التصنيفات » مقالات سياسية

الولايات المتحدة الاميركية . الاستراتيجية الثابتة .. والخطط المتحولة

 

نبيل المقدم - كاتب وصحافي من لبنان

كثيرون اعتقدوا كما كل مرة ان الاستراتيجية الاميركية سستغير مع مجيئ رئيس جديد. ولكن كما في كل مرة اخطاء هؤلأ.ما قد يتغير عادة مع مجيئ رئيس اميركي جديد هو الاسلوب في تحقيق اهداف هذه الاستراتيجية . مما لاشك فيه ان شخصية دونالد ترامب هي شخصية غير نمطية باعتبارها لم تأت من القواعد الحزبية للحزب الجمهوري او الحزب الديموقراطي.وهي اسقطت مقولة صناعة الرئيس بواسطة وسائل الاعلام. فلقد استطاع  دونالد ترامب اسقاط هذه المقولة من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل جدا ذكي للرد على جميع الحملات التي استهدفته ونجح في ذلك.

بالنسبة لنا نحن في العالم العربي ،اذا اعتبرنا ان احد اهم اهداف الاستراتيجية الاميركية هي تطويق الصين. وذلك وفقا للنظرية التي تقول "ان الدولة البحرية تطوق الدولة البرية وتسقطها من الداخل". واذا عرفنا ان هناك سبعمئة قاعدة بحرية اميركية  حول  الصين  وروسيا نستطيع ان ندرك الاهداف البعيدة المدى للأستراتيجية الاميركية . الثغرة الاساسية عند الاميركييين هي في المسرح الوسيط. المسرح الشمالي والمكلف به دول حلف شمالي الاطلسي. استطاع التمدد  بعد سقوط الاتحاد السوفياتي الى دول اوروبا الشرقية.اما المسرح الجنوبي اي استراليا واليابان فهو ممسوك تماما من قبل الولايات المتحدة. اذا بقي عند الاميركييين مشكلة المسرح الوسيط. بعد احداث الحادي عشر من ايلول كان اول اجراء اتخذه الرئيس الاميركي جورج بوش والذي كان يتبع نظرية الحرب الجامدة وليس الحرب الناعمة هو ان قام بضرب افغانستان  ومن ثم احتلال العراق.وكلف اسرائيل بضرب المنطقة الخلفية اي لبنان. هذا المشروع تعثر في افغا نستان وسقط في مرحلته الاولى في العراق قبل ان تتم استعادته في المرحلة الثانية وهزم في لبنان عام 2006 .على ضوء هذا الواقع قام الاميركيون باجراء مراجعة لخططهم ووضعت وزيرة الخارجية الاميركية السابقة  كوندليزا رايس  كتابا تحدثت فيه عن المشاكل التي واجهتها اثناء فترة حكمها. خلصت فيه الى نوع من التوصيات للعهد القادم وهي تغيير عملية الهجوم من هجوم جامد الى هجوم ناعم  والذي يقوم على استغلال التناقضات والمشاكل  الموجودة عند شعوب المنطقة هذا المشروع نال موافقة الكونغرس الاميركي وتم تحضير الارضية له وانطلق الى ما يسمى منطقة المشرق العربي عام 2010. وهنا اصبحت الحرب بالوكالة اي استخدام الشعوب في مواجهة بعضها البعض خدمة للمصالح الاميركية.والهدف الاساسي معروف هو تطويع المسرح الوسيط للوصول الى الصين. في المحصلة لم تستطع اميركا تحقيق اهدافها وسقطت كل من النظريتين.

بعد سقوط هاتين النظريتين قامت اميركا باستخدام اسلوب كان مستخدما سابقا لدى الجيش الاميركي وهو "اظهار القوة مع عدم استخدامها بشكل مباشر".  واولى تجلياته ظهرت في 

تصريحات لمسؤولين اسرائلييين  اعلنوا فيها "بانه بعد فوز ترامب  لم يعد هناك اي امل بقيام دولة فلسطيننية". ايضا كان هناك تصريح لترامب بعد فوزه قال فيه:"ان الولايات المتحدة ستمد يدها للدول التي تتعاون". وهذا التصريح يخفي مسألة اخرى وهي النهب بطريقة مشروعة. اي ان على الاخر ان يقبل معك حتى تستطيع ان تقوم بسرقته.

اذا من هنا نسطتيع القول ان الاستراتيجية الاميركية تقوم على  مبدئين اساسيين  الاول هو تثبيت الدولار وتقويته من اجل خلق حالة ترف داخلي داخل المجتمع الاميركي  وهذا لايتم بعملية النهب الداخلي بل بعملية النهب الخارجي. اما  المبدأ الثاني فهو عملية خلق عدو بشكل  دائم. فاذا تعاونت روسيا  مع الولايات المتحدة  في سوريا سيكون هناك تقاسم للنفوذ بينها وبين الولايات المتحدة  وذلك تحت ستار سياسة مد اليد. واذا لم تتعاون فستعود روسيا الى الواجهة  عدو  رئيسي للولايات المتحدة.. وذلك تحت ضغط الحلف الاطسي والذي يبدو انه غير موافق على سياسة مد اليد.

بالنسبة للولايات المتحدة هناك هناك محورين اساسيين  محور عملاني شمالي ومحور عملاني جنوبي . المحور الجنوبي ويبدأ بفلسطين المحتلة مرورا بالاردن وصولا الى الجزيرة العربية وهذا المحور هو في متناول يد الاميركييين اما المحور الشمالي فهو يبدأ في منطقة كسب وينتهي في منطقة القوقاز والهدف منه ان يفصل بين روسيا والصين وهو يمر في منطقة شمال العراق اي المنطقة التي يتواجد فيها الاكراد ويصل الى شمال غرب ايران. وهنا قد لاحظنا عدة عمليات من قبل الاكراد على الايرانييين. بعد معركة حلب.

بعد الانجازات التي حققها الجيش السوري وحلفائه مؤخرا. شعر الاميركيون ان مخططهم هذا قد فشل. فسعوا الى قيام هدنة الهدف منها تمكين المسلحين من التقاط انفاسهم واعادة امداداهم بالاسلحة من  اجل استئناف المعركة.

كان اهم الاهداف التي استطاع محور المقاومة في حربه الطويلة على الارهاب في سورية  تحقيقها هو اسقاط خطر التقسيم. بعد سقوط مشروع التقسيم  تحرك الاميركيون باتجاه مشروع الفدرلة واداته الاساسية هم الاكراد.دخول الاتراك على الخط اسقط هذا المشروع بغض النظر عن الاطماع التاريخية للاتراك في سوريا وهذا امر لاجدال فيه.والتي على اساسها انخرط الاتراك بشكل كامل في الحرب من خلال فتح الحدود للجماعات الارهابية وتقديم كل الدعم لهم والعمل على اقامة ما يسمى بالمنطقة الامنة ولكن بعد استعادة حلب سقط هذا المشروع واصبح الباب مفتوحا امام ازالة خطر المشاريع الاميركية الثلاث وهي التقسيم والفدرلة واقامة المنطقة العازلة.

من  المعروف ان لدى تركيا اطماع تاريخية في شمال سوريا. بدء من حلب الغنية بصناعتها وصولا الى الرقة الغنية بالبترول. تركيا لاتمتلك نفطا. وهي اعتمدت على داعش في فترة سابقة لتزويدها بهذه المادة. وبعد انتهاء وكالة داعش قررت الدخول هي بنفسها على الخط.وما تحاول ان تفعله الان هو ان تسابق الاميركي . وذلك في لتركيز وضعها في المناطق التي دخلتها خوفا من تمدد الاكراد اليها. في المقابل يسعى الاميركي الى تقديم نوع من ورقة للأكراد على حساب الاتراك في كل من سوريا والعراق.والعمل على اطالة امد الحرب في سوريا والامرا اصبح واضحا جدا. فالمايسترو الذي يدير داعش والنصرة هناك هو واحد واقصد به الادارة الاميركية. وانطلاقا من ذلك فان الولايات المتحدة لن تقدم على تصفية هذين التنظيمين في سوريا في الوقت الحاضر.

واليوم بعد كل ما تقدم تتجه الانظار نحو معركة ادلب والتي يبدو انها قادمة لامحالة وان تأجلت بعض الوقت. والتي ستكون نقطة مفصلية ليس لسوريا بل للمنطقة برمتها.

اذا ان المواجهات العسكرية الأساسية على كامل الجغرافية السورية قد حُسمت بشكل أو بآخر، ولم يبق إلا جيوب هنا وهناك يجري التعامل معها بالقتال أو بالمصالحات المحلية أو بتفاهمات "خفض التصعيد" وفق اتفاقات الآستانة برعاية روسية ـ إيرانية ـ تركية. كذلك تم القضاء، نسبياً، على إرهابيي "داعش" في دير الزور والرقة والموصل، في حين تعززت سيطرة إرهابيي "النصرة" في إدلب والمناطق المجاورة لها.

وإلى جانب القوى المسلحة المحلية المنتشرة في الشمال السوري، أصبح واضحاً أن الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في سوريا باتت تنظر إلى المعركة الكبرى في إدلب بوصفها الفرصة الأخيرة المتاحة لتحقيق مطامعها وطموحاتها على حساب وحدة الشعب السوري وسيادة الدولة على أراضيها، وذلك قبل الانتقال المتوقع إلى العملية السياسية سواء في مؤتمرات جنيف أو اجتماعات سوتشي..

وتترافق مواجهات ادلب المرتقبة عاجلا ام اجلا مع مجموعة من التحركات الإقليمية التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها غير متعلقة بمعركة الحسم في الشمال السوري. ونذكر منها على سبيل المثال: التصعيد الأميركي ضد إيران، التوتر في العلاقات الأميركية ـ التركية، إعادة خلط أوراق التحالفات في العراق، شحنات السلاح المتطور التي أرسلتها أطراف خليجية إلى بعض جماعات المعارضة المسلحة في إدلب، الاستهداف المباشر للقواعد العسكرية الروسية في حميميم، زيادة الغارات الجوية الصهيونية على مواقع داخل الأراضي السورية... وعلى الرغم من تشابك معظم هذه التطورات وتقاطعها عند المصالح الحيوية لكل لاعب إقليمي ودولي، فإن ما تقوم به تركيا في الشمال السوري يشكل الخطر المصيري الأكبر ليس على مستقبل سوريا فقط بل على مستقبل المنطقة برمتها.

 

 

2018-11-21 08:08:56 | 225 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية