التصنيفات » مقالات سياسية

مستقبل السلاح الفلسطيني .. إلى أين؟
مستقبل السلاح الفلسطيني .. إلى أين؟
 
بقلم: د. عقل صلاح – كاتب وباحث فلسطيني مختصّ بالحركات الأيديولوجيّة
• المركز الديمقراطي العربي
• 14/1/2026
نُناقِش في هذه المَقالَة المَقولَة المشهورة، والمتمثّلة بسلاح واحد بيَد الدولة؛ والمقصود الدولة الفلسطينية التي لم تَقُم بعد. فالشعب الفلسطيني بحاجة إلى سلاح يَحميه من مُمارَسات الاحتلال الوحشيّة من دَوْلَتَيْن؛ دولة الاحتلال المتمثّلة في الحكومة الإسرائيلية وذراعها الإرهابي الجيش الإسرائيلي، ودولة المستوطنين مُمَثّلة في قطعان المستوطنين الذين يعيثون دَمارًا وحَرْقاً وقَتْلًا واستيطانًا في الضفة.
إنّ مَقولة “سلاح واحد” تُشير إلى فكرة امتلاك أو الاعتماد على وسيلة أو أداة واحدة لتحقيق الحريّة. وغالبًا ما تُستَخدَم هذه المَقولة في سياق المقاومة أو الصراع؛ وتعني أن المقاومة تعتمد على “سلاح واحد” لتحقيق أهدافها، سواء كان هذا السلاح مادّيًا (مثل سلاح مُحَدّد أو نوع مُعَيّن من الصواريخ) أو معنويًا (مثل الإرادة). فمُمارَسَة حقّ المقاومة مكفولٌ للشعوب الواقعة تحت الاحتلال الأجنبي، وهو جزءٌ من حقّ تقرير المصير. ويشمل هذا الحق مُقاوَمة الاحتلال بكافّة الوسائل المُتاحَة، بما في ذلك المُقاوَمة المسلّحة، وفقًا للقانون الدولي. وهذا يعني أنّ المقاومة وسلاحها استحقاق وطني وقانوني ما دام الاحتلال قائمًا، وقد أقَرّته المواثيق والأعراف الدولية، ولا يمكن التخلّي عنهما إلّا باستعادة حقوقها الوطنية كاملة، وفي مقدّمتها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلّة كاملة السيادة وعاصمتها القدس.
وبناءً على ما سَبَق، نُناقِش المَقولَة التي تَصدَح في الإعلام “هناك سلاح واحد هو سلاح الدولة وليس هناك سلاح آخر مهما حمَل من أسماء ومُسَمّيات”. وفي المقابل، نتناول موقف الحكومة الإسرائيلية بتسليح عصابات المستوطنين الذين يُمارِسون القتل والإرهاب ضدّ الشعب الفلسطيني في الضفّة، في ذات الوقت الذي تُصِرّ فيه السلطة على نزع كافّة أنواع السلاح من أبناء الشعب في الضفة؛ كما تُطالِب بتطبيق ذلك على غزة ونزع سلاح المقاومة في الخارج؛ وقد بدأت في نهاية آب/أغسطس 2025 في تسليم سلاح حركة فتح في المخيّمات الفلسطينية في لبنان إلى الحكومة اللبنانية بقرار من الرئيس محمود عبّاس. وفي هذا الصّدد، ردّت حماس على عبّاس: لا يُمكِن المساس بسلاح المــقاومة ما دام الاحتلال جاثمًا على أرضنا.
وهذا يقودنا إلى أنّ جميع الثورات في العالم لم تُلْقِ سلاحها إلّا بعد التحرّر، إلّا الثورة الفلسطينية التي تُريد حتى تجريد جميع أبناء المقاومة من سلاحها بظلّ تسليح المستوطنين وبقاء الاحتلال جاثمًا على صدور الشعب؛ مُتَناسِيَة (الثورة الفلسطينية) المعاني السامية التي كانت تَصدَح بها أغاني الثورة، والتي تنصّ على: “طَلّ سلاحي من جراحي يا ثورتنا طَلّ سلاحي، ولا يمكن قوّة في الدنيا تِنزع من إيدي سلاحي، اللّي بدمه يجود ما يهمّه لو سال دمه وغطّى الأرض، طول ما سلاح الثورة ف إيدي، يبقى وجودي مفروض فرض، ……..”. وهذا يؤكّد أنّ استمرار المقاومة وصَوْن شَرَف السلاح هو استحقاقٌ وطنيٌ ما دام الاحتلال قائمًا.
وما سَبَق يدعونا إلى تشريح مقولة تعدّد امتلاك السلاح، وهل المقصود سلاح المقاومة أم تطبيقه على جميع الجهات التي تمتلك السلاح في فلسطين، وهي:
الجهة الأولى، السلطة الفلسطينية بأجهزتها الأمنيّة المتعدّدة؛ ويمكن أن يُطلَق عليه السلاح الرسمي، والذي جاء نتاج اتفاقيّة أوسلو سنة 1993 ما بين منظّمة التحرير وإسرائيل.
الجهة الثانية، وتتمثّل في سلاح المقاومة الفلسطينية، منه السريّ ومنه العلَني. فالسريّ الذي تَمتَلِكه الخلايا العسكريّة السريّة التي تَستَخدِمه للقيام بالعمليّات السريّة والنوعيّة؛ وسُرعان ما يتم إخفاؤه مرّة ثانية لحين استخدامه من جديد؛ ويمكن أن يتنقّل بين العديد من الخلايا التنظيميّة العسكريّة السريّة. أمّا العلَني أو شبه العلَني، الذي تمتلكه المجموعات المسلّحة المكشوفة “المُطارِدة” للاحتلال، التي أُجبِرَت على حَمْل السلاح بشكل علَنيّ للدفاع عن نفسها وعن مراكز وجودها، كما حصل مع العديد من المجموعات العسكريّة، وفي مُقَدّمتها عرين الأسود في نابلس سنة 2021، والكتيبة في المخيّمات، وبعض البَلْدات في شمال الضفة.
الجهة الثالثة، العائلات، والتي لا يَظهَر سلاحها إلّا وقت الخلافات ما بين العائلات، كما يحصل في مُحافَظَة الخليل وغيرها، ويتم استخدامه في الثأر والتارات “القتل والقتل المُتَبادَل بين العائلات” في فلسطين، الذي راح ضحيّته العشرات من شباب شعبنا، الذي يُدَمّر البنية الوطنية ويُمَزّق النسيج الاجتماعي.
الجهة الرابعة، الجهات المُرتَبطة بالاحتلال، “العملاء”، وتُقاتِل مع الاحتلال ونيابة عن الاحتلال؛ وهي تُسَلّح وتُدْعَم وتُمَوّل من قِبَل الاحتلال والعديد من الجهات الإقليميّة. وهذه الظاهرة كانت تتمثّل قديمًا في روابط القرى في الضفة، وحديثًا ميليشيا أبو ياسر أبو شباب في رفح، وميليشيا حسام الأسطل في خان يونس، وأشرف المنسي في بيت لاهيا.
الجهة الخامسة، والمتمثّلة في العديد من الجهات التي تمتلك السلاح، كالأفراد والزعران والخاوات، والذي يُستَخدَم في السرقات والسطو على البنوك والمؤسّسات.
والشيء المُبكي والمُضحِك أنهم يُطالِبون بنزع سلاح المقاومة في ظلّ مُواصَلة تسليح المُستَوطِنين، ولا يتحدّثون عن نزع سلاح قطعان المُستَوطِنين والاحتلال والخلاص منه؛ ويستمرّ تسليم السلاح في لبنان والحديث المستمرّ عن التجريد من السلاح في فلسطين بظلّ تسليح أكثر من 250 ألف مُستَوطِن، واتخاذ قرار من قِبَل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إتيمار بن غفير بتسليح 100 ألف مُستَوطِن جديد. فقد قَتَل المستوطنون خلال سنتين 35 مُواطِنًا في الضفة؛ فعمليّة تسليم سلاح المقاومة تعني بالحرف الواحد تمكين الاحتلال والمستوطنين وزيادة مُعاناة الشعب الفلسطيني؛ بل يصل إلى حدّ ارتكاب المجازر كما حصل في مجازر صبرا وشاتيلا. ففي المفهوم الوطني والثوري، وحتى البسيط، الثورة التي تُلقي بسلاحها تكون قد انتهَت فعليًا.
فبعد تجريد المقاومة من السلاح وإنهاء الكتيبة في جنين، تَغَوّل المستوطنون، وعادوا إلى شمال الضفة؛ وهذا كان لا يمكن حصوله في ظلّ استمرار المقاومة في الشمال. فقد كانت إسرائيل تُسابِق الزمن للقضاء على المقاومة بكلّ الوسائل في مخيّم جنين، من أجل عودة المستوطنين لمستوطنة حومش، حيث تمّ تدشين روضة لأطفال المستوطنين فيها، وتمّ اتخاذ قرار لبناء وحدات استيطانيّة في مستوطنة صانور.
فاليوم، أصبح موضوع التحرير وامتلاك السلاح ومقاومة الاحتلال ممنوعًا، في ظلّ عدم وجود حماية حقيقيّة للشعب الفلسطيني من حكومة الزعران وعربدة واعتداءات المستوطنين، على الرّغم من أنّ سلاح المقاومة هو سلاح مشروع ثوريًا وقانونيًا ودوليًا ضمن القانون الدولي والشرعية الدولية. فكلّ الاتفاقيّات الدوليّة تؤكّد على الخلاص من الاحتلال؛ فنزع الشرعيّة عن سلاح المقاومة يضرب الحقوق الممنوحة للشعوب في التحرّر والسيادة والاستقلال. وفي العودة إلى التاريخ الخاص في مقاومة الشعوب للاحتلال، نتناول أمثلة تُجَسّد جوهر دعوة نزع السلاح والمُطالَبة بتسليمه، والتي كانت حاضِرة في مفاوضات الأمريكيين مع حركة طالبان. قال الأمريكيون: “نريد منكم نزع سلاحكم، على أن تتعهّد أمريكا بحمايتكم كما تحمي اليابان”، فردّ المُفاوِض الأفغاني: “السلاح الذي تطلبون نزعه هو الذي أجلَسَكم مَعَنا على طاولة التفاوض”. وحين خرَج الجيش الأمريكي والتحالف الدولي مَهزومين من أفغانستان، تاركين وراءهم كميّات هائلة من السلاح، طالبَهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستعادته، فجاء الردّ الأفغاني: “تَعالَ وخُذه إن كنتَ تستطيع”.
وهذا يقودُنا إلى تناول رأي الشارع الفلسطيني في سلاح حركة حماس، من خلال استطلاع الرأي الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسيّة والمسحيّة في بداية أيار/مايو 2025، الذي بَيّنَ أن 85% من مُواطِني الضفة و64% من مُواطِني غزة يُعارِضون نزع سلاح حماس، ويؤمِنون بأنه يجب أن يبقى ما دام الكيان الإسرائيلي قائمًا؛ وأكّد 88% من الفلسطينيين أنّ نزع السلاح لن يُنهي الحرب، ما يعكس قناعة واسعة بأن السلاح ليس هو المشكلة، بل الاحتلال ذاته.
ففي العودة إلى مرحلة الدولة التي تتطلّب بناء مؤسّسات الحُكم والانخراط في المسار التفاوضي، وبالتالي تحييد العمل المسلّح؛ وهذا الخيار فشل فشلًا ذريعًا على مَدار أكثر من ثلاثة عقود، وأنّ السلطة تتحوّل من مشروع تحرّري إلى جهاز إداري يُدار تحت الاحتلال، كما هو حاصل اليوم حيث تَقَيّدت السلطة بالالتزامات الأمنيّة، وشرَعت بتفكيك الخلايا المسلّحة ومُحارَبة المقاومة. أما مرحلة التحرّر الوطني، فتتطلّب عدم التخلّي عن السلاح؛ فتسليم السلاح بداية نهاية المشروع الوطني. فتَمَسّكت فصائل المقاومة بالمقاومة، مُعتَبِرةً أن أوسلو تنازل استراتيجي لا يُلزِم الفصائل المقاومة التي لم تكن أصلًا طرَفًا فيه. وفي هذا الصّدد، نعود إلى قول الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي: “مَنْ يتنازل عن البندقيّة يتنازل عن فلسطين؛ ومن يُراهِن على التسوية سيَجِد نفسه خارج التاريخ”.
وفي هذا الصّدد، عملت إسرائيل، ومن خَلْفِها الولايات المتحدة الأمريكية والغرب والعرب، على ربط أيّة عمليّة سياسيّة مستقبليّة بنزع سلاح المقاومة، وألّا يكون للمقاومة أيّ دور سياسي، وحتى عدم المشاركة في الانتخابات، ممّا سيؤدّي إلى تجريد الشعب والمقاومة من أدَوات الردع؛ ممّا يعني إطالة أمَد الاحتلال، وأن يكون احتلالًا مَجّانيًا يُجَرّد الشعب من عناصر القوّة المَمنوحة له قانونيًا ودوليًا، والتسليم بقوّة وعنجهيّة الاحتلال. وهذا ما أكّده الشهيد القائد الفتحاوي صلاح خلف بقوله: “إنّ الفلسطيني إذا تخلّى عن سلاحه يُصبح مُجَرّد مُتَسَوّل على أبواب السياسة العربية والدولية”. أما الشهيد أبو علي مصطفى، فقد كان يُرَكّز على المقاومة المسلّحة؛ وكتَب مَقالاً بعنوان “المقاومة طريقُنا نحو التحرير”، شَدّد فيه على أن النضال المسلّح هو الوسيلة الوحيدة التي تَفهَمُها إسرائيل، والتي يمكن من خلالها فَرْض الحقّ الفلسطيني.

2026-02-09 12:50:45 | 11 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية