التصنيفات » مقالات سياسية

السعودية - الإمارات: كَسْر العَظْم... تحت السقف الأميركي

السعودية - الإمارات: كَسْر العَظْم... تحت السقف الأميركي


لا يُخفي تَراجُع السّجال العلَنيّ بين الرياض وأبو ظبي اشتداد المُنافَسة على النفوذ، من اليمن إلى الإقليم، حيث تتقاطع التهديدات والتحالفات في معركة كَسْر عَظْم تجري تحت السقف الأميركي.
حسين إبراهيم
السبت 24 كانون الثاني 2026
موقع الأخبار

رغم تَراجُع حِدّة الهجوم السعودي على الإمارات، إلّا أنّ ذلك لا يعني أبداً أنّ المشاكل الكثيرة بين الدّولتَيْن أخذت طريقها إلى الحلّ، إذ ربّما يكون السبب في هذا التراجع أن الرياض اكتفَت بما حقّقته حتى الآن، ولا سيما أنّ أبو ظبي أظهَرت تَهَيّباً، بعدما شاهدت ردّ الفعل السعودي على ما قامت به في جنوب اليمن. على أنه في اليمن نفسه لم تَنْتَهِ المشكلة؛ فالإمارات تُحاوِل، من خلال حليفها رئيس «المجلس الانتقالي الجنوبي»، عيدروس الزبيدي، العودة عبر التظاهرات المُناهِضَة للوجود السعودي، بعدما طرَدَتها السعودية من خلال بعثَرة حُلفائها بين مَنْ نقَل ولاءه إلى المملكة، ومَنْ غادَر المحافظات الجنوبيّة التي كان يُسَيْطِر عليها بفعل الهجوم العسكري للرياض وحُلفائها. لكنّ المشكلة بين البَلَدَيْن لا تقِف عند حدود اليمن، بل تتجاوزه إلى الصراع على الأدوار، في إطار سعي كلّ نظام لحماية نفسه.
كانت المملكة تُدْرِك على الدّوام أن النافذة المُشَرّعة على المخاطر المحيطة بها، هي الإمارات؛ إلّا أنّ القرار بالتحرّك جاء في زمَن صارَت فيه تلك المخاطر تُمَثّل تهديداً مباشراً للسعودية، وذلك مع توسّع التحرّكات الإسرائيلية - التي لا تبدو أبو ظبي بعيدة منها - لتفتيت غير دولة في هذه المنطقة. في المقابل، فإنّ ما اكتَشَفَته الإمارات خلال الأزمة، هو أنه يُمكِن لها العمل من خَلْف ظهر السعودية لامتلاك أوراق قوّة، لكن ليس في مقدورها أن تُواجِهُها مباشرة؛ إذ بمُجَرّد أن تستخدم الرياض الفجوة في الحجم على المُستَوَيَيْن الإقليمي والدولي، يَظهَر الفارِق في القوّة واضحاً للعيان. والسعودية هذه الأيام تبدو في مزاج مُتَوَتّر، بما دفعَها حتى إلى تهديد جارتها بالقيام بإجراءات ضدّها ما لم تَأتِ صاغِرة، من دون تحديد ماهيّة تلك الإجراءات، التي تُرِكَ لمؤثّري المملكة على وسائل التواصل تَخَيّلها في صورة سيناريوات من مثل الحصار، وحتى التحرّك العسكري.
الأكيد أنّ الإمارات استغلّت، طوال السنوات العشر الماضية، ما تَعتَبره فراغاً ناجماً عن قلّة خبرة وليّ العهد السعودي، محمد بن سلمان، السياسية، لمَدّ اليَد إلى مناطق النفوذ السعودية، ولا سيما في اليمن الذي تعتبره المملكة، منذ نشوئها بحدودها الحاليّة، فناءً خلفياً لأمنها القومي؛ كما استَغَلّت ما تراه أيضاً عدم استكمال ابن سلمان شرعيّة الحُكم، وحاجته إلى مزيد من الوقت لترتيب وضعِه الداخلي نهائياً؛ وهو ما لن يحصل إلّا عند تَبَوّئه العَرش رسمياً. لكنّ الخطأ الذي وقعَت فيه هو سوء تقدير ردّ فعل ابن سلمان، بشخصيّته التي اتّسمت بعدم التردّد، أو حتى عدم التمَهّل في بعض الأحيان، والخبرة السياسية التي اكتَسَبَها منذ تولّيه ولاية العهد؛ فضلاً عن تعزيزه قبضته على الحُكم، ولا سيما من خلال تَبَنّيه أميركياً - ليس من قِبَل ترامب فقط، وإنما حتى من إدارة جو بايدن السابقة التي فشلت في تحجيمه، وربما كانت المواجهة معها أحد نجاحاته الواضحة -.
ورغم تَمَوْضُع الإمارات إلى جانب إسرائيل، إلّا أن هذا لا يكفي في مواجهة دولة بحجم السعودية وإمكاناتها ونفوذها. ففي عهد ترامب، ثمّة أفضليّة للدول الأكثر نفوذاً متى ما كانت تحت السقف الأميركي، ومتى ما كان الأمن الإسرائيلي غير مُهَدَّد؛ ولذلك، لم يتدخّل الأخير فيما كانت الرياض تَشُنّ هجومها العنيف على أبو ظبي. وإذ حاوَلت الأخيرة الاستقواء بعلاقتها بالعدو، وفْق ما ظهَر في منشورات إماراتيّة، منها ما كتَبَه قائد شرطة دبي السابق، ضاحي خلفان، على «إكس»، من أنّ «من سيُحاوِل مُناطَحَة إسرائيل ستُفضي به الأمور إلى اضطرابات داخليّة. خذوها من رجل أمن غشيم»، فإنّ السعودية لم تَتَوانَ عن التهجّم على تلك العلاقة عبر مؤثّريها، حيث كتَب حساب «ملفّات كريستوف» السعودي، مثلاً، على «إكس»، أنّ «مَنْ أراد أن يتخلّى عن مَكانَتِه عند الرياض لأجل تل أبيب، فله ذلك، وبثمَن بَخس إن أراد».
لكن، لِما يُمكِن أن تفعله السعودية إزاء الإمارات حدودٌ أيضاً، تماماً كما كانت الحال خلال حصار قَطَر بين عامَي 2017 و2021؛ وربّما للسبب المُتَقَدّم، تَراجَع الهجوم السعودي بعد أن حَقّق هدَفه المباشر. فالعبَث مع «الأخ الأكبر» من قِبَل الإخوة الصغار في الخليج، لم يكن بمجرّد رغبة من الأخيريْن؛ إذ اكتَسَبَ هؤلاء أدوارهم ونفوذهم تحت الرعاية الأميركية، ووَفّروا بدائل لِما لم تكن السعودية قادرة أو راغبة في القيام به في السابق؛ كما أنهم يملكون مُرونة ماليّة تفوق ما للمملكة في تمويل مهمّات مطلوبة أميركياً، وذلك نظَراً إلى ضخامة ميزانيّاتهم قياساً بما هو مطلوبٌ منهم من إنفاق على الداخل. أمّا إلى أين الآن؟ فالواضح أن وليّ العهد السعودي يُواجِه محدوديّة خيارات في الضغط على الإمارات كدولة، في حين يبدو الإماراتيّون مُطمَئنّين إلى هذا الواقع؛ فليس وارداً مثلاً أن تُطيح السعودية بنظام رئيس الإمارات، محمد بن زايد، وإنْ كان بعض مؤثّريها حاولوا إثارة بَلبَلة من خلال أحاديث على وسائل التواصل، عن ضيق حاكِمَي دُبي والشارقة بتصرّف رئيس الدولة إزاء المملكة، وهو ما يُعَدّ على الأرجح غير صحيح، نظَراً إلى أن السياسة الخارجية متروكة لابن زايد، وليس من السهولة التعبير عن أيّ اعتراضات عليها، فضلاً عن إخراج هكذا اعتراضات إلى العلَن، حتى لو وُجِدَت. ومن هنا، فَعّلَت أبو ظبي هوامش المُناوَرَة لديها، في ما تَجَلّى مثلاً في الردّ على التحالف الدفاعي السعودي - الباكستاني الذي يجري الحديث عن ضمّ تركيا وقَطَر إليه، بزيارة قام بها ابن زايد إلى نيودلهي، وقّع خلالها إعلان نوايا لإقامة اتفاق دفاعي مع الهند، الأمر الذي دفَع بعض المُغَرّدين المُعارِضين لأبو ظبي إلى التندّر بأنّ الأخيرة أصبحت الآن تحت حماية الهندوس والصهاينة.
في النتيجة، وَجَدَت السعودية في التحرّكات الإماراتيّة مخاطر يُمكِن أن تتحوّل إلى تهديد حقيقي إذا تُرِكَت، وإلى فُرْصَة إذا جرى الردّ عليها. وهي كانت بحاجة إلى مثل هذا الردّ، في زَمَنٍ لا يُمكِنها فيه الرّكون إلى الحماية الأميركية وحدها، ولا سيما أنّ الحامي المُفْتَرَض يُهَدّد حُلفاءه وأعداءه على السواء، وأنّ الرياض لم تحصل بعد على معاهدة دفاعية رسمية، تربطها واشنطن بالتطبيع مع إسرائيل، ما يعني عملياً عودة المملكة إلى التحالف نفسه الذي يضمّ الإمارات، حيث لن يكون لها تأثير يُذْكَر. بَدَلاً من ذلك، يُوَفّر التحالف مع باكستان وتركيا وقَطَر، بديلاً للسعودية يُمكِنها التأثير فيه، مع البقاء تحت المظلّة الأميركية؛ إذ إنه يمتلك عناصر قوّة من بينها أنّ لكلّ من تركيا وباكستان جَيْشَيْن قَوِيَّيْن، وأنّ لدى الأخيرة سلاحاً نووياً، في حين تُوَفّر السعودية وقَطَر المال. والخَلْطَة تلك لن تَعْدِم تزكيةً من الأميركيين رغماً عن إسرائيل، على منوال ما جرى مثلاً في معركة شمال شرق سوريا، حيث أعطَت واشنطن مَكاسِب كبيرة لكلّ من أنقرة والرياض.

2026-02-07 20:45:31 | 3 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية