|
واختتم د.علي
عقلة عرسان اللقاء:
... أنا أشكر الجميع على الملاحظات القيِّمة والأفكار القيِّمة
التي طرحت هنا وجعلت لهذا اللقاء معنى، وأعتقد أنه يمهد
للقاءات أخرى على موضوعات ربما طرحت هنا أو نشأ الاهتمام بها
من خلال طرحها هنا من قِبل الجميع.
لا نستطيع التوقف عند كل نقطة من النقاط، ولكني أود أن ألامس
بعض النقاط التي طرحت، نحن نقول منذ بداية النصف الثاني من
القرن العشرين أن قضية فلسطين هي قضية مركزية بالنسبة للنضال
العربي، والصراع العربي الصهيوني قضية مركزية في هذا الإطار،
وقد خضنا صراعا على مدى عقود من الزمن إلى ما قبل عام 1978 على
أساس أن هذه القضية هي قضية النضال في المركز الأول في الوطن
العربي، وكثيرا ما نشأت دعوات، وقامت دعوات أن الفرز الحقيقي
والتقارب الوحدوي الحقيقي والنهضة الحقيقية إنما يتم التوجه
إليها من خلال المعركة. وهذا كان أحد الشعارات في أحد العقود
من الزمن، ولكن الخلل الذي جعل من هذه القضية مركزية في الشعار
ولا مركزية في التطبيق هو القطرية والسياسة القطرية المتجذرة
في كل نظام عربي، حتى لو رفع شعار الوحدة العربية والقومية
العربية، ولذلك مررت على عبارة في حديثي أن القطرية أصبحت صيغة
إعتراضية على القومية، ولم أفصل في ذلك كثيرا، هذا الأمر الذي
منذ 1951 حتى 1952- بدأ فيه طرح المصالحة مع العدو والإعتراف
بالعدو. الشيشكلي، في سوريا، طرح في يوم من الأيام هذا الموضوع
ولكنه سحب نتيجة الضغط والموقف، ومع عبد الناصر طٌرِح هذا
الموضوع في 1952-1953، ولم يتوقف طرحه ولمن تغلبت الحالة
الصراعية الموجودة.
إذن كان العرب –شاؤوا أم أبوا- في تصالحهم مع بعضهم بعضا أو في
خصامهم مع بعضهم بعضا أو صراعهم مع العدو- يرون أن قضية
فلسطين سواء كانت شعارا أو جوهرا حقيقيا في السياسة هي قضية
مركزية، الشارع العربي كان كذلك، وعندما أشرت إلى أن المظاهرات
التي عمت الوطن العربي أعادت الصحوة لموضوع البعد القومي، لم
أقل أنها أسست نظرة للبعد القومي للقضية وإنما أعادت الشعور
الذي حاول أن يطفئه الحكام والأنظمة وأن يذهب كل منهم إلى نوع
من السياسة القطرية التي هي صيغة اعتراضية على القومية بأشكل
مختلفة، وأقول بكل وضوح أن الجيوش في الأقطار العربية على
استعداد لأن تستنفر جيوشها لتدافع عن القضية القومية في
فلسطين، وأنا أقول أن الوراثة المتأثرة والمتجذرة في الأنظمة
العربية لسايكس بيكو وسواها هي أقوى من البعد القومي الذي
يرفعونه في كل الأوقات، لأننا عندما نأتي إلى المحك الصحيح نجد
أن هناك مصالح قطرية ضيقة أو مصالح أنظمة أو مصالح حكام، أو
مصالح فئوية تطفو على السطح القومي، ولكننا نجبر أحيانا على
الخوض في عراك أو صراع وتكون النتائج مؤثرة قطريا وقوميا. لم
نخض في يوم من الأيام معركة عربية على قلب واحد بهدف التحرير،
لا في 47- 48 ولا في الـ 67 ولا في الـ 73، حتى في الـ 73 دخلت
سوريا ومصر على استراتيجيتين إحداهما معلنة بأنها الأساسية
للتحرير ولكن في العمق، أخذ السادات استراتيجية التحريك
للانتقال إلى الضفة الأخرى ثم الدخول في خيمة 101. سوريا كانت
في إطار استراتيجية مغايرة، قطران دخلا استراتيجيتين مختلفتين،
واحدة تحت الطاولة وواحدة فوق الطاولة، فالقطرية متجذرة إلى
الحد الذي يجعلنا نقول : إن الأنظمة العربية تفقد الثقة ببعضها
بعضا، ومن ثم لا تستطيع أن تؤسس لاستراتيجية مشتركة، لكن البعد
القومي للقضية في الشارع والوجدان موجود، كيف ننقل هذا الشارع
والوجدان إلى قرار سياسي استراتيجي؟
لقد قلت: إن المثقف قادر، ولا أعني بالمثقف أن ملايين المثقفين
سوف يجتمعون على طاولة أو مئات الألوف ويقررون، وإنما قلت: إن
فئة تستطيع ( وأستعير تعبير د.مسعود: مثقف انتحاري) ولم لا؟
طليعة من هؤلاء تستطيع أن تؤسس رؤية على كل هذا التراث الذي
تركناه، ومن ثم تطرحها على الآخرين لتناقش، ومن ثم تصبح قرارا،
لكن الأنظمة العربية لن تصل إلى هذا، ودليلي على ذلك أنهم في
عام 1952 وضعوا ميثاق الدفاع العربي المشترك، ولم يُعقَد إلا
اجتماع واحد لهيئة خبراء أو اجتماعين وبعد ذلك فُضَّ هذا
الموضوع، وصفوا تصنيعا مشتركا، ولم يخوضوا هذا التصنيع أبدا،
أعلنوا قرارات كافية لإبادة "إسرائيل" ولكن لم يضعوا على المحك
عمليا أي شيء كي يحوِّل "لا" إلى "لا" ذات مغزى، و"نعم" إلى
"نعم" ذات معنى، إذن من الذي يشرع في بلورة تصور أو إنضاج تصور
خلاق، والرؤية والمشروع المشترك ؟؟ ليس الفلاح طبعا، ليس
الحرفي، ليس السياسي المأجور او المستأجر، وليس المثقف المأجور
او المستأجر، لكن لا بد من صاحب عقل ورؤية وصاحب مشروع- هو
بالنتيجة مثقف- ولذلك أدعو إلى مثل هذا الحضور لجبهة المثقفين
بعد أن تنضج رؤيتها ولا أطلب منها أن تكون صورة طبق الأصل عن
الآخر، حتى تضع أمام الأمة مشروعا وأن تملك مصداقية الاتجاهين
وتأثيرا في الاتجاهين، التأثير الجماهيري، أي احترام الشارع
العام لها، واستقطابها له، وحضورها القوي بتأثير من الشارع
الذي يقف خلفها في ساحة القرار لتفرض على السياسي شيئا، أو
لتنذره بأن الجماهير ستزيله، أو أنها تصل إلى حالة من الإقناع
في هذا الموضوع. نحن بحاجة إلى المشروع النهضوي، وعندما قلت
إنه مشروع نهضوي يقوم على العلم والعمل والإيمان وامتلاك
التقنيات والصناعات... إلخ، ويهدف إلى التحرير، فهو عمليا
مجتمع مقاتل، ولكنه مقاتل بكل الوسائل على أسس النهضة الشاملة
وليس فقط استخدام البندقية، إنما استخدام الوعي والعلم والعقل
والإيمان والمال، وأيضا كلُ في توظيف معين لامتلاك هذا...
أشير لموضوع الهوية- بكل تقدير واحترام- قلت بأن هناك مقومات
رئيسية في الشخصية الثقافية لكل أمة ، ولا يعني ان وجود هذه
المقومات بدون تفعيلها عضويا فيما بينها واجتماعيا وسياسيا في
إطار الدولة تكوِّن الهوية، إنها مقومات ضرورية أساسية، ولكن
الهوية هي بالنتيجة حضور هذه المقومات وتفاعلها عضويا مع
البيئة والزمن والقانون والدستور والحضور الاجتماعي والوعي...
إلخ، لتخلق هذا التوحد.
أنا أتفق مع الأخوة على أن الانتفاضة أو المقاومة أثرت تأثيرا
بالغا وحقيقيا في اتجاهات عديدة، في الشراع الفلسطيني
واختيارات أوسلو، أثرت في الشارع العربي وخياراته، وفي صحوة
الجماهير ومحاورة حضور هذه الجماهير، أثرت في الرأي العام
الأوروبي والأمريكي، حتى القول بأن الأمريكي (الذي يقول بدولة
فلسطينية)، لم يكن إلا جراء هذا الحضور المقاوم ليجد نوعا من
الحلول، ولكن استخدام أحداث 11 سبتمبر بشكل بشع من "إسرائيل"
ومن الأميركيين لمحاولة سحق كل هؤلاء واتهام الانتفاضة والأمة
والفلسطينيين بأنهم جميعا إرهابيون، هذا الحديث صحيح انه عابر،
ولكن استثماره ليس عابرا، والمخططات التي سبتقه منذ عام 1991
عندما أعلن جورج بوش الأب أنه في القرن القادم سوف يسود في
العالم نمط السلوك الأمريكي والثقافة الأمريكية ونمط الحياة
الأمريكية، هو إعلان لغزو، وقبل ذلك عند انهيار الاتحاد
السوفييتي بدؤوا يبحثون عن شيطان وسموا هذا الشيطان بدل
الاتحاد السوفييتي وقالوا: إنه الإسلام.. ووجهوا مدافعهم
وصورايخهم في هذا الاتجاه، وهذا الكلام من مسؤولين أميركيين
ومن مسؤولين إسرائيليين، وحاييم وايزمن اعلن من إسبانيا هذا
القول في عام 1990: (( إن العدو الأساسي بعد الاتحاد
السوفييتي هو الإسلام)).. وقال لهم بصريح العبارة: (( إنكم
لستم بحاجة- بعد 1991 وما حدث- إلى نقل جيوشكم إلى الخليج
فإسرائيل جاهزة)). وهذا الأمر معلن ولكن يتعامل معه أصدقاء
أميركا بكثير من "الغباء" إن لم نقل التآمر، ونحن لاحظنا مفصلا
هاما تذكرونه جيدا: أنه بعد القمة في القاهرة وبعد اتخاذ
القرارات والمواقف التي تفيد بأنه لا صلة ولا تواصل مع العدو
الصهيوني بعد مخيم جنين وجنين، إجتمع وزيرا خارجية الأردن ومصر
في عمان للمباشرة بالاتصال مع العدو من أجل الاستفادة من
الاتفاقيات المعقودة بينهم وبينه لخدمة القضية.وذهبوا إلى
عرفات في المقر ولم يستطيعوا الإفراج عنه، ومن ثم وجدوا مداخل-
وكان هذا إيعازا أميركيا- لأنه: ما معنى اتفاقياتكم إذا لم
تخدم "إسرائيل" وتتواصل معها، ولم يرسلوا سفيرا، إذن، هذا
الأمر بالنسبة للحكام العرب مؤلم كثيرا.
أحب أن أؤكد لكم أنه يوجد شعار قومي ولا يوجد عمل قومي، وهذا
الأمر ينسحب على الكثيرين، لكن هناك من ينادي بالشعار ولكن لا
ثقة له بالآخرين، وهناك من ينادي بالشعار رفع عتب وهناك من
يلصق الشعار على واجهة البلد ويدير ظهره نهائيا لها، وأنتم
تشاهدون مثلا قطر، الآن هي مركز القيادة الرئيسية للهجمة
القادمة ويتوجه إليها عشرات الضباط الأميركيين لشغل مركز
القيادة ، ويذهب وزير الخارجية القطري إلى العراق ويقول: نحن
معكم، ويذهب إلى الفلسطينيين ويقول نحن معكم، هذا الأمر يوضح
الكثير من أوجه السياسة العربية والمزاد العربي، من الذي سيكشف
هذا المزاد؟ من الذي سيواجهه، الأوروبي أو الأميركي ؟
الشارع العربي من الداخل فيه فئة قادرة على هذا: أحزاب/
مثقفون/ سياسيون معينون، هؤلاء هم من نطلب منهم أن يقوموا
بالواجب حتى لا نبقى غرقى في موضوع سياسي يريد أن يحافظ على
مركزه، نظام سياسي يلغي الآخرين ويحاول أن يثبت وجوده بينما
شعب يضيع، وقضية تضيع وأمة تضيع. لا أستطيع القول أن الصلة بين
المثقف والشارع مفقودة، لكنها صلة دخل فيها شك الشارع بالمثقف
على أنه جزء لسان السلطان، وأنه لا يوثق به بشكل من الأشكال
وأنه جزء من الإعلام، ولأن هناك نوعا من الطلاق بين الشارع
والنظام، دخل المثقف في هذه الدوامة لأنه وضع نفسه أحيانا في
مثل هذا المزاد وكان مع السلطة أو مع جهات أخرى، ولذلك قلت عن
المثقف: عليه أن يحرر نفسه وأن يعيد مصداقيته وأن يكسب ثقة
الناس به كمثقف على معيار : مصلحة الأمة والثوابت المبدئية
والقيم –حتى لو كان انتحاريا- فإن كانت هناك مذابح طائرة يمكن
أن يتقدم لها شهداء، ويمكن أن يكون هناك بذرة صالحة في حقل
صالح، ولا نقول للمثقف ما قاله اليهود لموسى: إذهب أنت وربك
فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، لا بد من بداية.. من الذي يبدأها؟؟
أنا أقول نحن مجتمع يجب ان يتطور، لا بد له من مشروع، من الذي
يبدأ ؟ السياسي يعطي ظهره وسيبقى يعطي ظهره لأنه يريد هذه
الجزئية القطرية ويحافظ عليها- حتى في الدول التي قسمتها سايكس
بيكو- هناك تشبث بسايكس بيكو أكثر من أي شيء آخر، رغم كل
الكلام، نحن ضد هذا، نحن ندين هذا، لكن كيف نغير هذا؟؟
نريد أن ننتقل من الكلام والشعار والموثوقية في الرأي، وتبني
الرأي إلى جعل هذا الرأي مترجما في الشارع بقوة قادرة على صنع
التغيير وصنع القرار، وهذه النقلة لا يمكن أن يعمل عليها سوى
أشخاص مؤمنين بها، كيف يبدأون ؟ كيف ينطلقون ؟
وجهة نظري قد تكون فيها أخطاء، أن مجموعة من أهل الرأي يصنعون
هذا التصور في برنامج عمل أو آلية عمل، يطرحونها على مثقفين
وجهات تتبناها، قد تختلف في جهات كثيرة لكنها تتبنى المشترك،
تعمل على هذا المشترك، للنهضة، ولكن تبقى على خلافات، لا
نريدها صورة طبق الأصل عن بعضها بعضا، ولكن هناك مواطنة ودستور
وقضية وهناك مصلحة عليا. أما الخلافات والرؤى الأخرى فيمكن أن
يجتهَد فيها تحت سقف الوطن. ويجب إدراك أنه لا توجد وطنية على
حساب الوطن، يعني أنا أدعي أنني وطني أكثر من الآخرين، فأذهب
لأتعامل مع أمريكا حتى آتي لأنقذ وطني، هذه صيغة غير مقبولة..
إذن، الخلاص أو الإنقاذ لا يأتي من الخارج، يأتي من أنفسنا زمن
داخلنا ومن داخل بيوتنا، من يقوم به ؟ لا بد وأن تقوم فئة ما
بهذا الأمر، وإلا سنبقى في هذه الحالة، ولذلك دعوت أو أدعو إلى
مثل هذا الأمر، وإذا سمِح لي، ففي المستقبل أضع مثل هذا التصور
المكتوب-بتصرفكم- وطبعا هو للحوار أو النقاش أو للإغناء أو
التغيير، لأننا نريد أن نبدأ بطريقة ما، وأنا استفدت بهذا
اللقاء وأشكركم شكرا جزيلا وأتمنى لكم التوفيق... |