التصنيفات » مقالات سياسية

رقم قياسي: فائض الصين التجاري وإعادة هندَسة سَلاسِل القيمة العالميّة

رقم قياسي:
فائض الصين التجاري وإعادة هندَسة سَلاسِل القيمة العالميّة

18  ديسمبر، 2025
د. رشا مصطفى عوض
خبير سياسات عامّة - المدير التنفيذي السابق لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدّمة 

في خضم كلّ أزمة تَكمُن فُرْصَة عظيمة. مَقولَة تَتَرَدّد كثيراً في الأدبيّات الاقتصادية الحديثة، وكأنّها تصِف بدقّة اللحظة التي تعيشها الصين اليوم؛ فبينما يَتَباطَأ الطلَب الداخلي، وتَتَعَثَّر الأسواق العقاريّة، وتَتَضاعَف التوتّرات التجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، تُعلِن الصين عن فائض تجاري قياسي تَجاوَزَ عَتَبَة التريليون دولار أمريكي خلال أحد عشر شهراً فقط من عام 2025؛ إذ بلغَت الصادرات نحو 3.4 تريليون دولار أمريكي مقابل واردات في حدود 2.3 تريليون دولار أمريكي، وفق بيانات الجمارك الصينيّة.
اللافت للانتباه أنه خلال الأيام الماضية لم تَكتفِ الصين بإعلان هذه الأرقام؛ بل صَعَّدت أيضاً خطابها السياسي. فقد حَذَّرَ رئيس الوزراء الصيني، لي تشيانغ، من العواقب المُتَزايِدة للرسوم الجمركيّة على الاقتصاد العالمي، مؤكّداً الحاجة إلى إصلاح أعمق للحوكمة الاقتصادية الدولية في ظلّ تنامي الحواجز التجارية. لذلك دعا قادة كلٍ من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظّمة التجارة العالميّة إلى التدخّل لحماية التجارة الحرّة في مُواجَهَة مَوْجَة جديدة من الحِمائيّة.
بَيْدَ أن هذا الرّقم الرئيسي ينطوي على عديد من الرسائل الجيوسياسيّة، ويختبئ خَلْفَه عدد من التساؤلات الأكثر تعقيداً: هل يُمَثِّل هذا الفائض التجاري دليلاً على قوّة النموذج التصديري الصيني، أم أنه انعكاس لاختلالات بنيويّة تجعل الاقتصاد أكثر هشاشة أمام الصدَمات الخارجيّة؟ وهل العالَم في خضم "حرب رسوم جمركيّة" فحسب، أم أنه يُواجِه حرباً أعمَق على نماذج التنمية نفسها، بين اقتصاد يُراهِن على فائض الإنتاج واقتصادات تسعى لحماية صناعاتها وأسواق عملها؟
يَتناول هذا التحليل مُقارَبة الفائض التجاري الصيني من خلال تَدَرّج يبدأ من الداخل إلى الخارج؛ إذ يَنطَلِق أوّلاً من قراءة مُفارَقَة الاقتصاد الكليّ الصيني بين قوّة التصدير وضعف الطلَب الداخلي، ثم ينتقل إلى مستوى التجارة العالميّة عبر تحليل إعادة هندسة سلاسل القيمة وتَحَوُّل مركز الثقل الصناعي. وبعد ذلك يتناول الكيفيّة التي يتحوّل بها هذا الفائض إلى أداة ماليّة ونقديّة وجيوسياسيّة تُوَظَّف في موازين القوّة والتفاوض على قواعد النظام الاقتصادي الدولي، قبل أن يُختَتَم باستشراف دور الصناعات الخضراء والتقنيّة العالية بوصفِها الوَجه الأعمق لهذا الفائض الصيني، ومسرَحاً للصراع على مَلامِح المُنافَسة الصناعية في المستقبل.
فائض قياسي.. مُفارَقة قوّة التصدير وضعف الداخل
على الرّغم من صدى هذا الرّقم التاريخي للفائض التجاري الذي حَقّقَه الاقتصاد الصيني، فإنّ القراءة الدقيقة تكشف مُفارَقَة عميقة بين اقتصاد قويّ في الخارج وضعيف نسبياً في الداخل. وتتمثَّل أهم مَلامَح هذه المُفارَقَة فيما يلي:
1 - تباطؤ الطلَب المحلّي مقابل ديناميكيّة الصادرات: تُشير نتائج التجارة الخارجيّة بوضوح إلى أن غالبيّة الزّخم الاقتصادي تأتي من الخارج؛ حيث ارتفَعت الصادرات بنحو 5.9% على أساس سنوي في نوفمبر الماضي، بعد شهر شهِد انكماشاً في التصدير، بينما تنمو الواردات بوتيرة أضعَف كثيراً من المُتَوَقّع، ما يعكس ضعفاً في الاستهلاك والطلَب الداخلي. واللّافت أن هذا الخلَل بين قوّة التصدير وضعْف الاستيراد لا يدلّ فقط على قدرة تنافسيّة؛ بل يكشف أيضاً عن اقتصاد يعتمد على العالَم لتعويض عمليّات تحفيز الاستهلاك المحلّي، في ظلّ أزمة عقارية مُمْتَدّة وتباطؤ الاستثمارات الخاصّة.
2 – فائض قياسي كمرآة لاختلال في النموذج التنموي: منذ عقود عدّة، يقوم نموذج الصين على الاستثمار الكثيف في البنية التحتيّة والصناعة والتصدير، مع تأجيل مستمر لمُعادَلة التحوّل الهيكلي إلى اقتصاد يقوده الاستهلاك والخدمات. لذا، يكشف الفائض الحالي أنّ هذا التحوّل لم يَكتَمِل، وأنّ الصين ما زالت تُعالِج تباطؤ الداخل بزيادة التوجّه التصديري. هنا تُصبِح المُفارَقَة واضحة: فائض الميزان التجاري الصيني رقم كبير، لكنه أيضاً مؤشّر على عمق "اللا توازن" داخل الاقتصاد الصيني، وهو ما يدفَع كثيراً من المُحَلّلين إلى اعتبار هذا الرقم بداية نقاش عالمي جديد حول "الحدود الجيواقتصادية" لنموذج الصين.
3 – فائض يزيد من النزعة الحمائيّة لدول عدّة: حَذَّرَ صندوق النقد الدولي في مُناسبات عدّة من أنّ اعتماد اقتصاد بحجم الصين على الفائض التجاري بهذا الشكل قد أصبح نموذجاً غير قابل للاستدامة على المدى المتوسّط، بل وبإمكانه عرقَلة قدرة الاقتصاد العالمي على التوازن؛ فكلّما اعتمدت الصين أكثر على التصدير كمُحَرّك للنمو، كلّما أصبحت الاقتصادات الأخرى مضطرّة إمّا لقبول عجز تجاري مُتَزايِد، أو اللجوء إلى الرّسوم والقيود. وهكذا، يُصبِح الفائض "وقوداً سياسياً" لتيّارات الحمائيّة في دولٍ عدّة.


إعادة هندسة سَلاسِل القيمة العالميّة 
لم يَنشأ الفائض الصيني القياسي في الميزان التجاري من فراغ، بل هو نتيجة إعادة رسم خريطة سلاسل القيمة العالميّة في ظلّ الرسوم الأمريكية وسباق التعريفة المُتبادَل. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى ما يأتي:
1 - تحويل مسار التجارة من السوق الأمريكيّة إلى بقيّة العالَم: تُظهِر البيانات أن قيمة الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة الأمريكية قد انخفَضت بنحو الثلث في نوفمبر 2025 على أساس سنوي، بينما قفَزت صادراتها إلى البلدان الأوروبية وأستراليا وجنوب شرق آسيا بوضوح، مع نمو يُقارِب 15% في الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي وفق بعض التقديرات.
هذا يعني أنّ الصين لم تكتفِ بتَحَمُّل الرسوم؛ بل أعادت توجيه تجارتها إلى أسواق أخرى، مُستَغِلّةً شبكاتها الصناعية واللوجستية، ما جعل الفائض أقلّ ارتباطاً بثنائيّة "الصين– الولايات المتحدة الأمريكية" وأكثر تعبيراً عن تشابك واسع مع الاقتصاد العالمي بأكمله.
2 - الصين كمركز لتجميع القيمة النهائيّة في سلاسل الإنتاج: يعكس جزء رئيسي من الفائض التجاري تَحَوُّل الصين إلى المُجَمِّع النهائي 
Final Assembler  في سلاسل القيمة، خاصّة في الإلكترونيّات والتقنيّات الخضراء؛ فشركات متعدّدة الجنسيّات عِدّة تتبنّى استراتيجيّة إعادة ترتيب سلاسل التوريد الخاصّة بها لتفادي الرسوم المباشرة، عبر نقل حلَقات بسيطة إلى فيتنام أو المكسيك أو ماليزيا، بينما تبقى الصين قلب التصميم والإنتاج عالي القيمة.
بهذه الطريقة، تتحوّل الحرب على الرّسوم إلى حرب على الجغرافيا الصناعية؛ من يُنتِج المُكَوِّن الحَرِج في سلعة ما؟ من يحتَكر الحلَقة الأعلى في سلسلة القيمة؟ وعليه، يمكن القول إنّ الفائض الصيني هنا بمثابة انعكاس لواقع أن مركز الثقل الصناعي لم يُغادِر شرق آسيا رغم تعالي التصريحات بشأن "إعادة التموضع".
3 - من حرب الرسوم إلى حرب النماذج الاقتصادية: عندما تُحَذِّر القيادة الصينية من تَصاعُد الرسوم، فهي لا تُدافِع فقط عن "التجارة الحرّة"؛ بل عن نموذج تنموي يقوم على فائض الإنتاج وتصديره للعالَم. في المقابل، ترى بُلدان أخرى، في مقدّمتها أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، أنّ هذا النموذج يضغط على أسواق عملها وصناعاتها المحليّة، ويخلق حالة من اللاتوازن الاقتصادي؛ طرَف يُنتِج أكثر ممّا يستهلك بكثير، وأطراف تَستَهلِك أكثر ممّا تُنتِج.
بهذا المعنى، تتحوّل الرّسوم من مجرّد أداة ماليّة إلى أداة دفاع عن نموذج اقتصادي، ويُصبِح الفائض الصيني عنواناً لصِدام أعمق حول: ما نمط العَوْلَمَة المُستَهدَف؟ عَوْلَمَة قائمة على فائض واحد كبير، أم عَوْلَمَة تقوم على توازن نسبي في أنماط الإنتاج والاستهلاك؟
الفائض كأداة ماليّة ونقديّة وجيوسياسيّة
بعيداً عن مضمار التجارة الدولية، يحمل الفائض الصيني الضخم أبعاداً ماليّة ونقديّة وجيوسياسيّة لا يمكن تجاهلها، الأمر الذي يمكن استكشافه في ظلّ سياقات متعدّدة، يأتي في مقدّمتها التالي: 
1 - تدفّقات العملة الأجنبيّة واستقرار اليوان الصيني: يرتبط الفائض التجاري الذي يتجاوز تريليون دولار أمريكي صراحةً بتدفّقات ضخمة للعُمْلَة الأجنبيّة، يمنَح "بنك الشعب الصيني" - وهو البنك المركزي - هامشاً مهماً في إدارة سعر صرف اليوان وتخفيف الضغوط الخارجيّة دون استنزاف مُفرِط للاحتياطيّات من النقد الأجنبي.
وفي وقتٍ تُعاني فيه بعض الاقتصادات من نزيف العُملات الأجنبية، تبدو الصين في وضع يسمح لها باستخدام الفائض كعازل مالي أمام الصدَمات، وكأداة لدعم الشركات التصديريّة عبر تمويل ائتماني أرخص، ما يُعَمّق الاعتماد البنيويّ على التصدير كمُحَرّك للنمو، ويجعل سياسة النقد مُتَشابِكَة أكثر مع ديناميكيّات التجارة العالميّة.
2 - الصين من "مُستَفيد" إلى "صانع قواعد" في المؤسّسات الدوليّة: عندما يدعو رئيس الوزراء الصيني، لي تشيانغ، صندوق النقد والبنك الدولي ومنظّمة التجارة العالميّة إلى التحرّك ضدّ مَوجات رفع الرسوم التجارية، فهو يُوَظِّف وزناً تجارياً ومالياً حقيقياً؛ فاقتصادٌ يُنتِج صادرات سلعيّة بقيمة 3.4 تريليون دولار أمريكي وفائض تجاري يفوق التريليون دولار أمريكي، لا يمكن تجاوزه في أيّ نقاش حول إصلاح قواعد التجارة أو النظام النقدي الدولي.
بَيْدَ أن هذه القوّة تأتي مع مسؤوليّة وضغوط في آنٍ واحد؛ فمن جهة، تستطيع الصين أن تدفع باتجاه نظام تجاري أقلّ تسييساً وتُقَدِّم نفسها كمُدافِع عن "العَوْلَمَة المفتوحة"؛ ومن جهة أخرى تجد نفسها في قلب اتّهامات بأنها المُستَفيد الرئيسي من نظام لم تَعُد قواعده مُتوازنة.
3 - الفائض كأداة تفاوض جيواقتصادية مع الجنوب العالمي: تَبْني الصين عبر فائضها التجاري وعلاقاتها التصديرية والاستثمارية مع بُلدان آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، شبكة اعتماديّة مُتبادَلَة مع "الجنوب العالمي"؛ حيث تقوم بتمويل المشروعات، وتأسيس بنى تحتيّة، وإنتاج مركَبات كهربائيّة ومعدّات طاقة شمسيّة وأجهزة إلكترونيّة بأسعار تنافسيّة؛ الأمر الذي يخلق نوعاً من النفوذ الجيواقتصادي. فدوَل عدّة أضحَت تربط جزءاً من نموّها التنموي باستمرار تدفّق السلع والاستثمارات الصينية، ما يمنحها موقعاً تفاوضياً أقوى في مجالات أخرى؛ مثل مواقف سياسية في قضايا استراتيجيّة دوليّة. وهكذا، لم يَعُد الفائض التجاري مجرّد "نتيجة في ميزان المدفوعات الدولية"، بل أحد أعمدة القوّة الناعمة للصين في النظام العالمي الجديد.
الصناعات الخضراء والتقنيّات العالية: الوجه الحقيقي للفائض
يَخلُص تحليل مُفرَدات الفائض التجاري الصيني مع العالم الخارجي إلى أنه ليس فقط نتيجة بيع سلع تقليديّة بأسعار رخيصة؛ بل هو أيضاً نتاج صعود قويّ في الصناعات الخضراء والتقنيّات العالية التي أصبحت محوراً لصراع تنافسي عالمي. وللدلالة على ذلك، يمكن النظر إلى التالي:
1 - السيّارات الكهربائيّة والطاقة الشمسيّة جوهر الموجة التصديريّة الجديدة: خلال العامَيْن الماضيين، جاء جزء كبير من نموّ الصادرات الصينيّة نتيجة السيّارات الكهربائيّة، والبطّاريّات، والألواح الشمسيّة، والمعدّات الصناعيّة الذكيّة؛ وهي قطاعات تُمَثِّل عَصَب تحوّل الطاقة العالمي. ومن ثمّ، لم تَعُد الصين "مصنع العالم" في مضمار السلع مُنخَفِضَة القيمة فقط؛ بل أصبحت مُحَرّكاً مركزياً لسلاسل القيمة في الاقتصاد الأخضر. هذا التحوّل يعني أن أيّ قيود على صادراتها في هذه القطاعات لا يتعلّق بالأسعار فحسب، بل يرتبط بسباق عالمي على من يمتلك مفاتيح الثورة الصناعية الخضراء.
2 - اتّهامات "فَرْط القدرة الإنتاجيّة" وصدام جديد مع أوروبا وأمريكا اللاتينية: مع تَراكُم الطاقة الإنتاجيّة في هذه الصناعات، بدأت تنظُر دول أوروبية والولايات المتحدة الأمريكية إلى الصين بوصفها تُمارِس "إغراقاً مُقَنَّعاً"، من خلال دعم ضخم للصناعات الخضراء وتصدير الفائض إلى العالم بأسعار تقلّ عن تكلفة الإنتاج في الأسواق الأخرى.
هذا الخطاب لا يُبَرّر فقط الرّسوم الإضافيّة؛ بل يفتح الباب أمام معركة للسرديّة التنمويّة: هل الصين تُسَرِّع التحوّل الأخضر عالمياً عبر توفير تكنولوجيا أرخص؟ أم أنها تُهَدّد مُحاوَلات الدول الأخرى لبناء قواعد صناعيّة خضراء محليّة؟ بطبيعة الحال، لا يمكن الوقوف على إجابة قاطعة أحاديّة الاتجاه، لكنها بالتأكيد تجعل الفائض التجاري ساحة صراع على من يمتلك "المستقبل الصناعي" وليس فقط الحاضر التجاري.
3 - الابتكار والتنافسيّة.. من تكلفة العمل إلى هندسة المنظومات الصناعية: إنّ ما يُثير حفيظة كثير من المُنافِسين أن الصين لم تَعُد تتقدّم فقط عبر "الأيدي العاملة الرخيصة"، بل عبر منظومات مُتَكامِلَة من البحث والتطوير، وسلاسل توريد مُتَماسِكَة، وبنية تحتيّة لوجستيّة وتمويليّة قويّة. بهذا المعنى، يُعَدّ الفائض الحالي نتاج تَراكُم استثماري وتكنولوجي امتدّ لعقود زمنيّة، وليس فقط استجابة آنيّة للرسوم. وهذا يَطرَح سؤالاً صعباً على بقيّة العالم: هل يمكن مُواجَهة هذا النموذج بمجرّد رفع الرسوم، أم أن الأمر يتطلّب إعادة بناء سياسات صناعيّة وتعليميّة وتمويليّة تُعيد تشكيل النسيج الإنتاجي في البلدان الأخرى؟
ختاماً، يمكن القول إن الفائض التجاري الصيني الذي تَجاوز تريليون دولار أمريكي ليس مجرّد رقم قياسي في سجلّ إحصاءات التجارة الدولية؛ إنه جرَس إنذار ونافذة فرصة في الوقت نفسه.
جرس إنذار لأنّ اقتصاداً بحجم الصين لا يمكنه الاستمرار في الاعتماد على العالم كمُستَوعَب نهائي لفائض إنتاجه من دون أن يُوَلِّد موجات مُتَلاحِقَة من التوتّر التجاري والحمائيّة، ولا يمكن لبقيّة الاقتصاد العالمي أن يتجاهل اختلالاً بهذا الحجم في توازن الطلَب والعَرض. وهو أيضاً جرَس إنذار للصين ذاتها، التي سوف تجد نفسها مضطرّة –عاجلاً أم آجلاً– إلى إعادة توازن نموذجها التنموي من اقتصاد يَستَورِد الطلَب ويُصَدِّر الإنتاج، إلى اقتصاد يخلق طلَباً داخلياً أكثر ديناميكيّة وعدالة.
في الوقت ذاته، يُمَثّل هذا الفائض نافذة فُرْصَة إذا ما قُرِئ بصورة استشرافيّة: للعالَم، كي يفتح نقاشاً جدّياً حول قواعد عَوْلَمَة أكثر توازناً، تأخذ في الاعتبار العدالة في سلاسل القيمة، وحقوق العمّال، ومتطلّبات التحوّل الأخضر؛ وللصين، كي تَستَخدِم فائض قوّتها التجاريّة والماليّة في بناء نموذج جديد للقيادة الاقتصادية يقوم على مزيد من الشراكة التكنولوجيّة والابتكار المشترك مع الجنوب العالمي، في مواجهة التوتّرات الدائمة مع الشمال.

2026-01-15 12:55:22 | 61 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية