حين يُصبِح العالَم «حدائق خلفيّة» لأميركا: من فنزويلّا إلى.. الشرق الأوسط
سمير العيطة
موقع 180 بوست
05/01/2026
هناك أوجُهُ شَبَهٍ كثيرة بين مسارات دول أميركا اللاتينيّة والدول العربيّة. فقد عَرَفَت كِلتا المنطقتين استعماراً خارجيّاً مباشراً، ونشأت في كِلتَيهِما حركات تحرّر وطنيّة جَمَعَت بين السياسة والمقاومة المسلّحة لنَيْل الاستقلال. كما واجهَت دول المنطقتين تحدّيات بناء الهويّة الوطنيّة بعد الاستقلال، وعانت بُلدانُهما تدخّلاتٍ خارجيّة، ولا سيّما أنّ اقتصاداتها ظلّت تعتمد أساساً على المَوارِد الطبيعيّة، من نفطٍ خامّ ومُنتَجاتٍ زراعيّة. وبَقِيَت التنمية الاقتصاديّة في الحالتين غير مُتَوازِنة، مع فجَواتٍ اجتماعيّة واسعة. وشهِدت المنطقتان عدم استقرارٍ سياسي، وانقلاباتٍ عسكريّة، وصراعاتٍ متعدّدة، وما زالت. بل إنّ هناك ترابطاً اجتماعيّاً بين المنطقتين نتيجة مَوجات الهجرة الكثيفة التي بدأت منذ منتصف القرن التاسع عشر من بلاد المشرق العربي نحو أميركا اللاتينيّة. وقد نشأت هناك جاليات عربيّة (غالباً ما تُسَمّى في اللهجات المحليّة «تركيّة» لأنّها وَفَدَت إبّان الحُكم العثماني)، عملت مُبَكّراً في التجارة والاستثمار؛ وكثيراً ما تجمّعت وفق طوائفها ومناطقها الأصليّة، برغم اندماجها الواسع في المجتمعات المحليّة.
كما أفرزَت هذه الجاليات نُخَباً وصلت إلى مواقع متقدّمة في السياسة والاقتصاد. وهكذا تمَركَز عدد كبير من المسيحيّين والموارنة اللبنانيّين في البرازيل، ومن بينهم جدّ كارلوس غصن، الذي راكَم ثروته من زراعة أشجار المطّاط، قبل أن يبدأ حفيده مسيرته في صناعة الإطارات الفرنسيّة. كما استقرّت جالية فلسطينيّة كبيرة في تشيلي، وبرَز من بينها كارلوس يازجي من بيت لحم، وأنطونيو سعيد، اللذان بنَيا إمبراطوريّتهما في صناعة النسيج. أمّا الأرجنتين، فقد عرَفت رئيس دولة من أصولٍ سوريّة، هو كارلوس منعم. وفي المكسيك، برَز كارلوس سليم الحلو، ذو الأصول الزحليّة، ليُصبِح أغنى رجل في البلاد، ويُسَيطِر على مجموعة شركات كبرى، لا سيّما في قطاعات الاتصالات والبناء والمصارف.
لقد انخَرَطَت الجاليات العربيّة بعمق في مجتمعات بُلدانِها، وغَيّرَ كثيرٌ منها أسماء عائلاتهم إلى صيغٍ لاتينيّة. كما شهِدت في داخلها الانقسامات الاجتماعيّة نفسها التي أفرزَتها الفجوات الطبَقيّة في أميركا اللاتينيّة. فَبَرَز شفيق حنظل، ذو الأصول الفلسطينيّة، قائداً تاريخيّاً لجبهة فارابوندو مارتي الثوريّة في السلفادور، وكذلك المُناضِل النقابي إلياس لافيرتي في تشيلي، والمُناضِل خوان لويس يونيس في الأرجنتين، الذي قضى ضحيّة «الحرب القذِرة» الداخليّة في ظلّ ديكتاتوريّة أوغستو بينوشيه… وغيرهم كثيرون.
تشافيز في السويداء!
غير أنّ الأزمِنة الحديثة شهِدت انقسامات داخل هذه الجاليات على أُسُسٍ طائفيّة، ولا سيّما مع موجات الهجرة الجديدة. ففي فنزويلّا، التي عرَفت تَجَدّداً للهجرة المَشرِقِيّة مع فَورَتها النفطيّة، انقسمت الجاليات ذات الأصول العربيّة (التي يُقَدَّر عددها بنحو مليون من أصل 28 مليون فنزويلي) في اصطفافاتها تجاه الحركة البوليفاريّة وهوغو تشافيز، انطلاقاً من خلفيّاتها الاجتماعيّة المحليّة، وكذلك من خلفيّاتٍ طائفيّة. فمع قلّة نسبة المُهاجِرين المشرقيّين المسيحيّين، اصطفّ معظم الشيعة والدروز إلى جانب تشافيز. وكان طارق العيسمي، المُنحَدِر من عائلة تعود أصولها إلى السويداء في سوريا، من بين قادة الحزب الاشتراكي المُوَحّد، وشغَل مناصب نائب الرئيس ووزير النفط. ولعِبت أصوله دوراً في زيارات هوغو تشافيز إلى سوريا في العقد الأوّل من الألفيّة، بحثاً عن تحالفات مُناهِضَة للسياسات الأميركيّة، حيث جرى الترحيب به في السويداء بالقول إنّ فنزويلا هي… «فنزسويدا» (!). وقد اتّهمت الولايات المتّحدة لاحقاً طارق العيسمي بالفساد وتجارة المخدّرات، وأدرَجَته على قوائم المَطلوبين. واللافت للانتباه في تاريخ الحركات السياسيّة في أميركا اللاتينيّة أنّها حَظِيَت في بداياتها بدعمٍ أميركيّ، انطلاقاً من «مبدأ مونرو» عام 1823، لمُواجَهَة الاستعمارَيْن الإسباني والبرتغالي، وطموحات القوى الاستعماريّة البريطانيّة والفرنسيّة، واعتبار القارّة مجال نفوذٍ حصريّ للولايات المتّحدة. غير أنّ هذه الأخيرة خاضت، برغم ذلك، حروباً مع المكسيك وإسبانيا، واحتلّت بدورها عدداً من دول القارّة الأميركيّة؛ ثمّ تحوّلت في مطلع القرن العشرين، مع الرئيس ثيودور روزفلت، إلى «سياسة العصا الغليظة»، لتبرير التدخّلات العسكريّة المباشرة في القارّة «لحفظ النظام»؛ وهي سياسة تَعَزّزت بعد الحرب العالميّة الثانية في عهد الرئيس هاري ترومان، عبر مُناهَضَة النفوذ الشيوعي والاتحاد السوفياتي، واستهداف الحركات الاجتماعيّة من خلال الانقلابات العسكريّة، والإقراض المالي، بل وحتّى الغزو العسكري، كما حدَث في كوبا ونيكاراغوا وبنَما؛ لتَصِلَ اليوم، في عهد دونالد ترامب، إلى سياسات العقوبات الاقتصاديّة، لمنع قيام أيّ نظام حُكمٍ يتمتّع باستقلاليّة في سياساته الخارجيّة، حتّى لو كان مُنتَخَباً ديموقراطيّاً، ولتحجيم أيّ نفوذٍ صينيّ. ولم تُبْدِ الولايات المتّحدة اكتراثاً في سياساتها هذه لا بمنظومة الأمن العالمي التي نشأت مع قيام الأمم المتّحدة، ولا بالفظائع التي ارتكبَتها الديكتاتوريّات أو الميليشيات المُوالِية لها. فهي كانت، وما زالت، تَنظُر إلى أميركا اللاتينيّة بوصفها… «حديقتها الخلفيّة».
العرب أيضاً “حديقة خلفيّة” لأميركا!
انتهجت الولايات المتّحدة سياسةً مُماثلة، في بداياتها، تجاه البُلدان العربيّة والشرق الأوسط عموماً، عبر «مبدأ الرئيس وودرو ويلسون» عام 1918، الذي دعا إلى دعم الاستقلال السياسي للشعوب في مُواجَهَة الاستعمار الأوروبي التقليدي، وأسهَم في وضع أُسُس إنشاء «عصبة الأمم». ثمّ عملت على إبعاد القوى الاستعماريّة الأوروبيّة عن المنطقة، كما في موقفها من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، أو في دعمها لاستقلال الجزائر. غير أنّها سُرعان ما سعَت هنا أيضاً إلى ترسيخ هيمَنة مباشرة، عبر الانقلابات العسكريّة، والسيطرة على النخب الحاكمة، ونشر القواعد العسكريّة، وفَرْض العقوبات الاقتصاديّة، ولكن مع خصوصيّة إضافيّة قياساً إلى أميركا اللاتينيّة، تتمثّل في دعم إسرائيل كقوّة مُهَيمِنَة على المنطقة. وقد بلَغ هذا النهج ذروته باحتلال العراق، استناداً إلى ذريعة مُختَلَقَة عن امتلاكه أسلحة دمار شامل.
وهكذا أضحَت البُلدان العربيّة اليوم، بدورها، أشبَه بـ«حديقة خلفيّة» للولايات المتّحدة، التي تعمل على ضبط إيقاعها عبر ما يُسَمّى «السلام الإبراهيمي»، وعلى إعادة توزيع نفوذ القوى الإقليميّة الصاعدة – وجميعها، بالمناسبة، حليفة لواشنطن – فوق دُوَلٍ باتت هشّة، مثل السودان واليمن وسوريا وليبيا. وتَكمُن الإشكاليّة اليوم في أنّ السياسة الأميركيّة، ولا سيّما في عهد الرئيس دونالد ترامب، لم تَعُد قادرة على الاستناد إلى أيّ معايير إنسانيّة أو «أخلاقيّة». فلا احترام لسيادة الدول، إذ جرى اعتقال رئيس دولة داخل بلاده – كما في حالة مادورو في فنزويلّا اليوم – عقب حملة عسكريّة كثيفة. ولا التزام بمبدأ الديموقراطيّة ونَشْرِها، في ظلّ دعمٍ صريح لأنظمة استبداديّة، والتلاعب بالانتخابات عبر التمويل ووسائل التواصل الاجتماعي. ولا اعتبار للمعايير الإنسانيّة، إذ تُستَخدَم العقوبات الاقتصاديّة دون اكتراث بآثارها الكارثيّة على معيشة الشعوب وتماسكها. ولا مساواة في المُواطَنَة، حيث يُعاد توظيف الانقسامات الإثنيّة والطائفيّة، على غرار مُمارَسات القوى الأوروبيّة في القرن التاسع عشر. ولا صدقيّة في مُكافَحة المخدّرات، في ظلّ تجاهل دور الأجهزة الأميركيّة نفسها في نشر هذه الآفة، والتغاضي عن الدول الحليفة التي تُنتِجُها وتُصَنّعها. وليس الأمر مُختَلِفاً في مُكافَحة الإرهاب، إذ جرى، ويجري، توظيف منظّمات متطرّفة في أفغانستان وغيرها، وفق مقتضيات الحاجة. إنّ ما جرى في فنزويلّا يُشَكّل مفترق طُرُقٍ في العلاقات الدوليّة، على غرار غزو العراق؛ وسيكون له أثرٌ بالغ، لا على دول أميركا اللاتينيّة فحسب، بل على الدول العربيّة وغيرها، حتّى في أوروبا. إنّه دَرْسٌ بليغٌ مفاده أنّ هذه القوّة العظمى لن تتردّد في استخدام أيّ وسيلة لخدمة مصالحها، أو بالأحرى مصالح نُخبَتِها الضيّقة. ويبقى الأمل معقوداً على نهوض حركة اجتماعيّة داخل الولايات المتّحدة نفسها؛ حركة تستَند إلى معايير إنسانيّة وأخلاقيّة واجتماعيّة، على غرار الحركات التي نشأت في الدول الأوروبيّة الاستعماريّة، وأسهَمت بدورها في تقويض الاستعمار، ودعم حريّة الشعوب التي خضَعت له.
2026-01-20 11:47:56 | 28 قراءة