|
ما تفعله غزة لا يقود الا الى الانتصار
بقلم: حمدي فراج
فجأة تصبح غزة كلمة على لسان كل الناس وكل شعوب الارض على
اختلاف جنسياتهم واعراقهم وأديانهم وانتماءاتهم، ولا نظن ان
قادم الايام والشهور وحتى السنين سيغير من هذا الامر شيئا، بل
ستزداد الرقعة بقدر ما سيزداد التغني بها والتلذذ بنطقها كما
لو انها ـ الكلمة ـ قطعة موسيقية من مقطع واحد بألحان متعددة
شرقية وغربية بلغات الارض قاطبة.
حتى لو انهزمت؟ قد يسأل سائل.
نعم، حتى لو انهزمت، فهي أصلا بما فعلته وتفعله لا تنهزم، انها
نجحت فعلا في حفر طريق انتصارها على ارض صخرية رغم كثرة الرمال
التي تحيط بها من كل جانب، هذا الطريق الذي عمدته بنهر دمائها
من مقاتليها المنافحين عنها والذي امتزج بدماء أطفالها ونسائها
وشيوخها، فرشته قبل ذلك بألم الجوع والبرد والالم جراء سنوات
الحصار العاتي، فيشكل كل ذلك عنصرا كيماويا جديدا اسمه غزة.
وهل يكفي ذلك لكي تصبح على لسان كل الناس لسنوات طويلة قادمة؟
نعم، فهناك عنصر آخر يرفد نهر دمائها بأنهار من دموع الناس،
لقد رأينا هذه الدموع تسيل من مآقي الكبار والصغار في اربعة
ارباع المعمورة، من شمال الارض الى جنوبها ومن شرقيها الى
غربيها، دموع تفهم منها احيانا الحزن والألم، وأحيانا اخرى
تفهم منها الشعور الذاتي بالعجز والقصور وضيق اليد ، وأحيانا
بالحقد والنقمة على زعماء أمة عريقة رهنوا أنفسهم ومقدرات
أوطانهم في كلمة شجب وتنديد واستنكار، وكنا نفهم ان تقتصر
ردودهم في مضى على الكلمات أيضا، لكنها كانت تتضمن تحذيرا
أحيانا او تهديدا، لكنها مع غزة اقتصرت على ذلك، بل ان البعض
عمد ان يحملها ومقاومتها مسؤولية ذبحها. وهذا من ضمن عناصر
تاريخانيتها.
إن لسان حالها يظهر بوضوح أمامنا نحن المتفرجين عليها تتعرض
لكل هذا السلاح والقصف ليلا ونهارا من دولة عاتية تحظى بشبه
إجماع (95%5) من شعب سامي وليس سام، يفترض انه عريق في الدين
والخلق والمحبة والتسامح، ليدلل كيف تجسد انتصار غزة في كشفه
على حقيقته، ولربما يساعد هذا كل الواهمين إزائه ان خروجه من
غزة قبل ثلاث سنوات لم يكن انسحابا ولا انهاء لعار ارتكبه على
مدار اربعين سنة، وهو عار الاحتلال، فتحضر كلمات رابين وحلمه
ان يفيق ذات يوم من نومه فيجد البحر قد ابتلعها، وهو الرجل
السلامي والحاصل على جائزة نوبل للسلام وشريكنا في ما كان
الرئيس الراحل ياسر عرفات يطلق عليه سلام الشجعان. ويحضر ايضا
انه عندما كان احدهم يريد ان يتمنى شرا للآخر يقول له: إذهب
الى غزة، بدلا من إذهب الى الجحيم.
|