التصنيفات » مقالات سياسية

إنعاش الذّاكرة بشأن مخطّطات ضمّ الضفّة الغربيّة

إنعاش الذّاكرة بشأن مخطّطات ضمّ الضفّة الغربيّة 

العَوْدَة إلى الاتفاقَيْن الائتلافيَّيْن بين اللّيكود وحِزْبَي "الصهيونية الدينيّة" و"عوتسما يهوديت" تُبَيّن أنّ كلّ التطوّرات المتعلّقة بضمّ الضفّة تسير وفْق خطّة عمل، ويُنهي فكرة أنّ الضفّة الغربيّة أرضٌ محتلّةٌ تُدارُ عسكريًّا، بل تُدار كمنطقة داخل إسرائيل وإن وَقَعَت خارجها.
أنطوان شلحت
موقع عرب 48
11/2/2026 

منذ انطَلَقَ عمل الحكومة الإسرائيليّة الحاليّة في أواخر 2022، وبالاستناد إلى الاتفاقيّات الائتلافيّة التي تُشَكّل الخلفيّة والهادي لسياستها العامّة، تمّ التنويه بالاتفاقَيْن الائتلافيَّيْن المُنْفَصِلَيْن مع حزبَي "الصهيونيّة الدينيّة" و"عوتسما يهوديت"، اللذين التَزَمَ حزب الليكود، من حيث المبدأ فيهما، بفَرْض السيادة الإسرائيليّة على "مناطق يهودا والسامرة" (الضفّة الغربيّة)، مع مُراعاة اعتبارات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في ما يتعلّق بـ"التوقيت"، و"تقييم المصالح الوطنيّة والدوليّة لدولة إسرائيل". كما تعهّد نتنياهو أيضًا بشَرْعَنَة البؤر الاستيطانيّة التي تعتبرها الحكومة الإسرائيليّة غير قانونيّة.
ونَصّ أحد بنود الاتفاق المُنفرد مع "الصهيونيّة الدينيّة"، على أنّ "لشعب إسرائيل حقًّا طبيعيًّا على أرض إسرائيل. وفي ضوء هذه العِبارة وبفضلها، سيقوم رئيس الحكومة ببلورة وتطوير سياسات معيّنة، بموجبها سيتم فَرْض السيادة على يهودا والسامرة". وتكرّر هذا البند في الاتفاق المُنفرد مع حزب "عوتسما يهوديت"، حيث ورَد فيه: "للشعب اليهودي حقّ حصريّ لا جِدال فيه في جميع أنحاء أرض إسرائيل. وسوف تقوم الحكومة بتطوير الاستيطان في جميع أنحاء أرض إسرائيل؛ في الجليل، والنقب، والجولان، ويهودا والسامرة".
العَوْدَة أخيرًا إلى هذين الاتفاقَيْن، من شأنها أن تُعيد إلى الأذهان أنّ كلّ التطوّرات المتعلّقة بالضمّ تسير وفق خطّة عمل، بدأت بالضمّ الإداري؛ عبر نَقْل صلاحيّات "الإدارة المدنيّة" في الضفّة (جهاز عسكري) من الجيش إلى وزير مدني داخل وزارة الأمن هو بتسلئيل سموتريتش. وعمليًّا، قرارات التخطيط، والمُصادَقَة على أعمال البناء، وشقّ الطرق، وهَدْم المباني، لم تَعُد خاضعة لاعتبارات أمنيّة مؤقّتة، بل لبرنامج سياسي أيديولوجي. وهذا يُنهي فكرة أنّ الضفّة الغربيّة أرض محتلّة تُدار عسكريًّا، بل تُدار كمنطقة داخل إسرائيل وإن وَقَعَت خارج حدودها.
ووصلت خطّة العمل هذه إلى نقطة ذُروة أخرى من خلال قرارات الـ"كابينت" الإسرائيلي، الأحد، مع إلغاء القانون الأردني الذي كان يحظر بيع الأراضي لليهود، ونقل صلاحيّات البناء في الحيّ اليهودي، والحَرَم الإبراهيمي الشريف، وأماكن مقدّسة أخرى في الخليل، من بلديّة المدينة الفلسطينية إلى مؤسّسات التخطيط التابعة للإدارة المدنيّة، ونَشْر سجلّات الأراضي لزيادة الشفافيّة وتسهيل شرائها، وإلغاء الحاجة إلى تصاريح معقّدة كانت مفروضة على اليهود لشراء الأراضي، وتوسيع رقابة الدولة على المُخالفات البيئيّة، والمياه، والمواقع الأثريّة في مناطق
  A وB
إلى جانب إعادة تفعيل لجنة شراء الأراضي بعد توقّفها نحو 20 عامًا، ما يُتيح للدولة إمكان شراء أراضٍ بشكل استراتيجي، لدعم المستوطنات على المدى الطويل.
وسبَق لسموتريتش أن أعلَن في أيلول/ سبتمبر الماضي، في سياق مؤتمر صحافي مع كبار مسؤولي المؤسّسة الاستيطانيّة، أنّه ماضٍ في اتجاه الضمّ الرسمي لـ 82% من مساحة الضفّة الغربيّة. وبحسب ما قاله، فهو وإدارة الاستيطان في وزارة الأمن، والهيئة الحكوميّة الجديدة التي أنشأها خصّيصًا لغرَض الضمّ، عملوا في الأشهر الأخيرة على رسم خرائط السيادة، والضمّ سيكون للأرض لا للناس، وخُصّصت للفلسطينيين، بحسب تلك الخرائط، ستّة جيوب مُلَوَّنَة بالأصفر، مُنفصل بعضها عن البعض الآخر (تشمل مُدُن: الخليل، ورام الله، وأريحا، ونابلس، وطولكرم، وجنين)؛ وهذه هي مناطق المعيشة التي سيُسمَح للفلسطينيين بإدارة شؤونهم فيها. وفَسّر سموتريتش قائلًا: "ليست لدينا رغبة في فَرْض سيادتنا على سكّان يرغبون في إبادتنا. ويجب قتال الأعداء لا تمكينهم من عيش حياة مُريحة. ولذلك، فالمبدأ الأعلى في فَرْض السيادة هو الحصول على أقصى مساحة من الأرض مع أقلّ عدد من السكّان". ولم يكشف أيّ مصير يُخَطّط له للفلسطينيين الذين يعيشون في 82% من الأرض، أي خارج البقع الصفراء على الخريطة التي لن تُضَمّ.
في واقع الأمر، وهذا ما ينبغي الخُلوص إليه، الضمّ في الضفّة الغربيّة لا يُقاس بالتصريحات ولا بالخرائط الرسميّة، بل بمَعايير السيطرة الفعليّة، والقانون المُطَبّق على الأرض. ومن هذا المنظور، ترى منظّمات حقوق إنسان كثيرة أنّ السؤال لم يعد: هل سيقع الضمّ؟ بل متى سيتوقّف التظاهر بعدم وقوعه؟ كَوْن معيار الضمّ هو "السيادة الواقعيّة"، لا الإعلان الرسمي. 

 

2026-03-26 18:59:32 | 10 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية