التصنيفات » قراءة في كتاب

كتابه الجديد عن غزّة ما بعد الإبادة: من الأهواز إلى كولومبيا... سيرة مُفَكّر مُتَجَذّر في العالَم

كتابه الجديد عن غزّة ما بعد الإبادة: من الأهواز إلى كولومبيا... سيرة مُفَكّر مُتَجَذّر في العالَم

في كتابه الجديد «بعد الهمجيّة: غزّة، الإبادة ووَهْم الحضارة الغربيّة»، يجعل حميد دباشي غزّة عتَبَةً أخلاقيّة تَفرِض التفكير في عالَم «ما بعد الغرب»، ويَقرَأ إسرائيل بصفَتها ذروة الخيال الاستعماري و«الدولة-الحصن» في مُقابِل «الحياة العارية» في المخيّم.
وصال الوردي
موقع الأخبار 
السبت 17 كانون الثاني 2026

في كتابه الجديد «بعد الهمجيّة: غزّة، الإبادة ووَهْم الحضارة الغربية»، يجعل حميد دباشي غزّة عتَبَةً أخلاقيّة تَفرِض التفكير في عالَم «ما بعد الغرب»، ويَقرَأ إسرائيل بصفَتها ذروة الخيال الاستعماري و«الدولة-الحصن» في مُقابِل «الحياة العارية» في المخيّم. يستَعين بأغامبين ويُقيم مُقارَنات مع معسكرات الاعتقال، واضِعاً ذلك ضمن مشروعه لتفكيك احتكار أوروبا لتعريف العقل والإنسانيّة.

من الأهواز، حيث تَلَقّى تعليمه الأوّل بين البيت والمدرسة، إلى جامعة طهران، ثمّ إلى قُم، حيث أمضى فترة دراسيّة قبل أن يعود مُجَدّداً إلى العاصمة الإيرانيّة، ومنها إلى فيلادلفيا للدراسة في الولايات المتحدة... مَسارٌ تعليميٌ وجغرافيٌ تَشَكّلَ على إيقاع تحوّلات سياسيّة وفكريّة كبرى. مع اندلاع الثورة الإيرانيّة، عاد حميد دباشي (1951) إلى بلاده للمُشارَكة فيها، قبل أن يُغادِرَها لاحقاً ليَستَقِرّ في نيويورك، حيث يعمل حتى اليوم أستاذاً للدراسات الإيرانيّة والأدَب المُقارَن في «جامعة كولومبيا».
هذه الخريطة المُختَزَلَة لا تُحيط بكلّ تنقّلاته بين بيروت والرباط ومُدُن أخرى لم يمكث فيها طويلاً، لكنها تكشف عن سيرة فكريّة لا تنفصل عن الترحال، ولا عن التوتّر الدائم بين المركز والهامش، الوَطن والمَنفى.
نشأ على حبّ فيروز وأم كلثوم
بدأ دباشي شاعراً ودارساً للمسرح، قبل أن تتشعّب مَساراته المعرفيّة ليَستَقِرّ في الفلسفة والدراسات الثقافيّة، من دون أن يُغادِر أرض الفنّ والسينما والأدَب. هذا التعدّد ليس عَرَضياً في كتاباته، بل جزء من تعريفه لذاته بوَصفِها ذاتاً مُرَكّبة؛ وهو ما يُصَرّح به في نصّ تعريفي لافت يقول فيه: «أنا حميد دباشي، ابن زهراء پرويزي، رَبّة منزل، أم، مُعالِجَة بالأعشاب، راوية قصص، وخداداد دباشي، عامل سكك حديد، أب، وطبّاخ استثنائي. اسمي الأوّل عربي، واسمي الثاني من أصل سنسكريتي. وُلِدْتُ لأمٍ إيرانيّة فاتحة البشرة وأب داكن البشرة. نَشَأتُ على حبّ أم كلثوم وعبد الحليم وفيروز، في منطقة نُجاوِر فيها صدّام حسين وشاهنشاه إيران.
كَتَبْتُ عن الإسلام، والفلسفة الإسلامية، والاستشراق، وإيران، والشعر، والسينما، والسياسة. أُحارِب الظّلم من فلسطين إلى إيران إلى العراق وأفغانستان، ومن هارلم إلى شرق لوس أنجلوس، ومن الكونغو إلى البوسنة وضواحي باريس الفقيرة. قبل أن أكون إيرانياً أو أميركياً أو إيرانياً-أميركياً، أنا كاتِبٌ مُتَجَذّرٌ وجودياً في العالَم من حولي».
غزّة: الإبادة ووَهْم الحضارة الغربيّة
من هذا «التجذّر الوجودي»، يَنطَلِق كتابه الجديد «بعد الهمجيّة: غزّة، الإبادة ووَهْم الحضارة الغربية» 
After Savagery: Gaza, Genocide, and the Illusion of Western Civilization ـ منشورات هايماركت). للقارئ المُطّلع على أعمال دباشي السابقة، لن يبدو الكتاب قطيعةً معرفيّة بقَدر ما هو تكثيفٌ حادٌ لمشروع فكريّ مُمْتَد؛ فالسؤال المركزي الذي يُحَرّكه - من يُسمَح له بأن يكون إنساناً كاملاً داخل النظام المعرفيّ الغربي؟ - شغَل كتبه السابقة بصيغٍ مختلفة.
الجديد هنا ليس الإشكاليّة ذاتها، بل مَوضِع طَرْحِها: لم تَعُد تُناقَش في فضاء نَظَريّ مُجَرّد، بل تُستَخرَج من قلب كارثة استعماريّة مُعاصِرة تكشف، بلا مُوارَبَة، تواطؤ الخطاب الغربي مع العنف حين يُمارَس باسم القِيَم الكونيّة، وتَمَوْضُع إسرائيل بوَصفِها الذروة المُتَأخّرة للخيال الاستعماري الغربي.
القبائليّة الهمجيّة الغربيّة
«من المُستَحيل أن نُفَكّر في العالَم بعد الإبادة الجماعيّة في غزّة كما كنّا نُفَكّر فيه قبلها»، يكتب دباشي، مُعتَبِراً أنّ ما جرى يضع الفكر الحديث أمام عتَبَة أخلاقيّة وفلسفيّة تُماثِل، من حيث الأثَر، تلك التي فَرَضَها الهولوكوست اليهودي على الوعي الأوروبي.
وكما دَفَعَ أوشفيتز مشروع الحَداثة المُستَنيرة إلى التفكيك والنقد، يرى دباشي أنّ الإبادة في غزة تَفتَتِح ضرورةً فلسفيّة جديدة: التفكير في عالَم ما بعد الغرب، لا بوَصفِه شعاراً أيديولوجياً، بل استجابة معرفيّة لانكشاف البُنيَة العنيفة التي قامت عليها «الإنسانيّة» الغربيّة.
يَستَعيد هنا تاريخ ما بعد الحرب العالميّة الثانية: مدرسة فرانكفورت، النظريّة النقديّة، وما بعد الحداثة، ليَقتَرح أن تُصبِح غزة «الأرض الصفر» لمِخيال تحرّري يتجاوز وَهْم الغرب وثنائيّاته.
من خلال صهيونيّته الإباديّة - بحسب دباشي – فَقَدَ الغرب قُدرته على إخفاء جوهره، وانكشَف صَرْحُ فلسفته على حقيقته: قبائليّة همَجيّة جرى تعميمها قَسْراً بوَصفِها معياراً كونياً.
في هذا السياق، يُسَمّي دباشي إسرائيل «الدولة-الحصن»، ويُقابِل مَنطِق تحصينها العسكري بالحياة الجرداء في المخيّم الفلسطيني. ومن هنا ينتقل إلى مُقارَنة إشكاليّة بين مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين ومُعَسكَرات الاعتقال النازيّة، مُستَعيناً بمفهوم «الحياة العارية» لدى جورجيو أغامبين. صحيحٌ أنّ هذا الاستخدام لا ينسجم مع مواقف أغامبين نفسه، الذي يرفض توصيف إسرائيل بوَصْفِها استعماراً استيطانياً؛ غير أنّ دباشي يرى أنّ مفهوم الحياة العارية، كما صيغَ في سياق تحليل اضطهاد اليهود، يكشف - من حيث لا يَقصد - عن بُنْيَة الاستثناء نفسها التي تَحكُم الوجود الفلسطيني اليوم.
يذهب دباشي أبعَد من ذلك حين يَستَحضِر توصيف «الموسلمان» الذي أطلَقه النازيّون على اليهود الهزيلين حَدّ الانمحاء، مُلاحِظاً أنّ الكلمة ذات أصل إسلامي. في هذه الصورة، يتحوّل اليهودي المُحتَضِر إلى «مُسلِم»، والمُسلِم إلى «يهودي» مُحتَضِر: كلاهما موضوعٌ على هامش الإنسانيّة الأوروبيّة، أحدُهما داخلي والآخر خارجي. هذه البُنيَة، بحسب دباشي، تجِد اكتمالها المُعاصِر في المخيّم الفلسطيني، بوَصْفِه فلسطين بين علامَتي تنصيص: وطَناً مسروقاً، ووجوداً مَحكوماً بالاستثناء الدائم. وغزّة هي ذروة هذا المَنطِق، حيث يُصبِح الاستثناء قاعدة، وتتكدّس مُعَسكَرات الاعتقال البشريّة في قَلْب الأرض المنهوبة.
تفكيكٌ باتجاهين
منذ «ما بعد الاستشراق»، ومروراً بـ «بشَرة سمراء أقنِعة بيضاء»، وصولاً إلى «هل يستطيع غير الأوروبيين التفكير؟» - الكتاب الذي فَجّرَ سجالات حادّة مع مُفَكّرين أمثال سلافوي جيجيك – ظلّ دباشي يعمل على تفكيك احتكار أوروبا لتعريف العقل، والتاريخ، والمعنى. لكنّه لم يَكتَفِ بتشريح المركز الغربي، بل اشتَغَلَ في اتجاهٍ مُوازٍ على قراءة الإسلام، والثورة الإيرانية، والفنون، من الداخل، وبأدوات نقديّة لا تقلّ صرامة.
يُعَدّ كتابه «لاهوت الاستياء» (1993) علامَةً فارِقةً في هذا المسار، إذ فَنّدَ فيه التصوّرات الغربيّة السائدة عن الثورة الإيرانية، لا عبر الدفاع الأيديولوجي، بل من خلال تحليل بُنيَتِها المفهوميّة، ونَقْل القارئ إلى نقاشات مُفَكّريها وسجالاتهم حول المعنى، والشرعية، والمستقبل. وفي أعمال لاحقة، تناوَل الفلسفة الإسلامية، الأدب الفارسي، الصوفيّة، السينما، الفنون البصريّة، ونظريّة ما بعد الاستعمار، رابطاً بينها وبين الزلازل السياسيّة الكبرى، من الثورة الإيرانيّة إلى 11 سبتمبر، والحركة الخضراء.
في كتابه «عَرْض الثورة»، حَلّلَ الأُسُس الجماليّة للجمهورية الإسلامية، كاشفاً كيف جرى تسخير الفنّ والطقوس والعمارة والسينما لصياغة وعي سياسي جديد. أمّا في «إيران: شعبٌ مُقاطَع»، فقد بدَأ كتابه واعداً القارئ بأنّه ما إنْ يَفْرَغ من قراءته، سيَعرِف عن إيران أكثر ممّا تعرفه وكالة الاستخبارات الأميركية، أو البنتاغون، أو مجموع مراكز الفكر النيو-كونيّة الغربيّة.
وتبلغ مُقارَبته ذروتها الجدليّة التي استفزّت كثيرين في مقاله «المُفارَقة الشيعيّة»، حيث يَقرأ التشيّع بوَصْفِه دين احتجاج وذاكرة جرح، يرى أنّ نجاحه في السلطة يُقَوّض شرعيّته الروحيّة الميتافيزيقيّة. فالشيعيّة، المولودة من الهزيمة والاستشهاد، تزدَهر على الوعد غير المُكتَمِل بالعدالة، وتظلّ مُعَلّقة بين الحضور والغياب؛ وهو ما تُجَسّده عقيدة الغَيْبَة بوَصْفِها توتّراً دائماً بين الثورة والانتظار.
في أعماله حول الدراسات الإسلامية، يَقرَأ دباشي المُستَشرِق غولدزيهر والمُفَكّر إدوارد سعيد، بالعدَسة نفسها التي يَقرَأ بها السينما الإيرانية المُعاصِرَة. اليَد التي تُفَكّك النصوص الفكرية الحديثة المعقّدة والكتابات الصوفيّة الوسيطة هي ذاتها التي تُحَلّل أفلام محسن مخملباف، الذي وضَع كتاباً عن أفلامه، أو شعر فروغ فرخزاد، كاشِفةً عن خيوط عميقة تصل التاريخ الفكري بالخيال الجَمالي والمُمارَسة السياسية.
ليس دباشي مُفَكّراً يُقارَب بلا خلاف. يُمكِن الاعتراض على أطروحاته، ومُساءَلة مُقارَناته، لكنّه يظلّ من القلائل الذين يُزعِجون المركز والهامش معاً: يكشف حدود النماذج الغربية، ويرفض في الوقت نفسه الروايات المُكَرّسة عن الإسلام، سواء صيغت في مراكز التفكير الغربية أو في عواصم السلطة في الشرق. وفي هذا القلَق الدائم، تَكمُن قوّته وحدود مشروعه معاً. 

2026-01-26 11:59:52 | 55 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية