|
قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم:
((
ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وإن له على الأرض من
شيء إلا الشهيد... فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر
مرات لما يرى من فضل الشهادة ))
الشهيد عزالدين القسّام
((هذا
جهاد في سبيل الله إما نصر وإما شهادة )) (( موتوا شهداء ))
كانت هذه الصرخات الأخيرة التي دوت في احراج يعبد ، انطلق بها
شيخ المجاهدين (( عز الدين القسّام)) الذي عاهد نفسه المضي في
الطريق الجهادي حتى النصر أو الشهادة، وصاغ صفحة مشرقة من
صفحات كرامة الأمة وعنفوانها ورفضها للذل والاستسلام.
ولد
الشهيد عز الدين بن الشيخ عبد القادر مصطفى القسّام سنة 1871
في قرية جبلة في اللاذقية شمال سوريا، عاش في طفولته ونشأته
عذاب الفقر والحرمان, سافر إلى مصر في شبابه للدراسة في الأزهر
الشريف وقد تتلمذ على يد ((الشيخ محمد عبد)) ولم يذكر عدد
السنين التي أمضاها القسّام في مصر ولكنها كانت كافية لحصوله
على الشهادة الأهلية.
بعدها
عاد إلى جبلة السورية, ومنذ عودته من الأزهر برز القسّام رجلا
مصلحاً وعالماً دينياً, لا يكتفي بجانب الوعظ والإرشاد، بل
يقرن القول بالعمل, والعمل بالدراسة, فقد كان دائم الاتصال
بالفقه والشريعة والأصول ولم تتوقف دراسته يوماً.
وانطلاقاً
من هذه المبادئ التي مارسها القسّام بدأت رحلته الجهادية, فقد
خاض مهمتين جهاديتين في العقد الثاني من هذا القرن, كان لهما
الأثر الكبير في صقل وتنمية الروح الجهادية لديه.
كانت أولى
مهماته الجهادية اثر محاصرة الأسطول الإيطالي لطرابلس الغرب
سنة 1911, وقد كان قراره سريعاً بنصرة العرب والمسلمين ضد
العدوان الأجنبي، فقاد القسّام التظاهرات في بلدته الصغيرة وهو
يهتف ضد الغزو الإيطالي. وبعدها قام القسّام بحملة تبرع
واسعة كما قام بحملة تطوع لباها العشرات من السوريين، فتوجه
بهم إلى الاسكندرونة لانتظار باخرة تقلهم إلى موطن الجهاد بعد
موافقة الدولة العثمانية.
أما مهمته
الجهادية الثانية فكانت على الأرض في مقارعة المستعمرين
الفرنسيين الجدد في العام 1918.
وهكذا فإن
العمل الجهادي في حياة القسّام قد طبع منها كل معْلَم ورافق
مسيرته من سوريا إلى فلسطين حيث اختارته تلك الأرض مجاهدا فوق
أرضها وشهيدا في سبيلهاً.
وصل
القسّام إلى حيفا في بداية العشرينات وقد حمل معه من تجربته
السورية الذكريات والعِبر وستة من الإخوان المجاهدين وقد
لازمه اثنان منهم حتى النهاية وهما الحاج على عبيد والشيخ محمد
حنفي.
مارس
القسّام في حيفا بدايةً المهنة المحببة إلى نفسه وهي التدريس,
فعمل مدرساً لمدة أربعة سنوات في مدرسة البرج الإسلامية التي
أنشأتها الجمعية الإسلامية في بداية العشرينات. وخلال هذه
الفترة أصبح القسّام إماماً لجامع الاستقلال منذ إنشائه سنة
1925 والذي اصبح اكثر المساجد شهرة بفضل القسّام وقد استمر فيه
إماماً وخطيباً حتى استشهاده.
وأعاد
القسّام في حيفا تجربة تعليم الأميين، وكان بعلم بنفسه وقد
أصبح العديدون ممن علمهم من رجاله.
وفي أواخر
العشرينات عينته المحكمة الشرعية مأذوناً شرعياً، وقد كان لهذا
العمل تأثيراً مميزاً في نفسه إذ يتيح له الاتصال مع الناس
ودخول بيوتهم والتعرف عليه
هذا ما
كان عليه القسّام منذ بداية العشرينات حتى نهايتها, والغريب أن
هناك العديدين ممن عاصروه قد وصلوا إلى ابعد مما وصل إليه
القسّام بل وسبقوه بأميال إلا أن ما ميز القسّام عن سواه هو
الإبداع المميز في كل ما كان ينجزه والإخلاص للعقيدة التي كان
يعتنقها.
كانت هذه
صورة القسّام في حيفا ما كان بإمكان سكانها أن يعرفوا عنه أكثر
من انهم أحبوه رجل دين وعلم وخطيب، أما العلماء والمقربون فقد
بات القسّام يوحي إليهم وعلى الرغم من مكانته الدينية انه رجل
ثورة.
كيف بدأ
القسّام تهيئة الكوادر السرية أو متى؟ هذا سؤال يصعب الجواب
عليه حتى من رجاله الذين حملوا السلاح معه. ولكن قيام جمعيات
الشبان المسلمين في فلسطين كان الفرصة العظيمة للقسّام فهذه
أرض خصبة للإرشاد والتوجيه, إذ امتاز بين فروع جمعية الشبان
المسلمين فرع حيفا لوجود القسّام على رأسه وقد فاز القسّام في
الانتخابات التي في تموز 1928 وأصبح رئيساً للجمعية.
وقد اعتبر
القسّام أن هذه الجمعية المنطلق الحسن لاستقبال الشباب ولإقامة
ا لمهرجانات الوطنية ولبعث التراث العربي والإسلامي .
بداية لم
تكن الخلية الجهادية السرية تضم اكثر من خمسة أشخاص، وكان لكل
خلية نقيب مسؤول عن القيادة والتوجيه. وارتفع عدد أفراد
الخلية سنة 1939 إلى تسعة أشخاص.
وعندما
اكتملت البدايات كانت مجموعة القسّام مؤلفة من خمسة وحدات
منظمة مختلفة المهام. الوحدة الأولى مسؤولة عن شراء السلاح
ومن قادتها الشيخ حسن الباير والشيخ نمر السعدي، والثانية خاصة
بالتدريب العسكري وهي بإشراف ضابط سابق في الجيش العثماني،
والثالثة خاصة بالاستخبارات ومراقبة خطط الإنكليز واليهود
السرية. والرابعة كانت من العلماء وأبرز أعمالها الدعوة الديني
في المساجد والمجتمعات وكان الشيخ القصاب موجهاً ومستشاراً في
هذه الوحدة وكانت مهمة الوحدة الخامسة الاتصالات السياسية.
وهكذا
كانت بدايات العمل الجهادي ضد الاحتلال بوجهيه ((الصهيوني
والإنكليزي )). كانت أولى العمليات في ليل 22 كانون أول 1932
أم ألقيت قنبلة على بيت يوسف يعقوبي المعروف بأنه مدير سجن
ظالم في مستعمرة نحلال وقد أدت هذه العملية إلى مقتله وابنه.
وكانت
العملية الثانية كميناً على طريق الناصرة ( طلعة العبهرية)
قاده عبد الله قاسم حوراني ومحمود زعرورة فهاجموا ((كارو))
تجره البغال، وقد قتل في هذه العملية أحد عشر يهودياً.
هاتين
العمليتين كانتا النموذج الذي سارت عليه العمليات الجهادية
التي نفذها القسّام وجمعه المجاهدين الذين كانوا ينتظرون
الفرصة المناسبة لإعلان الجهاد المقدس والتي لم تكن الظروف
مؤاتية لإعلانه.
بعد هذه
السلسلة من العمليات الجهادية وبعد العديد من المشاكل والأزمات
التي عصفت بالبلاد سنة1935 وبعد أن وصلت ذروتها باكتشاف
الأسلحة المهربة لليهود كان لا بد من حل... وكان الحل
سريعاً... مجابهة بريطانيا..... الثورة.
لم يصدر
القسّام بياناً أول بإعلان الثورة ولم يخبر أحداً بقراره
الخروج إلى الجبال كلما عرف عن قصة الخروج هو أن القسّام
وإخوانه خرجوا بعد صلاة العشاء من جامع الاستقلال وتوجهوا إلى
الجبال وكان عددهم 16 عشر رجلاً تقريباً وكانت وجهتهم إلى يعبد
حيث المعركة الفصل بين العيش بكرامة إما الاستشهاد.
ففي صباح
يوم الأربعاء الواقع في الثالث والعشرين من شعبان 1354 هجرية
الموافق العشرين من تشرين الثاني سنة 1935 ميلادية شهدت يعبد
أول معركة على أرض فلسطين بين القلة من المؤمنين المسلحين
بالإيمان أولاً والقليل من السلاح لا يعدو بعض المسدسات
والبنادق وبين القوات البريطانية المدججة بكل أنواع السلاح
تواكبها الآليات وتحلق الطائرات في سماء تلك المنطقة لنكشف
مواقع الثوار.
وهنا كان
القرار إذ لا بد من الاختيار بين مواصلة الجهاد حتى الشهادة
رداً على نداء وجه لهم بالاستسلام. عسكرياً لم تدم المعركة
سوى ساعات أسفرت عن مقتل ضابط وجرح آخر أما الطرف الآخر فقد
كان نصيب كل منهم إما الشهادة وأما الأسر.
أما النصر
الحقيقي الذي حققه القسّام فقد كان بداية الثورة العربية فوق
الأرض الفلسطينية إذ يمكن اعتبار أن ثورة القسّام لم ولن تنته
يوماً رغم كل المقاييس العسكرية التي تعلن خسارة طرف والنصر
لطرف آخر. فكل يوم من تاريخ هذا الشعب هو امتداداً لثورة ذلك
الرجل الذي فجر الثورة وما من سبيل إلى إخمادها.
القسّام
رحل عن هذه الدنيا ولم ترحل معه نخوة الجهاد ولم ترحل مفاهيمه
التي لا بد وأن تدخل في دائرة الصراع قسّاما ًوروحاً جهادية
جديدة.ً
إعداد: سميح الشاعر
2001/11/30
|