التصنيفات » مقالات سياسية

إضراب الأسرى: مسؤولية دولية ورقابة أممية الحريّة والكرامة "16"


بقلم د. مصطفى يوسف اللدّاوي

•    اليوم الثاني والعشرون للإضراب ....
لا تتحمل سلطات الاحتلال الإسرائيلي وحدها المسؤولية القانونية عن حقوق الأسرى والمعتقلين المضربين عن الطعام في سجونها ومعتقلاتها، وإن كانت تتحمل بصفتها دولة الاحتلال المسؤولية الأكبر، وهو ما نصّت عليه اتفاقيات جنيف المتعلقة بالشعوب الخاضعة للاحتلال. ولكنها تضرب عرض الحائط بكلّ القوانين والأعراف، وتتنكر لكلّ القيم والشرائع، ولا تعترف إلاّ بما تنصّ عليه وتقرّه مؤسساتها، ولا تلتزم إلاّ بما ترى أنه يخدم مصالحها، ويصبّ في أهدافها، ويحقّق الأمن لكيانها ومستوطنيها.
وتتحمل المؤسسات الدولية والحقوقية، وفي المقدّمة منها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، المسؤولية الكبرى عن قضايا الأسرى والمعتقلين. فهي المسؤولة أخلاقياً عنهم، والمعنيّة بإثارة شؤونهم ودراسة همومهم وحلّ مشاكلهم والاطّلاع على ظروفهم، والضغط على سلطات الاحتلال للاستجابة إلى شروطهم وتلبية مطالبهم وضمان وصيانة حقوقهم، والتعهد بتحسين شروط اعتقالهم، وعدم المساس بحياتهم وصحّتهم وكرامتهم؛ فهي الوحيدة القادرة على زيارتهم واللقاء بهم والاستماع إلى شكواهم، والتعرّف على معاناتهم. فلتقم بالدور الملقى على عاتقها، ولتؤدِّ الأمانة الإنسانية التي تعهدت بها، ولا تكتفي بنقل الرسائل من الأسرى إلى ذويهم والعكس، ولا تخضع تقاريرها للعدو ولا تستجيب إلى تعليماته، ولا تقبل منه إملاءاته، ولتكن أمينةً في مهمّتها، وجادةً في وظيفتها، ومهنيةً في تقاريرها.
إلاّ أن المجتمع الدولي يشاطرها المسؤولية، ويتحمل معها وزر ما آلت إليه أوضاع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجونها المخالفة للقوانين، التي ربما أسهم في إنشائها، وقدّم المساعدات لتأمينها. ولهذا ينبغي أن يُحاسَب على تقصيره، وأن يُسأل عن إهماله، وأن يعرف حجم الجريمة التي يشارك فيها؛ فهو قد صمت طويلاً عن الانتهاكات الإسرائيلية للأسرى، ووقف يتفرّج على سلطات الاحتلال وهي تقمعهم وتصادر حقوقهم وتضيّق عليهم، وكان بإمكان الدول والحكومات الغربية وما زالت أن تضغط على السجّانين أو أن تعاقبهم، وأن تطلب منهم وتصرّ عليهم، إلاّ أنها تقبل بالمبرّرات الإسرائيلية، وتسكت عن خروقات سلطات السجون اليومية.
فهذه الدول والحكومات تسكت عن المظاهرات والاحتجاجات التي تشهدها بلادها تنديداً بالممارسات الإسرائيلية، وتعرف لماذا يخرج مواطنوها إلى الشوارع ويعتصمون في الميادين، والشعارات التي يرفعون والمطالب التي يريدون، في الوقت الذي ترصد فيه وتراقب صفحات التواصل الاجتماعي وما يتداوله المواطنون واللاجئون، وما ينشرونه من صورٍ يوميةٍ وتعليقاتٍ قاسيةٍ ومعبّرةٍ عن أوضاع الأسرى ومعاناتهم في السجون والمعتقلات الإسرائيلية.
وإضافةً إلى ذلك، تغضّ تلك الحكومات الطرف عن تقارير لجان حقوق الإنسان، وتقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي يعترف بها المجتمع الدولي، ويدعو لتسهيل عملها والاهتمام بتوصياتها والعمل باقتراحاتها. إذ إن أغلب العاملين فيها هم من مواطنيها؛ كما أنها تسكت عن تقارير لجانها الوطنية ومؤسساتها الحقوقية التي تشهد على حجم الاعتداءات الإسرائيلية الساديّة على الأسرى وأُسرهم وذويهم، والانتهاكات الجسيمة التي تقترفها سلطات الاحتلال بحّقهم يومياً؛ أفلا يكون المجتمع الدولي بعد ذلك شريكاً في هذه الجرائم النكراء، أم يظن أنه بريءٌ من هذه التهمة وغير مسؤولٍ أخلاقياً وقانونياً عنها.
تُدرك دول العالم، وخاصةً الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية، أن الكيان الصهيوني في حاجةٍ لها، وهو لا يستغني عن الحماية الدولية ولا عن مساعدات الغرب الدورية، ولا يستطيع أن يعيش طويلاً بعيداً عن مظلّته الوارفة، التي شكّلت له على مدى السنين الماضية حاضنةً للكيان، وراعيةً لشؤونه؛ والغربيون الذين يحولون دون صدور قراراتٍ دوليةٍ تدين الصهاينة، أو حتى توصياتٍ إقليميةٍ بالضغط عليهم. ولهذا فإن المسؤولية على الدول الغربية تتعاظم، والأمل في أن تبذل جهوداً أكبر يزداد؛ فربما هي أقدر من غيرها على إلزام حكومة الكيان الصهيوني بحقوق الفلسطينيين الخاضعين لاحتلاله عموماً، وللأسرى والمعتقلين في سجونه بصورةٍ خاصة.
يريد الفلسطينيون من المجتمع الدولي تدويل قضية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، والتعامل معها على أنها قضية دولية وجريمة ضدّ الإنسانية، وأن يخرجها من إطارها الفلسطيني الضيّق إلى الإطار الإنساني العام، ومن الدائرة الإقليمية المحدودة إلى الإطار الأممي الكبير، ليشعر الأسرى بالحماية الدولية، ويطمئن ذووهم على سلامتهم وصحّتهم، ذلك أن جرائم الكيان الإسرائيلي بحقّهم إنما هي جرائم موصوفة بحقّ البشرية جمعاء والإنسان عموماً.
نحن نريد مؤتمراً دولياً برعاية الأمم المتحدة، بصلاحياتٍ تنفيذيةٍ وقدراتٍ عالية، يكون قادراً على ملامسة قضايا الأسرى والمعتقلين والتغلغل إلى عمقها ومعرفة حقائق أوضاعهم وظروفهم، تنتج عنه محكمة دولية تقوم بملاحقة الضبّاط الأمنيين والمسؤولين الإداريين في مصلحة السجون الإسرائيلية، الذين يمارسون القمع والتنكيل ويعتدون على الأسرى؛ علماً أنهم معروفون لدى الشعب الفلسطيني، الذي يوثّق كلّ جرائمهم، ويحفظ أسماءهم ويعرف عناوينهم، ويرصد جرائمهم وأفعالهم.
يرفض الفلسطينيون عبارات القلق والاستنكار، وبيانات الإدانة الشكلية والشجب الخجول، وكلمات التأييد الإعلامية والمساندة الشكلية. فهذه الردود لا تؤتي خيراً، ولا تفي مع العدو بالغرض، الذي لا يُلقي لها بالاً ولا يعيرها اهتماماً. وما يريده الفلسطينيون من المجتمع الدولي هو تحرّك فاعل ومباشر وصريح ومؤثّر، تفهم منه سلطات الاحتلال أن ما ترتكبه بحقّ الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين إنما هو جريمة لا يقبل بها المجتمع الدولي، وأنه لا يرضى عن سياسة الإهمال التي تمارسها إزاء مطالبهم؛ وعلى دول العالم الحر أن تُلزم حكومة الكيان الإسرائيلي بوجوب احترام كافة الاتفاقيات والعهود الدولية، وفي المقدّمة منها اتفاقيات جنيف المختلفة.
كما تستطيع الحكومات الغربية أن ترسل مبعوثين من طرفها، ووفوداً تعبّر عنها، لتطّلع على أوضاع الأسرى والمعتقلين، وتتعرف على حقيقة ظروفهم وكيفية معاملتهم، ولتسمع منهم معاناتهم وشكواهم، وتدرس طلباتهم واحتياجاتهم. فهذا أقل جهدٍ يمكنها أن تقوم به، لتشعر حكومة الكيان بأنها غير حرّةٍ فيما تتصرف، وأنها مسؤولة عمّا ترتكب، ومحاسبة عمّا تخطئ وتجرم، رغم أن ما ترتكبه سلطات الاحتلال بحقّ الأسرى واضحٌ وجلي، ولا يحتاج إلى دليلٍ ولا إلى بيّنة. كما أن مطالب الأسرى والمعتقلين واضحة ومباشرة، وهي إنسانية ومحقّة، وعادلة ومنصفة، يقرّ بها العاقل ولا يجحد بها ويرفضها إلاّ كارهٌ حاقد.

2017-05-13 12:42:58 | 199 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية


آخر الأخبار