التصنيفات » مقالات سياسية

الحرب على إيران: مُقامَرَة القرن التي قد تُنهي الهَيمَنَة الأمريكيّة في الشرق الأوسط

الحرب على إيران: مُقامَرَة القرن التي قد تُنهي الهَيمَنَة الأمريكيّة في الشرق الأوسط

موقع جو 24 
13/3/2026
خارج النص - كتَب حلمي الأسمر 

في لحظات التاريخ الكبرى، لا تكون الحروب مجرّد صدامات عسكرية بين جيوش، بل اختبارات فاصلة لموازين القوّة في العالم. والحرب الدائرة اليوم ضدّ إيران تبدو، في جوهرها، أكثر من مجرّد مواجهة إقليميّة؛ إنها مُقامَرَة استراتيجيّة كبرى قد تُحَدّد مستقبل الهَيمَنَة الأمريكيّة في الشرق الأوسط لعقود قادمة.
منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، تَشَكّل في وعي صُنّاع القرار في واشنطن والقيادة في الكيان الصهيوني تصوّر ثابت مفاده أن إيران تمثّل التحدّي الأكبر للمشروع الأمريكي في المنطقة. ومع مرور الزمن، تعمّق هذا التصوّر أكثر، خصوصًا بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حين أدّى سقوط بغداد إلى فتح المجال أمام صعود نفوذ إيراني واسع امتدّ من الخليج إلى البحر المتوسّط.
هنا بدأت تتبلور رؤية استراتيجيّة تقوم على فكرة أساسيّة: لا يُمكِن تثبيت الهَيمَنَة الأمريكيّة ولا ضمان التفوّق العسكري للكيان الصهيوني في الشرق الأوسط ما دامت إيران قادرة على بناء قوّة إقليميّة مستقلّة وشبَكة تحالفات عابرة للحدود. ولهذا تحوّلت إيران تدريجيًا إلى الهدف المركزي في الاستراتيجيّة الأمريكية – الصهيونية.
وقد عَبّر عن هذا التوجّه بوضوح كلٌّ من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في خطاباتهما وسياساتهما. فقد جرى تقديم البرنامج النووي الإيراني بوصفِه الخطر الأكبر؛ لكن خَلْفَ هذا العنوان كانت هناك أهداف أوسع بكثير: تحجيم إيران، تدمير قدراتها الصاروخية، وإضعاف شبَكة نفوذها الإقليمي التي تشكّلت خلال العقود الماضية.
هذه الشبَكة، الممتدّة عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين، لم تكن مجرّد تحالفات سياسية فحسب، بل منظومة نفوذ غير تقليديّة تعتمد على قوى محليّة قادرة على خَوْض حروب استنزاف طويلة. ولهذا السبب ترى الاستراتيجيّة الأمريكيّة أن المواجهة مع إيران لا تتعلّق بدولة واحدة فقط، بل بمحور إقليميّ كامل يُهَدّد ميزان القوى الذي ساد المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة.
غير أنّ ما يتكشّف تدريجيًا في مسار هذه المواجهة يُثير سؤالًا بالغ الخطورة: ماذا لو فشلت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في تحقيق أهدافهما عَلَناً بأنّ هذا هو المُرَجّح الآن!؟
فإذا كانت الولايات المتحدة، بكلّ ما تملكه من قوّة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية، تجد صعوبة في فرض نصر حاسم على دولة إقليميّة كإيران، فإنّ ذلك يطرح تساؤلًا أعمق حول قدرتها على حسم صراع محتمل مع قوى كبرى مثل الصين أو كوريا الشماليّة. فالحروب الحديثة لم تَعُد تُحسم فقط بالتفوّق في السلاح، بل بقدرة الدول على الصمود الاستراتيجيّ الطويل، وعلى إدارة الاقتصاد والحُلفاء والحروب غير التقليديّة في آنٍ واحد.
الأمر ذاته ينطبق على الكيان الصهيوني. فإذا كان هذا الكيان قد عجز، رغم تفوّقه العسكريّ الساحق، والدعم الأمريكيّ غير المحدود؛ عن تحقيق نصر حاسم على مقاومة مُحاصَرة ومحدودة الإمكانات في قطاع غزة، فإنّ ذلك يُثير تساؤلات جوهريّة حول طبيعة قوّته الردعيّة. فالقوّة العسكرية لا تُقاس فقط بحجم النار التي تُطلَق، بل بقدرتها على تحقيق أهداف سياسيّة واضحة.
واللافت أنّ الكيان الصهيوني، كلّما تعثّر في تحقيق نصر حاسم، يلجأ إلى توسيع دائرة التدمير واستخدام القوّة المفرطة ضدّ المدنيين والبنية التحتيّة. غير أنّ هذا السلوك، وإنْ كان يمنح شعورًا مؤقّتًا بالقوّة، يحمل في داخله وجهًا آخر أكثر خطورة: السقوط الأخلاقي المُتَسارِع في نظَر الرأي العام العالمي، وتزايد الدعوات إلى مُلاحَقَة القيادات السياسية والعسكرية بتُهم ارتكاب جرائم حرب.
وهكذا تبدو المُفارَقَة قاسية: فالقوّة التي تُستَخدَم لإثبات الردع قد تتحوّل في النهاية إلى دليل على العجز عن تحقيق نصر حاسم. وكلّما طال أمَد الحروب دون حسم، ازدادت الأسئلة حول حدود القوّة العسكرية، وحول قدرة الإمبراطوريّات على فرض إرادتها في عالَم يتغيّر بسرعة.
ربما تَكمُن المُفارَقَة الأعمق في هذه الحرب في أنها قد تكشف حدود القوّة التي طالما بدَت بلا حدود. فالإمبراطوريّات لا تسقط عادة بضربة واحدة، بل حين تتراكم الحروب التي لا تُحسَم، والرهانات التي لا تُربَح، والأسئلة التي لم تَعُد القوّة العسكرية وحدها قادرة على الإجابة عنها.
وإذا كانت الحرب على إيران قد بدأت بوَصفِها مُحاوَلة لإعادة تثبيت الهَيمَنَة الأمريكيّة في الشرق الأوسط، فقد تنتهي – على نحوٍ لم يتوقّعه كثيرون، وهذا هو المُرَجّح – بوَصفِها اللحظة التي بدأ فيها العالَم يكتشف أنّ عصر تلك الهيمَنة لم يَعُد كما كان.

 

2026-03-26 19:09:36 | 12 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية