التقاعس في مواجهة الجريمة في المجتمع العربي مُتَعَمّد ويعكس سياسة ترانسفير
السياسة الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة قديمة؛ فقد سبقَتها خطّة "تهويد الجليل". ولم تنجح في جعل أغلبيّة السكّان يهود، لكنها سيطَرت على الغالبيّة العظمى من الأراضي، وحاصَرت المُدُن والقرى العربية وحوّلتها إلى جيوب بين المستوطنات.
بلال ضاهر
تحرير:عرب 48
9/1/2026
توالَت منذ بداية العام الحالي جرائم القتل في المجتمع العربي، حيث قُتِلَ 11 أو 12 شخصًا خلال أسبوع، أي أكثر من شخص بالمتوسّط في كلّ يوم. ويرتفع عدد القتلى في كلّ سنة عن السنة التي سبقَتها. ولا تظهَر مؤشّرات في الأفُق على أن هذه الظاهرة ستتراجع، ولا يبدو للأسف وجود احتمال أنها ستتوقّف، كأنّ جرائم القتل ظاهرة طبيعية لا يستطيع الإنسان مُواجَهتها.
لقد أصبح أمرًا عاديًا أن يستيقظ المرء في الصباح على نبَأ جريمة قتل في المجتمع العربي، وأحيانًا يكون ضحيّتها أكثر من شخص. هذا إلى جانب جرائم إطلاق النار التي تنتهي بإصابات خطيرة ولا يُقتَل ضحاياها. وبلغ عدد ضحايا جرائم القتل 252 قتيلًا، في العام 2025، أي قتيل كلّ 35 ساعة؛ ما يعني أن عدد هذه الجرائم في المجتمع العربي من أعلى النسب على مستوى العالَم. عدد ضحايا جرائم القتل 220 في العام 2024، و233 في العام 2023.
للمُقارَنَة، قُتِلَ 66 يهوديًا في العام 2024، و38 يهوديًا في العام 2023، عِلمًا أن عدد اليهود في إسرائيل حوالي أربعة أضعاف العرب.
وفقًا لمُعطَيات نشرَها "مركز طاوب لدراسة السياسة الاجتماعية في إسرائيل"، فإنّه حتى العام 2015 كانت نسبة جرائم القتل في المجتمع العربي وفي المجتمع اليهودي 4 قتلى عرب مُقابِل قتيل يهودي واحد. وارتفعَت هذه النسبة في العام 2023 إلى 13 قتيلًا عربيًا مُقابِل قتيل يهودي واحد، وارتفعَت في العام 2024 إلى 14 قتيلًا عربيًا مُقابِل قتيل يهودي واحد.
في الأعوام 2011 – 2023 ارتفَع عدد السكّان اليهود بحوالي 25٪، وعدد السكّان العرب بحوالي 30٪. وارتفعَت نسبة الرجال اليهود في سن 20 – 34 عامًا في هذه السنوات بحوالي 10٪، بينما ارتفعَت هذه النسبة بحوالي 46٪ في المجتمع العربي.
وتُشير أبحاث كثيرة إلى أن نسب الجريمة، وخاصّة القتل، هي الأعلى بين الشبّان. وفي الأعوام 2011 – 2022، طرَأ انخفاض على عدد جرائم القتل في المجتمع اليهودي بحوالي 60٪، بينما ارتفع عدد هذه الجرائم في المجتمع العربي بنسب مُرتفعة منذ العام 2016.
وأشار المُشرِف على البحث في "مركز طاوب"، بروفيسور أليكس فاينريب، إلى أن "الارتفاع الهائل في حالات القتل في المجتمع العربي، منذ العام 2018، ليس قَضاءً وقَدَرًا. ففي العام 2022 شهِدنا انخفاضًا ملموسًا في نسبة حالات القتل إلى 109. ورغم أنه لا يمكن تفسير هذا الانخفاض بعامل واحد، فإنه بالإمكان التقدير أنه مُرتبِط بتغيير سياسة التعامل مع العنف في المجتمع العربي في ذلك العام".
وأفادَت "الحركة لحريّة المعلومات"، في 31 آب/أغسطس الماضي، بأنّ "المُعطَيات التي نطلبها من الشرطة في كلّ عام تكشف عن وضع الجريمة في إسرائيل. وتدلّ المُعطَيات التي نكشف عنها الآن أنه منذ تشكيل الحكومة في نهاية العام 2022، سُجّل ارتفاع في عدد جرائم القتل في إسرائيل. وهذه المُعطَيات تدل على عجز الشرطة وعلى مدى تهديد الجرائم الخطيرة على كلّ مُواطِن في إسرائيل".
وشدّدت الحركة على أنه "خلال فترة ولاية الوزير بن غفير، تُحاوِل الشرطة إخفاء مُعطَيات الجريمة. وتوقّفت الشرطة عن المُبادَرة إلى نشر دائم لهذه المعلومات، مثلما كانت تفعل خلال ولاية (وزير الأمن الداخلي) بار ليف. ولن نسمح للشرطة بدفن المعلومات، أو التلويح بمُعطَيات مُريحة لها فقط، مثلما يفعل الوزير بن غفير".
وأشارت الحركة إلى أنه في العامَيْن 2023 و2024 ارتفع عدد ضحايا جرائم القتل في إسرائيل إلى 479 قتيلًا، مُسَجّلَة بذلك ارتفاعًا بنسبة 85٪ قياسًا بالعامَيْن السابقين.
حسب المُعطَيات، الشرطة تحلّ 65٪ من جرائم القتل في المجتمع اليهودي و20٪ فقط من هذه الجرائم في المجتمع العربي. ويبدو واضحًا أنه لا توجد توجيهات عليا للشرطة بمواجهة الجريمة في المجتمع العربي، إنّما تتساهل في التعامل مع الجريمة وتتقاعس في التحقيق، بموجب سياسة بن غفير.
"عجز" الشرطة الإسرائيلية في مواجهة تَصاعُد الجريمة في المجتمع العربي متعمّد، ويتحمّل مسؤوليته رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، الذي لا يتحدّث أبدًا تقريبًا عن ظاهرة الجريمة في المجتمع العربي؛ لكنه تطرّق إليها، الأسبوع الماضي، من خلال مدح بن غفير في أعقاب الحملة البوليسيّة في قرية ترابين الصانع، ومقتل مُواطِن عربي برصاص شرطي.
إنها سياسة متعمّدة بلا شك، وتتلاءم مع أفكار بن غفير العنصرية ضدّ العرب. فالمُواطِن العربي لا يشعر بالأمن والأمان في ظلّ تصاعد الجريمة، وتصاعد الفوضى في المُدُن والبلدات العربية، وحتى تَراجُع الخدَمات البلديّة وتوقّفها بالكامل. وأدّى هذا الوضع إلى أن الهجرة من البلاد أصبحت فكرة مُنتشرة ورائجة في المجتمع العربي؛ وهناك آلاف كثيرة من العائلات العربية التي غادرت البلاد ومعظمها لا يعتزم العودة. ومن هنا، فإنّ تشجيع نتنياهو وبن غفير للجريمة في المجتمع العربي هو سياسة ترانسفير، ليس أقلّ من ذلك.
خطط استيطانيّة جديدة - قديمة
الحكومة الإسرائيلية الحالية هي حكومة ترانسفير، تعمل بموجب أفكار الحاخام الفاشي مئير كهانا، الأب الروحي لبن غفير وزميله الوزير بتسلئيل سموتريتش، بدعم كامل من نتنياهو. وحاولت الحكومة الإسرائيلية تهجير الغزّيين إلى خارج قطاع غزة خلال الحرب، لكنها لم تنجح في ذلك. وهي تُحاوِل تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية. ولأنها تعتقد أن تهجيرًا من الضفة إلى خارجها لن ينجح أيضًا، فإنها تسعى إلى فرض واقع على الأرض من خلال إفراغ أكثر ما يمكن من الأراضي في الضفة من الفلسطينيين والتضييق عليهم ومُحاصرتهم من خلال تحويل تجمّعاتهم السكنيّة، أي مُدُنهم وقُراهم، إلى جيوب مُحاطة بالمستوطنات.
لقد سلّم نتنياهو ملف الاستيطان بكامله في الضفة الغربية لسموتريتش، الذي يعتبر أن لا حق للفلسطينيين بالوجود في الضفة الغربية، ويسعى إلى تنفيذ مخطّط ضم 82٪ من مساحة الضفة، وأن تكون هذه منطقة خالية من الفلسطينيين، وتجميعهم في 18٪ من مساحة الضفة، حسبما أعلن قبل عدّة أشهر.
ووضَع سموتريتش خططًا استيطانية للعام الحالي تشمل، وفقًا لتقرير نشرَته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، هذا الأسبوع، توسيع وإقامة مستوطنات بهدف مُحاصَرة مدينة أريحا وقرى جنوب جبل الخليل وشمال القدس ومنطقة رام الله.
هذه سياسة استيطانية إسرائيلية قديمة. فمنذ خمسينيّات القرن الماضي، صادَرت إسرائيل مساحات واسعة من الأراضي العربية في الجليل، وأقامت فيها مُدُنًا، مثل نتسيرت عيليت، التي تم تغيير اسمها إلى "نوف هغليل"، ومدينة كرميئيل، وبلدات يهودية صغيرة، لا يُسمَح للعرب بالسكن فيها. وبذلك حوّلت المُدُن والقرى العربية في الجليل إلى جيوب، ضمن مخطّط "تهويد الجليل".
مخطّط "تهويد الجليل" بأن تكون أغلبيّة يهودية في هذه المنطقة لم ينجح، إذ إن أغلبيّة سكّان الجليل عرب. لكن المخطّط نجح بالسيطرة على الغالبيّة العظمى من الأراضي في الجليل، ومُحاصَرة المُدُن والقُرى العربية ومنع توسيعها وتطويرها.
حرب في سنة انتخابات تخدم نتنياهو
في هذه الأثناء، دخلت إسرائيل إلى سنة انتخابات، ويسعى نتنياهو إلى الفوز فيها. ورغم أن مصير مُحاكمته بتُهم فساد وما إذا كان سينجح أم لا في الحصول على عفوٍ طلَبه لنفسه من رئيس الدولة، يتسحاق هرتسوغ، إلّا أن نتنياههو يتصرّف كأنّ المُحاكَمة غير موجودة، ويسعى إلى تشكيل الحكومة المقبلة، في إطار ائتلافه الحالي، وربما بتوسيعه.
والمشكلة التي يُواجهها نتنياهو حاليًا هي أن الاستطلاعات تُجمِع على أنّ الأحزاب في حكومته لن تُشَكّل أغلبيّة في الكنيست في الانتخابات المقبلة. كما تُجمِع الاستطلاعات على أنّ حزب الصهيونية الدينية، برئاسة سموتريتش، لن يتجاوز نسبة الحسم، ما يعني أن قوّة ائتلاف نتنياهو ستتراجع مُقابِل معسكر الأحزاب الصهيونية في المعارضة مع حزبين جديدين برئاسة نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت.
من أجل منْع تراجع قوّة ائتلافه، تردّدت تقارير هذا الأسبوع تحدّثت عن أن نتنياهو يسعى إلى إزاحة سموتريتش عن رئاسة حزب الصهيونية الدينية وتعيين الضابط في الجيش الإسرائيلي، عوفر فينتر، رئيسًا لهذا الحزب.
وفينتر هو ضابط يميني متطرّف برتبة عميد ينتمي لتيّار الصهيونيّة الدينيّة، أصدَر أوامر عسكرية تأمر بقتل المدنيين الفلسطينيين. وأراد نتنياهو أن يُعَيّنه سكرتيرًا عسكريًا له؛ لكن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، هيرتس هليفي، استدعاه قبل شنّ الحرب على غزة بخمسة أيام وأبلغَه بعدم موافقته على تعيينه في المنصب، وقال له: "أعتقد أن طلَب رئيس الحكومة ليس موضوعيًا".
وقال فينتر مُهاجِمًا هليفي خلال مقابلة أجرَتها الإذاعة العامّة الإسرائيلية معه حينها، إنه "لو كنتُ رئيس الحكومة، أو آخر، مثل أريئيل شارون، لتناثر رأس هليفي خلال ثانية. من أنتَ أصلًا أيها الوقح؟ اعتبار رئيس الحكومة ليس موضوعيًا؟ من أنتَ أصلًا؟ أنتَ رئيس هيئة أركان مُرتَبِك".
وذكرَت إذاعة الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء الماضي، أنه بموجب خطّة نتنياهو سيحصل فينتر في قائمة مشتركة مع سموتريتش على الأمان الأوّل والسابع والثامن، وأنّ سموتريتش سيتَولّى أرفع منصب وزاري تحصل عليه قائمة كهذه. لكن الاستطلاعات الأوليّة التي نُشِرَت بعد الإعلان عن هذه الخطّة أشارت إلى أن قائمة كهذه قد تحصل على 7 مقاعد في الكنيست، وأن قوّة ائتلاف نتنياهو ستكون حوالي 55 مقعدًا، مقابل 55 مقعدًا للأحزاب الصهيونية في المعارضة مع بينيت وآيزنكوت.
وتعني نتيجة كهذه أن لا أحد من المعسكرين سيتمكّن من تشكيل حكومة. لكن ربما يأمل نتنياهو بأنه سينجح في إقناع أحد أحزاب المعارضة بالانتقال إلى ائتلافه وحشد أغلبيّة لتشكيل حكومة، ومنع عودة إسرائيل إلى المأزق الانتخابي، في الأعوام 2019 – 2021، عندما جرَت أربع جولات انتخابية مُتتالية إلى حين تشكيل حكومة بينيت – لبيد. ويبدو أن نتنياهو لن يسمح بتكرار ذلك من خلال استئناف الحرب ضدّ غزّة أو لبنان أو إيران، أو ضدّ جميعها معًا.
2026-01-22 09:42:53 | 2 قراءة