التصنيفات » مقالات سياسية

مُناوَرات "مهمّة العدالة 2025": أوّل مُحاكاة عملياتيّة صينيّة لحصار بحري- جوّي كامل حول تايوان

مُناوَرات "مهمّة العدالة 2025":
أوّل مُحاكاة عملياتيّة صينيّة لحصار بحري- جوّي كامل حول تايوان

15  يناير، 2026
د. إبراهيم غالي

المُستَشار الأكاديمي، رئيس برنامج دراسات آسيا والمحيط الهادئ، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدّمة، أبوظبي.

قُبَيل حلول العام الجديد 2026، أجرَت الصين مُناوَراتٍ عسكريةً تُحاكي للمرّة الأولى حصاراً كاملاً حول تايوان؛ ففي يومي 29 و30 ديسمبر من العام الماضي، نفّذت الصين مُناوَرات "مهمّة العدالة 2025"، التي شارَكت فيها القوّات البحريّة والجويّة وقوّات الصواريخ التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني، بالإضافة إلى فروع أخرى، وذلك للتدرّب على فَرْض حصار بحريّ كامل على تايوان، وفَرْض السيطرة الجويّة والبحريّة، واستهداف الموانئ الرئيسية، وردع القوّات الخارجيّة عن دخول سلسلة الجُزُر.
كانت مُناوَرَة "مهمّة العدالة 2025" هي سادس مُناوَرَة عسكرية واسعة النطاق تُجريها الصين حول تايوان منذ المُناوَرات التي أعقَبَت زيارة رئيسة مجلس النوّاب الأمريكي آنذاك، نانسي بيلوسي، إلى تايوان في أغسطس 2022. وقد استُخْدِمَ اسم "مهمّة العدالة 2025" كاسم جديد للمُناوَرات، التي اتّخَذَت نَمَطاً مُختَلِفاً عن المُناوَرات السابقة، مثل "السيف المُشتَرك 2024-أ" (مايو 2024)، و"السيف المُشتَرك 2024-ب" (أكتوبر 2024)، أو "رعد المضيق 2025-أ" (أبريل 2025).

القوّات المُشارِكة وخريطة الانتشار العمليّاتي:
غَطّت تدريبات "مهمّة العدالة 2025" مساحة أكبر من كافّة المُناوَرات الحربيّة الست الكبرى التي أُجرِيَت حول تايوان منذ عام 2022. فقد شملَت أوّل دخول كبير وواسع النطاق لسُفُن عسكرية وسُفُن تابعة لخَفَر السواحل الصيني إلى المنطقة الحدوديّة المُتاخِمَة مع تايوان.
ووفقاً لوزارة الدفاع التايوانيّة، عَبَرَت 11 سفينة تابعة للبحرية الصينية المنطقة، إلى جانب 8 سُفُن تابعة لخَفَر السواحل الصيني وسُفُن صينيّة أخرى؛ وهو ما يُظهِر مساعي البحرية الصينية لمَزيد من التنسيق العمليّاتي بين سُفُنها البحرية المختلفة.
وإضافة إلى ذلك، أطلَقت الصين صواريخ ضمن المُناوَرات بالذخيرة الحيّة بعيدة المدى، حيث سقَط 10 صواريخ من أصل 27 صاروخاً تمّ إطلاقها من مُقاطَعَة فوجيان في اليوم الثاني من المُناوَرات في المنطقة المُتاخِمَة لتايوان أو حولها، والتي تَمتَد لمسافة تقلّ عن 24 ميلاً بحرياً؛ إلّا أنّ مواقع سقوطها الدقيقة لم تُعلَن رسمياً.
كما شهِدت التدريبات أيضاً مُشارَكة 89 طائرة حربيّة، قامت بتنفيذ حوالي 130 طلعة جويّة للطائرات الصينية في منطقة تحديد الدفاع الجويّ التايوانية، وأسرابٍ من الطائرات المُسَيّرة، إلى جانب نشر 14 سفينة حربيّة وما لا يقلّ عن 15 سفينة تابعة لخَفَر السواحل وسُفُن أخرى؛ وهو ما يُفَسّرُه المُحَلّلون العسكريون بأنه مُحاكاة لحصار بحريّ وجوّي؛ ولذلك وَصَفَت تايبيه هذه المُناوَرات تحديداً بأنها "تصعيد صيني غير مسبوق تجاه تايوان".

الأهداف العملياتيّة/ الاستراتيجيّة للمُناوَرات:
على الرّغم من الطابع الروتيني لتدريبات "مهمّة العدالة 2025"، بالنظَر إلى أنها تُعَدّ امتداداً لمُناوَرات مُماثلة نفّذتها الصين حول تايوان منذ أغسطس 2022، إلّا أنّ هذه المُناوَرات الأحدَث تجاوَزت خطاً أحمر جديداً، لأنها تَخَطّت حاجز الـ 24 ميلاً بحرياً حول مياه تايوان الإقليميّة، بما يعني أن الصين لم تُخْفِ واقعياً أهميّة هذه المُناوَرات، والتي تُشَكِّل تحدّياً صريحاً للترتيبات القائمة منذ زمَن طويل عبر مضيق تايوان، وذلك لتحقيق الأهداف التالية:
1 - تقويض الصين أهميّة المنطقة المُتاخِمَة لتايوان كحاجز دفاعي: تَختَبر الصين، مرّة أخرى، عنصراً أساسياً من عناصر الوضع الراهن الذي دعَم سلاماً هشاً عبر مضيق تايوان لعقود. هذه المرّة، انصبّ التركيز على المنطقة المُتاخِمَة لتايوان مُباشَرةً، وهي المنطقة العازلة التي تمتد 12 ميلاً بحرياً حول مياهها الإقليميّة.
هذا النطاق غير المسبوق لتمارين "مهمّة العدالة" يعكس تطوّراً جديداً أكثر أهميّة، هو تركيزها المُتَزايد على المنطقة المُتاخِمَة المُحيطَة بجزيرة تايوان الرئيسية بهدف تقويضها كمنطقة تُشَكّل حاجزاً دفاعياً لتايوان. وكغيرها من الدول الساحلية، تُعَرِّف تايوان مياهها الإقليميّة بأنها تَمتَد 12 ميلاً بحرياً من خط الأساس، وخَلْفُها تَمتَد منطقة مُتاخِمَة أخرى بنفس المسافة. وقد ساعدت هذه المنطقة -من وجهة نظَر تايوان- في التمييز بين النشاط العسكري الصيني الروتيني وبين الإجراءات التي تُشير بوضوح إلى مُحاوَلة انتهاك سيادة تايوان الإقليميّة.
يأتي التوغّل الواسع النطاق للبحرية الصينية في هذه المنطقة خلال المُناوَرات الأخيرة، في أعقاب سنوات عديدة كَثّفَت خلالها الصين مُحاوَلاتها لتحدّي هذا الحد، بل وتَجاوزِه في نهاية المطاف. ورغم عدم اعتراف الصين الرسمي بهذه المنطقة، إلّا أنها حَظِيَت بوضع طبيعي لعقود، حيث كانت سُفُن البحرية وخَفَر السواحل الصينية تتجنّبها عموماً؛ ولكن بدأ هذا النمط يتغيّر في السنوات الأخيرة، ولا سيما مع الزيادة الحادّة في نشاط سُفُن الأبحاث البحريّة شبه العسكريّة العامِلَة بالقرب من المنطقة منذ عام 2023 تحديداً. وعلى سبيل المثال، شهِدت مُناوَرات "رعد المضيق" في أبريل 2025 دخول سفينة تابعة لخَفَر السواحل الصيني إلى المنطقة، ووصلَت إلى مسافة 20 ميلاً بحرياً من جزيرة تايوان.
2 - تَعَمُّد الغموض الصيني لإلغاء خط الوسط في مضيق تايوان: يَستَتبِع الهدَف السابق هَدَفٌ مُوازٍ هو إرباك القيادة التايوانيّة بشأن أيّ أنشطة صينية مستقبلية، حيث يسمح هذا الغموض للصين بإلغاء خطّ الوسَط في مضيق تايوان فعلياً كقَيْدٍ ذي مغزى على السلوك العسكري.
يعني ذلك أنه إذا تلاشت هذه المنطقة العازلة تدريجياً، فقد تُفَسَّر المُناوَرات العسكرية الصينية التي تُجرَى بالقرب من المياه السياديّة لتايوان على أنها هجَمات فعليّة، ممّا يزيد من فُرَص سوء التقدير والتصعيد غير المقصود؛ أو قد تُفَسَّر الهجَمات الفعليّة في البداية على أنها مُناوَرات، ممّا يُقَلِّل من وقت استجابة تايوان ويُضعِفُها. وفي كِلتا الحالتين، تدفع الأنشطة الصينية المستمرّة في المنطقة المُتاخِمَة لتايوان نحو تقليص الخطوط الحمراء وإلغاء خطّ الوسَط وإرباك قادة تايوان بشأن سلوك الصين العسكري.
3 - مُحاكاة سيناريو الحصار وقَطْع خطوط الملاحة البحريّة عن تايوان: يرى المُحَلّلون العسكريون أن تدريبات "مهمّة العدالة 2025" هدفَت إلى مُحاكاة قَطْع خطوط الملاحة البحرية، وهو ما تستخدمه الصين في فَرْض الحصار. والهدف من ذلك قَطْع إمدادات الطاقة عن تايوان، نظَراً لاعتمادها الكبير على واردات الغاز الطبيعي المُسال ومَصادِر الطاقة الأخرى، فضلاً عن منعها من تلقّي المساعدات من القوى الإقليميّة الأخرى.
وتوازَى مع ذلك، أي مع اقتراب البحرية الصينية من المنطقة المُتاخِمَة لتايوان، تنفيذ الصين طلَعات جويّة واستخدام للطائرات المُسَيّرة وإطلاق للصواريخ؛ وهو ما يُشير إلى مُحاكاة أخرى تتمثّل في السيطرة الجويّة الصينيّة وتآكل عمق الدفاع التايواني من جانب، وتقليص منطقة تحديد الدفاع الجويّ التايوانيّة من جانب آخر.
ومِثْل سائر التدريبات الصينية السابقة حول جزيرة تايوان؛ فقد أدّت تدريبات "مهمّة العدالة 2025" إلى اضطراب حركة الطيَران بين تايوان وجزيرتيْها كينمن وماتسو، حيث تمّ تعليق جميع الرحلات الجويّة البالغ عددها 84 رحلة جويّة خلال يَوْمَي التدريبات (29 و30 ديسمبر)، وتأثّر أكثر من 100 ألف مُسافِر على متن مئات الرحلات الدوليّة التي تأخّرت بسبب التدريبات الصينية.
ويُلاحَظ أنّ البيانات الرسمية الصادرة عن الجيش الصيني وحمْلة الدعاية الصينية المُصاحِبَة لهذه التدريبات، أكّدت بوضوح رسالة الصين بأنها تقوم بمُحاكاة لسيناريو الحصار؛ حيث أظهَرت مُلصَقات نشرَها الجيش سُفُناً تقطع المياه شمال وجنوب تايوان، بالإضافة إلى موانئها الرئيسية الأربعة، لمنع وصول أيّ مساعدات خارجية. وفي مقاطع فيديو، ركّز الجيش الصيني على نظام إطلاق صواريخ هيمارس وأنظمة الإنذار المُبكِر التايوانية كأهداف؛ ونشَر الجيش لقطات أيضاً يُقال إنها التُقِطَت بطائرات مُسَيّرة تُظهِر ناطحة سحاب تايبيه 101، مُشيراً إلى أنّ عمليّاته تتم على بُعْد 9 كيلومترات فقط من تايوان، وأنّ موانئ تايوان الرئيسيّة الأربعة مُحاصَرَة فعلياً.
وقد انتقَدت الحكومة التايوانيّة ورَدَّت على هذه الدعاية والمنشورات الصينيّة، بأنها تضليل إعلامي وحرب نفسيّة، بهدف إثناء تايوان عن المقاومة، وأشارت إلى استمرار وصول شحنات الغاز الطبيعي المُسال إلى تايوان رغم هذه التدريبات الصينيّة.
التعجّل أم الصبر الاستراتيجي الصيني؟
السؤال الذي تُثيره هذه المُناوَرات الصينية الأخيرة باعتبارها كانت الأقرب لفَرْض حصار بحريّ وجويّ على جزيرة تايوان هو: هل تقوم الصين بتلك التدريبات كمقدّمة لغَزوٍ مُسَلّحٍ للجزيرة أو ضمّها بالقوّة العسكرية؟
هذا السؤال يجِد صداه داخل تايوان بقوّة بعد الإجراءات الأمريكية العسكرية ضدّ فنزويلّا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، والتي تَمَّت عَقِبَ 4 أيام فقط من انتهاء تدريبات "مهمّة العدالة 2025".. فهل تَشهَد تايوان سيناريو مُشابِهاً، إذا ما امتلَكت الصين مزيداً من الجرأة لشنّ عمل عسكري ضدّ تايوان بسبب هذه السابقة التي أرسَتها الولايات المتحدة، خاصّة فيما يتعلّق بسيناريوهات الضرَبات العسكرية.
بالطّبْع، يَميل مُخَطّطو الدفاع في تايبيه وواشنطن والعواصم الحليفة للولايات المتحدة، خاصّةً طوكيو، إلى تفسير التدريبات الصينية ولغة الخطاب الصادرة من بكين، على أنّها تأتي في سياق صيني مُتَدَرّج لتصعيد العدوان ضدّ تايوان، وأنّ الوظيفة الحقيقيّة لتدريبات "مهمّة العدالة 2025" تبدو وكأنّها "بروفات" لغَزْوٍ مُحتَمَل؛ أي أنها بمثابة عَدٍ تنازليٍ لسيناريو الإنزال والهجوم البرمائي.
هذا التفسير يبدو صحيحاً ظاهرياً بالنظَر لإجراءات الصين في السنوات الثلاثة الأخيرة تحديداً. ولكنه تفسير يُشير كذلك إلى أن ثمّة حالة استعجال صيني لضمّ تايوان، بما يُدخِل الغرب وحُلفاء واشنطن - بل والعالم - في حسابات الاستعداد لحربٍ قد تنشأ وقد لا تنشأ.
ولكنّ قراءة المسألة من وجهة نظَر قادة الصين ومن واقع الداخل الصيني، ربما تُشير إلى تفسير أو منظور آخر (من دون إغفال الاحتمال السابق أيضاً، وإن كانت فُرَصُه أضعَف في المدى القريب جداً)، وهو أنّ خطاب (لا يُمكِن إيقاف التوحيد) لا يعني بالضرورة خَوْضَ الصين سباق سرعة قصير، بل هو استعداد لماراثون طويل، يقوم على مفهوم صيني كلاسيكي مَمزوج بالحتميّة التاريخيّة الماركسيّة، هو شيشي Shishi، ويعني "اتجاه العصر"، حيث يَفصل الرئيس "شي جين بينغ" قضية تايوان وفق هذا المفهوم عن الجداول الزمنيّة العسكريّة الصارمة، رغم تصريحاته السابقة بأنّ عام 2027 سيكون عام توحيد تايوان مع البرّ الرئيسي.
وفْق هذا المفهوم من منظور الحكومة الصينية، تعمل الحتميّة التاريخيّة مثل قوّة الجاذبيّة، بما يعني أنه إذا كانت النتيجة مضمونة بقوانين التاريخ، فلا حاجة لفَرْضِها بالقوّة اليوم؛ وأنه يكفي فقط أن ينمو المرء بما يكفي ليَترُك قوّة الجاذبيّة تقوم بعملها.
إنّ ذلك قد يعني أن الصين تعتمد منظور الصبر الاستراتيجي، وأنها تَستَخدِم التدريبات العسكرية وسياسات الإكراه ضدّ تايوان كي تعمل قوّة الجاذبيّة وفْق أهداف استراتيجيّة؛ أوّلاً كدِرعٍ لمنع الوصول والتدخّل الأجنبي، وتحديداً من الولايات المتحدة واليابان، وثانياً لتجميد وضع تايوان الراهن دولياً من خلال الضغط العسكري واستكمال إحكام الصين سَيطَرَتِها على مُحيطِها المباشر.
ويبقى في كلّ الأحوال، وبغضّ النظَر عن أيٍ من الاحتماليْن تُفَضّلهما الصين وفق السياقات الداخلية والدولية، أنّ تَجاوُز التدريبات العسكرية لجيش التحرير الشعبي الصيني الخطوط الحمراء حول تايوان من خلال مساعي إلغاء خطّ الوسَط وتقويض أهميّة المنطقة العازلة حول مياه تايوان (ما بين 12 – 24 ميلاً بحرياً)، يُمَثِّل تحوّلاً صينياً دقيقاً، ولكنه يبدو ذو عواقب وخيمة، إذ يُقَرِّب مسافات الاحتكاك المُباشر، ويلغي أهميّة المنطقة البحرية المُتاخِمَة لتايوان كحاجز لإدارة المَخاطِر ومَنْع التصعيد، ويزيد من مَخاطِر سوء التقدير والحسابات الخاطئة للأطراف الأخرى، في ضوء إمكانيّة تفسيرها لأيّ مُناوَرات صينيّة جديدة بأنها قد تُعَدّ غزواً فعلياً لتايوان، التي صَرَّحَ قادَتُها العسكريون أنّهم يحتفظون بحقّ الرد في حال التوغّل الصيني في المَجالَيْن الجويّ والبحريّ لتايوان، وأنّهم يمتَلكون بالفعل تدابير مُضادّة جاهزة لمواجهة الضربات الصينيّة الاستباقيّة، وأنّهم يُراقِبون بكلّ دقّة الحرب الروسية في أوكرانيا، وكذلك العمليّة العسكرية الأمريكية الأخيرة في فنزويلّا.

2026-02-03 11:57:27 | 15 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية