|
أ.إحسان
مرتضى:
الوضع السياسي في المنطقة هو أننا نعيش حالة انتقالية، خرجنا
من الحرب الباردة وثنائية المعسكرات في الوقت الذي كان فيه
العالم العربي أيضا خاضعا لهذا التقسيم والانقسام ما بين
المعسكرين الغربي الشرقي، وعشنا حالة صراعات قاسية ومميتة داخل
العالم العربي بفعل هذا الانقسام ما بين هذين المعسكرين، وكانت
هناك فئة- كما نعلم جميعا- من الدول العربية تسير قلبا وقالبا
مع المعسكر الغربي وفئة أخرى تسير للضرورات مع المعسكر الشرقي
وفجأة حصل التحول الدراماتيكي والانهيار الإستراتيجي الكبير في
العالم وزال الاتحاد السوفييتي، وانكشف المشهد العربي على واقع
مأساوي، فلا الفئة التي كانت تعيش على مائدة المعسكر الغربي
استفادت أو أفادت، ولا الفئة الأخرى أيضا وجدت نفسها في موقع
قوة أو في موقع استعداد لمواجهة المخاطر الهائلة التي انكشفت
منذ نهاية الثمانينات وحتى اليوم، وبالتالي المعسكر العربي
الذي كان مع المعسكر الغربي تبين له وللجميع أيضا بان صداقاته
لم تنفعه شيئا، وأن هذه الصداقات بينهما بقيادة الولايات
المتحدة بشكل خاص- ما هي إلا صداقة صاحب الحصان والحصان- هي
صداقة نفعية بحيث ان العرب هم كانوا ياخذون موقع الحصانة حتى
لا نقول شيئا آخر أقل من ذلك، فهم لم يستفيدوا ولم يفيدوا
وتبين لهم أن تلك الصداقة كانت مجرد خدعة استراتيجية قاتلة،
ومعروف عن الولايات المتحدة ان من يصادقها يتعرض لخطر الموت
أكثر من الذي يعاديها، هذا معروف عند الأميركيين، وبالتالي نحن
نواجه واقعا مأساويا سبق للأخوة أن تحدثوا عنه، وأفاضوا في
توصيفه ونحن نعيش أمام أطلال، لا نريد حقيقة أن نبكي على هذه
الأطلال، ولكن في المقابل يمكن تقسيم الواقع العربي إلى فئتين
بعد هذا التحول الدراماتيكي الذي أشرنا إليه:
الفئة الأولى تسمي نفسها فئة البراغماتية النفعية الذرائعية،
وهي الفئة التي ما تزال تعمل على محاولة التلطي وراء مواقفها
السابقة للاستفادة من النحول الحاصل، بمعنى أن هناك دولا نفطية
ودولا لها وضع خاص مثل الأردن، مثل ليبيا، مصر، المغرب،
الإمارات، الخليج.. إلخ، هذه الدول تحاول أن تحافظ على
كياناتها من خلال استمرارية الصداقة التي كما وصفناها، هي
صداقة الرجل وحصانه.
والفئة الثانية تنقسم إلى فئتين: الفئة القومية والفئة
الإسلامية، يعني هناك فئتان تنقسم إليهما الأمة: فئة براغماتية
نفعية، فئة المال .. والفئة الثانية التي يمكن تقسيمها إلى
قسمين: فئة ذات طابع قومي أو شبه قومي وأسمح لنفسي باستخدام
هذا التعبير "شبه قومي"، لأنه في أجواء العولمة وفي أجواء
الهيمنة وفي الهجمة الشرسة العالمية، لا أدري إذا كان هناك
مجال أو واقع قائم يمكن تسميته بأنه واقع قومي، حتى في دول
تعتبر هي قلب العالم العربي، مثل سوريا مثلا، فلا أدري إذا كان
من الممكن تسميتها قومية أو شبه قومية، مثل سوريا –لبنان-
العراق، يعني هذه الدول تحاول أن تستنهض حالة قومية أو شبه
قومية عندها أمام هجمة العولمة الأميركية والهجمة الصهيونية
العالمية أيضا. والفئة الثانية هي الفئة الإسلامية التي تعاني
من حالة انقاسامات وتعدد في الرأي وفي الرؤية، وهي فئة تعيش
حالة خوف من الأنظمة ومن هم وراء الأنظمة، وتفقد أو هي فاقدة،
حقيقةً، العمق الإستراتيجي الحقيقي الذي يمكِّنها من أن تستند
إليه. والتجربة الفريدة في نوعها التي حصلت في لبنان، في ما
يتعلق بالمقاومة الإسلامية، طبعا هي التي أعطت نموذجا جهاديا
فريدا في نوعه، وفي الحقيقة، أود أن أستند إلى بعض الشواهد
والأمثال في التاريخ الإسلامي في ما يتعلق بهذا الموضوع حتى
نستفيد لواقعنا الحالي، وهو معركة أُحُد مثلا عندما كان
المسلمون على الجبل وأُمِروا ألا يغادروا أماكنهم، وإذا بفئة
قاذفي النبال تترك مواقعها وتنزل إلى الغنائم، وكاد المسلمون
يفقدون الانتصار عندما نزلوا إلى الغنائم، حتى أن الرسول(ص)
هدِّد بالقتل، وكان على وشك أن يدفع حياته أيضا، والمثل الآخر
هو يوم حنين كما يقول القرآن الكريم "يوم حنين إذ أعجبتكم
كثرتكم".. نحن العرب (شايفين حالنا بالديموغرافيا).. الواقع أن
الديموغرافيا والاستناد إلى العمق الإستراتيجي الديموغرافي له
أهمية خاصة، لكن بالنسبة الواقع العربي، للأسف الشديد، إنها
بلا فائدة وبلا نتيجة، خصوصا أن اليهود في العالم برغم شرذمتهم
وانقسامهم وتوزعهم في الشتات، استطاعوا أن يشكلوا منظمات
ومؤسسات مع تفرقها ومع انتشارها في العالم، لكن جميعها لهدف
واحد، بينما نحن المجتمعون في عالم واحد لم نصل إلى وضع يمكننا
أن نفرغ من حالة الهبوط في تفكيرنا السياسي وفي تفكيرنا
الإستراتيجي للخروج إلى رأي موحد-أقل ما يمكن- لحماية أمننا
القومي وأمننا الوطني وأمننا الحضاري، وما إلى ذلك، وبالتالي
نحن نواجه نقطتي ضعف في واقعنا – كما تفضل الدكتور علي، حيث
كان يقول إننا ندعو إلى قيادة المثقفين- وهنا طبعا توجد
إشكالية حول موضوع المثقفين، من هم هؤلاء المثقفون الذين
سيقودون الأمة ؟ في الإسلام مثلا، القيادة تتجلى في الطاعة
لأولي الأمر، وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.. ولكن من هم
هؤلاء المثقفون الذين سيوحدون ما بين الرؤية القومية والرؤية
الدينية، لا أدري.. هنا، الخروج من هذه الإشكالية وهذا الوضع
المأساوي يضع في حيرة وارتباك واضحين.
أعود مرة أخرى للمثل الذي أعطته المقاومة الإسلامية في لبنان
وهو أنها حددت منذ البداية أنها لا تريد أن تحصل على مكاسب،
وهذا شيء مهم جدا، حتى في الداخل اللبناني رفضت أن تحصل على
مكاسب، بينما إذا أخذنا أنموذج منظمة التحرير التي تحولت فيما
بعد إلى السلطة كان همها الأساسي الذهاب إلى ما وراء الكواليس
لعقد أوسلو ولعقد صفقات، هذا يريد أن يكون وزيرا وذاك نائبا..
إلخ، فخسروا الدنيا والآخرة وخسروا كرامتهم ونضالهم وتاريخهم..
|