بعد انقشاع لعنة العقد الثامن هناك من يُشَكّك بتَجاوزِها الـ 100
إنّ "انتصارات" إسرائيل التي أسفَرَت عن حروبها الأخيرة في غزّة ولبنان وسورية وإيران، قد تَنقلِب من نعمة إلى نقمة، وتتحوّل إلى لعنة أخرى لا ترتبط هذه المرّة بالتاريخ، بل بالجغرافيا السياسيّة...
سليمان أبو ارشيد
موقع عرب 48
12/2/2026
رغم "الانتصارات" التي حقّقتها إسرائيل وما زالت على مختلف الجَبَهات القريبة والبعيدة، والدّعم الاستراتيجيّ الثابت من الولايات المتحدة الأميركية، بإداراتها المختلفة، الذي تأكّد خلال الحرب، ومع "ابتعاد" ما سُمّي "لعنة العقد الثامن" الذي قارَبَ على الانقشاع أيضًا، فإنّ هناك "أنبياء غضَب" إسرائيليين ما زالوا يُحَذّرون من خطَر فناء إسرائيل وإزالتها عن الوجود؛ ومنهم من يُشَكّك في قُدرتها على تَجاوز السنة الـ 100 من عمرها، مثل الجنرال احتياط يتسحاق بريك.
وبرأينا، إنّ "انتصارات" إسرائيل التي أسفَرَت عن حروبها الأخيرة في غزة ولبنان وسورية وإيران، قد تَنقلِب من نعمة إلى نقمة، وتتحوّل إلى لعنة أخرى لا ترتبط هذه المرّة بالتاريخ، بل بالجغرافيا السياسيّة. فإضافة إلى أنّ هذه الحُروب قد بَدّدَت حالة تطبيع مشروعها الاستعماري التي كادت بين قَوْسين أو أدنى من فَرْض نفسها على كامل المنطقة العربية، وأيقَظَت شعور العداء والتوجّس العربي من أطماعها وأخطار هَيمَنتِها على المنطقة، فإنها أعادت هذا المشروع إلى المُرَبّع الأوّل، يقوم ويستقيم على الحرب والقوّة العسكرية؛ كما نزَعَت حالة الاستقرار النسبي التي تَمَتّع بها لرَدْح من الزمن، وكادت أن تضع دولته على طريق التحوّل إلى مجتمع طبيعي مقبول في المنطقة أسوة بالاستعمارات الاستيطانيّة في أميركا وأستراليا وغيرها.
هذه الحُروب ليست أنها أعادت كشف الطبيعة الاستعماريّة الفظّة لإسرائيل، بعد انتقالها من استعمال القوّة الناعمة كوسيلة للتمدّد في المنطقة إلى استعمال القوّة العسكرية الخَشِنَة، بل أظهرتها كقوّة مُخيفَة تُشَكّل تهديدًا على أمن المنطقة ودُوَلها المختلفة أيضًا؛ وهو ما أثار توجّس حتى الدّوَل التي ربطَتها علاقات صداقة وتعاون مع إسرائيل، مثل مصر وتركيا ودول الخليج؛ ويُدَلّل على ذلك الموقف العربي، الخليجي والتركي المُتَضامِن مع إيران والرافض للعدوان الأميركي-الإسرائيلي عليها. ولا غرابة أن يُفَسِّر أحد الكُتّاب الإسرائيليين هذا الموقف بخشية هذه الأطراف من أن تكون تركيا بعد إيران.
عودة على بدء، فإنّ التحدّيات الداخلية التي تُواجِهُها إسرائيل، والتي انفجرت مُجَدّدًا بعد أن حجَبَتها الحرب لفترة من الزمن، هي تحدّيات وصراعات تبلغ من الجديّة والصعوبة بحيث يعتبرها بعض المُحَلّلين أخطر من التحدّيات الخارجية. وفي هذا السّياق، يقول الكاتب أري شفيط، الذي يُعتَبَر أحد المُنَظّرين الاستراتيجيين الإسرائيليين، إن أربعة صراعات تُمَزّق المجتمع الإسرائيلي، هي: الصراع على نتنياهو، الصراع على هويّة الدولة، الصراع على الطابع الديمقراطي للدولة، والرابع والأهم، على حدّ وصفه، هو الصراع بين إسرائيل الأولى وإسرائيل الثانية، مُشيرًا إلى أن إغفال التعامل مع هذه الصراعات وحَلّها سوف يقود إسرائيل إلى كارثة.
من جهته، يقول مُنَظّر اليمين الإسرائيلي ميخا غودمان في كتابه "اليوم الثامن"، إنّ الصّدْع والصراع الذي كان دائرًا في إسرائيل حول ما سُمّي بالإصلاح القضائي، ودام لمدّة تسعة أشهر قبل الحرب، هو الذي استَدعى هجوم السابع من تشرين الأوّل/أكتوبر، وشَجّع أعداءها بالانقضاض عليها؛ ويَسوق من التاريخ اليهودي قصّة انقسام "رجال يهودا" الذين استَحكَموا في القدس إلى مُعسكرات سياسيّة وأيديولوجيّة مُتصارعة، وذلك خلال احتلال الجيوش الرومانيّة القادمة لقَمْع "التمرّد اليهودي" عام 66م للجليل وسائر أنحاء "أرض إسرائيل". هذا الصراع الداخلي جعَل الرومان يتخبّطون بين استغلال لحظة ضعفهم وتفكّكهم ومُهاجمتهم والقضاء عليهم وبين الانتظار وتَرْكهم يُفنون أنفسَهم بأنفسِهم.
أمّا الجنرال يتسحاق بريك، فيقول إنّ الحرب قد حَوّلَت إسرائيل في الخارج إلى دولة تُثير الشعور بالتقزّز والنفور بنَظَر دُوَل العالم، فيما دفعت داخليًا بالعديد من خيرة أبنائها للهجرة؛ كما أدّت إلى تآكل المَناعة القوميّة في كلّ المنظومات: الأمن، الاقتصاد، التعليم، الصحّة، البنى التحتيّة والعلوم؛ وهو يتساءل فيما إذا قد كُتِبَ عليهم أن يَشهَدوا خراب الهيكل الثالث.
2026-02-23 09:51:05 | 19 قراءة