التصنيفات » مقالات سياسية

مجلسُ حربٍ ترامبي بعنوان “مجلس سلام”!

مجلسُ حربٍ ترامبي بعنوان “مجلس سلام”!

بسّام ضو
موقع 180 بوست
31/01/2026

"عُصْبَةُْ الأُمَمِ" بعدَ الحرب العالميّة الأولى، و"الأُمَمُ المُتّحِدَة" بعدَ الحرب العالميَّة الثانية، حِقْبَتانِ لم تتمكَّن فيهما المُنَظَّمَتان من إرساءِ أيّ نوعٍ من السلام في العالَم. سَيْطَرَت الدوَل الرأسماليّةُ عليهما، فانفَصَلَ مَفهومُ السلام عن مَفهومِ الأخلاقِ والعدالة؛ وما زالا على هذا النّحْو إلى الآن. لم يَصْمُدْ أيُّ شيءٍ ممّا عُرِفَ بالقانونِ الدوليّ. حَلَّ مكانَهُ مفهومُ القوَُّة، وتوازُنُ القُوى، فلا سلامَ إلَّا في ما هو طوبَاويٌ أتقَنَتِ الرأسماليّةُ الاستعماريّةُ تَوظيفَهُ في حساباتِ مصالحِها الطبَقِيّة. وما "مَجْلِسُ السلام" الذي أعلَنَهُ الرئيسُ الأميركيُّ دونالد ترامب مؤخَّراً سوى نَقْلَةٍ جديدةٍ في هذا المَسارِ من التوظيف. ربَّما لا يَتَذَكَّرُ كثيرونَ أنَّ الفَيلسوفَ المِثاليَّ العَقلانيَّ إيمانويل كانط هو أوَّلُ من طَرَحَ فكرةَ السلام العالَمي في كتابه “نحو سلامٍ دائمٍ” عام 1795. كانَ كانط [لم يَعِشْ تجربةً سياسيَّةً ولم يُغادِر مَدينَته في ألمانيا أبَداً] يَحْلُمُ عقلانيَّاً بالسلام، ويَتَصَوّرُ وَفقاً لفَلسفَتهِ الأخلاقيّةِ النقديَّةِ أنَّ مُجَرَّدَ الدّعوةِ إلى نَبْذِ الحروبِ استناداً إلى مبادئ إنسانيَّةٍ ستُؤْتي أُكُلَها. غابَ عنهُ الديالكتيك الذي لو اعتَمَدَهُ لكانَ رأى التاريخَ من مَنظورِ الحركيَّةِ الماديَّة، ولكانَ سَجَّلَ بعبقريّتِه الفَذَّةِ أنَّ الأقوياءَ الأثرياءَ لا يُصْغونَ لصَوتِ العقل، ولا سيَّما منهم الرأسماليُّونَ الاستغلاليُّونَ الاستعماريُّون. ولم يَطُلِ الوقتُ كثيراً حتّى اشتَعَلَتِ الصّراعاتُ في أوروبا؛ ثمَّ عندما وَقَعَت لاحِقاً الحربُ العالميَّةُ الأولى، وانتَهَت بـ مُعاهَدة فرساي الشهيرة، جاء الرئيسُ الأميركيُّ العنصريُّ توماس وودرو ويلسون، فأسقَطَ الطوباويَّةَ الكانطيَّةَ عن فكرة السلام وأبْقى على شِعارِها لفظويَّاً، وحَوَّلَهُ إلى قِناعٍ لاستخدام القوّة؛ وتَكَرَّرَ الأمرُ مع تأسيسِ الأُمَم المتّحدة بعد الحرب العالميّة الثانية. ومنذ تلك العُقود سَقَطَت قوَّةُ السلام وسَيْطَرَت فكرةُ السلام بالقوَّةِ والإخضاعِ بعيداً من الحقِّ والعَدلِ والقانون. 
مَجلِسُ ترامب اليوم هو نتيجةُ هذه الصيرورة الكارثيَّة. بدأَ بها من غزَّةَ ليُزيحَ فلسطينَ وقضيَّتَها وشعبَها إلى الهامِش، ثمَّ لتَمْتَدَّ إلى كلِّ العالم. إنَّها مَهْزَلةُ التاريخ ومَأساتُه في آنٍ واحد. يُريد ترامب أن يُفَكِّكَ النظامَ الدوليَّ القائم – (على عِلّاتِه) – والأنظمةَ الإقليميَّةَ كلَّها، قبل أنْ تَتَفَكَّك إمبراطوريَّتُه. الولايات المتّحدة التي يترأَّسُها تَشتَرك مع “إسرائيل” في انتهاك القوانين والمُعاهَدات والأعْراف الدوليَّة؛ ويُؤسِّس معها في ما سُمِّيَ مجلسَ السلام “شَرِكَةً لإدارة شؤون ومَصالِح البرجوازيَّة” في العالَم، بحسَب تعبير ماركس وإنجلز عام 1848. “الفيتو” VETO)) الذي تَمْلِكُهُ الولايات المتحدة في مجلس الأمن بصِفَتِها إحدى الدول الخمس دائمة العضويَّة، كان وسيلةً لتَعطيل العدالة؛ وما زالَ على هذه الحال برغم وجود هذه الصلاحيّة لدى أربعِ دولٍ أخرى. والجديدُ راهناً أنَّ نظامَ مجلس ترامب أبقى على هذا “الفيتو”، وزادَ عليه أنَّهُ باتَ مُرتَبِطاً بشخصِ ترامب وَحْدَه من دون غيره من أعضاء “مجلس السلام”؛ ما يعني أسلوباً فاضِحاً من الاحتكاريَّة الرأسماليَّة التي تَعيش مَراحلَها الإمبرياليَّةَ العُليا، وربَّما الأخيرة؛ ويُعَبِّر عنها وَكيلُها الدولي ترامب، الذي يَفتَح الآن حِقبةً أشدَّ من سابقاتها على مستوى إشعال الحُروب في الكَوْكَب. 
“مَجْلِسُ السلام” الترامبي هو مَجْلِسُ الحرب تحت الاسم النقيض. ليسَ ترامب مُهتَمَّاً بكلِّ مَنْ يَنْضَمّ إليه. لدَيْهِ حفنةٌ تُطيعُه، والباقي يتكفَّلُ به ما جَعَلَهُ حقَّهُ الشخصيَّ في “الفيتو”. المَنْظورُ القريبُ يُرِينا أنَّ رئيسَ الأوليغارشيَّة الأميركيَّة سيَطْرَح في مَجلِسِه المَلَكيّ كلَّ المَلَفَّات والقضايا على واحدةٍ من قاعِدَتَيْن: الصّفْقَة أو الحَرْب؛ أمَّا كِذْبَةُ السلام، فسَتَبقى كِذْبَة، ولن يُحْتَرَمَ فيها حتى الحُلفاءَ الأوروبيين في الدائرة الرأسماليّة الواحدة. 
غرينلاند نموذجٌ فاقعٌ لثنائيَّة الصّفْقَة والحَرْب. أمَّا فنزويلّا، فهي العتَبَةُ التمهيديَّةُ للقَفْزِ إلى أميركا الجنوبيّة؛ يُريدُ البرازيلَ وكولومبيا وكوبا وغيرها. لَنْ يستطيعَ ترامب أن يفعلَ الأمْرَ نَفْسَه مع الصين، أو مع روسيا التي نَجَحَ رَئيسُها فلاديمير بوتين في التّلاعُب بواشنطن وفي استنزاف “الناتو” في الساحة الأوكرانيَّة. وبالرّغم من ذلك، سيُحاوِل ترامب تحت غطاء مَجلِسِه الجديد أنْ يُنَظِّرَ لحروبٍ إقليميّةٍ تَكتيكيّةٍ تَسْبِقُ الحَرْبَ الاستراتيجيّة مع الصين، ومع روسيا في أرْضِ “الناتو” والقُطبِ الشمالي. وهكذا تَبرُز في مجال الحروب الإقليميّة حَرْبُهُ التي يُخَطّطُ لها معَ إيران. لا يَستَطيعُ ترامب أنْ يَتَقَبَّلَ دولةً في الشرق، ولا سيَّما الشرق الإسلامي، تُحَقِّقُ تقدُّماً عِلميَّاً وتَبلُغُ جامِعاتُها الدّرَجاتِ العَشر الأولى بين جامِعاتِ العالَم، وتُسَجِّلُ سنويَّاً آلافَ براءاتِ الاختراع، وتَنْجَحُ في التقدُّم السيبراني، وتُصبِحُ عَصِيَّةً على التهديد والإخضاع. ومن هنا فالمعركةُ مع إيران تُصبِحُ ذاتَ بُعْدٍ حضاريٍّ مُوازٍ للبُعدِ العسكريّ الاستراتيجي؛ وهو ما يُقْلِق العدوّ الإسرائيليّ كثيراً بسبب العلاقة الواقعيَّة الجَدَليَّة بين التقدُّمِ العِلميّ والتقدُّمِ العسكريّ الإيراني.
لم يُلغِ ترامب نيَّةَ ضَرْبِ إيران. أرْجَأها حتّى الآن، إمَّا لتَعزيزِ الجاهزيَّة أو لإعادةِ الحسابات بعدما رأى الصّلابةَ الإيرانيَّة. لكن سيَكونُ في مَجْلِسهِ الحَربيّ للسّلام المَزعوم مَنْ يُناصِرُه، وبخاصّةٍ أنَّه يَرى أنَّ مَجْلِسَهُ المَذكور ألغى الأُمَمَ المتّحدة ومَجْلِسَ الأمنِ الدولي. 
مرحلةٌ جديدةٌ فعليَّاً. عنوانُها الحربُ العالميَّةُ تحت ألعوبةِ السلام. ترامب، ومُستَشارُهُ الصهيونيّ اليمينيّ المُتَشدِّد، ستيفن ميلر، وكُلُّ فَريقِه، يَظُنُّونَ بأسلوبٍ إسقاطيٍّ أنَّ التاريخَ وُجِدَ ليُحَقِّقَ رَغَباتِهم، تماماً مثلَ الرئيسِ الأميركيّ الأسبَق توماس وودرو ويلسون ومُستَشارِهِ الكولونيل إدوارد هاوس. لم يَنْتَبِه أحَدٌ مِنهُم إلى الاعتبارِ بتجاربِ غَيرِهِم. ولو فَعَلوا لكانوا تَذَكَّرُوا أنَّ ما يُبْنى بالقوَّةِ يَنهارُ بسُرعة. ففي القَرْنِ الثامن تَمَكَّنَ إمبراطور الإمبراطوريَّة المُقَدَّسة، شارلمان CHARLEMAGNE))، من السّيطَرة على أوروبا كُلِّها مع عددٍ من الإماراتِ السلافيَّة؛ ثمَّ سريعاً ما تَفَسَّخَت من الداخل وانتَهَت، ولم تَحْمِها القوَّة. نابليون، الحالِمُ المُغامِر، تَحَطَّمَ على أبوابِ موسكو عام 1812 وفي معركةِ واترلو عام 1815. أمَّا هتلر، فقد سقَطَت أوهامُ القوّةِ عندَهُ في معارك موسكو وستالينغراد 1942 و1943؛ ولن يَكونَ أفضلَ مَصيرُ الإمبراطوريَّة الأميركيَّة ورئيسها دونالد ترامب، سواء برعاية مجلسِ الحربِ المُسَمَّى “مجلسَ السلام”، أو بثُنائيَّة الصّفقةِ والحَرْب. تلك هي حقيقةُُ التاريخِ ولو استَلزَمَت زَمَناً؛ فالزّمَنُ شيءٌ والتاريخُ شيءٌ آخر.   

 

2026-02-15 18:19:15 | 6 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية