هل تتّبع إسرائيل التوراة بشأن الإبادة الجماعيّة؟
إذا كانت التوراة إلى وقتٍ طويلٍ بمثابة المرجع الأساس للمُتَخَيّل اليهودي، فإنها كانت أيضاً المرجع الأبرز للحياة بعد إقامة الدولة اليهوديّة في فلسطين. وثمّة من يُشَدّد على تقاطع ما يجري في الوقت الحالي مع ما وَرَدَ في بعض نصوص التوراة.
أنطوان شلحت
موقع عرب 48
25/2/2026
فَوْرَ أن ألغَت الأمم المتحدة، في عام 1991، قرارها رقم 3379 الذي اتّخذته الجمعيّة العامّة عام 1975 وساوى الصهيونيّة بالعنصريّة، من دون أن تُغَيّر الصهيونيّة جِلْدَها، أشارت اللجنة العربيّة لمُكافحة الصهيونيّة والعنصريّة (تشكّلت لدعم ذلك القرار) في ذلك الحين، إلى أنّ هذه الخطوة جاءت في إثر مساعٍ محمومةٍ بذلتها الولايات المتحدة، ونتيجةً للنظام العالمي الجديد ذي القطب الواحد الآخذ بالتشكّل في إثر انهيار الاتحاد السوفييتي، وإلى أنّ أحد أهم مداليلها يكمن في وضع دولة الاحتلال الإسرائيلية وعنصريّتها وإرهابها فوق الأمم المتحدة، وفوق العهود والمواثيق الدوليّة والقانون الدولي. كما جرى التنويه في المناسبة نفسها بأنّ الأمم المتحدة، عندما وافقت على القرار المذكور، بَرّرَتْه بقرارات دوليّة عديدة مهمّة أكّدت عنصريّة الصهيونيّة. بَيْدَ أنها عندما اتّخذت قرار الإلغاء اكتفَت بسَطْر واحد صاغه نائب وزير الخارجية الأميركي، لورانس إيغلبرغر، وورَد فيه حرفياً: "تُقَرّر الجمعيّة العامّة نَبْذ الحُكم الوارد في قرارها رقم 3379".
وفي مقال سابق له، ذَكّر كاتب هذه السطور بأنّ تلك اللجنة العربيّة لمُكافحة الصهيونيّة والعنصريّة أصدرت في آذار/ مارس 1994 وثيقةً سياسيّةً أعادت إلى الأذهان أنّ دولة الاحتلال الصهيونيّة مشروع استعماري استيطاني قائم على التعصّب المُستَنِد إلى مُعتقدات غَيبيّة مُفرِطة في الخرافيّة والاستعلاء العنصري، وأنّ الصهيونيّة تَستَمدّ جذورها الأيديولوجيّة من إرْث "الشعب المُختار" الاستعلائي العنصري، وأنّ المشروع الصهيوني يرتبط عضوياً بمشروعات الهيمَنة الأميركيّة، ويهدف إلى استنزاف العرب وإلحاق الإحباط والتخلّف بأجيالهم، وإبقائهم قَيْد التمزّق والهيمَنة؛ وبالتالي، إعاقة التقدّم والنهضة والوحدة في الوطن العربي.
أمّا عنصريّة الصهيونيّة، فهي مُستَمَدّة بالأساس من مَصْدَرَيْن مُتَرابطيْن: الأوّل طبيعة المشروع الصهيوني الكولونيالي القائم على عنصر الإحلال؛ والثاني المَراجِع الدينيّة اليهوديّة، لا سيّما التوراة التي لا تنفكّ تُشَكّل تُكْأةً لفتاوى تُبَرّر القتل والطرد والنهب والسلب. والأمثلة على المصدر الثاني كثيرة.
وثمّة في الفترة الماضية أضواء متعدّدة لا تُسَلَّط على تَفاقُم تَدَيّن مجتمع دولة الاحتلال فحسب، بل أيضاً على تَعَزّز "ثقرطة" (من ثيوقراطيا - المؤسّسة الدينيّة) المستوييْن السياسي والعسكري؛ كما أبرزت ذلك مثلًا وقائع توزيع قادة عدّة ألوية عسكريّة "أوامر قتاليّة" على جنود الألوية في سياق الحرب الحاليّة على قطاع غزّة، أُشير فيها، من ضمن أمور أخرى، إلى أنّ هذه المعركة العسكريّة هي جزء من حرب دينيّة تهدف إلى هزيمة "عدوّ يَكْفُر بآلهة إسرائيل".
أمّا "إرث الشعب المُختار"، فيُحيل مباشرة إلى ما عُرِفَ لاحقاً بطهارة العِرْق النازيّة. وهذه الإحالة مُقتبسة عن أحد الباحثين الراديكاليين اليهود، الذي استند إلى كتاب وضَعَه الحاخام اليهودي يواكيم فرينتس بعنوان "
Wir Juden" (نحن اليهود)، وصدر في 1934، كي يستنتج أنه ينطوي على مُقارَنة إطرائيّة بين الصهيونيّة ونظريّة طهارة العِرْق النازيّة.
وإذا كانت التوراة إلى وقتٍ طويلٍ بمثابة المرجع الأساس للمُتَخَيّل اليهودي، فإنها كانت أيضاً المرجع الأبرز للحياة بعد إقامة الدولة اليهوديّة في فلسطين. وثمّة من يُشَدّد على تقاطع ما يجري في الوقت الحالي مع ما وَرَدَ في بعض نصوص التوراة. ومن آخر ما أُشير إليه في هذا الصدد تأكيد أحد الأساتذة الجامعيين الإسرائيليين (موشيه غرانوت) أن التوراة ألزَمَت، منذ فجر التاريخ، أتباع ديانة النبي موسى الإبادة الجماعيّة لا لشعب واحد بعَيْنِه، وإنما لعدّة شعوب.
ومن النصوص الدالّة على هذا الإلزام بالإبادة الجماعيّة ما وَرَدَ في الإصحاح العشرين من سِفْر التثنية في الآيتين 16 و17: "وأمّا مُدُن هؤلاء الشعوب التي يُعطيك الربّ إلهك نصيباً، فلا تَستَبقِ منها نسمةً ما؛ بل تُحَرّمها تحريماً: الحثّيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيّين، كما أمَرَكَ الربّ إلهك". والمُسَوّغ لإبادة هذه الشعوب كلّها يَرِد في الآية 18 على النحو التالي: "لكي لا يُعَلّموكم أن تعملوا حسب جميع أرجاسهم التي عملوا لآلهتهم فتُخطِئوا إلى الربّ إلهكم".
2026-03-26 19:05:15 | 9 قراءة