الإجراءات الرئيسة لـ"إضعاف الديمقراطيّة في إسرائيل"– ملخّص العام 2025
بقلم: المُحامِيَتان: عنات طهون أشكنازي ودفني بنبنستي
ترجمة: هشام نفّاع
المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيليّة
5 يناير 2026
تَعرض هذه الوثيقة مُراجعَة شاملة للخطوات المركزيّة التي اتّخذتها الحكومة والائتلاف لإضعاف الديمقراطيّة الإسرائيليّة خلال العام 2025، وهي صادرة عن "المعهد الإسرائيلي للديمقراطيّة" في القدس. تَستَند الوثيقة، من بين أمور أخرى، إلى مُراجَعات دوريّة كنّا أعدَدناها على امتداد العام المُنصَرم، وقَفنا فيها على تعاظم الخطوات الرّامية إلى إضعاف الديمقراطيّة، وكذلك على تحليل الخطوات التي جرى الدّفع بها في الأشهر الأخيرة.
تَستَعرِض الوثيقة الإجراءات المركزيّة التي يعمل الائتلاف على دفعها لإضعاف الديمقراطيّة في ست ساحات رئيسة:
(1) المسّ باستقلاليّة الجهاز القضائي؛
(2) تقويض سيادة القانون والمسّ بمؤسّسة المستشار القانوني للحكومة؛
(3) تسييس الشرطة الإسرائيلية والخدمة العامّة؛
(4) المسّ بالحقوق الأساسية؛
(5) إضعاف الإعلام الحر، والمجتمع المدني، والأكاديمية؛
(6) المسّ بنزاهة الانتخابات.
في كلّ واحدة من هذه الساحات سُجّلَت هذا العام خطوات جوهريّة في التشريع، في قرارات حكوميّة، في إجراءات إداريّة، ترَك بعضُها بالفعل أثَراً مَلموساً على أرض الواقع.
استكمالاً للمراجعة السنويّة التي نشرناها لتلخيص الخطوات التي اتُّخِذَت للمسّ بالديمقراطية الإسرائيلية في العام 2024، فإنّ أنماط العمل الموصوفة في هذه المُراجَعة ما زالت تتوافق مع ما توصّلت إليه الأدبيّات البحثيّة حول التراجع الديمقراطي. فقد وَجَدَت دراسات عديدة أن الديمقراطيّات لا تَميل إلى الانهيار دفعة واحدة، وإنّما تتآكل تدريجياً على امتداد الزمن. وقد أشار باحثون مختلفون إلى أوجه الشبه التي تُمَيّز عمليّات التراجع الديمقراطي، ووجَدوا أنها تَميل إلى التقدّم عبر عدد من المحاور المُتَوازِية: تآكل عنصر التنافس ونزاهة الانتخابات؛ الإضعاف المنهجيّ لسيادة القانون، ولا سيما للجهاز القضائي؛ تقييد الإعلام المستقل وإسكاته؛ وتقليص حَيّز عمل المجتمع المدني.
بحسب المعرفة البحثيّة المُتَراكِمَة، فإنّ هذه الخطوات لا تَحدُث بصورة عشوائيّة، بل هي مُتَشابِكَة فيما بينها. فهي تُحدِث تآكلاً تراكمياً في منظومة الضوابط والتوازنات القائمة في الديمقراطية، وتُمَهّد الطريق لسيطرة جهات سياسية على مؤسّسات الدولة. ويُظهِر البحث أن التراجع الديمقراطي يَحدُث في الغالب عبر تغييرات قانونيّة ودستوريّة تمنح غطاءً ديمقراطياً لتفكيك الديمقراطيّة، وذلك إلى جانب السيطرة على مؤسّسات الدولة، بما يُتيح تنفيذ هذه السيرورة فعلياً. كما أشار البحث الأكاديمي إلى العلاقة الثنائيّة الاتجاه ما بين التراجع الديمقراطي وحالات الطوارئ: إذ قد تُفاقِم حالات الطوارئ من تدهور الديمقراطية؛ وبالمقابل، ففي الدول التي تشهَد تراجعاً ديمقراطياً، يَميل الزعماء إلى استغلال حالة الطوارئ على نحوٍ أوسع.
اتجاهات مركزيّة في التراجع الديمقراطي لإسرائيل العام 2025
اتّسم التراجع الديمقراطي في إسرائيل العام 2025 بالدّفع العدواني والأوسع نطاقاً للخطوات الرامية إلى تقويض الديمقراطية، حتى في خضم الحرب (على غزة). ففي حين أنّ الائتلاف الحكومي مالَ خلال معظم العام 2024 إلى دفع هذه الخطوات بصورة غير مباشرة، ضمن نمَط «إصلاح هادئ»، فإنّ إطالة أمَد الحرب أفضَت إلى تصعيد في حِدّة الخطوات وفي الإصرار على دفعها قُدُماً، ولا سيما على الصعيد الإداري. وكثيراً ما استُخدِمَت الحرب نفسها أداةً لتبرير المسّ بـ (حرّاس التخوم)، ولتصعيد الخطاب ضدّ الجهاز القضائي والجهات المهنيّة. ومع عودة المخطوفين الأحياء والإعلان عن وقف إطلاق النار في شهر تشرين الأوّل، من جهة، والدخول في سنة الانتخابات، من جهة أخرى، سُجّلَت وتيرة تسارع إضافيّة وملحوظة للخطوات في جميع الساحات.
خلال العام تركّزت جهود إضعاف الديمقراطية في ست ساحات مركزية:
أوّلاً، سُجّل مَسٌ مُتَزايِدٌ ومُتَعَمّق باستقلاليّة الجهاز القضائي. وقد برَز على وجه الخصوص قانونان أُقِرّا في شهر آذار: القانون الخاصّ بتسييس لجنة اختيار القُضاة، والقانون المتعلّق بتغيير آليّة اختيار مُفَوّض شكاوى الجمهور على القُضاة. تُهَدّد هذه القوانين بتغيير طابع الجهاز القضائي، وبإدخال تسييس عميق في جميع درَجات التقاضي. وشملت خطوات إضافيّة لتقويض استقلاليّة الجهاز القضائي رفضَ وزير العدل الاعتراف برئيس المحكمة العليا، وتَصاعُد التهديدات ضدّ المحكمة العليا، بما في ذلك اقتحامات متكرّرة لجلَسات محكمة العدل العليا. ولوحِظَ في الأيام الأخيرة من العام 2025، تصعيد خطير، حين هَدّد وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، رئيسَ المحكمة العليا قائلاً: «سَنَدوسُه»؛ وقد دعمَه في هذا وزير الاتصالات، شلومو كرعي؛ بل ودعا إلى إخراج أقوال سموتريتش «من حيّز الكُمون إلى حيّز الفعل».
ثانياً، طرَأ تصعيد غير مسبوق في الهجَمات على سيادة القانون، ولا سيما الهجَمات ضدّ كبار حرّاس التخوم. فقد قرّرت الحكومة إقالة المستشارة القانونية للحكومة، غالي بهراف ميارا، وترفض العمل مع مؤسّسة الاستشارة القانونية للحكومة بصورة جوهريّة ومُتواصلة. وبالتوازي، تُدفَع في الكنيست اقتراحات قوانين لتقسيم منصب المستشار القانوني للحكومة. كما أقالت الحكومة رئيس جهاز الشاباك (جهاز الأمن العام) تومر بار، وعملت على تقويض مَكانة رؤساء أذرع أمنيّة أخرى، واستقلاليّة حرّاس تخوم إضافيين، مثل مُحافِظ بنك إسرائيل. كذلك قَوّضَت قضية المُدّعية العسكرية العامّة سيادةَ القانون، بدءاً من الاشتباه بارتكاب مُخالَفات بحقّ مُعتقَلين، مروراً باقتحام قاعدة للجيش الإسرائيلي، وتسريب الشريط المُصَوّر، والكذب على محكمة العدل العليا من قِبَل صاحبة منصب رفيع إلى هذا الحد في الجهاز القضائي، وانتهاءً بالإصرار على تعيين جهة مُرافِقَة لتحقيق جنائي خلافاً لحُكم محكمة العدل العليا. إضافة إلى ذلك، فإنّ الحكومة تعمل بمنهجيّة على منع إقامة لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023.
ثالثاً، مع دخول سنة الانتخابات، تكاثرت اقتراحات القوانين والإجراءات التي قد تؤدّي إلى تغيير قوانين الانتخابات في لحظة سياسية حسّاسة، على نحوٍ قد يخدم الأغلبيّة السياسيّة القائمة.
رابعاً، توسّعت مساعي تسييس الشرطة والخدمة العامّة. فقد عَمّقَ وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير تدخّله في عمل الشرطة، خلافاً لأحكام محكمة العدل العليا. كما عانت الخدمة العامّة من جهود إضعاف ملحوظة، من خلال تعيينات مؤقّتة، إلى جانب عدم تنفيذ صارخ لحُكم محكمة العدل العليا الذي قضى بأن الدولة تنتهك الأحكام القضائية والتشريعات عندما لا تُعَيّن نساءً في مناصب مُديرين عامّين في الوزارات الحكومية. وعلى الرغم من ذلك، ومنذ صدور الحُكم، عُيّن ثمانية مُديرين عامّين من الرجال، ولم تُعَيَّن ولو امرأة واحدة في هذا المنصب.
خامساً، سُجّل مسٌ بالحقوق الأساسيّة بعدّة طُرُق: بدءاً من دفع اقتراحات قوانين تمسّ بالحقوق (مثل اقتراح قانون الإعفاء من التجنيد؛ دفع عقوبة الإعدام بحقّ «المُخَرّبين»؛ مُحاوَلة ترسيخ الفصل الجندري في الأكاديميّة)، مروراً بدفع إمكانيّة تجميد ميزانيّات الخطّة الخماسيّة للمجتمع العربي، خلافاً لموقف جميع الجهات المهنيّة في الوزارات الحكومية، وانتهاءً بالمسّ المُتَواصِل بحقّ التظاهر من قِبَل الشرطة.
سادساً، سُجّلَت هَجْمَة حقيقيّة على الإعلام الحر، مع تركيز خاص على دفع خطوات للمسّ بمنظومات بثّ الأخبار في إسرائيل. وفي صُلب ذلك: المُصادَقة على إغلاق إذاعة الجيش "غالي تساهل"، وهو إجراء قد يؤدّي فعلياً إلى مَحو نحو نصف البثّ الإخباري العام في الراديو؛ والدفع السريع لتغيير جذري في سوق البثّ في إسرائيل، يهدّد بالمسّ ببثّ الأخبار المستقل في البلاد. وإلى جانب ذلك، تصاعدت التهديدات الميدانيّة ضدّ الصحافيين. كما سُجّلت خطوات للمسّ بمنظّمات المجتمع المدني، بما في ذلك الدفع بـ «قانون الجمعيّات» لفَرْض ضرائب على منظّمات مجتمع مدني تتّخذ خطوات نقديّة تجاه الحكومة.
ويُشار إلى أنه إلى جانب عدد من القوانين الدراماتيكيّة التي أُقِرّت، يُمكِن القول عموماً إن وتيرة العمل التشريعي بقيَت بطيئة نسبياً. في العام 2025 وحده وُضِع على طاولة الكنيست 37 اقتراح قانون تمسّ بالديمقراطية؛ وإلى جانبها جرى الدفع قُدُماً بـ 47 اقتراحاً إضافياً في مُداوَلات لجان الكنيست. وفي هذا الإطار، أُقِرّت سبعة قوانين تمسّ بالديمقراطية خلال العام المنصرم. ومع ذلك، وبالأساس بسبب المقاطعة التي فَرَضَتها الأحزاب اليهوديّة الحريديّة على الائتلاف على خلفيّة دفع قانون منح إعفاء من التجنيد لطلّاب المعاهد الدينية، لم تُصادق بعدُ على العديد من اقتراحات القوانين. غير أنه لوحِظ في الأسابيع الأخيرة انعطاف في هذا الاتجاه، على الرغم من أن الأحزاب الحريدية لم تُعلِن رسمياً عن رفع المقاطعة. وهكذا، ففي شهر كانون الأوّل وحده، أُقِرّ في القراءة التمهيديّة تسعة قوانين تمسّ بالديمقراطية، وتسارعت المُداوَلات في لجان الكنيست بصورة ملحوظة. وفي هذا السياق، ينبغي الإضافة أنه إذا رُفِعَت القيود كلّياً عن دفع التشريع من قِبَل الائتلاف، فقد تتقدّم بسرعة اقتراحات قوانين إشكاليّة للغاية.
بالنظَر إلى العام 2026 الحالي، تتّضح المَخاطِر بصورة أكبر: استمرار المسّ بمكانة المحكمة العليا، دفع قانون تجنيد يمسّ بقيمة المساواة وبأمن الدولة، تصعيد الخطوات ضدّ مؤسّسة الاستشارة القانونية للحكومة ورئيستها، الحاجة إلى إقرار ميزانيّة الدولة؛ وفوق كلّ ذلك – اقتراب موعد انتخابات الكنيست. إنّ كلّ هذه العوامل قد تخلق حافزاً لتعميق الاتجاهات الموصوفة أعلاه. وبالفعل، فإنّ أنماطاً مُشابِهَة معروفة من دول أخرى شهِدت هجوماً على الديمقراطية، حيث تبيّن أن سنة الانتخابات تُمَثّل نقطة اختبار حسّاسة على نحوٍ خاصٍ لمؤسّسات الحُكم.
إلى جانب ذلك، ما زال هناك هامش حقيقي لإعادة ترميم الديمقراطية في إسرائيل. يَستَند هذا الهامش، أوّلاً وقبل كلّ شيء، إلى مؤسّسات تنجح في الحفاظ على أدائها وعلى المعايير المهنيّة حتى في هذه الفترة، وعلى رأسها المحكمة العليا، التي تُبطِل تعيينات أو قرارات إدارية غير قانونية؛ ومؤسّسة الاستشارة القانونية للحكومة، التي بالرغم من كلّ ما حدَث ما زالت تُواصِل الحفاظ على سيادة القانون والدفاع عن القيم الديمقراطية، على الرغم من الهجَمات الشخصية والمسعى السياسي الرامي إلى إضعافها. ويُضاف إلى ذلك الانخراط الفاعل لعدد كبير من المُواطِنين، الذين واصلوا أيضاً في العام 2025 الدفاع عن الديمقراطية. وقد تُشَكّل هذه العوامل وغيرها أساساً حيوياً لعمليّات مستقبليّة لإعادة تأهيل الديمقراطية الإسرائيلية.
ملخّص صورة الوضع للتشريعات التي تمسّ بالديمقراطيّة في العام 2025
فيما يلي مُعطَيات تُظهِر الصورة الكميّة لمسارات التشريع في العام 2025. وعلى الرغم من أنّ هذه صورة جزئيّة فقط، فإنها كفيلة بالإضاءة على الاتجاهات التي دفَع قُدُماً بها الائتلاف الحكومي خلال هذا العام.
تُشير المُعطَيات الكميّة لعمليّات التشريع في الكنيست خلال العام 2025 إلى تصعيد غير مسبوق في وتيرة المُبادَرات القانونية التي تنطوي على مساس بالمؤسّسات والقِيَم والحقوق الديمقراطية. فالأرقام لا تعكس نقاشات نظريّة أو اقتراحات رمزيّة، بل تُجَسّد نشاطاً تشريعياً فعلياً ومُتَواصلاً، شمل عشرات مشاريع القوانين التي جرى دفع قسم كبير منها قُدُماً داخل أروقة البرلمان.
ووفق البيانات المعروضة، جرى خلال العام الماضي التقدّم فعلياً بنحو 50 اقتراح قانون، إلى جانب عشرات المُقتَرحات الأخرى التي وُضِعَت على جدول أعمال الكنيست ولم تُستَكمَل بعد. كما أُقِرّت 7 قوانين وُصِفَت بأنها تمسّ بالديمقراطية، فيما وصلَت 4 مبادرات إضافيّة إلى مراحل التشريع النهائيّة، في مؤشّر واضح إلى سرعة الدفع بهذه القوانين وتحويلها إلى واقع تشريعي مُلزِم.
وتكشف المُعطَيات عن أنّ تركيز هذه المُبادَرات لم يكن عشوائياً، بل استهدَف بصورة مباشرة مؤسّسات تُعَدّ من ركائز النظام الديمقراطي، وعلى رأسها الجهاز القضائي، ومنظومة الاستشارة القانونية للحكومة، ووسائل الإعلام. ويُظهِر حجم المُبادَرات التي جرى التقدّم بها فعلياً أنّ الائتلاف الحاكم جعَل من هذه المؤسّسات هدفاً مركزياً لإعادة تشكيل موازين القوى داخل النظام السياسي.
إلى جانب ذلك، تُظهِر البيانات اتّساع نطاق المساس بالحقوق الأساسيّة، حيث شملت مشاريع القوانين المطروحة والمُتَقَدَّمة طَيْفاً واسعاً من الحقوق الديمقراطية، أبرزها حريّة التعبير وحريّة الصحافة، والحقّ في المساواة وكرامة الإنسان، إضافة إلى الحقّ في مُحاكَمَة عادلة وضمان الإجراءات القانونية السليمة. وتعكس هذه الصورة مساساً متعدّد الأبعاد لا يقتصر على مجال واحد، بل يُطاوِل بنية الحقوق المدنيّة برمّتها.
وعند النظَر إلى هذه المُعطَيات ضمن سياق زمني أوسع، يتّضح أن العام 2025 يُشَكّل حلقة متقدّمة ضمن مسار تشريعي بدأ منذ العام 2023، ويتّسم بالاستمراريّة والتراكم. فالمُبادَرات التشريعية تركّزت باستمرار في المجالات ذاتها، مع تَصاعُد ملحوظ في عدد القوانين التي جرى إقرارها أو الدّفع بها قُدُماً.
في المحصّلة العامّة، ترسم الصورة الكميّة للتشريع خلال السنوات الأخيرة واقعاً يتجاوز المُبادَرات الفرديّة أو الظرفيّة، ليَعكِس مساراً منهجياً يهدف إلى إضعاف مؤسّسات ديمقراطية مركزية وتقليص حقوق وحريّات أساسيّة، الأمر الذي يضع طبيعة النظام الديمقراطي في إسرائيل أمام اختبار حاسم.
2026-01-24 19:47:30 | 20 قراءة