التصنيفات » مقالات سياسية

استراتيجيّة ترامب من القطب إلى القطب؛ القطبة المَخفيّة في أزمة فنزويلّا

استراتيجيّة ترامب من القطب إلى القطب؛ القطبة المَخفيّة في أزمة فنزويلّا

ريجينا صنيفر
موقع عكس السير 
 Jan 21, 2026

ذابَ الجليد وبانَت تدريجياً إمبراطوريّة عاموديّة يَرسمُها ترامب من القطب إلى القطب.
أهم ما في الخرائط هو المساحات الفارغة، لأنها المكان الذي "يمكن منه أن تتحرّك الأمور"، وفْق ما كتَب جوزيف كونراد.
بعد فترة طويلة من اللامبالاة علَناً، شهِدت منطقة القطب الشمالي بسبب ذوَبان الجليد ظهور ممرّات بحريّة وطُرُق تجارية جديدة تربط أوروبا بآسيا مع توفير 9000 كيلومتر، وظهَرت معها إمكانيّات هائلة لاستهلاك احتياطيّات الغاز الطبيعي والنفط والمعادن النادرة، والمياه النقيّة. ومع انحسار الجليد، بدأت المشاريع الاقتصادية والعسكرية تتبلور:  تحت الماء، وفي الجو، وعلى سطح الماء.
منذ الحرب الباردة بدأ التهافُت على قمّة العالم في مناطق ذات أهميّة استراتيجيّة عالية. في أغسطس/آب 2007، رَفَعَت غوّاصتان العلَم الروسي على عمق 4200 متر. ازدادت حدّة السباق للسيطرة على هذه المَوارِد بين الولايات المتحدة وكنَدا وروسيا والدنمارك والنرويج والصين.
جاء مشروع "طريق الحرير القطبي" الذي أطلَقته بكين،  ضمن استراتيجيّتها للوصول إلى الموانئ في إطار مُبادَرة الحزام والطريق، لتَعكس رؤية جيوسياسيّة يُمكِن أن تُشبِه توجّهات ترامب في الأهداف لا في الوسائل.
في القطب الجنوبي كشَف ذوَبان الجليد أيضاً عن مَوارِد  وثرَوات معدنيّة كانت حبيسة باطن الأرض لتُصبح سهلة الاستخراج.
مع أطماع ترامب في غرينلاند، عاد  القطب الشمالي  مجدّداً ليكون نقطة ساخنة، سياسياً وإعلامياً. وطموح الولايات المتحدة للاستحواذ على هذه الجزيرة ليس نَزْوَة عابرة.  فعلى مدى 170 عاماً، قَدّمت الولايات المتحدة عُروضاً مُتَكَرّرَة لشراء الدنمارك.
فالجزيرة تقع على مُفْتَرَق طُرُق الشحن القطبيّة الناشئة ممّا يجعل منها محوراً جغرافياً استراتيجياً.
وأهميّة غرينلاند لا تقتصر على المَعادن والشحن فحسب، بل تتعدّاها إلى الفضاء. فهي  تُشَكّل موقعاً مهماً لتَتَبّع الأقمار الاصطناعية والإنذار الصاروخي.
إنّ رَبْط ما يحدُث من القطب الشمالي إلى الجنوبي،  يُظْهِر تدريجياً استراتيجيّة أميركيّة جديدة يَحملها ترامب وفريقه من أصحاب النفوذ الخفيّ. خطٌ استراتيجيٌ يُرسَم خطوة خطوة على وقع ضرَبات عسكرية وعقوبات اقتصادية.
من فنزويلّا ذات الموقع الجغرافي المحوري على طريق القطب الجنوبي، والتي يُمكن أن تُشَكّل رافعة لترسيخ النفوذ الأميركي بقوّة في أميركا اللاتينية، إلى بنَما المَمَرّ البحريّ والرّابط الوحيد بين التجارة الأطلسيّة والهادئة، حيث يُمارِس ترامب ضغطاً لرفع الرسوم والحدّ من نفوذ الصين للسيطرة على التجارة العالميّة، يَتبلوَر مشروع ترامب يوماً بعد يوم: رسم خارطة جيوسياسيّة جديدة في منظومة استراتيجيّة مُتكاملة. إمبراطوريّة عاموديّة تَقسِم الكُرَة من الأعلى الى الأسفل؛ تَتَحَكّم بالمَمَرّات البحريّة كشرايين للحياة التجاريّة والاقتصاديّة يَتَشَكّل حولها النظام العالمي الجديد. أما بقيّة العالَم، فسَيُهَمّش - حسب تمنّياتهم - ليُصبِح أشبه بمساحات ضعيفة تطفو على الجوانب. 

 

2026-02-07 20:33:54 | 3 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية