|
في حوار شامل مع "باحث للدراسات" د. عبد الستّار قاسم: المشروع
الصهيوني سينهار عمّا قريب والرئيس عباس لن يستقيل
قال البروفيسور عبد الستّار قاسم، المحاضر في قسم العلوم
السياسية في جامعة النجاح الوطنية بنابلس شمال الضفة الغربية،
إن الإطار الحقيقي للخروج من الوضع الراهن الذي تمرّ به
الأراضي الفلسطينية هو حلّ السلطة واستبدالها بمجلس إداري يدير
الشؤون المدنية لشعبنا.
وأكد قاسم في حوار خاص مع موقع "باحث" الإلكتروني على ضرورة
إعادة تفعيل منظمة التحرير وفق معايير جديدة يشارك فيها
الجميع، مشيراً إلى أن المبادرات التي تُقدّم لحلّ النزاع
الفلسطيني الداخلي تزيد من تعقيد الأمور بدلاً من أن تجد
الحلول المناسبة لها، كونها تطرح وجهتيْ نظر الفصيلين
المتخاصمين، واللّذان يستحيل الجمع بينهما.
وقال قاسم إن العرب لن يكونوا قادرين على حلّ قضايا الشعب
الفلسطيني، إلاّ إذا قرّروا التحرّر من الإرادتين الأمريكية
والإسرائيلية، مشدّداً على أن المشروع الأمريكي في المنطقة
يتراجع بسبب الهزائم التي تعرّض لها. وأعرب عن اعتقاده أن
المشروع الصهيوني سينهار قريباً بسبب تغيّر الواقع الإقليمي
وميزان القوى في المنطقة، مستبعداً في الوقت نفسه إقدام الرئيس
الفلسطيني على الاستقالة في حال لم يحقّق أيّ إنجاز في
المفاوضات الجارية مع الجانب الاسرائيلي.
وفيما يلي نصّ الحوار كاملاً:
1.
بعد مرور عام على أحداث غزّة الدامية، كيف تقيّمون الوضع
الراهن؟ وهل من سبيلٍ للخروج من الأزمة المستفحِلة؟
بصورة عامة، الوضع الفلسطيني متزعزع وغير جيّد على الإطلاق.
والانقسام الحاصل ما بين الضفة الغربية من جهة وقطاع غزة من
جهة أخرى يزيد من خطورة هذا الوضع السيئ.
أما حول كيفية الخروج من الأزمة، فأنا كنت قدّمت منذ وقت بعيد
خطة كاملة للتعامل مع الواقع الفلسطيني بشكلٍ سليم، إلا أن
أحداً من الفصائل الفلسطينية لم يتقبّل طرحي. وقد طرحتُ
الخطوات التالية:
أوّلاً: نحن في الضفة وغزّة لسنا بحاجة إلى سلطة ولا إلى رئاسة
وزارة، بل إلى مجلس إداري يُعنى بالشؤون الوطنية والمدنية
للشعب الفلسطيني ولا علاقة له بالشؤون السياسية، بحيث يشكّل من
مستقلّين وطنييّن لا علاقة لهم بأية دولة أجنبية وغير منتسبين
إلى فصائل الفلسطينية.
وقد طرحتُ رؤية لتشكيل هذا المجلس عن طريق تفويض فصيلين
فلسطينيين؛ الأوّل من داخل منظمة التحرير والآخر من خارجها،
على أن يتّفقا على إنشاء مجلس إداري تأسيسي. وبعد ذلك تجري
انتخابات على أساس إدراي لا سياسي.
ثانياً: لا بدّ من إعادة تنظيم وتشكيل منظمة التحرير
الفلسطينية وفق ميثاق جديد ومعايير جديدة يشارك فيها الجميع،
حيث يوكل إليها أن تشرِف على كلّ ما يتعلّق بالشعب الفلسطيني
أينما تواجد، خصوصاً في الملفّ السياسي.
ثالثاً: لا بدّ من أن ندرك أننا بحاجة إلى جهاز شرطة للإشراف
على الأمن المدني وليس إلى أجهزة أمنية. هذا على صعيد الأمن
المدني؛ أما بالنسبة للأمن الوطني، فعلينا أن نشكّل غرفة
عمليات مشتركة للمقاومة الفلسطينية مكوّنة من جميع الفصائل
تشرِف على الأمن الوطني. وبذلك يلتزم كلّ جهاز عمله ضمن الأمن
المدني، بعيداً عن الأمن الوطني والشؤون العسكرية، لأنه سيكون
بطبيعة الحال خاضعاً للمجلس الإداري؛ والعكس صحيح. أي أننا
سنتحرّر من سيطرة الاحتلال على وضعنا الداخلي. وبهذه الطريقة
نتخلّص من الخلافات الفصائلية؛ فالمخرج موجود لو أردنا ذلك.
2.
رغم كلّ المبادرات التي قدّمت لرأب الصدْع بين حماس وفتح، سواء
المحلّية منها أو العربية (المبادرة اليمنية)،إلاّ أن الانقسام
الفلسطيني يتعمّق يوماً بعد يوم. ما هي الأسباب برأيكم؟ هل هي
في أفكار المبادرات ذاتها، أم في الجانب الفلسطيني؟
المشكلة بحسب اعتقادي تكمن في المبادرات نفسها، التي تزيد من
تعقيد الأمور بدلاً من أن تجد الحلول المناسبة لها. فهي مثلاً
تطرح وجهتيْ النظر "الحمساوية" و"الفتحاوية"، وهذا ليس حلاً،
لأن كلاً من مشروع الفصيلين في المنطقة يناقض الآخر. المشروع
"الحمساوي" يتناسب مع المشروع التحريري، والمشروع الفتحاوي
يعبّر بشكلٍ ما عن المشروع الإسرائيلي-الأمريكي. وهذان
المشروعان لا يلتقيان. لذا، فمن الطبيعي أن تفشل أية مبادرة
تأتي على هذا النمط.
وقد توقّعتُ منذ البداية فشل اتفاق مكة، لأنه يوثّق الخلافات
ويعمّقها. فالجانب الفلسطيني جزء من الصراع الإقليمي، حيث
يتصارع محورين أساسيين؛ محور الممانعة والمقاومة، والمحور
العربي-الإسرائيلي-الأمريكي. وهذان في تجمّع واحد لا يلتقيان،
لأن كلاً منهما هو نقيض للآخر!
وإذا أردنا تجنيب الشعب الفلسطيني المشاكل والتداعيات الناجمة
عن الصراع المذكور، علينا أن نترك الأمور السياسية للنزاعات
الفصائلية، وأن يُحكم الشعب الفلسطيني من قبل مجلس إداري لا
علاقة له بالصراعات الداخلية.
3.
هل تتوقّع أن يتحرّك العرب باتجاه مصالحة الفصيلين الفلسطينيين
(فتح وحماس)، كما فعلوا مع الأطراف اللبنانية؟ وكيف تقدّر ردّة
الفعل الفلسطينية تجاه ذلك؟
في واقع الأمر، لا يجب التسليم أن العرب كانوا السبب في حلّ
القضية اللبنانية.. هذا تقدير مرفوض، لأن السبب في حلّ هذه
المشكلة كان هزيمة المشروع الإسرائيلي-الأمريكي عملياً.
ونستطيع القول أن تدخّل العرب في هذه المبادرة لم يتجاوز
الإطار الشكلي فقط. ولكنهم لم يكونوا قادرين على وضع حل؛ وحتّى
قوى 14 آذار لم تكن لتوافق على الحل لو لم تُهزم في بيروت..
إذن القضية حسِمت عسكرياً؛ كما أن العرب لم يحلّوا مشكلة غزة
التي حسمت عسكرياً أيضاً!
العرب غير قادرين على حلّ قضايا الشعب الفلسطيني، إلاّ في حالة
واحدة، حين يقرّرون التحرّر من الإرادة الأمريكية
والإسرائيلية.
4.
هناك تناقض بين بنود القانون الدولي الخاص بالأراضي المحتلّة
وقرارات الشرعية الدولية، وبين ما يطلبه المجتمع الدولي من
الفلسطينيين؟ كيف توضحون هذه الإشكالية؟
نعم، هناك تناقض بين المجتمع الدولي الذي يتبنّى أعمال أمريكا
وإسرائيل بما لا ينسجم مع قرارات القانون الدولي. وهو يريد أن
يفرض علينا إرادة أمريكية وإسرائيلية خارج إطار ما يسمّى
بالشرعية الدولية التي تنصّ على عودة اللاجئين الفلسطينين.
وهذا المجتمع يتجاهل ذلك النصّ ولا يسعى لحلٍ حقيقي يعيد
للفلسطينيين حقوقهم بحسب المواثيق والتشريعات الدولية، بل هو
يبحث عن حلولٍ لضمان أمن وهيمنة إسرائيل على المنطقة، مقابل
بعض "التسهيلات" التي تشغل بال القيادة الفلسطينية في رام
الله، مثل الحديث عن إزالة بعض الحواجز وتسهيل الحياة اليومية
للفلسطينيين.
وللأسف، لقد نجح المشروع الصهيوني في صرف نظر قياداتنا عن
القضايا الجوهرية نحو مشاكل بسيطة وثانوية.
5.
تشيرون دائماً إلى أن الخوض في غمار المفاوضات ومنح الثقة
المطلقة للولايات المتحدة هو ضرب من اللهو لا يصبّ في مصلحة
الفلسطينيين، بالرغم من علمكم أن اليد العليا في الساحة
الدولية هي لأمريكا. إذن كيف سنردّ على كلّ ما تطرحه إدارة بوش
بالرفض، إذا كنّا نريد تحقيق بعض مطالبنا؟
المشكلة أن جزءاً من الشعب الفلسطيني تثقّف على يد القيادة
الفلسطينية في تعريف الواقعية التي تعني بالنسبة لها القبول
بالواقع. وهذا يخالف المعنى العلمي الذي يؤكّد على أن الواقعية
تتمحور حول دراسة الواقع دراسة حثيثة والسعي لتغييره أو تجديده
بما يتناسب ومصالح الدولة والشعب.
إن ما تدعو إليه القيادة الفلسطينية هو الاستسلام للواقع، وهو
بداية الطريق في إضاعة الحقوق. وهي لا زالت تراهن على هذا
الأمر، كما ذكرتُ سابقاً، كي تلبّي مصالحها، إذ أن كثيراً من
القيادات الفلسطينية حقّقت مصالح جمّة على حساب القضية
الفلسطينية. فمنذ عام 1988، عندما قرّر المجلس الوطني أن يكون
واقعياً، وأن يعترف بإسرائيل وبقرارات مجلس الأمن (242)
و(338)، لم يحصل الفلسطينيون على شيء. لذلك، علينا أن نحفّز
إرادة الإنسان، الذي إذا قرّر أن يغيّر فهو يستطيع حتماً.
وصحيح أن الحكومات العربية مؤمنة أشدّ الإيمان بأمريكا، على
اعتبار أنها المهيمنة الأولى على قضايا العالم، حيث يرى الحكام
العرب أن حلّ مشاكلهم لا يتمّ إلاّ عبرها، إلاّ أنهم، ومنذ
1948، لم يحقّقوا أي إنجازات لشعوبهم ولا لشعبنا الفلسطيني
المعذّب.
في المقابل، نحن نسوق هنا التجربة الإيرانية التي قرّرت أن
التطوّر والاستقلال يكون من خلال القوى الذاتية فقط، وعمدت إلى
تحقيق أهدافها بتطوير قدراتها العسكرية والمادّية على مختلف
المستويات. وأمريكا تخشى فعلاً من قدراتها المتزايدة. إذن،
علينا أن نفكر بحلٍ ذاتيٍ قبل مواجهة التحدّيات الخارجية، وأن
لا ننسى أن القوّة الأمريكية الغاشمة تتراجع بسبب الهزائم
التي تعرّضت لها. لذا، لو أردنا أن نستفيد من هذا التراجع،
فالباب مفتوح أمامنا بإرادةٍ سياسيةٍ حرّة.
6.
نحن قريبون من نهاية عهد الرئيس الأمريكي بوش. ومن غير
المتوقّع أن يحدث تقدّم كبير على صعيد المفاوضات بين
الإسرائيليين والفلسطينيين؛ كيف تقرؤون التحرّكات الأمريكية
الأخيرة والزيارات الدائمة للمنطقة؟ وهل تتوقّعون حلولاً قبل
انتهاء ولاية بوش؟
لن يحصل أي تقدّم ولن يحصل أيّ حل. كفانا كلّ هذا الوقت
المهدور. فمنذ عام 1967، ونحن نرتقب في كل مرّةٍ بشغفٍ كبير
الرئيس الأمريكي القادم الذي سيخلّص الشعب الفلسطيني والعرب!
7.
هناك حديث عن نيّة الرئيس محمود عباس الاستقالة إذا لم يحقّق
إنجازاً ما، هل يقدِم على مثل هذه الخطوة، وما مصير حركة فتح
في هذه الحالة؟
في الواقع، الرئيس عباس أقل شجاعة من أن يقدِم على مثل هذه
الخطوة. هو قد لا يخوض انتخابات إذا ما تمّت الدعوة لها. أما
أن يستقيل، فهذا أمر غير وارد برأيي.
أبو مازن يعلم تماماً أنه لم يقدّم أي إنجازٍ يُذكر للشعب
الفلسطيني لضعفه وضعف مكانته في "فتح". إذ إن شعبيته لم تكن
تتجاوز 4 إلى 5 بالمئة فقط، وفجأة تبرز له هذه الشعبية
المدعّمة بأركان حركة فتح له من جهة، ومن القوى الخارجية من
جهة أخرى، فقط لأنه حليف المشروع الإسرائيلي-الأمريكي ومخلصٌ
له.
عباس لن يستقيل إلاّ بموافقة إسرائيلية وأمريكية، على اعتبار
أن أمريكا هي المموّلة الرئيسية للانتخابات الفلسطينية مع
الاتحاد الأوروبي!
8.
بعد مرور 60 عاماً، أين أصبح المشروع الصهيوني؟ وهل حقّق
أهدافه.. أم أن هناك مؤشّرات تنذر بقرب انهياره؟
أعتقد أن المشروع الصهيوني سينهار عمّا قريب، لأن إسرائيل في
مرحلة عدٍ تنازلي، ليس بسبب قوّة المقاومة الفلسطينية فقط،
إنما بسبب تغيّر الوضع الإقليمي وميزان القوى في المنطقة.
المحور الإيراني-السوري مع حزب الله قويٌ بما فيه الكفاية، وهو
يستطيع أن يتحدّى المشروع الأمريكي –الإسرائيلي. وأعتقد أن زمن
"انتصارات" إسرائيل قد ولّى من خلال الهزائم التي لحِقت بها
منذ عام 2000 (الاندحار عن لبنان)، مروراً بهزيمة 2006،
وانتهاء بسيطرة حماس على غزة (2007). فإسرائيل غير قادرة على
كسب أية معارك جديدة، بالرغم من أن تحرّكاتها الأخيرة في
"الشمال" يمكن أن تكون مؤشّراً لخوض حربٍ ضدّ لبنان وسوريا.
لكن هناك احتمال آخر في أن تقوم سوريا ولبنان بهجوم مفاجئ
عليها!
ولا ننسى أن إسرائيل ذهبت لتفاوض سوريا على الجولان في وقتٍ لا
يتناسب مع ظروفها، مع تغيّر الموقف السوري في قضية الجولان إلى
المطالبة بانسحابٍ إسرائيلي غير مشروط منه.
9.
لا زالت قضايا حيوية وهامّة للمجتمع الفلسطيني، مثل قضيتي
اللاجئين والقدس، موجودة بشكل أو بآخر على الأجندة الفلسطينية
في المؤتمرات واللقاءات. ولكن أيّاً منها لم يبارِح المساحة
المخصّصة له على تلك الأجندة. من المستفيد من كلّ هذا؟
إن السلطة الممثّلة بقيادة رام الله لا تمتلك أجندة خاصّة بشأن
إعادة حقوق الشعب الفلسطيني، ولا يتعدّى دورها في هذه القضايا
الحديث عنها عبر وسائل الإعلام فحسب.
ومسألة "الدولة" مجرّد شعار لم نر على أرض الواقع ما يثبت أنه
مطلب أو مشروع متكامل تسعى له القيادة بكلّ ما تملك من إرادة
وقوة. وعلينا أن لا ننسى أن إسرائيل لا زالت تمارس سياستها
الوحشية ضدّ الشعب الفلسطيني، فيما القيادة الرسمية لا زالت
تؤمن بالمفاوضات وتنبذ كلّ من لا يدعو لها!
أجرى الحوار: سامر خويرة
(نابلس)
2/6/2008
|