عن فَسادِ نتنياهو في جَوْهَرِه
09 فبراير 2026
المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيليّة
• انطوان شلحت
عادَ الحديثُ بشأن فَسادِ رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وأغلب المُحيطين به من مُوَظّفين ومُستَشارين، إلى تَصَدّر عناوين وسائل الإعلام الإسرائيليّة وكتابات مُحَلّليها، بالأساس على أعتاب الاقتراب من الانتخابات الإسرائيليّة العامّة المُقبِلَة.
وكما يرى بعضُهم، يَتَجَسّد فساد نتنياهو ليس فقط في ملفّات جنائيّة يُحاكَم منذ مدّة بسبَبها، بل في مُحاوَلة ترسيخ نمَط حُكم كامل يخلط بين الشخصي والعام، مثلَما تُثبِت الملفّات الجنائيّة المذكورة، وبين السُّلْطَة والبقاء السياسي، حيث تُدارُ الدولة، ولا سيما منذ تقديم لوائح الاتّهام بقرارات يصحّ اعتبارها بأنها وظيفيّة تحت وطأة مُحاكَمة نتنياهو وليس من أجل المصلحة العامّة، على غرار الهجوم المُستَمِرّ على الجهاز القضائي والشرطة والنيابة العامّة والإعلام، ومُحاوَلات تغيير قواعد اللّعبة، كما يحدث من خلال خطّة الانقلاب على الجهاز القضائي على سبيل المثال، بُغيَة تحويل الدولة من حُكْم القانون إلى حُكْم الولاء للحاكِم/ الزّعيم.
وثمّة من يذهب كذلك إلى أنّ الفساد أثّرَ في التحالفات بواسطة شَرْعَنَة التطرّف في مُقابِل البقاء، وهو ما انعكَس في إدخال شخصيّات وأحزاب عنصريّة إلى قَلْب الحُكم، ومَنْحِهم وزارات ذات أدَوات قوّة في مُقابِل دعم نتنياهو سياسياً، وتكريس سياسة عنيفة ضدّ الفلسطينيين، وخطاب عنيف ضدّ الخُصوم في الداخل، وتعبئة الرأي العام ضدّ النُّخَب والمَحْكَمَة العُليا ووسائل الإعلام.
وفي الإجمال العام نُطالِع إجماعاً في جُلّ التحليلات على أنّ فساد نتنياهو في جوهره ليس فقط ما أخَذَه، بل ما فعَلَه بالدولة كي لا يُحاسَب من جهة، ومن جهة أخرى ما سمَح بحُدوثه كي يبقى.
بالرّغم من ذلك، لا بُدّ من التنويه بأنه في أعقاب القرار الصّادِر عن المحكمة العليا في إسرائيل يوم 18 كانون الثاني/ يناير 2023، والذي تَسَبّب بإقالة رئيس حزب شاس لليهود الأرثوذكس (الحريديم) الشرقيين، أرييه درعي، من منصبه كوزير للداخلية والصحّة في حكومة بنيامين نتنياهو السادسة الحاليّة، بعد أن قضى بأنّ "تعيينه غير معقول إلى أقصى حدّ" من جَرّاء إداناته الجنائيّة المُتَكَرّرَة، والتي كان آخِرُها إدانته بتُهمَة الاحتيال الضريبي في العام 2022، برزَت ردّات فعل متعدّدة، لعلّ أكثرها لَفْتاً للنَظَر تلك التي جَزَمَت بأنّ إسرائيل باتت منذ عدّة أعوام دولة فاسدة، نَظَراً إلى أنه من ناحية التعريف الأكثر تَداوُلاً، فإنّ الدولة الفاسدة ليست التي يَنخرها الفساد فحسب، وإنما بالأساس التي تتماشى مع الفساد وتُسَلّم به، ولا تُحَرّك ساكِناً من أجل مُحارَبَتِه.
ومن يُتابِع مَلَفّ الفساد في إسرائيل سيَجِد أنّ الأعوام الأخيرة شهِدت ذُروة في فساد الواقفين على رأس النظام فيها. على سبيل المثال، منذ العام 1996 لم يكن رئيس حكومة واحد إلّا وارتبط اسمه بقضايا فساد، وجرى التحقيق معه بشأنها، ومن بينهم رئيس حكومة، هو إيهود أولمرت، أدّت التحقيقات إلى تقديمه إلى المُحاكَمَة وسَجْنِه، فيما أفلَت رئيس الحكومة الذي سَبَقَه في هذا المنصب، أريئيل شارون، من لائحة اتّهام في إثر سقوطه على فراش المَرَض في غيبوبة تامّة انتهت بموته؛ بينما تمّ الحُكم بالسجن على نجله الأكبر في قضايا فساد ارتبطت باسم والده وحَمَلاته الانتخابيّة، وواجَه نجلُه الثاني ملفاً بالفساد في قضايا تَمُتّ بصِلَة إلى والده. أمّا رئيسا الحكومة الآخران، إيهود باراك وبنيامين نتنياهو، فقد خَضَعَ الأوّل إلى تحقيقات في قضايا فساد، ولكن لم تَنْتَهِ بتقديم لائحة اتّهام، فيما أنّ التحقيقات مع الثاني انتهت بتقديم لوائح اتّهام ما زالت قَيْدَ البحث أمام المَحكمَة، وتُساهِم في عدم الاستقرار السياسي منذ عدّة أعوام.
كذلك يَتَبَيّن في سياق جَرْدٍ سريعٍ، أنّ رئيسي دولة سابقين اضطرّا إلى تقليص أو تجميد ولايتيْهما: الأوّل، عيزر وايزمان بسبب قضايا فساد، والثاني موشيه قصاب بسبب قضايا أخلاقيّة حُكِمَ عليه بسببها بالسجن سبعة أعوام. وممّن سُجِنوا كذلك وزيران، هما وزير الماليّة السابق أبراهام هيرشزون، ووزير الصناعة والتجارة السابق شلومو بنيزري، جَرّاء إدانتهما في قضايا فساد مالي؛ وسَبَقَهُما الوزير أرييه درعي نفسه الذي تَحَرّر من خلْف القُضبان قبل عدّة أعوام؛ وكذلك حُكِمَ على الوزير السابق حاييم رامون بالعمل لخدمة الجمهور في قضيّة أخلاقيّة؛ وحُكِمَ بالسجن الفعليّ وغير الفعليّ على ما لا يقلّ عن سبعة أعضاء كنيست. وارتبَط اسم رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، عضو الكنيست الحالي أفيغدور ليبرمان، الذي شغَل عدّة مناصب وزاريّة، أبرزُها الدفاع والخارجيّة، بتحقيقات في قضيّة وُصِفَت بأنها خَطِرَة، وتتعلّق بتسلّم أموال بملايين الدولارات عبر شركات وهميّة، وكما يبدو لها ارتباط بعصابات دوليّة، وحتى بعصابات تعمل في تبييض الأموال؛ وهي قضية مُتَشَعّبَة وصلَت أطرافُها إلى دُوَل عديدة، وخاصّة قبرص وروسيا. وفي مُوازاة ذلك، قُدّمَت سلسلة من لوائح الاتّهام ضدّ مسؤولين كبار في عدد من مؤسّسات الدولة، بشكلٍ خاصّ ضدّ السكرتيرة الخاصّة لرئيس الحكومة السابق أولمرت، وضدّ مسؤولين في سُلْطَة الضرائب وغيرهم.
وفي واقع الأمر، ثمّة عوامل كثيرة لتَعاظُم الفساد في إسرائيل، وبالارتباط تحديداً بتسعينيّات القرن العشرين الفائت؛ لا بُدّ من الإشارة إلى اتّباع طريقة الانتخابات المُباشرة لرئيس الحكومة التي ألغِيَت لاحقاً، واتّباع الانتخابات التمهيديّة (برايمريز) لقوائم المُرَشّحين في معظم الأحزاب، حيث ساهم تَضافُر هذَيْن العامِلَيْن في زيادة تبعيّة السياسيين إلى التبرّعات الماليّة. وعملياً بالوسع القول إنه منذ التسعينيّات أضحى المال بمَثابة الشّرْط الضروريّ للانتخاب ضمن قائمة مُرَشّحي الحزب للكنيست، ناهيك عن الوقوف على رأس الحزب وفوزه في الانتخابات. غير أنه بمُوازاة تبعيّة السياسة المُتَزايِدَة للمال، لم يتم بناء وسائل وأدَوات مُلائمة لمُحارَبَة الفساد السياسي، من قبيل بَلْوَرَة نظام من القيود القانونيّة والعقوبات المُناسِبَة، أو اعتماد آليات شفافيّة. وبخصوص هذه المسألة الأخيرة، نُشير إلى أن "منظّمة الشفافيّة الدوليّة" تَمنَح إسرائيل سنوياً تَدريجاً مُتَدنّياً جداً في كلّ ما يتّصل بالشفافيّة ومُمارَسة المُراقَبَة على ميزانيّة الأمن والنشاطات الأمنيّة!