التصنيفات » مقالات سياسية

التناقض المُتَأصّل في «الصهيونيّة الليبراليّة»

التناقض المُتَأصّل في «الصهيونيّة الليبراليّة»

عند النظَر إلى الصراعات الراهنة، قد يشعُر المرء وكأنّ «الصهاينة الليبراليّين» غير موجودين أصلًا؛ فالمُصطَلح، كما قال ناثانيال، مُجَرّد تناقضٍ لفظي، بل هو-على وجه الخصوص-وسيلة تُمَكّن الصهاينة من الشعور بالارتياح إزاء دعمهم لإسرائيل..
بن برغيس (جاكوبين) | ترجمة، بتصرّف: أنس أبو سمحان
تحرير:عرب 48
9/1/2026

لعلّ المُتابِع للقطاعات الأكثر إثارة للاشمئزاز في اليمين الأميركي قد سمِع بتعبير «الأميركيّون التراثيّون» في العام الماضي في أيّ مرحلةٍ من المراحل؛ إذ يتَبَنّاه المُحافِظون الأكثر تشدّدًا ضدّ الهجرة، والذين يرفضون القوميّة المدنيّة الواسعة لصالح مفهوم الهويّة الأميركيّة المرتبط بالأصول/بالسَلَف. ووفقًا لهذا المفهوم، فإن الأشخاص الذين وُلِدوا في الولايات المتحدة ليسوا أميركيين كاملين إذا كان أجدادهم مُهاجِرين.
لقد وصلنا إلى النقطة التي، على ما فيها من كآبة، لم يعد معها مُستَغرَبًا سماع الناس يتحدّثون بهذه الطريقة. غير أنّ ما يبعث فعلاً على الدهشة هو أن يخرج أحدهم قائلًا: «أعتقد أن أميركا تنتمي إلى الأميركيين ذوي الأصول الأميركية. إنها بلادنا، ومن المهم للغاية أن نتأكّد من أنّ الأميركيين من أصل أميركي هم الأغلبيّة إلى الأبد، وإلّا فإنّنا سوف نفقد الهدف الأساسي من وجود البلاد. وهذا لا يجعلني مُحافِظًا، فأنا ليبرالي!».
تُعَدُّ فكرة «الصهيونية الليبرالية» مُربِكَة بطبيعتها، وذلك بالقَدر نفسه الذي تنطوي عليه المُفارَقة بين المُصطَلحَين. فالقوميّات كلّها تقع على طَيْفٍ يمتدّ من القوميّة المدنيّة الخالصة، حيث تُعَرَّف «الأمّة» بأنها مجموعُ مَن يُقيم داخل حدود الوطن، إلى القوميّة العِرقيّة المَحضة، حيث تُختَزَل «الأمّة» في جماعةٍ عِرقيّةٍ بعَيْنِها، ويُعَدّ سائر السكّان - في أحسن الأحوال - ضيوفًا يُتَسامَح مع وجودهم. وقد مالَت القوميّة الأميركيّة تاريخيًا إلى الاقتراب أكثر من الصيغة المدنيّة الخالصة، لا سيما في العقود التي أعقبت إقرار قانون الحقوق المدنيّة وإلغاء الحصص العنصريّة في قوانين الهجرة. وهذا تحديدًا ما يسعى المُحافِظون الذين يُرَوّجون لمُصطَلَح «التراث الأميركي» إلى تقويضه وإعادة تشكيله. وعلى الطرَف الآخر من الطيْف السياسي، تكاد الصهيونية تُجَسّد النموذج الأشدّ نقاءً للقوميّة العرقيّة في العالم اليوم، خصوصًا إذا قَصَرْنا النظر على الدول التي تُظهِر قَدرًا من مَظاهِر الديمقراطيّة الليبراليّة. فالفكرة المُعلَنَة بوضوح هي أنّ إسرائيل ينبغي أن تكون «دولة يهودية» بالمعنى الحَرْفي، رغم أنّ نسبةً كبيرة ممّن يعيشون داخل حدودها ليسوا يهودًا أصلًا..
ورغم التناقض بين الليبراليّة وهذا النوع من القوميّة العِرقيّة المتطرّفة، فإنّ كثيرين من الناس يُشيرون إلى أنفسهم باعتبارهم صهاينة ليبراليين. ماذا يعني ذلك؟ وأين هم في النضال المستمرّ للدفاع عن القِيَم الليبراليّة من تقويضها من قِبَل الحكومة الإسرائيلية؟
الصهيونيّة الليبراليّة بين النظريّة والتطبيق
إذا تحدّثتَ إلى شخص يصِف نفسه بأنه صهيوني ليبرالي، فإنه عادة ما يقول شيئًا مثل: «أنا أؤيّد إسرائيل، ولكن هذا لا يعني أنّني أحب بنيامين نتنياهو أو المستوطنات في الضفة الغربية. أنا أؤيّد حلّ الدولتين كي ينعم كلٌّ من اليهود والفلسطينيين من التمتّع بالحقوق الديمقراطية». هل يعمل هذا الموقف على سدّ الفجوة بين الكونيّة الليبراليّة فيما يتعلّق بحقوق الإنسان وتقييد القوميّة لمجتمعٍ عِرقيّ معيّن؟
ليس بالضرورة. فحتى الصهاينة الليبراليين أنفسهم لا يميلون إلى تأييد حقّ العودة للاجئين الفلسطينيين الذين طُرِدوا من بلادهم في إطار حملة التطهير العِرقيّ الجماعيّ في عام 1948، ذلك أن السماح لأجيال من الفلسطينيين الذين نشأوا في مخيّمات اللاجئين بالعودة يعني تضخّم المجموعة العِرقيّة الخاطئة من السكّان في إسرائيل؛ وهو ما من شأنه أن يُهَدّد وضع إسرائيل كدولة يهودية.
من الناحية النظريّة، يُمكِن للصهاينة الليبراليين الجادّين في مواقفهم أن يكونوا حُلفاء قيّمين للمُعادين للصهيونية في الصراعات السياسية الراهنة. فمهما بلغ عمق خلافنا حول مدى مشروعيّة أن تُخَصَّص دولةٌ قوميّةٌ «لصالح» جماعةٍ عِرقيّةٍ بعَيْنِها من مُواطِنيها، ومهما تعاظم تصادُمنا مستقبلًا بشأن مطالب أكثر طموحًا- كحقّ العودة مثلًا-فإنّ كلّ من يأخذ على محمل الجدّ ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزّة، والسماح بقيام دولة فلسطينية مستقلّة هناك، سيَجِد نفسه في الخندق نفسه مع المُناهِضين للصهيونية في طَيْفٍ واسع من القضايا الراهنة. سيُعارِض هؤلاء الصهاينة الليبراليين بشدّة التدمير المنهجي الذي تقوم به إسرائيل للبنية التحتيّة المدنيّة الفلسطينية في قطاع غزّة وقيام الجيش الإسرائيلي بتهجير معظم سكّان القطاع. وسوف يكرهون المستوطنات في الضفة الغربية بشدّة، لأنهم يُدرِكون أن كلّ مُستَوطِن إسرائيلي جديد ينتقل إلى هناك يجعل تقسيم الدولتين أكثر صعوبة.
غير أنّه، في الواقع العملي، يبدو أنّ عدد «الصهاينة الليبراليين» قليلٌ إلى حدٍّ لافت. ففي العام الماضي، أقَرّ الكنيست قرارًا يُعارِض قيام دولة فلسطينية «على أيّ شبرٍ غربيّ نهر الأردن»، أي في أيّ بقعةٍ ضمن إسرائيل وفلسطين. وقد مَرّ القرار بأغلبيّة تسعةٍ وستّين صوتًا مقابل تسعة. وكان الصوت اليهوديّ الإسرائيلي الوحيد المُعارِض ضمن هذه الأصوات التسعة هو صوت عوفر كاسيف، الذي لا يَعُدّه أحدٌ «صهيونيًا ليبراليًا» -فأطروحته للدكتوراه في كليّة لندن للاقتصاد تحمل عنوان: «حول القوميّة والديمقراطيّة: دراسة ماركسيّة». صحيحٌ أنّ عددًا من السياسيين الإسرائيليين من يسار الوسط غابوا عن جلسة التصويت، خشية المجازفة السياسية بالظهور عَلَنًا في أيّ اتجاه، إلّا أنّ السؤال المُلِحّ يبقى: أيوجد تصويتٌ أشدّ دلالةً أيديولوجيًّا على ما يُفتَرَض أنّ «الصهاينة الليبراليين» يؤمِنون به من هذا التصويت تحديدًا؟
إنّ إسرائيل، في بعض وجوهها، دولة ديمقراطية؛ فهي تشهد انتخابات متعدّدة الأحزاب وحافلةٌ بالجدَل، ويُسمَح بالتصويت لجزء من السكّان (أي السكّان اليهود، بالإضافة إلى الفلسطينيين الذين يعيشون داخل حدود ما قبل عام 1967). ولكنها أيضًا دولة حامية مُفرطة في التسلّح جرّدت ملايين البشر داخل الأراضي التي تُسَيطِر عليها من حقوقهم منذ بدأت احتلال الضفة الغربية والشروع في الاستيطان فيها عام 1967. ومن الطبيعي أن لا يُفضي مثل هذا الترتيب إلى نشوء طَيْفٍ صحّي من النقاش السياسي. فالحياة السياسية في إسرائيل راكدةٌ إلى حدٍّ بعيدٍ عن أيّ وضعٍ يُمكِن اعتباره طبيعيًا في الديمقراطيّة الليبراليّة. وقد ازداد المشهد قَتامةً وتعقيدًا خلال العامَيْن اللذين أعقبا السابع من تشرين الأوّل/أكتوبر.
كان سيكون أمرًا جديرًا بالترحيب لو أنّ في إسرائيل عددًا كافيًا من المؤيّدين الجادّين لحلّ الدولتين ممّن يستطيعون الوقوف في وجه الإبادة الجماعيّة في قطاع غزّة ومعارضة استمرار الاستيطان في الضفة الغربية، غير أنّ الواقع الراهن بعيدٌ كلّ البُعد عن ذلك. فإذا كانت إسرائيل ستَكُفّ عمّا تفعله اليوم، فإنّ القسط الأكبر من الضغط اللازم لردعها لا بدّ أن يأتي من خارجها.
ألا ينبغي للصهاينة الليبراليين أن يحتجّوا على «نيفيش بنيفيش»؟
عندما يتعلّق الأمر بمُمارسة هذا الضغط، يغيب الصهاينة الليبراليّون الغربيّون في الغالب أيضًا. فهم يُكثِرون من القول إنّ حلّ الدولتين أمرٌ جوهري، لأنه-في نظَرهم-السبيل الوحيد الذي يُتيح لإسرائيل أن تكون يهوديّة وديمقراطيّة في آنٍ معًا. ولكن إذا كان هذا الهدف حقًا هو محور هويّتهم السياسية، فأين يقفون اليوم؟ فأيّ صهيوني يأخذ بجدّية مسألة إنهاء السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية وقطاع غزّة كان ينبغي له أن يكون في طليعة المُتَظاهِرين خلال العامَيْن الماضيين، مُطالِبًا بوقف إمدادات السلاح الأميركية إلى نتنياهو فورًا أثناء هجومه على قطاع غزّة. وكان من المُفتَرَض أن يكونوا كذلك من أشدّ الرافضين للمستوطنات التي تنسف من أساسه أيّ حلّ يقوم على مبدأ الدولتين. بل إنّهم، حين تُنَظَّم في الولايات المتحدة فعالياتٌ تُشَجّع اليهود الأميركيين على الانتقال إلى مستوطنات الضفة الغربية، يُفتَرَض أن يكون «الصهاينة الليبراليّون» الأكثر صخَبًا واحتجاجًا. لكن الواقع يُظهِر العكس؛ ففي معظم الأحيان، يصعب العثور عليهم أصلًا.
فعلى سبيل المثال، استَأجَرت منظّمة نيفيش بنيفيش، يوم الأربعاء الماضي، قاعةً في كنيس بارك إيست في مانهاتن لتنظيم فعاليّةٍ تَهدف إلى تشجيع الهجرة إلى إسرائيل. لن يعترض أحد لو كانوا يُشَجّعون اليهود الأميركيين على الانتقال إلى تل أبيب فحسب؛ غير أن حركة نيفيش بنيفيش تُشَجّع صراحة على الهجرة إلى المستوطنات. وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز:
يحتوي موقع المنظّمة على صفحات من التوصيات التفصيليّة حول الحياة في المُدُن الإسرائيلية، وكذلك في بعض أكبر الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية. وتشمل هذه المستوطنات 22 مستوطنة في غوش عتصيون، وهي منطقة جنوب القدس، ومعاليه أدوميم، وهي مستوطنة كبيرة تقع بين شمال وجنوب الضفة الغربية، والتي يراها العديد من الفلسطينيين تهديدًا للسلامة الإقليمية لأيّ دولة فلسطينية في المستقبل.
وتُشَجّع حركة نيفيش بنيفيش الأميركيين على الانتقال إلى مستوطنات أصغر حجمًا أيضًا، والتي تُصَوّرها كجزء لا يتجزّأ من إسرائيل. ويصِف التقرير مستوطنة إلكانا في الضفة الغربية المحتلّة، على سبيل المثال، بأنها «مجتمع جميل ومُريح وموقع جيّد في وسط إسرائيل».
وكما كان مُتَوَقّعًا، أثار هذا الحدَث احتجاجًا غاضبًا. وأدانَ رئيس البلديّة المُنتَخَب، زهران ممداني، بعض الشعارات الأكثر تطرّفًا التي ردّدها بعض المُتَظاهِرين؛ لكنه قال أيضًا على لسان مُتَحَدّث باسمه إنّ «هذه الأماكن المقدّسة لا ينبغي أن تُستَخدَم لتعزيز الأنشطة التي تنتهك القانون الدولي». وأثارت تصريحات ممداني، بدورها، غضب المُنتَقِدين الذين حرّفوا كلماته، وتظاهروا بأنه بدَلًا من الحديث عن المستوطنات غير الشرعية في الضفة الغربية، كان رئيس البلديّة المُنتَخَب يتحدّث عن الانتقال إلى إسرائيل عمومًا.
غير أن اللافت حقًّا في هذا الجدَل هو الغياب التام تقريبًا للصهاينة الليبراليين المؤيّدين لحلّ الدولتين. فأين اختفى أولئك الذين كان ينبغي لهم أن يتقدّموا بقولٍ واضحٍ صريح، من قبيل: «بوصفي مؤيّدًا لحلّ الدولتين ورافضًا للمستوطنات، فإنّني أتّفق تمامًا مع ممداني في أنّ استخدام الكنيس لفعاليّة تدعم الانتقال إلى المستوطنات أمرٌ مخزٍ؟».
عَبّرَ الصحفي جاسبر ناثانيال عن الأمر خَيْرَ تعبيرٍ حين كتَب: أعتقد بوجود تناقضٍ لفظيّ في «الصهيونيّة الليبراليّة»؛ إذ لم يُفلِح أحدٌ حتى الآن في تفسير كيف يمكن لدولة تُلزِم نفسها بالحفاظ على أغلبيّة يهوديّة في منطقة يغلب عليها الطابع العربي أن تظلّ، في الوقت ذاته، مُتَمَسّكةً بالقِيَم الليبراليّة الأساسيّة. ومع ذلك، ولغايات الحُجّة فحسب، سأُسَلِّم بفرضيّة هذا المفهوم القائلة إنّ «الصهيونيّة الليبراليّة» تختلف جوهريًا عن الرؤية المسيانيّة لـ«إسرائيل الكبرى» التي يُرَوّج لها سموتريتش وبن غفير ومن لفّ لفيفهما. وعليه، فإنّ سؤالي التالي هو: لِمَ تَعجَزون إلى هذا الحدّ عن الإبقاء على هذا التمايُز الذي تزعمون الدفاع عنه؟
أظنّ أنّ الإجابة على هذا السؤال بسيطة نسبيًا. فلكي نُعطي الأولويّة لمُعارَضَة ما تفعله إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزّة، يتعيّن علينا أن نأخذ على محمل الجد المساواة الإنسانية بين الفلسطينيين. وهذا بالضبط هو المسار الفكري الذي دفَع كثيرًا من الشباب اليهود في الغرب إلى رفض الصهيونية كليًا، لصالح قناعةٍ عَبّرَ عنها زهران ممداني بقوله إنّ «الحقوق المُتَساوِية» ينبغي أن تكون «مُكَرَّسة في كلّ بلَد، سواء كنّا نتحدّث عن إسرائيل أم عن المملكة العربية السعودية».
وعند النظَر إلى الصراعات الراهنة، قد يشعُر المرء وكأنّ «الصهاينة الليبراليين» غير موجودين أصلًا؛ فالمصطلح، كما قال ناثانيال، مجرّد تناقضٍ لفظي، بل هو-على وجه الخصوص-وسيلة تُمَكّن الصهاينة من الشعور بالارتياح إزاء دعمهم لإسرائيل. وإذا كان ثمّة صهاينة ليبراليّون صادقون فعلًا في هذا العالم، فقد آنَ الأوان-وربما تأخّر كثيرًا-لأن يرفعوا صوتهم ويتكلّموا.

 

2026-01-24 19:44:22 | 17 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية