التصنيفات » قراءة في كتاب

رؤية موسكو: كيف يُفَسّر المنظور الحضاري الصراع الروسي مع الغرب؟

رؤية موسكو:
كيف يُفَسّر المنظور الحضاري الصراع الروسي مع الغرب؟

25  نوفمبر، 2025

بول روبنسون

عرض: منى أسامة
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدّمة 

شكّلت الحرب الباردة صراعاً سياسياً وأيديولوجياً واقتصادياً طويل الأمَد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي عقب الحرب العالميّة الثانية، حيث امتدّ هذا الصراع من أواخر الأربعينيّات حتى أوائل التسعينيّات. وشهدت هذه الفترة سباق تسلّح، وحروباً بالوكالة، وتنافساً على النفوذ في أنحاء العالَم، دون أن يصل إلى مواجهة عسكرية مُباشرة بين القوّتين العُظميَين. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، ساد الاعتقاد بأنّ المعسكر الغربي قد انتصر، وأنّ الصراع الأيديولوجي العالَمي قد انتهى. ولكن العقود الأخيرة كشفت عن تحوّلات عميقة وصراعات فكرية وسياسية جديدة داخل المجتمع الدولي، تعكس في جوهرها تبايناً جذرياً في رؤى الدول تجاه العالَم وطبيعة النظام الدولي.
وفي هذا السياق، يَستَعرِض كتاب "النظام العالَمي لروسيا"، للكاتب بول روبنسون، وجهة نظَر روسيا تجاه العالَم وطبيعة الصراع المُتصاعد بين روسيا والغرب. فبخلاف التحليلات الشائعة التي تُفَسّر هذا الصراع في إطار سياسي أو أيديولوجي، كالصراع بين الديمقراطيّة والسلطويّة، يرى الكتاب أن جوهر الخلاف أعمق من ذلك بكثير، وأنه ينبع من تصوّر مختلف للعالَم ولمسار التاريخ بين الجانبيْن؛ فبينما يُرَوّج الغرب لرؤية تاريخية تدفع جميع الدول نحو نموذج اجتماعي وسياسي واقتصادي واحد (نموذج الليبرالية الغربية الحديثة)، تُدافِع روسيا عن حق جميع الحضارات في رسم مسارها التنمويّ المستقل.
  منظور حضارة الدولة: 
تُعَرِّف روسيا نفسها بأنها حضارة دولة. ويُشير المؤلّف إلى أنه وَصْفٌ مُثيرٌ للاهتمام، لافتاً إلى أن الهند على سبيل المثال، تُعَدّ دولة حضارية، وليست حضارة دولة كروسيا؛ ويُقصَد بالدولة الحضارية أنها دولة تقوم على أساس حضارة، بينما حضارة الدولة تعني حضارة تتجسّد من خلال الدولة نفسها؛ حيث تُشَكّل الدولة في الحالة الروسية القيمة العليا التي تجمَع بين السيادة والهويّة المتميّزة، باعتبارها كياناً يضم أعراقاً وثقافات ولغات ومذاهب متعدّدة.
وبعبارة أخرى، ليست كلّ الدول حضارات، وليست كلّ الحضارات دُوَلاً. ومن الصعب تخيّل أن العلاقات التحضّريّة يمكن أن تحلّ محلّ السيادة والدولة القومية كأساس للعلاقات الدولية. ويرى إيفان تيموفيف Ivan Timofeev، مدير المجلس الروسي للشؤون الدولية، أن الحضاريّة الروسيّة هي عمل قيد التطوير، وسيتطلّب الكثير من التطوير المفاهيمي والعملي قبل أن تُصبح رؤية عالميّة بديلة مُكتمِلة الأركان للسياسة والمجتمع العالميين. 
ويُشير الكتاب إلى رؤية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لروسيا كحضارة قائمة على الدولة تتعايش مع الحضارات العالمية الأخرى، والتي تُشَكِّل معاً جوهر المجتمع العالمي للدول ذات السيادة. مع العِلم أن بوتين تبنّى مفهوم "الحضارة" بشكلٍ تدريجي، مدفوعاً بالبراغماتيّة؛ بقَدر ما هو مدفوع بالفلسفة. 
فيرى بوتين دائماً، وفقاً للكتاب، أن لروسيا حضارة فريدة، ولها الحق في اختيار مسار تطوّرها الخاص، في مواجهة ادّعاءات الغرب بسموّ القِيَم الليبرالية عالمياً؛ وهو ما يَظهَر جلياً في تصريح بوتين: "العالم متعدّد الأقطاب الناشئ حلّ محلّ التفوّق والاستثنائيّة اللتين سادَتا خلال الهيمنة العالمية الغربية بعد الحرب الباردة".
وفي أكتوبر 2022، صرّح فلاديمير بوتين خلال كلمته في نادي فالداي للنقاش، وهو مركز أبحاث مقرّه موسكو، قائلاً: "أنا مُقتنع بأن الديمقراطية الحقيقية في عالم متعدّد الأقطاب تتمثّل أوّلاً وقبل كلّ شيء، في قدرة كلّ دولة أو مجتمع أو حضارة على اتّباع مسارها الخاص وتنظيم نظامها الاجتماعي والسياسي بطريقتها الخاصّة". وفي عام 2023، أكّد "مفهوم السياسة الخارجية" الروسي المُعاد صياغته أن "أكثر من ألف عام من الدولة المستقلّة تحدّد مكانة روسيا الخاصّة كحضارة دولة فريدة"، مُشيراً إلى سعيها نحو إقامة نظام دولي يضمن الأمن الموثوق، ويُحافظ على هويّتها الثقافية والحضارية، وُيوَفّر تكافؤ الفُرَص لتنمية جميع الدول.
وفي خطابه أمام نادي فالداي، في أكتوبر 2024، أثنى بوتين على هذا المفهوم، مؤكّداً أنه "مُقتنع بأن البشرية لا تتّجه نحو عولمة جديدة بلا روح، بل نحو تآزر حضارات الدول". وعلى خلاف رؤية صموئيل هنتنغتون -العالِم والسياسي الأمريكي- حول "صدام الحضارات"، يرى بوتين أن المواجهة الحاليّة بين روسيا والغرب ليست صداماً حضارياً؛ بل هي صراع سياسي وأيديولوجي يعكس اختلاف الرؤى حول النظام العالمي ومستقبله.
الجذور التاريخيّة والفلسفيّة: 
يؤكّد الكتاب أن الجذور التاريخية والفلسفية للحضارة الروسية تتعارض مع فرضيّة أن روسيا مُقَدّر لها أن تتبَع مسار التقدّم نفسه الذي سلَكته أوروبا الغربية. وقد ردّ "السلافيّون Slavs"  في منتصف القرن التاسع عشر على هذا التصوّر، مُشَدّدين على أنّ روسيا تختلف جوهرياً عن الغرب، وأنّ لديها تقاليد روحانيّة وجماعيّة تمنحها القدرة على رسم مسارها التاريخي الخاص وتحقيق مصيرها بمعزل عن النموذج الغربي للتطوّر. وقد ترَك السلافيّون وراءهم العديد من التلاميذ والمفكّرين الذين واصلوا هذا النهج؛ ويُقَدّم المؤلّف سَرْداً فكرياً معقّداً لتطوّر أفكارهم المتنوّعة.
بل وهناك مفكّرون غربيون، مثل: يوهان غوتفريد هيردر Johann Gottfried وأوزوالد شبنغلر Oswald Spengler وأرنولد توينبي Arnold J. Toynbee، انحازوا لهذا الاتجاه، ورفضوا النموذج الأحاديّ الخط للتاريخ، وهو النموذج الذي تبنّاه العالِم والفيلسوف الأمريكي فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama عام 1989، عندما أعلَن أن انتصار الديمقراطيّة الليبراليّة يمثّل "نهاية التاريخ".
وبناءً عليه، تقوم النظريّة الحضارية الروسية على كتابين أساسيين: كتاب نيكولاي دانيلفسكيNikolay Danilevsky " روسيا وأوروبا" (1869)، وكتاب كونستانتين ليونتييف Konstantin Leontiev "البيزنطية والسلافية" (1876)؛ حيث رأى دانيلفسكي أن روسيا تُشَكّل واحدة من عدّة حضارات متميّزة، بينما حدّد ليونتييف الجذور البيزنطية للكنيسة الأرثوذكسية الروسية كمصدر لتميّزها الحضاري. وعلى الرّغم من تهميش أفكارهما خلال حياتهما؛ فقد عادت لتبرز في روسيا ما بعد الشيوعية، ولا سيما أفكار دانيلفسكي، الذي استشهد به بوتين نفسه تقديراً لفكرته حول التنوّع الحضاري.
وفي سياق متّصل، يُرَكّز الكتاب على اتجاهين رئيسيين داخل الفكر الحضاري الروسي: التيّار الأوراسيوي والتيّار الانعزالي؛ ويرتبط التيّار الانعزالي أساساً بالمفكّر الروسي فاديم تسيمبورسكيVadim Tsymburskiy، ولاحقاً بـبوريس ميزويف Boris V. Mezhuev وآخرين؛ ويرى أن المشكلة الأساسيّة لروسيا تكمن في رغبتها المستمرّة في أن تكون جزءاً من الغرب، وسعيها الدائم إلى الحصول على اعتراف الغرب بمَكانتها؛ وهو اعتراف –وفقاً لهم– لن يتحقّق أبداً؛ ممّا يجعل هذا السعي مصدراً دائماً للصراع. ويقترح هذا الاتجاه أن أفضل حلّ هو أن تعترف روسيا والغرب ببعضهما كحَضارتين مُنفصلتين تماماً، وأن ينفصل كلٌ منهما عن الآخر تماماً، دون أيّ علاقة تربط بينهما؛ وعندها فقط يمكن إنهاء الصراع. غير أن العيْب الجوهري في هذه الفلسفة –كما يوضِّح المؤلّف– هو أن الغرب لن يقبل بهذا الفصل؛ نظَراً لتبنّيه رؤية عالميّة شموليّة تسعى لفرض قِيَمِه ومعاييره على الآخرين.
أما التيّار الأوراسيوي، فيضم داخله تنوّعات عديدة، بعضها أكثر تصادميّة من البعض الآخر. ويُعَدّ ألكسندر دوغين Aleksandr G. Dugin أبرز ممثّليه المُعاصِرين؛ إذ يرى أن الغرب –أو تحديداً الأنجلوساكسونيين– يمثّل الشرّ في جوهره، وأن على روسيا أن تقود صراعاً متعدّد الثقافات والحضارات ضدّ الهيمنة الغربية، التي يصِفها بأنها عنصرية بطبيعتها، لأنها تفترض تفوّق أفكارها وتسعى إلى فرضها على الجميع. ويرى دوغين أن الطريق الوحيد للتعامل مع هذا الواقع هو المقاومة، بوصفها السبيل الوحيد للحفاظ على الهويّة الحضاريّة الروسيّة في مواجهة الغرب.
يُبرِز المؤلّف دور شخصيّتين غير متوقّعتين في نشر الفكر الحضاري الروسي، وهما: زعيم الحزب الشيوعي الروسي غينادي زيوغانوفGennady Zyuganov، والمؤسّس البارز للحزب الديمقراطي الليبرالي القومي الشعبوي فلاديمير جيرينوفسكي Vladimir Zhirinovsky. يرى زيوغانوف أن روسيا تُشَكّل "عالَماً خاصاً وكوناً اجتماعياً مُتكاملاً" يتميّز بخصائص تاريخية وجيوسياسية وفلسفية ووطنية واقتصادية محدّدة. أما جيرينوفسكي، فقد أسّس معهداً للحضارات العالميّة ونشَر العديد من الكتب التي تناولت هذا المفهوم، مؤكّداً أن "التجربة والحسّ السليم والتحليل العلمي والتقاليد الثقافية" جميعها تُثبت أن روسيا حضارة فريدة تقوم على مبدأ الجماعة والجماعيّة. ويُشير المؤلّف إلى أن أفكار كلٍّ من جيرينوفسكي وزيوغانوف تسلّلت تدريجياً إلى خطابات الرئيس فلاديمير بوتين وإلى الخطاب الرسمي لحزب روسيا المتحدة الحاكِم. كما أسهمَت الدولة الروسية في ترسيخ هذه الرؤى من خلال ترويجها لما يسمّى بـ "عِلم الثقافة"؛ وهو برنامج يستهدف تثقيف الشباب الروسي حول مفهوم الحضارات العالميّة وسُبُل تفاعلها.
نقد التحضّريّة من الداخل: 
بشكلٍ عام، تُسهِم "التحضّريّة" في تعزيز مفهوم التميّز الروسي؛ ومن ثمّ في تقوية الروح الوطنية ودعم الدولة. كما تُستَخدَم هذه الفكرة أيضاً لتبرير الصراع السياسي القائم بين روسيا والغرب. أما على الصعيد الدولي، فإنها تُوَفّر لروسيا أداة فاعلة لإقناع دول العالم النامي بعدم الاصطفاف إلى جانب الغرب ضدّها.
ومع ذلك، تُواجِه النظريّة الحضاريّة انتقادات من داخل الأوساط السياسية والفكرية الروسية. فقد أشار إيفان تيموفيف، مدير المجلس الروسي للشؤون الدولية، إلى أن السلافيين في القرن التاسع عشر استلهموا أفكارهم من نظام ثقافي وقِيَمي كان موجوداً بالفعل ويعكس تقاليد الغالبيّة العظمى من السكّان. ولكن على مدار قرن ونصف من الحداثة والتحوّلات السياسية، تَغَيّر المجتمع الروسي جذرياً، وأصبح الروس المُعاصرون يختلفون كثيراً عن أسلافهم.
ويرى تيموفيف أن الحضاريين يؤكّدون تميّز روسيا؛ لكنهم يفتقرون إلى الوضوح في تحديد ماهيّة هذا التميّز. كما يعتبر أن تصوّرهم للهويّات بوصفها طبيعيّة وعضويّة – أي أنها تنبع من جذور ثقافيّة ثابتة – هو تصوّر مُضَلّل؛ لأن التميّز الحضاري في الغالب بناءٌ سياسيٌ مُصطنع. إضافة إلى ذلك، بينما يسعى بعض الحضاريين الروس إلى عزل روسيا عن الغرب؛ فإن نُظَراءهم في الحضارات الأخرى لا يتبنّون النهج نفسه؛ إذ يسعى كثيرون منهم إلى دمج عناصر من الثقافة الغربية الروحية والسياسية والمادية ضمن مجتمعاتهم.
ختاماً، فقد أعلنت الأيديولوجيّة الشيوعية السوفييتية أثناء الحرب الباردة أن النظام الاشتراكي يُمَثّل المرحلة النهائية للتطوّر البشري. إلّا أنه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، تبنّت روسيا تصوّراً جديداً للحتميّة التاريخيّة، يقوم على الاعتقاد بأن البلاد ستنضم في نهاية المطاف إلى المسار العالمي نحو الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق الحرّة. ومع ذلك، يُشير روبنسون في كتابه إلى أنه بحلول أواخر التسعينيّات، وبعد خيْبة الأمل من النموذج الغربي، بدأ المفكّرون الروس يرون العالَم مؤلّفاً من حضارات متميّزة، لكلٍ منها خصائصها ومساراتها التنمويّة الخاصّة. وفي هذا السياق، تتبّع الكتاب جذور النظرية الحضارية الروسية إلى فلاسفة القرن العشرين الغربيين والروس؛ كما قدّم تفسيرات متنوّعة من قِبَل الأيديولوجيين الروس المُعاصِرين. وعلى الصعيد السياسي، وبعد أن شنّت موسكو حربها على أوكرانيا، وانفصلت عن الغرب، واتّجهت نحو العالَم غير الغربي، تبنّى فلاديمير بوتين الخطاب الحضاري بشكلٍ واضح؛ ليُصبح سياسة رسمية وركيزة أساسيّة في الخطَب الرئاسيّة، بل وحتى في الكتب المدرسيّة الروسيّة.
المصدر:
Paul Robinson. Russia's World Order: How Civilizationism Explains the Conflict with the West. Cornell University Press, 2025.

2025-12-15 08:46:54 | 38 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية