ستيفن والت: نظريّة توازن القوى تَضرب من جديد
موقع الخنادق
24/1/2026
يَستَخلِص البروفيسور في العلاقات الدولية ستيفن والت، في هذا المقال الذي نشرَته مجلة "فورين بوليسي" وتَرجَمه موقع الخنادق الإلكتروني، بأنه لا ينبغي لأحد أن يُفاجَأ بطريقة تفاعل العالَم مع تهديدات دونالد ترامب، لأنه أعلَن علَناً، وبشكلٍ متكرّر، عن أهداف توسعية تجاه كندا وغرينلاند/الدنمارك وبنَما؛ وقد لا تتوقّف طموحاته عند هذا الحد.
ويَعتبر والت أنّ ترامب ومُستَشاريه الأقرب يعتقدون أنّ القانون الدولي - بما في ذلك مبدأ السيادة - لا قيمة له، وأنّ القويّ يستطيع ببساطة أن يأخذ ما يشاء؛ واصفاً تصرّفات الحكومة الأميركية داخلياً وخارجياً بأنها "كمتنمّر خطير ومفترس قهري".
لهذا يَعتقد والت بأن الصفائح التكتونيّة للعلاقات ما بين أمريكا وأقرَب حُلفائها بدأت تتحرّك، مُستَدِلاً على ذلك بزيارة رئيس وزراء كنَدا الأخيرة إلى بكين، وعَرْضه لـ "ركائز شراكة استراتيجيّة جديدة"، وأنّ كلّ هذه التطوّرات تشي بأن الدول الحليفة لأمريكا بدأت تسعى لتطبيق نظريّته "توازن القوى".
النصّ المُتَرْجَم:
هل نَشهَد أخيراً شروع دول كانت صديقة في مُوازَنة كفّة الولايات المتحدة الأمريكية المُنفَلِتَة؟
إنّ حصول مثل هذا التحوّل سيُشَكّل انقلاباً عميقاً في شؤون العالَم. وإذا وقَع فعلاً، فسيكون ذلك نتيجة مباشرة لقُصْر النظَر الاستراتيجيّ لإدارة ترامب، وللنزَعات الافتراسيّة لرئيسٍ يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم.
على مدى نحو 100 عام، شَكّل صعود الولايات المتحدة الأمريكية إلى الهيمَنة العالميّة استثناءً جزئياً عن نظريّة توازن القوى الكلاسيكيّة، إذ إن موقعَها المُتَفَوّق لم يدفع عدداً كبيراً من الدول الأخرى إلى التكتّل لكَبْحِ واشنطن. صحيح أن الولايات المتحدة واجهَت خلال الحرب الباردة تحالفاً مُضاداً تقوده موسكو، لكنّ معظم القوى الكبرى والمتوسّطة في العالَم رأت في واشنطن حَليفاً قَيّماً، حتى وإن اختلفت أحياناً مع بعض سياساتها.
غير أنّ هذا العالَم بات من الماضي، كما قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أمام مُنتَدى دافوس الاقتصادي في سويسرا يوم الثلاثاء. ففي عالَم التنافس بين القوى الكبرى، قال كارني: "الدول الواقعة في الوسط أمامها خياران: إمّا التنافس في ما بينها على نَيْل الرضى، أو الاتحاد لصناعة مسار ثالث ذي تأثير".
اسمحوا لي أن أستَحضِر بعضاً من عملي الأكاديميّ هنا. فقد انشغَلتُ بالتفكير والكتابة في هذا الموضوع-أصول التحالفات وأسباب لجوء الدول إلى المُوازَنة-منذ أن أنجَزتُ أطروحتي للدكتوراه (وكتابي الأوّل) قبل أكثر من أربعين عاماً. وقد جادَلتُ حينها بأن الدول تُنشئ التحالفات أساساً استجابةً للتهديدات، وليس للقوّة وحدها. فالقوّة عنصر من عناصر التهديد، بطبيعة الحال (إذ إنّ الدول القويّة تكون، في ظلّ تساوي العوامل الأخرى، أخطَر من الدول الضعيفة)؛ لكن الجغرافيا والنوايا المُتَصَوَّرة لهما أهميّة حاسمة أيضاً. فالدول القريبة تُعَدّ أكثر إثارة للقلَق من البعيدة؛ والدول ذات الطموحات التغييريّة الجذريّة تكون خطِرة على نحوٍ خاص، ولا سيما حين تسعى إلى اقتطاع أراضٍ من الآخرين أو التحكّم فيمن يَحكمهم. ورغم أن الدول الضعيفة أو المعزولة قد تُحاوِل أحياناً التكيّف مع القوى المُهَدِّدة عبر "الركوب معها (bandwagoning) فإنّ الاستجابة الأكثر شيوعاً هي مُوازَنة القوّة المُهَدِّدة، ويُفَضّل أن يكون ذلك بالشراكة مع أطراف أخرى.
ومن بين أمور أخرى، تُفَسّر هذه الصياغة - التي أسمَيتُها "نظريّة توازن التهديد" -لماذا كان نظام تحالفات الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة أكبر وأقوى بكثير من حلف وارسو وشبَكة حُلفاء الاتحاد السوفياتي غير المُنحازين. فقد امتلَكت الولايات المتحدة قوّة إجماليّة أكبر؛ لكن الاتحاد السوفياتي كان جاراً مُباشراً لعدد كبير من القوى المتوسّطة في أوروبا وآسيا، وكان لديه جيش ضخم مُهَيّأ للغزو الإقليمي؛ كما كان قادَتُه مُلتَزمين علَناً بنشر الشيوعيّة. في المقابل، كانت الولايات المتحدة مفصولة عن أوروبا وآسيا بمُحيطَيْن هائلَيْن، ولم تكن لديها طموحات إقليميّة هناك. وتُساعِد نظريّة توازن التهديد أيضاً على تفسير اصطفافات غير مُتَكافئة، مثل التحالف الذي أطاح العراق من الكويت عام 1991، حين تَوَحّدَت مجموعة دول غير مُتَجانِسَة - تفوق قُدُراتها مُجتَمِعَةً قُدُرات العراق بكثير - لأنها رأت جميعاً أنّ أفعاله تُشَكّل تهديداً خطيراً للاستقرار الإقليمي.
كما تُساعِد هذه النظريّة على فَهْم ما بدا آنذاك مُفارَقة "اللحظة الأحاديّة القطبيّة"، حين وقفَت الولايات المتحدة مُنْفَرِدَة على قمّة القوّة. ومع ذلك اقتصر السّعيُ العلَنيُّ لمُوازَنتها على حفنة من الدول المارقة الضعيفة. فقد بقِي حُلفاء واشنطن في الحرب الباردة مُلتَزِمين بها لأسباب عدّة:
1) القُصور الذاتي المؤسّسي ("إذا لم يكن الناتو مَكسوراً، فلماذا نُصلِحه؟")،
2) الرّغبة في التحوّط من عدم اليقين،
3) الإقرار بأن الاعتماد على الحماية الأميركية صفقة جيّدة،
4) وحقيقة أن أسوَأ اندفاعات واشنطن كانت مُوَجّهة إلى أماكن أخرى.
صحيحٌ أن القادة الأوروبيين شَكّكوا مِراراً في صوابيّة الأحكام الأميركية - وخَشوا بحق أن تؤثّر أخطاء مثل غزو العراق عام 2003 عليهم سَلْباً - لكنّهم اكتفوا بـ "المُوازَنة الناعمة"، ولم يسعوا إلى إعادة اصطفاف جذريّ أو إلى الاستقلال الاستراتيجي. وقد سُهِّل هذا القرار لأنّ الولايات المتحدة واصلَت التعامل مع حُلفائها بضَبْط نفس، ولم تكن لديها طموحات إقليميّة تجاههم، وسعَت في معظم الأحيان إلى العمل البَنّاء مع حكوماتهم. في المقابل، انخرَطت روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في جهود أنشط لمُوازَنة القوّة الأميركية، لأنها كانت أكثر قلَقاً من التهديدات المُحتمَلة الصادرة عن الولايات المتحدة.
كان ذلك في الماضي؛ أما اليوم فالأمر مختلف. فمنذ بدء ولايته الرئاسيّة الثانية، فعَل دونالد ترامب تقريباً كلّ ما تُحَذّر منه نظريّة توازن التهديد، وبنتائج سلبيّة متوقّعة. فقد أعلَن علَناً، وبشكل مُتَكَرّر، عن أهداف توسعيّة تجاه كندا وغرينلاند/الدنمارك وبنَما؛ وقد لا تتوقّف طموحاته عند هذا الحد. ويبدو أنه ومُستَشاريه الأقرب يعتقدون أنّ القانون الدولي - بما في ذلك مبدأ السيادة - لا قيمة له، وأنّ القويّ يستطيع ببساطة أن يأخذ ما يشاء. ولَوّحَ مراراً أو فَرَضَ فعلياً تهديدات جمركيّة لإكراه الآخرين على تقديم تنازلات اقتصادية وسياسية. واستَخدَم القوّة العسكرية ضدّ أكثر من نصف دزّينة دول، غالباً على أُسُس شديدة الشّبهة، وهدّد باستخدامها ضدّ حُلفاء أوفياء مثل الدنمارك. وتَعامَل مع قادة أجانب بازدراء فظ، ووافَق على قتل أكثر من 100 مدني أجنبي من دون إجراءات قانونية واجبة - في انتهاك آخر للقانون الدولي. ومن خلال إطلاقه مجموعة متمرّدة من "البلطجيّة" الحكوميين (مثل وكالة الهجرة والجمارك ICE) في مُدُن أميركية، جعَل من المستحيل على مجتمعات أخرى أن ترى الولايات المتحدة دولة مستقرّة ومنظّمة جيّداً، أو أن تنظر إلى سياساته الخارجية بوَصفِها مجرّد شذوذ عابر. باختصار، تتصرّف الحكومة الأميركية داخلياً وخارجياً كمُتَنَمّر خطير ومُفْتَرِس قَهْري.
ومن زاويةٍ ما، يبدو هذا السلوك غريباً. فالمُفتَرِسون الأذكياء يُحاوِلون إخفاء نواياهم الحقيقيّة أطول فترة مُمكنة، كما فعَل ترامب عام 2016 وخلال جزء كبير من ولايته الأولى، جزئياً، لأنه كان مُقَيَّداً بـ"العُقلاء داخل الغرفة". لكن بعد أن أفلَت من تَبِعات أحداث 6 كانون الثاني/يناير 2021، وفاز بإعادة الانتخاب، وملأ إدارته بالمحاسيب والمُوالين والمُتَزَلّفين والانتهازيين بلا مبادئ ثابتة، أطلَق العنان لأسوأ اندفاعاته. والعالَم بات يُلاحِظ ذلك الآن.
كيف يَرُدّ الآخرون؟ صحيحٌ أنّ أقرَب حُلفاء الولايات المتحدة كانوا بطيئين في التصدّي لعدوانيّة ترامب، لأسباب واضحة. فخَفْض الروابط مع واشنطن والانتقال إلى الاصطفاف ضدّها مُكلِف. كما أنّ تجميع عددٍ كافٍ من الدول لتشكيل ثِقل مُوازِن فعّال يُواجه معضلات العمل الجماعيّ المعروفة. لذا كان مفهوماً أن يختار أشخاص مثل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وأمين عام الناتو مارك روته، ورئيس كوريا الجنوبية لي جاي-ميونغ، اختبار ما إذا كان مزيجٌ من التملّق، والخضوع الرمزي، والهدايا، والتنازلات الطفيفة، كفيلاً بالحفاظ على معظم فوائد الشراكة الوثيقة مع واشنطن.
ربما كان الأمر يستحقّ المُحاوَلة، لكن هذا الرهان فشل بوضوح. فكلمات ترامب وأفعاله كَشَفَت عبثيّة هذا النهج: لا يُمكنك استرضاء مُفْتَرِس يعتقد أن جميع الاتفاقات السابقة قابلة لإعادة التفاوض في أيّ وقت، ويُفَسّر أيّ تنازل على أنه دعوة للمُطالَبَة بالمزيد.
وهكذا، وكما تتنبّأ نظريّة تَوازُن التهديد، نرى اليوم أصدقاء سابقين يبتعدون، ويُقَلّصون اعتمادهم على الولايات المتحدة غير الموثوقة وربما المُعادِية، ويعقدون ترتيبات جديدة فيما بينهم، وربما مع بعض خصوم واشنطن. فعندما يُسافِر رئيس وزراء كندا -الدولة التي كانت على الدّوام أفضل جارٍ يمكن لأيّ بلَد أن يحلم به - إلى بكين، ويَعرض "ركائز شراكة استراتيجيّة جديدة"، تُدرِك أنّ الصفائح التكتونيّة بدأت تتحرّك. كما يبدو أن القادة الأوروبيين بدأوا يستعيدون بعض الصلابة بعد عقود من التردّد الهُلامي، إذ لم يَعُد أمامهم خيار آخر. ويُعَبّر إد لويس من "فايننشال تايمز" عن ذلك بوضوح: "مُواجَهة ترامب لا تضمَن النجاح. أما الخضوع، فهو فشَل مضمون".
فهل فاتَ الأوان لمنع المزيد من تآكل شبكة الشراكات العالميّة الاستثنائيّة التي بنَتها الولايات المتحدة يوماً، وبناء ترتيبات جديدة أكثر ملاءمة للعالَم الآخذ في التشكّل؟ ليس بالضرورة؛ ولكن فقط إذا تخلّت إدارة ترامب عن دليلها الافتراسي وبدأت تُظهِر أنّ أميركا مستعدّة للعمل مع الآخرين من أجل الصالح العام، لا من أجل المَكاسِب الأحاديّة فقط.
هل يُراهِن أحدٌ على مدى احتمال حدوث ذلك؟
فورين بوليسي foreign policy
الكاتب: غرفة التحرير
2026-02-09 12:47:12 | 12 قراءة