بقلم: واصف عريقات *
غريب أمر هؤلاء في اسرائيل، ففي حين شهد العالم بأسره على جرائم الحرب التي ارتكبتها قيادات سياسية وعسكرية اسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني وردت في تقرير القاضي الصهيوني ريتشارد غولدستون الأخير، وقبله مئات التقارير الدولية التي تحدثت وأدانت الانتهاكات الاسرائيلية، وجرمت قادتهم وطلبت تعقبهم ومحاكمتهم، وأوصت بضرورة انهاء الاحتلال ورفع الظلم عن الشعب الفلسطيني واقرار حقوقه الوطنية واقامة الدولة الفلسطينية، وأولى خطوات انهاء الاحتلال تتمثل في تغيير ثقافة المجتمع الاسرائيلي المليئة بالحقد والكراهية ورفض التعايش مع العرب ومجاورتهم واستبدالها بثقافة السلام بما تحويه من الود والتسامح وقبول الآخر، وبدلا من كل ذلك يمعن قطعان المستوطنين (بصمت وتشجيع من الرسميين) في سياساتهم العدوانية ويضيفوا على استفزازاتهم واعتداءاتهم على البشر والشجر وهجومهم على القرى والأحياء في المدن الفلسطينية وانتهاكاتهم الدينية باقتحام باحات المسجد الأقصى المبارك وغيرها الكثير استفزازا جديدا لكنه خطيرا، عبر تدريب أطفالهم على السلاح والتبجح بهذا التدريب والتحريض ونشر الصور دون خجل أو وجل، يتزامن ذلك مع إباحة قتل الأطفال الفلسطينيين، الذي دعى اليه كل من الحاخام ايتسيك شابير والحاخام يوسي اليتسور في كتابهم 'عقيدة الملك ' الذي يدعو الى قتل الأغيار ( أي غير اليهود ) وإن كانوا أطفالا رضع، وبحسب الكتاب فإنه مسموح المس بالأطفال لأنهم 'سدادو طرق'، وليس فقط في اطار المس بالكبار، ولم يقتصر الأمر على الحاخامين، بل ونال الكتاب رضا وتوصية محافل يمينية اسرائيلية أخرى، وهذا يخالف بشكل فاضح وصايا الكتب السماوية ووصايا الأنبياء جميعا وعلى وجه الخصوص شريعة موسى عليه السلام وكل القيم الأخلاقية والأعراف الدولية، والتي تحرم وتجرم قتل الأطفال والنساء والآمنين بشكل عام، وهو ما يفسر اقدام الجيش الاسرائيلي على قتل الأطفال بدم بارد واستخدامهم كدروع بشرية في عملياته العدوانية، منذ المجازر في دير ياسين وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا وغزة ورفح وبيت حانون وجنين والخليل، وهذا من شأنه تأجيج الصراع وتعزيز ثقافة الكراهية وهو تعبير عن عقيدة حاقدة تحفز على القتل من أجل تحقيق المكاسب السياسية العنصرية، ولديها النية المبيتة لمواصلة هذا النهج ونقل الصراع للأجيال القادمة، بتأييد ومباركة من الموقف الاسرائيلي الرسمي، لذلك فهو يرفض اي مبادرة نحو تخفيف الاحتقان والتوصل الى السلام، و ليس في ذلك أي جديد.
لكن الجديد واللافت في الأمر صمت المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الانسان على مثل هذه الفتاوي، وعدم اكتراثها وكأن الأمر لا يعنيها، في حين أنه لو صدر عن العرب والفلسطينيين أقل من ذلك بكثيرلانفلتت كل الأبواق من عقالها وهاجت وماجت أدعياء حقوق الانسان كلها وقامت الدنيا ولم تقعد، والشاهد على ذلك ما قامت به اسرائيل من احتجاجات وتهديدات لمجرد تدريب طلاب مدارس فلسطين أثناء العطل الصيفية على اجراءات السلامة العامة والوقاية والاسعافات الاولية والاستماع للنشيد الوطني، واعتبرته استغلالا للأطفال وتعبئة حربية لهم وألصقت بهم كل الصفات الارهابية.
آن الأوان لأن تدرك اسرائيل ان تدريب أطفالهم على حمل السلاح واستخدامه ليس فيه أمن لاسرائيل، وأن ما عجز عن تحقيقه كبارها عبر عشرات السنين من القتل وسفك الدماء لن يحققه أطفالها.
وإن نشدت اسرائيل الأمن والأمان فالطريق الى ذلك واضح ومعروف ووصفتها ليست سحرية : انهاء الاحتلال للأراضي العربية والحرية والاستقلال للشعب الفلسطيني، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وهذا ما اعتمدته الأمم المتحدة اليوم بأغلبية ساحقة في مشروع قرارها تحت عنوان : حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وأن تكون له دولته المستقلة.
وهذا يجنبنا القول: أطفالكم يقابلهم أطفالنا، وللتذكير فقط فان الزمن تغير، فأطفال فلسطين يؤيدهم اليوم أطفال 172 دوله وهي التي صوتت لصالح مشروع القرار، وأطفالكم يؤيدهم خمس دول فقط.
* خبير استراتيجيات عسكرية









