المَمَرّ الأوسَط: الطريق الذي يُعيد تعريف مَوازين القوّة
الكاتب: خليل القاضي
موقع الخنادق
18/2/2026
لم يَعُد مُمكِناً النظَر إلى "الممر الأوسط" بوَصفِه مجرّد خطّ نَقْلٍ بديلٍ بين الصين وأوروبا. هذا توصيف تقنيّ يختزل المسألة إلى زمن شحن وتكلفة عبور، فيما ما يجري فعلياً أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام تحوّل تتبدّل فيه وظيفة الطريق نفسه: من بُنْيَة تحتيّة خادمة للتجارة إلى أداة سيادة ونفوذ، ومن مَسار جغرافي صامت إلى عنصر فاعل في إعادة توزيع القوّة.
يَمتَدّ المَمَرّ من غرب الصين، عابِراً آسيا الوسطى وبحر قزوين والقوقاز، وصولاً إلى تركيا ثم أوروبا. وهو من أقصَر المَسارات البريّة بين القارّتَيْن من حيث الزمن. لكن أهميّته لا تكمُن في اختصار الأيام فحسب، بل في تجنّب مناطق باتت مُحَمّلة بالمَخاطِر: مَسارات تمرّ عبر روسيا الخاضعة لعقوبات واسعة، أو إيران الواقعة تحت ضغوط مُزمِنَة، أو طُرُق بحريّة ازدادت هشاشتها بفعل التوتّرات الأمنيّة. في عالَمٍ يتّسع فيه منطق العقوبات وتضيق فيه مساحات اليقين، تُصبِح قابليّة الطريق للاستمرار بلا تعطيل أهم من سرعته.
تركيا أدرَكت هذه المُعادَلة مُبكِراً. لم تتعامل مع المَمَرّ كفُرصَة عابرة، بل كجزء من إعادة تموضعها في النظام الدولي. الاستثمار في الموانئ، وتحديث شبَكات السكك الحديديّة، ورَبْط الضفّتَيْن الآسيويّة والأوروبيّة، لم يكن مجرّد تطوير تقني. كان خياراً سيادياً يهدف إلى تثبيت أنقرة عقدة لا يُمكِن تجاوزها. مشاريع مثل نفق مرمراي وخط باكو–تبليسي–قارص، لم تُنشَأ فقط لتسهيل الحركة، بل لفكّ الارتباط بمَسارات قديمة ورسم محور أوراسي جديد يتمركز حول تركيا.
هذا التموضع لا ينفصل عن رؤية أوسع تتجاوز الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسيّة. فالمَمَرّ يتقاطع مع طموح تركي لإعادة وَصْل فضاء يمتد من أذربيجان إلى آسيا الوسطى، مُستَنِداً إلى اعتبارات الهويّة والمصالح المشتركة. أذربيجان هنا ليست محطّة عبور عاديّة، بل ركيزة أساسيّة في تَماسُك المسار. والتحالف الذي تعزّز بين أنقرة وباكو بعد حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020 أضفى بُعداً أمنياً على المشروع، وجعلَه أقلّ عُرضَة للتعطيل وأكثر قابليّة للاستمرار.
في المُقابِل، تنظر الصين إلى المَمَرّ بعَيْنٍ براغماتيّة بَحتَة. بالنسبة لبكين، طُرُق التجارة جزء من مُعادَلة الاستقرار الداخلي. الاعتماد على مَسار واحد لم يَعُد خياراً آمناً. الحرب الروسيّة–الأوكرانيّة كشَفت هشاشة المَمَرّ الشمالي عبر روسيا؛ كما أن تصاعد التوتّر في البحار أضاف طبَقة جديدة من عدم اليقين إلى الطُرُق البحريّة. من هذا المنظور، يأتي المَمَرّ الأوسط ضمن سياسة تنويع المَخاطِر وتوزيع الاعتماد، لا كمُغامَرة سياسيّة بل كحساب مَدروس.
الحرب في أوكرانيا شَكّلَت نقطة تحوّل واضحة. العقوبات لم تؤثّر فقط في الاقتصاد الروسي، بل في الثقة بالمَسار الذي يَمُرّ عبره. وفي عالَم التجارة، الثقة عنصرٌ لا يقلّ أهميّة عن الكلفة. نتيجة لذلك، اتّجهت الأنظار إلى بدائل أكثر استقراراً نسبياً، وكان المَمَرّ الأوسط أحد أبرزها. تغيّرت خريطة الأولويّات اللوجستيّة في أوراسيا، وبدأت الدوَل والشركات تُعيدُ حساباتها على ضوء واقع جديد لا يُشبِه ما قبله.
مع ذلك، لا يخلو المشروع من تحدّيات. القوقاز وآسيا الوسطى منطقتان عَرِفَتا تاريخاً معقّداً من النزاعات والتوتّرات الحدوديّة. اختلاف الأنظمة الجمركيّة وتفاوت المعايير الإداريّة بين الدوَل قد يُعَرقِل الانسيابيّة المطلوبة لمَسار عابر للقارّات. كما أن استدامة الاستثمار في البُنيَة التحتيّة تبقى شرطاً حاسماً لتحويل الطريق من خيار ظَرْفي إلى شريان دائم.
في الخلفيّة، يتصاعد تنافس أوسع على ما يُمكِن تسميته "حرب الممرات". الولايات المتحدة تدعم مُبادَرات بديلة لرَبْط الهند بأوروبا عبر الخليج، في مُحاوَلة لمُوازَنَة النفوذ الصيني. الاتحاد الأوروبي يسعى إلى تنويع خياراته بعد تراجع الاعتماد على روسيا، لكنه يتعامل بحذر مع أيّ ارتباط عميق ببكين. أما روسيا وإيران، فترى كلٌ منهما في صعود هذا المَسار تقليصاً لدورهما التقليدي في الرّبط بين الشرق والغرب.
انعكاسات هذا التحوّل لا تتوقّف عند أوراسيا. قناة السويس تظلّ لاعباً محورياً في التجارة العالميّة، وأيّ إعادة توزيع للتدفّقات تفرض حسابات جديدة. كذلك تُراقِب دُوَل المشرق والخليج هذه التحوّلات بعَيْنٍ عمليّة، مُحاوِلةً الاستفادة من الفُرَص من دون الانزلاق الكامل إلى أحد محوري الاستقطاب.
في النهاية، المسألة لا تتعلّق بطريق أسرع فحسب، ولا بكلفة أقلّ فقط. المسألة تتعلّق بمن يملك القدرة على التأثير في حركة التجارة والزمن الاقتصادي معاً. من ينجح في تثبيت نفسه عقْدة لا يمكن تجاوزها، لا يملك مَساراً جغرافياً فقط، بل هامش قرار أوسع في نظام دولي يُعادُ تشكيله بهدوء، وعلى وَقْع السكك والموانئ، بقدْر ما يُعادُ تشكيله على وَقْع التحالفات والجيوش.
2026-03-03 18:44:43 | 5 قراءة