التصنيفات » مقالات سياسية

من فنزويلّا إلى إيران.. رسائل القوّة في مطلع 2026

من فنزويلّا إلى إيران.. رسائل القوّة في مطلع 2026 

محمّد صالح صدقيان
موقع 180 بوست
 04/01/2026 

لم يَعُد العالم يدخل أعوامه الجديدة بهدوءٍ أو بترَف الانتظار، بل بات يستقبلها على إيقاع الأزمات والانفجارات السياسية والعسكرية. فمع الساعات الأولى من عام 2026، تكاثفت الأحداث وتداخلت الجبهات، من جنوب اليمن إلى شوارع إيران، وصولًا إلى فنزويلّا، في مشهَد يعكس حالة سيولة دولية غير مسبوقة، ويطرح أسئلة كبرى حول طبيعة النظام العالمي المُتَشَكّل، وحدود القوّة، ومستقبل الاستقرار في عالَم تحكُمه لغة المصالح والهيمَنة والقوّة أكثر ممّا تحكمه القواعد والمواثيق والقوانين. 
أحداث مُتسارعة شهدَتها المنطقة والعالم مع بداية العام الجديد 2026، بدأت من التوتّر الذي شهده جنوب اليمَن، مرورًا بالاحتجاجات في الشارع الإيراني والموقف الأميركي الذي أعلن وقوفه إلى جانب المُحتجّين الإيرانيين؛ وانتهاءً بالهجوم العسكري الأميركي على فنزويلّا واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في مؤشّر خطير يشي إلى أن العام الجديد، الذي بدأ بهذه الأحداث، لن يكون عامًا آمنًا ومستقرًا، في ظلّ وجود قناعات لدى أنظمة وحُكّام ترى أن الهيمَنة والتسلّط واستخدام القوّة هي الأساليب الأفضل لبناء النظام العالمي الجديد، الذي يُعيد عصر الاستعمار القديم بإطار ومفهوم حديثين. 
وإذا ما ابتعَدنا عن هذه الملفّات لعدم استكمال صورتها، فإن الاحتجاجات التي شهِدتها مناطق واسعة من إيران تُنبئ بشتاء ساخن، على خلفيّة رغبة واشنطن في تشديد العقوبات ومنع إيران من بيع نفطها، إضافة إلى الجهود الرّامية لاستغلال الأوضاع الاقتصادية من أجل زيادة الضغوط على الحكومة والشعب لتقديم مزيد من التنازلات لإيجاد حلّ للمسألة الإيرانية، التي وعَد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بطرح برنامج للسلام مع إيران يستَند إلى تفكيك أنشطة تخصيب اليورانيوم، وتفكيك وإعادة صياغة القدرة الصاروخية، إضافة إلى إعادة تنظيم علاقات إيران الخارجية، وتحديدًا مع فصائل المقاومة في المنطقة. ومن المتوقّع أن يقوم ترامب بتقديم خطّته للاتفاق مع إيران في بداية العام الجديد، لكن ليس من المعلوم على أيّ قاعدة سيطرح هذه الخطّة: هل على قاعدة المفاوضات من دون شروط مسبقة كما تُطالِب بها طهران؟ أم على قاعدة «أبواب جهنّم» التي يطرح فيها بنودًا ويُطالِب إيران بقبولها، وإلّا «سوف تُفتَح عليكم أبواب جهنّم»؟ لا أعتقد أن واشنطن تقبل بالسيناريو الأوّل، كما لا أعتقد أن طهران تقبل بالسيناريو الثاني. وهذه النتيجة تُدركها واشنطن جيّدًا؛ ولذلك جاء موقف ترامب الداعم للمُتظاهرين الإيرانيين، في سابقة خطيرة تُنبئ برغبته في التدخّل في الشؤون الداخلية الإيرانية، الأمر الذي لقِي ردود فعل عنيفة من قِبَل المسؤولين الإيرانيين.
كيف تسير التطوّرات في إيران وبأيّ اتجاه وأين يُمكن أن تقف؟ وما هو تأثير العامل الخارجي الذي أفصَح عنه ترامب على مستقبل هذه التظاهرات؟ يسأل الكثيرون، وهم على حق، لأن الخلفيّة التي بدأت بها هذه الاحتجاجات كانت اقتصادية ومعيشية، ومُعتَرَفًا بها من قِبَل كافّة المسؤولين، بما في ذلك المُرشِد الأعلى الإمام علي الخامنئي خلال خطبته يوم أمس (السبت). وفي الحقيقة، هناك حاجة مُلِحّة في الداخل الإيراني لإجراء إصلاحات اقتصادية عاجلة تستطيع تأمين الرفاهيّة النسبيّة للمواطنين، في ظلّ تدهور سعر صرف العملة الإيرانية وزيادة نسبة التضخّم وبروز حالات فساد، فضلاً عن انخفاض القدرة الشرائيّة للمواطنين. في مواجهة هذه الظروف، هناك مُقارَبات داخلية وخارجية عديدة: الأولى؛ أن تشهد التطوّرات بين طهران وواشنطن مُقارَبة إيجابيّة للجانبين، يتم من خلالها التوصّل إلى اتفاق جديد يُزيل العقوبات الاقتصادية عن إيران؛ وهذه المُقارَبة تبدو بعيدة في ظلّ الظروف الراهنة. الثانية؛ أن تستمر إيران في برنامجها «الاقتصاد المُقاوِم»، وأن تسعى لإيجاد حلول لوقف تدهور العملة ولجم ظاهرة التضخّم؛ وبشكل عام الالتفاف على العقوبات وبيع النفط، بما يؤمّن الاستحقاقات الماليّة للحكومة، حتى يحكُم الله، والله خير ناصر ومُعين. الثالثة؛ أن تتطوّر الاحتجاجات والتظاهرات، بدعم واضح من قِبَل الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، لإحداث فوضى وإرباك للحكومة الإيرانية، من أجل زيادة «الضغوط القصوى» لتحقيق ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل. في ما يخصّ المُقارَبة الأولى، تُشير كافّة المؤشّرات إلى أن الثقة مفقودة تمامًا لدى الجانب الإيراني؛ ولعلّ ما قاله المدير العام للأمن العام اللبناني السابق، اللواء عبّاس إبراهيم، فيه الكثير من الدلالات على عمق فجوة عدم الثقة. يقول اللواء عبّاس إبراهيم في مُقابَلة تلفزيونيّة تمّ بثّها مؤخّراً إنه ذهب إلى واشنطن في عهد الرئيس باراك أوباما، واجتمع مع مدير المخابرات المركزية الأميركيةCIA الذي سأله: هل إنّك تزور إيران؟ فقال له نعم. قال: وماذا تعمل؟ قال: وماذا أعمل معكم هنا؟ قال: لتنسيق المواقف. وما هي أهداف زيارتك لطهران؟ قلت: إنّ طهران لديها دور فاعل في لبنان؛ وباعتباري رجلًا أمنيًا من الضروري التنسيق معهم كما أُنَسّق معكم. قال: بمن تلتقي عندما تذهب إلى إيران؟ قلت: ألتقي مع وزراء أمنيين. قال: ومَن أعلى منصب التقيت به؟ قلت له: السيّد الخامنئي. قال: مَن؟ قلت: السيّد الخامنئي. عندها طلَب من جميع من كانوا في الاجتماع ترك الغرفة، وبقينا لوحدنا. قال لي: هل تلتقي السيّد الخامنئي؟ قلت له: إنّي التقيته مرّة واحدة. قال: نريد منك خدمة، وهي أنّ الرئيس باراك أوباما يريد زيارة طهران ولقاء السيّد الخامنئي. هل تستطيع التوسّط مع إيران لإنجاح الزيارة؟ قلت له: وما هي أهداف الزيارة؟ قال: إن الرئيس أوباما راغب بإعادة ما قام به الرئيس نيكسون مع الصين. قلت: إنّ لقائي مع السيّد الخامنئي كان بواسطة السيد حسن نصر الله، الذي أخَذ لي موعدًا لمُقابَلة الخامنئي. قال: طيّب؛ تكلّم مع السيّد نصر الله بهذا الشأن؛ لكن هل تعتقد أن الخامنئي مُستَعِد لاستقبال الرئيس أوباما؟ قلت: شخصيًا لا أعتقد ذلك. عدتُ إلى بيروت واتصلت هاتفيًا مع السيّد نصر الله (عبر الخط الداخلي)، وشرحت له بالتفصيل ما حدَث بيني وبين مدير المخابرات المركزية CIA  فقال لي: أنا أعتقد مثلك أنّ السيّد الخامنئي لن يرضى باستقبال الرئيس الأميركي باراك أوباما؛ لكن دعني أراجع. وبعد كم يوم اتّصل السيّد هاتفيًا وقال لي: «بخصوص الموضوع: لا أهلًا ولا سهلًا». هذه القصّة توضِح عمق فجوة عدم الثقة الموجودة لدى القيادة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة. واستنادًا إلى ذلك، تبقى المُقارَبَتان الثانية والثالثة مَطروحتين على الطاولة الإيرانية من أجل مواجهة كلّ الاحتمالات، ولربما عُدنا إلى الموضوع ذاته في مقالة لاحقة.

 

2026-01-20 11:50:54 | 26 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية