيل " ان تتوقف عن لعب دور الحليف الأفضل الذي يمكن أن يحصل عليه الأعداء . و عليها أن تسعى لخدمة نفسها ، بدلا من ذلك ، و أن تستبدل الافتراضات الخاطئة التي تنبع من آمال وتوقعات مضلّلِة بافتراضات صحيحة قائمة على مناقشات منسجمة مع الواقع.

و بلغة المنطق ، المتعارف عليها ، يمكن القول أن الأشكال غير الصالحة من المجادلة ليست سوى ترُّهات أو أوهام باطلة . و مما لا شك فيه أن المشكلة الطاغية التي تعرقل سعي "إسرائيل" وراء السلام ، في المرحلة الراهنة ، هي مشكلة التعلق بالعديد من هذه الأوهام التي لا تمت للواقع بصلة . و خلافا للأخطاء والالتباسات العادية ، التي لا بد أن تقع فيها المعالجات الفكرية – العسكرية الحالية ، غالبا ما تكون هذه الأوهام الكبيرة مؤذية جدا ، أنها تنطوي على صفة التحول عن جملة الأسس و المقدِّمات المنطقية إلى استنتاج سياسي جاهز بعيد عن أي استقراء سياسي صحيح . وهذه الأباطيل المضلِّلة ، المتميزة عن الأخطاء الصغيرة الاعتيادية ، تضمن وقوع كل الحسابات اللاحقة في خطأ مؤكد . و هذا يعني ان التحولات الإسرائيلية ، على صعيد عملية الاستدلال العقلي الاستراتيجي ، باتت مطلوبة بإلحاح، بمعزل عن تقدير الوقائع والمواضيع المحددة الضيِّقة النطاق.

وحسب التأويل الأكثر تسامحا ، تَمَثَّل الخطأ الإسرائيلي الاستراتيجي في نتاج تضافر مجموعة من العمليات الفكرية المنقوصة ، القابلة للمعالجة إلى حد ما ، أما حسب التقدير الأقل تسامحا، فنستطيع أن القول أن هذا الخطأ نجم عن تلاعبات حكومية مدروسة ومقصودة قام بها رابين وبيريز و باراك ونتنياهو .و إذا كانت الأوهام الباطلة للسياسة الاستراتيجية الحكومية الإسرائيلية تهدف إلى الخداع ، أو الإقناع بدون حجة ، أو عرقلة المناقشة الصريحة والمفتوحة ، فهي – إذن- مثال ليس على الحماقة الصرفة فحسب، بل أيضا على السفسطة المهلكة.

    

تذكر سن _ تزو "إسرائيل "وفن الحرب.

 

يُعْتَقَد أن الفكر العسكري الصيني تبلور مع نشوب الصراعات القروية العهيدة قبل خمسة آلاف سنة تقريبا . لكن كتاب "فن الحرب" "[The Art of War]، الذي كتبه "سن_تزو" في فترة ما بين القرنين الثامن والثالث قبل الميلاد ، هو الذي صاغ مجموعة متساوقة من المبادئ الموضوعة بهدف تحقيق الانتصار العسكري و تقليص فرص الاندحار إلى أدنى مستوى ممكن . ولا بد الآن من أن يُدرَس هذا العمل من قِبَل هيئة الأركان العامة لجيش الدفاع الإسرائيلي ، ومن قِبَل أولئك الذين يرغبون في تعزيز مكانة "إسرائيل" العسكرية و نسق القتال المعتمد لديها .

دعونا نبدأ بمبادئ "سن _تزو" المتعلقة بالدبلوماسية . فقد علّمونا أن الاتفاقات و المبادرات السياسية يمكن أن تكون مفيدة ، لكن العمليات العسكرية يجب أن لا تُهمَل أيضا . و الهدف الأولي عند كل دولة يجب أن يكون إضعاف الدول المعادية دون التولج في معركة مسلحة فعلية . و هذا الهدف يربط فكرة "الانتصار الكامل" المثالية "باستراتيجية التخطيط الهجومي" . وفي الفصل الرابع ، "وضع الجيش" ، يقول سن تزو لقرائه، :" الذي لا يستطيع أن يكون منتصرا ، يجب أن يتخذ وضعا دفاعيا ، و الذي يستطيع أن يكون منتصرا ... يجب ان يهاجم ... و الذين يبرعون في الدفاع ، يدفنون أنفسهم تحت أعمق أعماق الأرض ... أما الذين يبرعون في الهجوم ، فيتحركون من فوق أعلى أعالي السماء ..." على "إسرائيل" ان تتعلم ذلك .

اليوم تركِّز وضعية جيش الدفاع الإسرائيلي الاستراتيجية على أشكال مختلفة من الدفاع الصاروخي الباليستي . و على الرغم من أن ذلك مسوَّغ في ضوء الخطر المتعاظم للأسلحة غير التقليدية ، إلا أنه لا يمكن أن ينجح أبدا. ومن حيث الجوهر ، و عن طريق تعليق آمال عظيمة على منظومات الدفاع الجوي الصاروخي ، نأت "إسرائيل" بنفسها عن جميع خيارات الاستباق ذات الصلة . و النتيجة هي أن "إسرائيل" ما زالت موجودة ، لكن بقاءها يصبح مرهونا – يوما بعد يوم – بمشيئة أعدائها فحسب . و عاجلا أو آجلا ، و بعد أن سُمِح لهم بالاستحصال على أسلحة الدمار الشامل ، لأن "إسرائيل" كانت مشغولة بدفن نفسها (تحت أعمق أعماق الأرض) ، ستعمد الدول المعادية إلى شن الهجوم . و على الرغم من مكانة "إسرائيل" النووية الرادعة، سوف يأتي وقت تصبح فيه القدرة التعبوية للأخيرة معطلة بفعل الحسابات المغلوطة ، أو الغفلة ، أو الحوادث الميكانيكية ، أو الإنذارات الخاطئة ، أو عمليات إطلاق النار بدون أوامر ( في حالة انقلاب مثلا) ، أو بسبب أعمال غير عقلانية ، من قِبل الأعداء .

لكن ، لنكن صريحين ... لقد فقدت "إسرائيل" قدرتها على شن هجوم فعال ضد البنية التحتية لأسلحة الدمار الشامل في العراق أو إيران. و نتيجة للجهود التي بذلها العدو في هذا المضمار (تدعيم هذه البنى التحتية و تكثير عناصرها ، وتوسيع نطاق انتشارها ) لم يعد بإمكان "إسرائيل" إلا أن تنتظر ... بخوف إلى أن يحين الوقت الذي تغدو فيه قادرة على القيام برد انتقامي . و هذا الانتظار – في ظل خطر التعرض للهجوم – يجسِّد حالة من اللامبالاة المطلقة إزاء المبادئ الاستراتيجية العسكرية الصينية التي ما تزال قائمة .

ولعل هناك جزء آخر من كتاب [Art of War] يحتوي على معلومات تساعد "إسرائيل" على تعويض النقص الذي تعاني منه بسبب اعتمادها الواهم على الدفاع . وهنا، أستحضر في ذهني تأكيد "سن تزو" المتكرر على "المخالف للإجماع" (غير المعهود) . وبناء على خليط الأفكار التي تمازجت لتتبلور تحت عنوان "التاوية"[Taoism] (عقيدة صينية ) ، يلاحظ المحقق الخبير في الشؤون الاستراتيجية أنه "في المعركة ، يشتبك المرء مع الخصم على قاعدة المألوف ، ويحقق الانتصار على قاعدة المخالف للإجماع " ... وفي أحد المقاطع المعقَّدة من الكتاب يناقش سن – تزو كيف يمكن العمل بالمألوف بطرق مخالفة للإجماع، و كيف أن المعهود يمكن ان يصبح خروجا على الإجماع عندما يكون غير متوقَّعا . و هذا المقطع – إذا ما أخذه مخطِّطو جيش الدفاع الإسرائيلي بعين الاعتبار – يمكن ان يوفِّر أداة دقيقة ، وغامضة الدلالة ، وصالحة للاستخدام في عملية الصياغة التكتيكية للمدارك ، وكفيلة بتمكين المرء من أن يستغل – عن قصد- جملة التوقعات العسكرية لدولة ما معادية .

وبالنسبة إلى "إسرائيل" ، يجب أن لا يتم ارتجال "مخالفة الإجماع " في المعركة ، بل لا بد من صوغها قبل بدء القتال ، وذلك بغية درء أخطر أشكال المعارك ، التي قد تكون عبارة عن حرب غير تقليدية  شاملة عن طريق تمحيص الإسرائيليين لعدد من المواقف الواعدة . و هذه المواقف والتوضيعات يجب أن تركِّز على التحول العقلاني عن "العقلانية المعهودة "إلى اللاعقلانية المخالفة للمعهود . ويحضرني هنا ما كتبه مرة هيرمان كان ( العالِم في شؤون الاستراتيجيا النووية في الولايات المتحدة ) في وصف ما أسماه "عقلانية اللاعقلانية المُتَصنَّعَة" . واليوم ، كل دولة معادية تعرف تماما – وضمن هامش خطأ مقبول تماما- إلى أي حد يمكن أن تمضي "إسرائيل" في شن هجوم عسكري شامل ( وهي لن تفعل ذلك) ، و كيف يمكن ان ترد على الصراعات المسلحة و الهجمات العسكرية التي يشنها الآخرون ( و هي ستفعل ذلك بأقل مستوى "مطلوب" من القوة ) . و هذا يعني أن امتناع "إسرائيل" عن إظهار عقلانية تامة إزاء أعدائها على الدوام (بحيث لا تكون أفعالها – الدفاعية والهجومية – قابلة للقياس و الاستشراف بشكل كامل ) يمكن أن يساهم إلى حد بعيد في تقوية مجمل قدراتها الرادعة و تعزيز فرص بقائها كدولة .

و كل من يدرس استراتيجية "إسرائيل" النووية يعرف ما هو "خيار سامسون" ، وهناك فكرة عامة تقول أن هذا الخيار هو " استراتيجية الملجأ الأخير " التي تستعمل فيها "إسرائيل" الأسلحة النووية ، ليس لدرء الحرب ، و لا حتى لشن الحرب ، بل – بكل بساطة – من أجل تنفيذ الانتقام الأخير من الدول المعادية التي شنّت هجمات شاملة (غير تقليدية ربما) ضد المدن أو القوات الإسرائيلية . وفي مواجهة احتمال "تدمير الهيكل الثالث" ، قد يرى القادة الإسرائيليون أن الدولة اليهودية لم تعد قادرة على (البقاء)... و أنها لن تموت إلا إذا أماتت أعداءها معها .

و يمكن القول أن رؤية "خيار سامسون" واضحة تماما من المنظورية العربية / الإيرانية . فإسرائيل لن تلجأ إلى استعمال الأسلحة النووية إلا في إطار الرد الانتقامي على هجمات ابتدائية مدمِّرة شاملة . وبالمقابل، يمكن القول أيضا أن أي هجوم لا يكون ابتدائيا ومدمِّرا وقاضيا سوف يستثير ردا عسكريا إسرائيليا مدروسا ومكافِئا . و بالإضافة إلى ذلك ، يدرك الأعداء العرب/ الإيرانيون أن توجيه الضربة الأولى يعطيهم أفضلية في مسألة "الهيمنة على عملية تصعيد الصراع" ، ويمكِّنهم من السيطرة على سلم التصعيد . وهذه الحسابات سوف تنشأ من إدراك الأعداء لحقيقة أن "إسرائيل" لن تعمد إلى مخالفة المعهود على المستوى الاستراتيجي، و أن أفعالها لن تكون أكثر من ردود أفعال ، و أن ردود الأفعال هذه ستكون محدودة على الدوام .

لكن ماذا لو أظهرت "إسرائيل" العين الحمراء و شحذت خيار سامسون؟ و ماذا لو فعلت ذلك بالتناغم مع تغييرات عقائدية معينة في سياستها النووية الضبابية على المدى الطويل ؟...

عن طريق إخراج القنبلة من الطابق "تحت الأرضي" ، والإشارة – في آن- إلى أن أسلحة "إسرائيل" النووية ليست مدّخَرَة لسيناريوهات "الهيكل الثالث" فحسب، سوف يتمكن الإسرائيليون من قطع شوط طويل على طريق تعزيز أمنهم القومي . و هذا يتم بالابتعاد عن  "العقلانية التامة" و اعتماد أسلوب "عقلانية اللاعقلانية المهددة " . وبإمكان أي شخص أن يتكهن هنا فيما يتعلق بمسألة ما إذا كان استعراض كهذا سيشكل "لا عقلانية مزعومة" أو استعدادا حقيقيا و صادقا لتبني اللاعقلانية ، و ذلك بصرف النظر عما إذا كان هذا الخيار ، من جانب "إسرائيل" ، سيستثير ضربات ابتدائية فعلية من جانب العدو ، أو سيسرِّع على الأقل الإعداد لمثل هذه الضربات ... لكن "إسرائيل لن تعدو وسيلة لجعل "اللامعهود "يبدو معهودا .

 

إنقاذ الدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية و"إسرائيل"

 

في الوقت الذي تواجه "إسرائيل" اخطر التهديدات الوجودية التي شهدتها منذ عام 1948 ، يجب على المواطنين أن يبدأو بطرح أسئلة جدية حول المستويات السائدة للحديث الاستراتيجي . فالملاحظ على الدوام ، هو أن المعاندة الفكرية الخانقة تسد الطريق أمام الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي الخصب . و هناك أيضا خطر عظيم تجسده حقيقة أن قادة "إسرائيل" السياسيين والعسكريين ، الذين يُحْسَبون على مستوى عال من العلوم الجامعية و النضوج الفكري ، قد يواصلون تقبل التوصيات الأكاديمية مع قدر غير كاف من التشكيك . علما بأن محصِّلة تأثير مثل هذه الإجراءات المغلوطة يمكن أن تنطوي حتى على حرب غير تقليدية و إرهاب غير تقليدي .

أود ان أكون صريحا تماما . و يمكنني القول أن ، في غياب أو ندرة الدراسات القيِّمة ، لم يقدِّم المحققون الاستراتيجيون الأكاديميون البارزون لإسرائيل أية ذات صلة تستحق الاهتمام فعلا ، بل قدموا كما هائلا من الدراسات التي تحمل من الضرر أكثر مما تحمل من النفع (بما فيها تلك التي انتشرت على نطاق واسع، وأمدَّت "حصان طروادة" – الذي أوجدته عملية أوسلو – بمختلف مقومات الاستمرار) . والملاحظ أيضا ، فيما يتعلق بالدراسات التي قاربت موضوع التهديدات الكيميائية / البيولوجية / النووية، أن أبرز خبراء البلد في الشؤون الاستراتيجية ظلوا  منغمسين في وحول "الحكمة" البائدة التي كانت قائمة في الولايات المتحدة خلال الخمسينيات . و هؤلاء الخبراء ، المتعلقون – على نحو غير مبدع- ببعض الفوائد المزعومة للردع النووي و بتوازن تقليدي محبِّذ للقوى ، إنما يتجاهلون : 1- المحدوديات الأساسية لديناميكيات "منظومة التهديد" في منطقة قد تنخرط سريعا في حيِّز التكنولوجيا الكيميائية – البيولوجية – النووية على نحو غير عقلاني .2- التغيرات التدريجية ، البطيئة ، الأساسية ، والمعقَّدة لحالة مساعفة الذات على المستوى الوطني ، في ظل نظام عالمي يسير نحو العشوائية و الفوضى . ومن المؤكَّد أن هناك عوامل أخرى مهملة على نطاق واسع ، لكن كل هذه العيوب كانت نتاجا لاختيار نقطة انطلاق مغلوطة في نشاطات التحقيق الأكاديمي .

لكن ، ما هو الذي يجب أن نفعله على هذا الصعيد ؟ ... أولا ، يجب على الخبراء الإسرائيليين في الشؤون الاستراتيجية أن ينظروا مباشرة ، و دون تردد و لا لين ، إلى الأخطار الوجودية التي تهدد بلدهم ، و أن يستعرفوا هذه التهديدات – بسرعة وبشكل صريح – و يجعلوا منها محورا لدراساتهم وتحقيقاتهم .

... ثانيا ، على الخبراء الإسرائيليين في الشؤون الاستراتيجية أن يفهموا – دونما تلكؤ _ أن "إسرائيل" هي عبارة عن نظام ، وأن التهديدات الوجودية التي تواجه بلدهم مترابطة فيما بينها ، وأن تأثيرات هذه التهديدات المترابطة يجب أن تعاين جملة واحدة .

... ثالثا ، يجب على الخبراء الإسرائيليين في الشؤون الاستراتيجية أن يدركوا أن الحلبة العالمية بكاملها يجب أن تُعايَن على أنها منظومة واحدة ، وأن تفكك قوة وسلطة الهيكليات داخل هذه المنظومة سوف يترك آثارا هائلة و قابلة للاستكشاف إلى حد ما على المنظومة الإسرائيلية المصغِّرة

.. رابعا ، على الخبراء الإسرائيليين في الشؤون الاستراتيجية أن يبتعدوا عن "الإفراط" في التعقل والحذر و عن التحليلات الشائعة التي تنطق بالخوف ، و التي ترضي جمهورهم و أولياء نعمتهم ، لكنها تفتقر إلى أية قيمة حقيقية أو فائدة تعليلية .

... خامسا، على الخبراء الإسرائيليين في الشؤون الاستراتيجية أن يتعلموا قراءة الأدبيات ، و ليس السفاسف و المواد الساذجة التي يبتدعها خبراء الاستراتيجيا الأميركيون (علما بأن الخبراء الأميركيون أنفسهم لا يقرأون أدبا حقيقيا )، ... عليهم أن يطَّلِعوا على أعمال المؤلفين والشعراء والكتّاب المسرحيين الأصليين . ففي معظم الأحيان ، يمكن للاستبصارات المكتسبة من النصوص الأدبية أن تشكل مصدرا أفضل لفهم الشؤون الاستراتيجية ، مقارنة بما تقدمه نصوص واستعارات وسيناريوهات "الخبراء".

... سادسا ، على الخبراء في الشؤون الاستراتيجية في "إسرائيل" أن يعترفوا بفوائد الإطلاع على الفكر الأكاديمي الخاص، و ليس الجماعي . وهنا ، لا بد من تذكيرهم بوجهة نظر أرسطو التي تقول أن" الخداع يحصل إلى حد أبعد عندما نحقق مع الآخرين منه عندما نحقق بمفردنا .. لأن التحقيق مع شخص آخر يجري بهدوء و بوسائل الشيء نفسه".

وفي القضايا المتعلقة بالأمن الإسرائيلي ، قد يكتشف المرء قيمة فكرية أكبر في التأملات الخاصة لبعض الأفراد المستقلين، منه في مجمل الأعمال الجماعية التي تنشرها مراكز الدراسات الاستراتيجية المتخصصة .

... سابعا، يحتاج الخبراء الإسرائيليون في الشؤون الاستراتيجية أن يطرحوا الآن السؤال المتعلق بالضبابية النووية ، لكن بقدر أكبر من الجد والاستبصار . و أيضا ، يجب أن يكون مفهوما أن المسألة هنا ليست مسألة إطلاق وابل من الانتقادات على "المألوف"، بل هي مسألة استغلال تفاؤلي لمستويات ملائمة ومتغيرة من الإباحة لأغراض الردع و-ربما – الاستباق .

... ثامنا ، لا بد للخبراء الإسرائيليين في الشؤون الاستراتيجية من أن يطرحوا الأسئلة الأشمل المتعلقة بالأسلحة النووية و الاستراتيجية القومية . و بالطبع ، يجب أن يتم ذلك في إطار انسجام تام مع جميع المتطلبات الدراسية الاستراتيجية المذكورة أعلاه .

بالإضافة إلى ذلك، ليس واضحا على الإطلاق ما إذا كان الامتناع عن طرح الأسئلة المتعلقة بالاستراتيجيا و الأسلحة النووية سيخدم مصالح "إسرائيل" الأمنية .

... تاسعا، يجب على الخبراء الإسرائيليين في الشؤون الاستراتيجية أن لا يفكروا في نهاية الوجود الوطني بناء على اعتبارات أكاديمية مجَرَّدة . فاليوم، يبدو أن هؤلاء الخبراء في الشؤون الاستراتيجية قادرون على تصور نهاية "لجمهورية الهيكل الثالث"، كل يوم، و على الرغم من ذلك ، يمضون إلى رتابة الحياة عن قصد ، وبهدوء يبعث على الاستهجان .

هذا التراصف العقيم ، الذي يثير الاستغراب ، يجب أن لا يبقى كذلك إذا تمكن المحققون من أن يتعلموا "كيف" يفكرون باللحظة التي تزول فيها "إسرائيل" بالكامل. و بعد ذلك، يجب أن يبدأ الخبراء الإسرائيليون في الشؤون الاستراتيجية باستبدال الصياغة الفكرية "التوكيدية" لسيناريو"آخر الزمان" بتصورات مادية جدية للكارثة . و أنا أعرف طبعا أن نصيحة كهذه تتناقض جملة وتفصيلا مع ما تعلّمه الأكاديميون الإسرائيليون في الكليات الأميركية ... لكن الأساتذة الأميركيون كانوا مخطئين . وكما الحال في حياة كل فرد على حدة ، يحتل الخوف مكانه الملائم في إطار هذه القرينة . و ليس هناك من علاقة تبادلية – بالضرورة- بين "الهلع الوجودي" و إلحاق الأذى بالأشكال الموضوعية للتحقيق الدراسي .

... عاشرا، يجب على خبراء الاستراتيجيا الإسرائيليون أن يولوا اهتماما خاصا لمتطلبات الجراءة الحقيقية المتهورة ، و البحث ، ورهافة الإحساس بالذات، من أجل النأي عن الأرضية المشاعية /المشتركة، و المجازفة شخصيا و مهنيا ، بغية الوقوع على أجوبة جدية عن الأسئلة الحيوية .

أمامنا وقت قصير ... قصير جدا...

 

" توازن استراتيجي " في الشرق الأوسط : مفهوم مشَوَّه

 

مؤخّرا ، اصدر مركز جافي للدراسات الاستراتيجية (جامعة تل أبيب) تقريره السنوي عن "التوازن الاستراتيجي في الشرق الوسط".وهذه السنة ، أشار التقرير إلى أن التوازن الاستراتيجي في هذه المنطقة المتقلِّبة يميل إلى صالح "إسرائيل"بشكل ملحوظ . وفي خاتمة التقرير ، كتب مدير المركز ، شاي فيلدمان ، ان الهجمات العنيفة التي يشنها الفلسطينيون لن تتصاعد لتصبح حربا إقليمية.

كان ذلك جدالا لطيفا ، و قائما على استعارة مجازية لطيفة . و على أية حال ، وطيلة قرون من الزمن، كانت فطرة "إقامة التوازن بين الدول" مقبولة كعنصر أساسي – لا غنى عنه- من عناصر إدارة القوة العالمية . وعندما كان يتحقق توازن محبَّذ، كنا نسمع أن هناك استقرار . لكن ، هناك مشكلة واحدة مع هذه "الاستعارة المجازية اللطيفة" ... "إنها مغلوطة وغير موافِقة للمقام على الإطلاق".. بل هي أسوأ من ذلك بعد .. إنها تخلق أباطيل خطيرة لجهة ما هو مهم حقا في عمليات تفادي الحرب، و تدفع دولا معينة (في هذه الحالة تدفع "إسرائيل"، المغَرَّرة بشكل استثنائي) إلى المبالغة في تقدير حصانتها الأمنية .

ويقول شاي فيلدمان أن "إسرائيل" تتمتع اليوم بتوازن استراتيجي محبَّذ مع أعدائها . و يورد التقرير أن قوة "إسرائيل" الرادعة.."مازالت في ذروتها .. وهي تشكِّل حاجزا يحول دون إمكانية تصعيد الوضع أو تحويله إلى حرب إقليمية ".. و بالإضافة إلى ذلك ، كتب فيلدمان أن الهوة الاستراتيجية ما زالت تتوسع لصالح "إسرائيل"، وخاصة في حقل التكنولوجية التي تتميز بأهمية بالغة على صعيد الاستخدام الأمثل للقوة العسكرية . و قيل لنا أن أبرز الأفضليات التي تتمتع بها "إسرائيل" هي تلك التي تتميز بها في مجالات القوة الجوية و المنظومات الاستخباراتية (بما فيها الاستخبارات الفضائية)و الدفاع بالصواريخ الباليستية . و خلافا لما يميز جيش الدفاع الإسرائيلي، أورد فلدمان أن جميع الجيوش العربية ما زالت متخلفة في المجالات التي (تسمح بالتنفيذ الناجح للعمليات البرية و البحرية والجوية).

مثل هذا التفاهم القائم على العقلانية لا يمكن أن يولِّد إلا ارتياحا زائفا.. و تقارير كهذه لا تحمل إلا قيمة يسيرة .. و المحزن أن أعداء "إسرائيل" لا يفكرون كما يفكِّر المحللون في مركز جافي . و بالنتيجة، قد يعمد هؤلاء الأعداء إلى حساب فعالية الكلفة في العديد من العمليات التي يستبعدها فلدمان مراعاة لمعطيات التوازن . وفي واقع الأمر ، قد يكون جيش الدفاع الإسرائيلي متفوِّقا على جميع الجبهات القابلةللقياس، حتى مقارنة بمجموعة من الجيوش العربية/الإسلامية.لكن الجيوش التي لا تعترف –على نحو تعاوني- بهذا التفوق ، أو لا تكترث به ، يمكن أن تعمد إلى شن هجوم .و إذا كان فلدمان مصيبا ، قد يكون هذا الهجوم أكثر من مربح بالنسبة إلى المهاجمين . لكن ذلك ان يواسي آلاف الإسرائيليين الذين سيسقطون جرحى، و الذين سيقضون حتفهم ، لأن الدول العربية رفضت التفكير وفقا للمعطيات و القواعد غير الإبداعية المعتمدة (لدى الباحثين) في مركز جافي .

هناك دائما خطر عظيم يهدد "إسرائيل" بسبب افتراض أن العدو متعقِّل جدا في صنع قراراته . و في الشرق الأوسط ، يمكن القول أن استعمال العنف بين الدول و داخلها يكون "ذاتي الدفع" أحيانا، ما يوحي بأن مبادئ "دوساد" حلت محل مبادئ "كلوزويتز". وقد أجرى ميلان كونديرا مناقشة عامة مقنعة في هذا الصدد . وفي سياق وصفه لقوة العنف البحتة التي تختار السعي إلى إثبات وجودها "كقوة"، كتب كونديرا أن هذه القوة (عارية بقدر ماهي عارية في روايات كافكا .. إن أصحاب القوة العدائية لا يكترثون البتة، و ليسوا بحاجة إلى تحريض، و لا يرومون إلا إنفاذ إرادتهم.. إنها لا عقلانية صرفة).

وهناك بين أعداء "إسرائيل" من يبتغي الترف على هواه .. ترف الحب ضد الدولة اليهودية . و من صالح "إسرائيل" ان لا تغض النظر عن هذا الترف الذي تبدو مرغوبيته غير قابلة للقياس، فذلك أعْوَد بالمنفعة على المصالح الإسرائيلية من صور التوازن الملفَّقَة و "المبكَّلة" . وعلى الأغلب، لا يبدو أعداء "إسرائيل" مسترشدين بمبادئ "كلوزويتز"، بل يظهر أن الاحتياجات و التطلعات الأولية(الأساسية) هي التي تحركهم بصورة متزايدة .

"... الرجال – كقاعدة- يؤمنون طوعا بما يريدون أن يؤمنوا به". هذا ما ورد على لسان يوليوس قيصر في كتابه [THE GALLIC WAR] ،[الحرب الغاليّة] . و بالنسبة إلى "إسرائيل"، باتت استبصارات قيصر واضحة الأثر في 6تشرين الأول /1973، مع بدء حرب يوم الغفران ، وحتى ذلك اليوم، كان البلد ملتزما بما يُطلَق عليه عموما اسم "المفهوم"[KONTZETZIYA]، أي أن الفكرة المستنبطة التي كانت تقول أن العرب ليسوا عازمين ولا قادرين  على تجديد الاعتداءات ضد الدولة اليهودية . و على أساس الافتراضات القائمة على معلومات استدلالية مخزَّنة في الحاصيات، عن ميزان عسكري ترجح فيه كفّة "إسرائيل"، كان فرع الاستخبارات في جيش الدفاع الإسرائيلي (أمان) يستنتج – حتى بعد 5 تشرين الأول/1973- ان وقوع الحرب مستبعد جدا ، إن لم يكن مستحيلا .

و إذا ما حمِل على محمل الجد، سوف يدفع تقرير مركز جافي "إسرائيل" في اتجاه ميحدال [MEHDAL]أخرى ... نحو خطأ استخباراتي تاريخي . و يتحدث التقرير عن توازن وقوة ، لكنه ينم عن جهل مطبَق بحقيقة المفهومَيْن . إذ أن فوقية "إسرائيل" الاستراتيجية الإجمالية لا يمكن أن تبقى قائمة بفضل القوة الغالبة فحسب. ومن منظورية "الردع الموثوق"، تعجز حتى القوات العسكرية الإسرائيلية ، المتفوِّقة بشكل دراماتيكي، عن الحؤول دون تمكن الأعداء من توجيه الضربة الأولى . و بالمقابل، تستطيع حتى القوات المسلحة الإسرائيلية غير المتفوِّقة ، بل والموسومة بدونيتها ، ستفوق المكاسب التي يمكن أن تحققها مثل هذه الضربات ... فالردع ليس له أية علاقة بميزان القوى .غير أن كل ما ذكرناه لا يوحي بأن تقرير مركز جافي ليس صحيحا من منظورية الفكرة القائلة بأن "إسرائيل" متفوِّقة عسكريا واستراتيجيا، بل يشير إلى أن أصح معايير القوة –في حيِّز السياسة العالمية- غالبا ما تكون أكثر غموضا وتدرجا و اختلافا من المعايير النسبية المسِفَّة التي تُقاس بها القدرات العسكرية . و في هذا الصدد، يخفق فلدمان  في استعراف وتمييز حالات التآزر الكامنة والحاسمة بين الإرهاب العربي و الحرب العربية ضد "إسرائيل". و حسب التقرير : (( تعجز الصعوبات الكامنة في مواجهة تحديات العنف الفلسطيني عن تقويض تفوق "إسرائيل" الاستراتيجي الإجمالي )) لكن الفهم الأصح لهذا الموضوع يكشف عن أن الهجمات العربية الإرهابية المستمرة على "إسرائيل" تقوِّض إلى حد بعيد ثقة البلد بقيادته . و بالإضافة إلى ذلك ، يمكن القول أن "استراتيجية الاستنزاف" العربية هذه تضعِف ثقة "إسرائيل" بنفسها و تصدِّع رباطة جأشها – شيئا فشيئا- إلى أن يتحقق تقويض معنوياتها العالية و تتآكل عافيتها . و في هذه المرحلة ، سوف تتحول الاستراتيجيا العربية عن الاستنزاف (الإرهاب) إلى الإبادة (الحرب) ... و هو تحول يعبِّر عن عمق التفاعل المتبادل – البالغ الأهمية – الذي كان مهملا من قبل مجتمع إسرائيلي نخبوي ضَيَّقَ نطاق تركيزه على الاعتبارات المنمّقة الخاصة "بميزان القوى". 

 

 

الشرق الأوسط الجديد – هو،هو

 

من حيث الجوهر، أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، إحياء صرخة شمعون بيريز من أجل "شرق أوسط" جديد. و هذا الشرق أوسط الجديد يشبه "النظام العالمي الجديد"… أي أنه لم يكن موجودا في الماضي، وليس موجودا الآن، ولن يكون موجودا أبدا. وأكثر من ذلك، يمكن القول أن مجرد الاعتقاد بأن نظاما كهذا أصبح قائما، أو سيصبح كذلك في المستقبل، ينطوي على مخاطر كبيرة جدا، لأنه سينتج سياسات مبنية على الرمل.

ويبدو أن "إسرائيل" مازالت مؤمنة بالشرق الأوسط الجديد.وعلى هذا الأساس الخيالي، يبني الإسرائيليون سياستهم الخارجية الحالية، ولا يكتفون بذلك، بل يبنون عليه أيضا وجود دولة "إسرائيل" بحد ذاته. و إذا لم تنقلب الأمور رأسا على عقب من مرور الوقت، لا يفاجأنّ أحد إذا لم تعد "إسرائيل" موجودة، شأنها في ذلك شأن "الشرق الأوسط الجديد". وهنا ، نستطيع أن نقول أن الدولة اليهودية- في ظل حكومة أخرى ترى في الخيال لياقة لها- يمكن أن تتفكك عبر القرون … فتخرج من التاريخ .

منذ فترة، أفتتح آرييه ستاف(أحد أبرز المفكرين الإسرائيليين الموهوبين، و المحرر في دورية [NATIV])  عرضا حمل عنوان " السلام –رسوم متحركة عربية".. وهذا العرض الذي استمر لمدة شهر واحد في بئر السبع ، وكان مرتبطا بكتاب ستاف البالغ الأهمية،كشف عن بعض المظاهر البارزة للشرق الأوسط الجديد. ففي هذا الكون "الطوباوي"،كما عرّفته"الرسوم المتحركة العربية"، بات اليهودي مُسْقَط السمعة إلى حد يمكن أن يجعل يوليوس ستريتشر يحمر خجلا . وفي الحقيقة، إذا أراد المرء أن يستكشف استدلاليا المواقف العربية الحالية إزاء "إسرائيل"، من خلال رسومات العرب التي تحظى بموافقة رسمية ، فسوف لن يرى اختلافا كبيرا بين الشرق الأوسط الجديد وعالم "دِر ستونر".

الشرق الأوسط الجديد...هو نفسه الشرق الأوسط القديم . وفي عام 1972، نشر "يهوشفات هاركابي"كتابا هاما بعنوان (مواقف العرب حيال إسرائيل) . وفي تلك الفترة ، أي في أيام الشرق الأوسط القديم، استشهد هاركابي باستعمال العرب للعبارات البذيئة في الحديث عن "إسرائيل"، ومنها وصفها "بالوحش الصهيوني" ، و"الطاعون الصهيوني"، و"الخراج المتقيح"، و "الابنة الغير شرعية لأوروبا"، و"عصابة المارقين والمجرمين"، و"بؤرة الشر" ، و"الوسخ"، و"القذارة" ، و"مياه المجاري"و "الأخطبوط" ، و"العنكبوت" ، و"مكروب الشر" والخ ..الخ. واليوم ، كشف استعراض ستاف الباهر أن شيئا لم يتغير على الإطلاق . فبالنسبة لحماس ، هناك ميثاق يدعو المسلمين – على نحو لا لبس فيه – إلى التعاطي مع اليهود بطريقة واحدة فقط :"أهجم واقتل ..اهجم واقتل ..اهجم واقتل ..".

و الآن دعونا نعود قليلا إلى النازيين . فكأهداف لحملتهم الدعائية ، كان اليهود أصحاب سمعة مُسْقَطة لأنهم – حسب المزاعم التي سادت آنذاك – قللوا من القيمة الاعتبارية للحياة الألمانية، وهددوا "نقاءها العرقي"، وشكّلوا خطرا على وجودها المادي . أي أن اليهود كانوا "حيوانات" و "طفيليين" و "مصاصي دماء" و"قتلة أطفال" و "مناكيد" ...الخ، استغلوا الالمان الحقيقيين ، و أفسدوا النقاء الآري ، و كانوا يتآمرون بالطبع – من أجل الاستيلاء على السلطة . هذه هي نفس الأفكار التي تبناها أصحاب الدعاية العرب في مهاجمة "إسرائيل" ، في الشرق الأوسط القديم ، و التي سيتبنونها في الشرق الأوسط الجديد.

أما شمعون بيريز، صاحب فكرة "الشرق الأوسط الجديد"، فهو – كفكرته التي ابتدعها – مجرد شبح أبلى ظله. وعن طريق إعادة صوغ الحقيقة ، حول رئيس الوزراء الأسبق عجزه وتقصير الفكريين المعتبرين إلى عقيدة "شبحية جديدة". وبواسطة هذه العقيدة الخرافية الخالية من أي عقلانية في جوهرها ، قدم بيريز رؤية تضليلية قدمت من الآن، مستقبل الصهيونية الذي يمكن التنبؤ سلفا بأنه سيكون مستقبلا غير مضمون .وقبل أن يولد أي شيء يشبه "الشرق الأوسط الجديد"من "الشرق الأوسط القديم "، يجب على "حفار القبور" أن يحضِّر أدواته . ولذلك، يجب أن لا نُفاجَأ إذا علمنا أن ما لدينا هو ليس "شرقا أوسطا جديدا" ، بل هي فترة "بعد صهيونية" بشعة ومنذرة بالفناء .

وفي كتاباته السياسية (التي حملت عنوان [Historie des Deux Indes]. يصف ديديروت تاريخ الحضارة :" تاريخ الإنسان المتحضر كان تاريخ بؤسه فقط . كل صفحة تغطت بالدماء ... بعض الصفحات غطتها دماء الظالمين ، وبعضها بدماء المظلومين ".

إذا أخفقنا في فهم ذلك ، سوف يبرز الحالمون في كل جيل ويرغبون في تخطي حدود البؤس الإنساني دون إحداث التغييرات الإنسانية الضرورية . ولهذا السبب، يركز هؤلاء – مخطئين – على هيكليات الحكم و الأنماط الاقتصادية ، بدل التركيز على "البشر" الذين يجب أن يجعلوا هذه الهيكليات تعمل . وفي مآل الأمر ، لابد أن يؤدي هذا الاستدلال المغلوط إلى الخيبة واليأس.

في الشرق الأوسط الجديد، مازال أعداء "إسرائيل" المسلمون والعرب ملتزمين بتخليص المنطقة من كل اليهود. وطالما أن هذا لم يتغير، لن يكون هناك من طائل تحت الادعاء بأن السلام ينطوي على مصالح سياسية / اقتصادية و بأنه يقتضي التزاما على مستوى الأنظمة .

وفي السياسة ، كما في كل حيز آخر من حوز النشاط الإنساني، تتحرك كل الأشياء وسط طيف الموت ، وحيث موت "الآخر" مهم إلى أبعد الحدود ، لا يمكن أن يكون هناك حديث معقول عن الحياة.

 

العلاقات المتبادلة (الترابط) بين القوى, والحرب المقبلة في الشرق الأوسط

 

يعبر مصطلح "ترابط القوى" صورة ذهنية مفيدة للأستراتيجيا العسكرية.  وهذا المفهوم, الذي اعتمده  الاتحاد السوفييتي السابق على نطاق واسع، هو أيضاً بمثابة تدبير من  التدابير التي تراعيها القوات المسلحة من أصغر وحدة إلى أكبر تشكيل.  وبالإضافة إلى ذلك, تم استخدام هذا المصطلح للمقارنة بين الموارد والقدرات على مستويي "الاستراتيجيا العسكرية" وما يسمى "الاستراتيجيا الكبرى" والمعنى هنا متعلق بمفهوم نسب القوات, المستعمل في الغرب.

 

واليوم ورياح الحرب تهب ثانية في الشرق الأوسط, يجب على "إسرائيل" أن تجري تقديرات مثمرة لقدرات الدول المعادية, مع إشارة خاصة "إلى ترابط القوى".  وهنا, على "إسرائيل" أن تسعى وراء أكثر من مجرد "مسطرة قياس موضوعية" لمعايرة القوات المعارضة.  وعلى الرغم من أن "جيش الدفاع الإسرائيلي" يقارن - بإعتناء – بين جمع المعلومات الاستدلالية المتعلقة بالمواصفات العددية والنوعية للوحدات, بما في ذلك الأفراد والأسلحة والعتاد, يحتاج قادته إلى معرفة المزيد عن عملية ترسيخ فوقية القوة "الإسرائيلية" في أماكن وأزمنة محددة.  وهذا هو الحال تحديداً في القضايا المرتبطة "بالاستراتيجيا الكبرى", حيث القوات المعادية تملك أسلحة دمار شامل.

 

لكن على وجه التحديد , كيف يجب أن يكون مفهوم "جيش الدفاع الإسرائيلي"عن "ترابط القوى"؟

 

أولاً: يجب عليه أن يستكشف نوايا قادة العدو وقدرات قواته.  فعملية الاستكشاف هذه تفوق باعتباراتها الشخصية الخاصة أي تقويم لقدرات العدو, من عديد وأسلحة.  ومعلومات استدلالية, لوجستية أساسية. ولا بد لهكذا عملية أن تكون متدرجة, ودقيقة ومعتمدة على البيانات الشخصية التصويرية المجموعة والمبلغة بدقة, أكثر منها على الصياغة العلمية النظريةالبحتة.  لكنها ليست كذلك هنا, ولن تكون كذلك, إلا إذا تعدت عملية جمع المعلومات الاستدلالية ذات الصلة من مختلف المصادر المعروفة والمألوفة, لتصل إلى المستوى الذي يضع فيه قادة "إسرائيل" أنفسهم في أماكن قادة العدو, كل على حدة, كي يروا كيف تبدو "إسرائيل" في نظرهم من هناك.

 

ثانياً: لا بد لمفهوم "ترابط القوى",  المعتمد من قبل "جيش الدفاع الإسرائيلي" من أن يأخذ بعين الاعتبار "عقلانية" قادة الأعداء.  فالعدو الذي لا يتقيد بقواعد السلوك العقلاني- في عالم السياسة- قد لا يردعه أي تهديد إسرائيلي، عسكري  أو غير عسكري .  وهنا سيكون منطق الردع "مقعداً عن الحركة", وستسقط كل الرهانات, فيما يتعلق بردات فعل العدو المتوقعة على السياسة "الإسرائيلية".

 

ثالثاً:  على تقديرات جيش الدفاع "الإسرائيلي" أن تأخذ بعين الاعتبار أيضاً تنظيم وحدات دولة العدو، ومستويات تدريب عناصرها، ومعنويات الجنود، وقدراتهم في مجال الاستطلاع, وخبراتهم في القتال، ومدى ملاءمتهم للمهام وقدرتهم على التكيف مع ساحة القتال.  وليس من الصعب الخروج بمثل هذه التقديرات على أساس فردي أو تدريجي، لكن على " جيش الدفاع الإسرائيلي" أن يضع هذه التقديرات والمعلومات الاستدلالية المجموعة في إطار مفهومي جامع، بكليته.  ومما لا شك فيه أن تكوين هذه الصورة الأكثر تساوقاً سيتطلب تجديداً وإبداعاً, وليس مجرد مهارات رياضية ( حسابية).

 

رابعاً:  على تقديرات "جيش الدفاع الإسرائيلي" أن تأخذ بعين الاعتبار قدرات ونوايا المنظمات والجماعات المعادية "لإسرائيل"، بجميع أشكالها الارهابية.  ومرة أخرى, يجب أن تقدم هذه التقديرات أكثر من مجرد اعتبار على أساس كل جماعة على حدة بل يجب أن يكون اعتبار هذه الجماعات شاملاً وكلياً، نظراً للعلاقات المتبادلة بين الجماعات الإرهابية إزاء "إسرائيل".  ولا بد من معاينة الجماعات إياها في إطار العلاقات التفاعلية المتبادلة بين هذه الجماعات وبين الدول المعادية.  وهذه النقطة الأخيرة يمكن أن تصنف في خانة المساعي التي يبذلها جيش الدفاع "الإسرائيلي" بحثاً عن التآزرات بين أخصامه من دول وغير دول.

 

خامساً:  على تقديرات "جيش الدفاع الإسرائيلي" أن يلتفت خصوصاً إلى مسألة "التحوُّل" الجاري الذي تشهده منظمة التحرير الفلسطينية, من منظمة معادية إلى "دولة" معادية ( فلسطين).  فبمجرد أن تتم عملية التحول هذه سوف يتقلص العمق الاستراتيجي "الإسرائيلي  إلى مستويات بالكاد يمكن تدبُّرها, في نفس الوقت الذي يبدأ فيه العدو يبذل مساع حثيثة من أجل تحويل "إسرائيل" – نفسها- إلى جزء من الدول العربية الجديدة... كيف "ستعيش" "إسرائيل" مع فلسطين؟

 

سيبقى هذا السؤال البالغ الحساسية مطروحاً على الباحثين والمحققين والخبراء في الشؤون الإستراتيجية.

 

وفيما يتعلق بمسألة " التآزر", يجب على "جيش الدفاع الإسرائيلي" أن يبحث "مضاعفات القوة" ويأخذها بعين الاعتبار.  ويمكن تعريف  "مُضاعِف القوة" بأنه عبارة عن جملة المميزات ذات الصلة ( بمعزل عن الأسلحة وحجم القوات) التي تجعل المنظمة العسكرية أكثر فعالية في المعركة.  وقد يتمثل مُضاعِف القوة في مزايا عدة: العمومية (الشمولية), المفاجأة التكتيكية, التعبئة التكتيكية, منظومة القيادة والسيطرة... الخ.  ومما لا شك فيه أن وجود مضاعف القوة يولد الطاقة, وأية وحدة تكتسب "مضاعفاً للقوة" تصبح أكثر فعالية منها لم كانت معتمدة على مجموع ما تملكه من أسلحة فحسب. وفي هذا المجال تتمثل مسؤولية جيش الدفاع "الإسرائيلي"في ما يلي:

 

1-        استعراف مضاعفات القوة التي يتمتع بها العدو.

2-        تحدي وتقويض مضاعفات  القوة التي يتمتع بها الأعداء.

3-        تطوير وتحسين مضاعفات القوة الخاص به, ( زيادة التوكيد على إدامة فوقية "جيش الدفاع الإسرائيلي, عن طريق تعزيز القوة الجوية, وتحسين مستوى الاتصالات والاستخبارات, والمحافظة على عامل المفاجأة).

 

وأخيراً, لا بد من الإشارة إلى أن ترابط القوات سيكون له بالغ التأثير لجهة تحديد نتيجة الحرب "الكارثة"المقبلة. ولذلك حان الوقت كي تمضي "إسرائيل" إلى ما وراء التقديرات الرقمية الاعتيادية, وتستكشف الاعتبارات الأكثر دقة, وتركز على الأهمية التراكمية للأسلحة والاستراتيجيات غير التقليدية في المنطقة.

 

 

*البروفيسور لويس رينيه بيريس : استاذ مادة العلوم السياسية في جامعة بوردو، درس في جامعة برينستون ، ونال شهادة الدكتوارة في عام 1971... كتب ونشر مقالات كثيرة عن مواضيع الدفاع والقانون الدولي و استراتيجيات الصراع والنظريات السياسية المختلفة ، وهو محلل للشؤون الاستراتيجية  و العسكرية في دورية [the Jewish press]  ومؤلف اثني عشر كتابا ، وصاحب المئات من المقالات التحقيقية و الأحادية الموضوع  وأعمال البروفيسور بيريس معروفة جيدا لدى رؤساء الوزارة الأربعة السابقين و أعضاء لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست والهيئة العامة لأركان جيش الدفاع الإسرائيلي و المجتمع المخابراتي في "إسرائيل"... وقد حاضر في كلية الدفاع الوطني  ( التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي) قرب تل أبيب ، و أمام أعضاء الكنيست ، و له مقالات عن الشؤون العسكرية الإسرائيلية نشرتها [New York Times] و[Jerusalem Post]و هآريتس .

 

ارسل المقال لصديق | طبـاعة | الى الأعلى | رجوع | الصفحة الأولى

 الصفحة الأولى| القدس | المدن الفلسطينية | المخيمات داخل فلسطين | مخيمات الشتات | مفكرة فلسطين |كتابات ادبية|اشعار وقصائد | وثائق |قرارات الأمم المتحدة | عالم الصحافة | إتفاقيات | شهداء فلسطين | شهداء الانتفاضة | اطفالنا الشهداء | من يوميات الاحتلال | خسائر العدو | الإنتفاضة في صور | آراء | أقوال ومواقف | العاب مفيدة | تعليمي للفتيات | تعليمي للفتيان | القرآن الكريم | الأحاديث النبوية الباحث في القرآن | اناشيد الثورة | كاريكاتور ناجي العلي | بطاقات معايدة |مواقع مهمة